Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الدين والحياة – د. حسين حنفي

الدين والحياة – د. حسين حنفي

يظن الناس خطأ أن الدين مجرد عقائد للإيمان بها وكأن العقائد غاية في ذاتها وليست وسيلة لبناء الضمير الإنساني الذي هو ركيزة المجتمع ومحرك التاريخ. وما أكثر العقائد في التاريخ وفي الأديان. إنما المحك هو معيار الصدق. فالإيمان بالعقيدة ليس مجرد قرار فردي بل هو برهان وتصديق وأثر في الحياة الفردية والاجتماعية. وما أكثر العقائد التي ألهت السلاطين والملوك أو التي طالبت الناس بالخضوع والولاء لمن يقول مثل فرعون فقال (أنا ربكم الأعلى) (24:79). العقيدة هي حقيقة تتكشف في القلب، وتتحول إلى فعل وممارسة، وتعبر عن مستقبل أفضل للعالم. العقيدة طاقة وحركة، تصور ونظام، نظر وعمل، تحاول الأيديولوجيات والمذاهب السياسية في المجتمعات الغربية أن تكون بديلاً عنها.
كما يظن البعض خطأ أيضاً أن الدين هو مجرد شعائر أو طقوس تمارس فرداً أو جماعة، مجموعة من المظاهر الخارجية الأقرب إلى الاحتفالية وكما كان الحال في الديانات القديمة. وكلما زاد الانبهار بالطقوس عظم شأن الدين من حيث عظمة الكنائس، وكبر المعابد، وثراء المساجد، ولبس رجال الدين بما فيها من ألوان براقة وحُلى مدلاة، ورموز حسية مثل إطلاق اللحى، ومسك المسبحة، ولبس الجلباب الأبيض، والتعطر بعطر مكة والمدينة والحجاز مما يباع في الأسواق، يضاف إلى ذلك البيارق والأعلام وإنارة المساجد والمآذن ومكبرات الصوت، وبالتالي تغليب الشكل على المضمون، والمظهر على المخبر، والخارج على الداخل. مع أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، وأن العمل هو العمل الصالح النافع للفرد والجماعة. لذلك جاء نداء القرآن باستمرار (إن الذين أمنوا وعملوا الصالحات). كما نقد السيد المسيح هذا الجانب الخارجي الشعائري للدين الذي لا يقوم على تقوى باطنية، ويصبح أقرب إلى التفاف والتظاهر والخداع.
ويظن فريق ثالث أن الدين هو المؤسسات الدينية التي تكوّن سلطة وأحياناً واسطة بين الإنسان والله، وهي في الغالب مؤسسات تاريخية نشأت في ظروف تاريخية محددة مثل الكنيسة في الغرب والمعبد أيام الرومان، ومشيخة الطرق الصوفية ودور الإفتاء أيام الدولة العثمانية. والحقيقة أن الدين في القلب، علاقة مباشرة بين الإنسان والله. ولا يحتاج إلى توسط مؤسسة دينية تاريخية، سلطة بشرية في أصلها وتدعى بعد ذلك أنها سلطة دينية في جوهرها. تسيطر أكثر مما تحرر، وتقمع أكثر مما تطور.
ويظن فريق رابع أن الدين هو لحظات فريدة في التاريخ، يعيش معها الناس بذاكرتهم إلى الوراء منتزعين أنفسهم من حاضرهم وتاركين مستقبلهم. ففي اليهودية يظن البعض أنها العهد أو الميثاق في صيغته الأخيرة عند موسى مع ما يتضمنه ذلك من أرض المعاد والشعب المختار، والأرض والمدينة والمعبد، والنصر، والجيش، والمغنم، والخروج من مصر، والتوجه إلى الأرض المقدسة. هذا التصور للدين يبرر القتل والعدوان كما تفعل الصهيونية في فلسطين وكأن الدين بضاعة يدافع عنها صاحبها. ويتصور المسيحيون أن الدين أيضاً لحظة فريدة في التاريخ، ظهور السيد المسيح عندما اجتمع الخلود والزمان في الشخص. ويتصور المسلمون أيضاً أن الدين فقط هو العودة بالذاكرة إلى أيام النبوة وحكم الخلفاء الراشدين والسيرة العطرة للصحابة والتابعين. ويؤدي هذا التصور إلى رد الزمان كله إلى لحظة واحدة في الماضي وإلى إيقاف التاريخ كله، مساره وتقدمه في مرحلة واحدة في الماضي وكأن ما يحدث الآن ليس من الدين في شئ.
ويظن فريق خامس أن الدين هو ميدان الأسرار والغيبيات والمعجزات، وكل ما يخرج عن نطاق العقل ويسبح في الخيال، ميدان الدهشة والعجب الذي يدفع الإنسان إلى الإيمان والاستسلام. مع أن الإسلام دين العقل والبرهان، والرسول بشر مثلنا يوحى إليه، يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. وعندما طلب منه إجراء المعجزات كما فعل موسى، تنزيل المطر من السماء، أو تفجير العيون من الأرض أجاب بأن ذلك خارج سلطة البشر بما في ذلك الرسول (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشراً رسولاً) (92:17).
هذه التصورات للدين هي في الحقيقة ابتسار للدين وتضييق لمجاله، وإبعاده عن الحياة وواقع الناس، ويصبح عالماً مغلقاً على ذاته، غاية في ذاته وليس وسيلة لغاية أخرى مثل إسعاد البشر. الدين هنا غريب عن الحياة ومغترب عنها، يدفع بالمتدين إلى خارج العالم المادي المعاش، ويصبح أداة لنسيان الهم، والعزاء والسلوى للضنك والكرب، مجرد راحة من تعب، وهدنة في حرب، ونوم بعد يقظة. يقبله العاجزون الذين لا يجدون له بديلاً، ويرفضه القادرون إلى ما هو أكثر التصاقاً بالحياة، المذاهب السياسية والتيارات الفكرية والمدارس الفنية.
إنما الدين في الحقيقة هو نظام حياة للفرد والأسرة والمجتمع والإنسانية جمعاء. هو تصور كامل للحياة ينبثق منه نظام للمجتمع متفق مع نظام الكون. الدين وسيلة وليس غاية في ذاته، طريق لإسعاد البشر لا لتبرير الشقاء مفجر لإبداعات البشر من خلال الاجتهاد والتعبير الحر، والقدرة على الجهر بالحق وليس أداة كبت وخوف وقهر وحرمان، دافع على التقدم ومخطط للمستقبل وليس راجعاً إلى الوراء حنيناً إلى الماضي. فالجنة في المستقبل وليست في الماضي، والعصر الذهبي قادم ولم يتول بعد.
إن المتأمل في الحديث المشهور “بني الإسلام على خمس” ليجد في هذه الأركان الخمسة ارتباط الدين بالحياة.
وكما يذكر الناس عادة أركان الإسلام الخمس يذكر الفقهاء فيما بينهم مقاصد الشريعة الضرورية الخمس، الحفاظ على الحياة (النفس) والعقل، والدين، والعرض (النسل)، والثروة (المال). وكلها أركان الحياة الاجتماعية وضروراتها والتي يمكن أن تكون إعلاناً عالمياً لحقوق الإنسان.
والعقل أول مظهر للحياة. فهو أداة العلم. وهو أيضاً صفة من صفات الله مع القدرة كمظهرين للحياة. والعقل أساس التكليف وشرط المسؤولية. ويتجه العقل نحو كل شيء بالتحليل والنقد، والمواجهة والحوار، دون تسليم وطاعة.
ويعني الدين، المقصد الثالث، الحقيقة، المعيار، العام الشامل الذي لا يختلف عليه البشر مثل العدل والحرية والأخوة بين البشر، فالكل لآدم وآدم من تراب، حماية للروح الإنساني من الوقوع في النسبية والشك واللاأدرية حتى العدمية، وهو ما يحدث حالياً في الوعي الغربي.
والعرض ليس فقط عرض الأفراد حماية لحقوقهم بمعنى الحفاظ على طهارة الأنساب بل يعني أيضاً عرض الشعوب وكرامة الأمم وكل ما ينال من قيم الشرف. فالأرض عرض في المثل الشعبي، وكرامة الأمة عرض سياسي. وحصار شعب ينال من عرضه وكرامته، وتشويه صور ثقافة ينال من عرضها في التاريخ.
ولا يعني المال، المال الخاص بل الثروة العامة، ثروات الأمم دون استغلال أو احتكار، وتوجيهها للصالح العام. ولا يعني المال السائل أي النقود بل الثروات المنظورة وغير المنظورة، على سطح الأرض وفي باطن الأرض، الزراعة والتعدين، المنقول وغير المنقول.
لا عذر إذن لمن يترك الدين لأنه بعيد عن الحياة ويلجأ إلى المذاهب السياسية لأن بها إجابات عن الأسئلة التي يطرحها. إنما العيب فيمن استحوذ على الدين وأبعده عن الحياة طلباً للرئاسة والسيطرة. والعيب أيضاً على من استسهل وترك الدين في يد أعدائه وذهب إلى دين آخر بديل لا يدري هل هو من صنع الأصدقاء أو من صنع الأعداء.
—————————-
المصدر : الدين والثقافة والسياسة في الوطن العربي

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий