Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الذكر والأنثى، الطبيعة والتاريخ – كافين رايلي

الذكر والأنثى، الطبيعة والتاريخ – كافين رايلي

الفصل الأول من الغرب والعالم، تاريخ الحضارة من خلال موضوعات
The West and the Word, Atopical histpry of civilization

“ويلعب هو دور الذكر، وتلعب هي دور الأنثى، وهو يلعب دور الذكر لأنها تلعب دور الأنثى. وهي تلعب دور الأنثى لأنه يلعب دور الذكر. وهو يقوم بدور ذلك النوع من الرجل الذي تعتقد هي أن نوع المرأة، الذي تقوم بلعب دوره، لابد أن تعجب به. وهي تقوم بدور ذلك النوع من المرأة، الذي يعتقد هو أن الرجل الذي يقوم بلعب دوره، لابد أن يرغب فيه، ولو لم يكن يلعب دور الذكر، لكان على الأرجح أشد منها أنوثة – اللهم إلا في الحالات التي تكون فيها مسرفة في لعبة الأنوثة. ولو لم تكن تلعب دور الأنثى لكانت على الأرجح أشد منه ذكورة – إلا في الحالات التي يكون فيها مسرفا في لعبة الذكورة.

وهكذا يزداد لعبه شدة، ويزداد لعبها نعومة..” 1

كلنا يلعب لعبة الذكر والأنثى. لقد تعلمناها من المهد. ولكننا لم نفطن إلا مؤخرا إلى أنها قد لا تكون إلا مباراة. فالحركات النسائية مثلا قد دفعت الكثير منا، في السنوات القليلة الماضية، إلى مراجعة أفكارنا التقليدية عما هو، “طبيعي” بالنسبة للرجال والنساء بعد أن جرينا على الاعتقاد بأن من طبيعة الرجل شدة البأس والتفكير المنطقي والخشونة والطموح والعزم، وان من طبيعة المرأة التقلب والمقدرة على الحدس والسلبية والانفعال.

واحدة من علماء الأنثروبوليوجيا (علم الإنسان) تكتشف الثقافة :

هذه التوقعات تتغلغل فينا إلى حد أن عالمة الأنثروبولوجيا الأمريكية مرجريت ميد حين أخذت على عاتقها بخث هذا الموضوع في الثلاثينات، لم تحاول أن تبحث عما إذا كان هناك اختلاف في المزاج بين الرجال والنساء ؛ وإنما تصدت للبحث في كنه هذه الاختلافات. فحطت عصا الترحال في غينيا الجديدة وعاشرت ثلاث جماعات بدائية اختارتها كيفما اتفق. وقد أدهشها ما اكتشفته، ولم تزل الدروس التي استخلصتها مفيدة إلى اليوم مثل ما كانت منذ أربعين عاما خلت.

كان أول مجتمع حلت به يطلق على نفسه اسم الأرابيش. وقد اتضح لها أن وجوب الاختلاف بين شخصيتي الرجل والمرأة فكرة لا تدور في خلد هذه القبيلة الجبلية المنزوية، ومن ثم فلا وجود لمثل هذا الاختلاف، لقد أظهر رجال الأرابيش ونساؤها ما يطلق عليه سمات الأنوثة والأمومة. فغاية الحياة في نظر الرجال والنساء على السواء هي الحمل و”تربية” الأولاد. والفعل في لعبة الأرابيش الذي يعني “يحمل طفلا” قد ينصرف إلى الأب أو الأم. وهم يعتقدون أن الرجل يعاني آلام المخاض كالمرأة سواء بسواء. وإذا كان الولد يخلق من نطفة الرجل وعلقة المرأة فان “نسمة الحياة” تأتي من أحد الوالدين. وما أن يولد الطفل حتى يشارك الأب في جميع واجبات رعاية الوليد. بل إنه ليضطجع بجوار زوجته ويضع رأسه على وسادة خشبية حرصا على تسريحة شعره التي بذل وقتا طويلا فيها. ويقول عنه بنو عشيرته إنه “في فراشه في حالة وضع” 2.

وأثناء نمو الطفل يساعد الأب أم الطفل في كل التفاصيل المتعبة :

فالآباء كالأمهات يبدون القليل من الصيق في التخلص من فضلات الرضيع، كما يظهرون الكثير من الصبر مثل زوجاتهم في حث الطفل الصغير على تناول الحساء من الملاعق الساذجة المصنوعة من جوز الهند والتي تكون دائما أكبر من فمه، والعناية اليومية الدقيقة بالأطفال بما فيها من رتابة ومنغصات وصراخات البؤس التي لاسبيل إلى تفسيرها تفسيرا صحيحا – هذه كلها أمور تلائم رجال الأرابيش كما تلائم نساءها. وإذا علق أحدهم على رجل في منتصف العمر ووصفه بأنه وسيم، تجد الناس – اعترافا منهم  بهذه الرعاية، فضلا عن اعترافهم بدور الرجل منذ البداية – يقولون : “وسيم ؟ نعم ! ولكن ليتك رأيته قبل أن ينجب كل هؤلاء الأطفال” 3.

إن رجال الأرابيش من وجهة نظرنا أشد “أنوثة” حتى من نسائهم. فالرجال، كما ألمعنا من قبل، هم الذين يقضون الساعات في تصفيف الشعر وهم أيضا الذين يتزينون ويلبسون الأزياء الخاصة في المناسبات ويرقصون. والرجال وحدهم هم المشهود لهم بالكفاية في الرسم بالألوان. فرجال الأرابيش يعدون أكثر إحساسا بالفن من نسائهم.

بيد أن نساء الأرابيش لا يجدن في أنفسهن ما يحملهن على أن يكون لهن شخصيات مغايرة. ذلك أن الرجال والنساء جميعا قد ثقفوا على التعاون والمسالمة والإستجابة لاحتياجات الغير ومطالبه. ولم نجد لديهم ما يدل على أن الجنس قوة بالنسبة للرجال أو النساء” 4.

أما القبيلة الثانية التي زارتها مرجريت ميد فهي قبيلة مندوجومور Mundugumor وتقع على بعد أقل من مائة ميل، ولكن في غور أحد الأنهار. وأهل هذه القبيلة يشبهون الأرابيش في شيء واحد فقط فهم أيضا يتوقعون التماثل في شخصيات الرجال والنساء، ولكن توقعاتهم على النقيض من توقعات الأرابيش : “وجدنا أفراد المندوجومور، رجالا ونساء، ينشؤن على القسوة والعداوات والايجابية الجنسية. وتنطوي شخصياتهم على الحد الأدنى من جوانب الأمومة المحبة. ورجالهم ونساؤهم أدنى إلى نمط الشخصية الذي لا نجده في ثقافتنا إلا في شخصية الرجل الفوضوي الذي يتسم بالشراسة البالغة… فالمثل الأعلى عند قبيلة مندوجومور هو الرجل العدواني العنيف الذي يتزوج من المرأة العدوانية العنيفة” 5.

ويتضايق رجال قبيلة مندوجومور ونساؤها على السواء من تربية الأطفال وينتابهم الملل منها. وهم يعاملونهم معاملة سيئة أو بدون اكترات وهم صغار، ويعاملونهم كمنافسين لهم في الأمور الجنسية أو كموضوع للإشبع وهم كبار.

ولنا أن نتصور دهشة مرجريت ميد وسرورها عندما وصلت إلى القبيلة الثالثة التي اختيرت أيضا كيفما اتفق وتقع بالقرب من بحيرة بين الأرابيش والمندوجومور. فهنا أخيرا نجد قبيلة تصر – كما نفعل نحن – على أن الرجال والنساء لهم شخصيات مختلفة بل ومتعارضة. هذه القبيلة، واسمها تشامبولي Tchambuli، تتوقع مثلنا أن يكون الرجال رجالا والنساء نساء دون أية ظلال رمادية مزعجة غير محددة المعالم.

لك أن تتصور دهشتها، إذن، حين اكتشفت أن رجال قبيلة تشامبولي هم نماذج حية من الأنوثة الأمريكية، وأن النساء يتعلمن جميعا أن ينشأن على غرار ما نسميه “الذكورة”.

“في القبيلة الثالثة، قبيلة تشامبولي، وقعنا على عكس المواقف السائدة في حضارتنا تجاه الجنس، فالمرأة هي الطرف السائد المتجرد من العاطفة وهي الآمرة الناهية، أما الرجل فهو الأقل إحساسا بالمسئولية، الذي يعتمد على غيره من الناحية العاطفية” 6.

فنساء تشامبولي يقمن بصيد السمك وجمع الطعام، في حين يرتب الرجال خصل شعرهم ويحملون أقنعتهم أو يتدربون على نفخ الناي. أما الفنون – الرقص والحفر والتصوير – فهي غير هامة بالنسبة للنساء، ولكنها أهم أوجه النشاط المتاحة للرجال. وهكذا يتدرب رجال تشامبولي على السيرالهويني ويحاولون اكتساب الرقة المتوترة الساحرة للممثلات. فمعظم حياتهم يقضونها كأنها دور مسرحي يمثلونه بشكل واع على خشبة المسرح، على أمل أن تستمتع النساء بهذا الدور. وعلى حين أن نساء تشامبولي يعملن سويا في جو يسوده الشعور بالمودة والإحساس الزائد بالأنس، فإن العلاقات التي تسود بين الرجال، هي دائما مشوبة بالتوتر والترقب، وملاحظاتهم تتسم عادة بالخبث. وتصنع نساء تشامبولي ثروة القبيلة بنسج وبيع شباك لصيد البعوض. أما الرجال فهم يقومون بالتسوق وهم في أبهى الرياش ومحارات للزينة، يساومون في سعر كل سلعة يشترونها، ولكنهم يشعرون دائما أنهم ينفقون من ثروة المرأة :

“إن الأملاك الحقيقية، التي يقتنيها المرء بالفعل، تأتيه من المرأة، في مقابل نظرات حالمة وكلمات رقيقة… أما موقف النساء تجله الرجال فيتسم بالتسامح والتقدير. إنهن يستمتعن بالألعاب التي يلعبها الرجال، كما يستمتعن بصفة خاصة بالحركات المسرحية التي يقوم بها الرجال من أجلهن” 7.

ويتوقع المجتمع من النساء أن يأخذن بزمام المبادرة في النشاط الجنسي. بينما يترقب الرجال مبادرات النساء في استحياء حينا، وفي خجل وخوف حينا آخر وإذا لم تبادر الأرملة باتخاذ خليل آخر، دهش القوم لتعففها الزائد.

“إنهم يتساءلون : هل النساء مخلوقات سلبية باردة جنسيا يتوقع منهن أن يصبرن على دلال (الرجال) وتلكئهن” 8.

والجواب الضمني في قبيلة تشامبولي هو “إذا كن سويات”.

وقد لا تكون معتقدات هذه القبائل الثلاثة وسلوكها أنموذجا لمعظم الشعوب البدائية، ولكن فيها من التنوع ما يوحي بأن السوي أو ما يقال له “الطبيعي” لا وجود له البتة بالنسبة للرجال أو النساء. إن إحدى القبائل في الفلبين مقتنعة بأنه “لا يمكن ائتمان رجل على سر”. وقبيلة مانوس Manus، وهي قبيلة أخرى في المحيط الهادي، تعتقد أن “الرجال وحدهم هم الذين يستمتعون بملاعبة الأطفال”. وتعتقد قبيلة تودا Toda أن “جل العمل المنزلي أقدس من أن تمارسه النساء” 9.

والأمثلة على التنوع الإنساني جمة. فالرجال والنساء يولدون ولديهم إمكان الشدة أو اللين، والعدوانية أو السلبية، بل “الذكورة” أو “الأنوثة” ولا مناص من تعليمهم أن يكونوا مثل الجنس ذاك. وهكذا فإن المجتمعات المختلفة تعلم أشياء مختلفة.

وتكشف بحوث مرجريت ميد وغيرها من علماء الأنتروبولوجيا في أساليب حياة القلة القليلة الباقية في العالم من القبائل البدائية، عن امكانية تعديل أنماطنا الجنسية بل واستئصال شأفتها.

فإذا ما عرفنا أن مثل ذلك التغيير ممكن، فإننا نكون حينئد أحرارا في أن نسأل إن كان هذا أمرا مرغوبا أو محتملا. ومن ثم يجدر بنا أن نعرف كيف تقع التغيرات في الأنماك الجنسية. ولكي نعرف مدى مرونة عاداتنا الإجتماعية أو جمودها، فعلينا أن نتساءل كيف ظهرت ومتى. وإذا شئنا أن نعرف كيف يمكن تغييرها، فإن علينا أن نعرف ما الذي جعلها على هذا النحو، وما أفضى بنا إلى هذه النقطة ؟ وإذا كنا قد اخترنا أسلوبا في الحياة من بين عدة أساليب، فمتى قمنا بذلك الإختيار ؟ ولماذا ؟ وماذا كانت البدائل ؟ ولماذا لم يقع عليها الإختيار ؟

ومعظم هذه التساءلات يطرحها المؤرخ. فليس التاريخ دراسة الماضي لذاته، وإنما هو دراسة التغير، دراسة كيف صار – أو لم يصر – الماضي حاضرا.

وفيما بقى من هذا الباب سنبحث في كيفية اختلاف العلاقة بين الرجال والنساء على مر الزمن. وبوسع عالم الأنتروبولوجيا أن يبين لنا أن لا شيء “طبيعي” في الطريقة التي نتصرف بها، ولكنه لا يفسر لماذا نتصرف بهذه الطريقة. فواجبنا أن ندرس الماضي لنفهم الإتجاه العام للغير الإنساني.

علماء الآثار يكتشفون التغير

عندما نتساءل كيف تغيرت وتبدلت أدوار الرجال والنساء وعلاقاتهم، يتحتم علينا أن ندرس التغيرات الجوهرية في التاريخ الإنساني. وعلينا أن نحاول أن نحدد التغيرات التي طرأت على دوري الذكر والأنثى خلال أطول فترة زمنية ممكنة، وهو ما يعد أشق من التساؤل عن علاقة أهل المدن بأهل الريف مثلا، ذلك لأن الإجابة عن هذا السؤال الأخير لا تكلفنا إلا مؤونة النظر في خمسة آلاف سنة خلت، هي عمر المدن. وعلى عكس هذا بالنسبة للتساؤل الأول فقد عمر الرجال والنساء ما عمرته البشرية.

ولما كنا نحاول أن نكتشف أعرض الخطوط العامة للتغير الإنساني فعلينا أن نستعين بعلماء الآثار كما نستعين بالمؤرخين. فالمؤرخون لا يدرسون – عادة – التغير البشري إلا في السجلات المدونة. ولكن الكتابة لم تخترخ إلا منذ نحو خمسة آلاف سنة في المدن الأولى. أما علماء الآثار فإنهم يقومون بالتنقيب تحت هذه المدن القديمة بحثا عن السجلات الصامتة – قطع الخزف المكسورة والأكواخ، وبقايا الحيوانات المتفحمة، وقطع من العظام البشرية، والقواقع المطلية، والفؤوس الحجرية وعصي الحفر – وهي تكشف عن جانب من أقدم المجتمعات البشرية قبل إختراع الكتابة وحياة المدن. ولم يتمكن علماء الآثار من نبش آثار الجماعات الإنسانية السابقة فحسب، بل تمكنوا أيضا من رسم معالم تطور ماضي الإنسان وأخطر التحولات التي حدثت فيه، ولذا كان علينا أن ننظر في مناهج هؤلاء الأثريين ونتائجهم.

ولما كان مستحيلا أن يدفن أي مجتمع قمامته فوق رأسه، فإن علماء الآثار يستطيعون أن يرسموا مراحل التطور الإنساني بكل بساطة عن طريق الحفر. وكلما ازداد عمق الحفر ازداد التوغل في الزمان الماضي. وبهذه الطريقة اكتشف علماء الآثار ثلاث مراحل من التاريخ الإنساني على وجه التفريب : مرحلة الصيد وجمع الثمار/ ومرحلة الزراعة، ومرحلة الحياة في المدن. وحينما يقومون بالحفر فإنهم يجدون بقايا هذه المراحل الثلاث بترتيب معكوس، فقد عثروا تحت أقدم المدن مباشرة على أدوات الفلاحين، وتحت مخلفات الفلاحين كانوا يعثرون دائما على أدوات أقدم جماعات الصيد وجمع الثمار. بل استطاعوا أن يحددوا تواريخ تقريبية للأدوات والعظام التي اكتشفوها، لأنهم يعلمون أن المادة العضوية (البشرية والنباتية والحيوانية) تفقد نصف اشعاعها الكربوني كل خمسة آلاف أو ستة آلاف سنة. ود دلتهم طريقة التأريخ عن طريق الإشعاع الكربوني هذه على أن أقدم المدن الإنسانية قد شيدت منذ زهاء ×مسة آلاف سنة، وأن أقدم القرى التي تعتمد على الزراعة تعود إلى حوالي عشرة آلاف سنة.

نستطيع – إذن- أن نلخص كل التاريخ البشري بطريقة شديدة العمومية. فقد كان الناس جميعا في بداية الأمر صيادي وحوش أو جامعي نباتات برية وحشرات. ولم تكن حياتهم التي اعتمدوا فيها على الأغذية البرية تختلف كثيرا عن حياة القرود. ثم بدأ الناس تدريجيا بعد عام 8000 ق.م. يتعلمون كيف يزرعون غذاءهم ويروضون حيواناتهم. ولا نجد اليوم إلا نسبة تصل إلى حوالي 0,001% من سكان العالم لم يدخلوا بعد هذه المرحلة الثانية من التاريخ – “مرحلة الزراعة”. وسرعان ما بدأت “مرحلة المدينة” في التاريخ بعد عام 3000 ق.م. (على الأقل في مناطق الشرق الأوسط التي اكتشفت الزراعة لأول مرة). وبفضل اختراع المحراث الثقيل الذي تجره الدواب أصبحت الزراعة في هذه المجتمعات على درجة من الكفاءة أتاحت لأعداد كبيرة من الناس أن تعيش وأن تعمل دون أن تشتغل بالزراعة بنفسها. بل ويمكننا أن نضيف إلى هذا الإطار العام مرحلة “رابعة” حديثة سوف نسميها “بالمرحلة الصناعية”. فقد مرت أوروبا وأمريكا الشمالية في مائتي السنة الأخيرة بثورة صناعية ذات ناتج يكفي لأن يتيح لـ 80% من السكان أن يعيشوا دون أن يعملوا بالزراعة.

ويمكننا أن نقول باطمئنان أن هذه هي أهم النغيرات التي مر بها التاريخ البشري فلم يكن الصيادون أو كل الفلاحين سواء بطبيعة الحال. غير أن الفروق بين الصيادين والفلاحين أوسع بكثير من الففوارق بين أي مجموعتين تنتميان إلى المرحلة نفسها. وبالرغم من أنه لا يزال هناك فلاحون بين جماعات المدن (إذ لابد أن يأكل الناس) فان حياة هؤلاء الفلاحين، بالمثل، تتبدل عادة بسبب أسواق المدن والحكومات والأدوات والثقافة والمواصلات، وهي أمور تجعلهم مختلفين تماما عن فلاحي ما قبل عام 3000 ق. م.. فلو كان ثمة شيء طبيعي في أدوار الرجال والنساء وعلاقاتهم فيجب أن نتوقع ألا يتغير هذا الشيء إلا قليلا خلال انتقال البشرية من مرحلة الصيد وجمع الثمار إلى مرحلة الزراعة ثم إلى مرحلة العيش في المدن.

الصيادون وجامعو الثمار : العصر الحجري القديم.

لم تكن أقدم المجتمعات البشرية تشبه قبائل الأرابيش والمندوجومور والتشامبولي، وكلهم من الفلاحين. فقبل أن يتعلم طلائع البشر عملية الاستنبات المعقدة منذ نحو عشرة آلاف سنة، كان الناس جميعا صيادين وجامعي ثمار. ومن المحتمل أن الرجال، في هذه المجتمعات البشرية الأولى، كانوا هم الذين يقومون بمعظم الصيد. وكانت النساء على الأرجح أقل حركة من الرجال لإنشغالهن موسميا بوضع الأولاد وحضانتهم. ففي حين كان الرجال يخرجون في جماعات صغيرة في أثر الحيوانات الوحشية الكبيرة، كان النساء يجمعن الحبوب والبذور والجوز والفواكه والجذور والبيض واليرقات والحيوانات الصغيرة والحشرات. فعمل النساء كان مطردا ومنتظما،  وكان هذا العمل يزود الجماعة بالقوت الضروري ويجنبها المغبة حتى ولو عاد الرجال بأيد خاوية فيما عدا فترات الأزمة  الشديدة. أما عمل الرجال فكان أكثر إثارة، ولكن عائده كان أقل انتظاما. ومما له أهمية أن المجتمع الذي لا يملك القدرة على توفير طعامه أو تنقصه المعرفة بسبل الاحتفاظ به كان في حاجة إلى الانتظام اليومي لعمل النساء أكثر من حاجته إلى الترف العرضي الذي تمثله المؤن التي قد يأتي بها الرجال.

ولم تقتصر مهمة النساء بطبيعة الحال، على ضمان استمرار الحياة عن طريق جمع الطعام بشكل منتظم وكاف يضمن البقاء، وإنما كن أيضا يخرجن الحياة من أحشائهن. ولابد أن سحر الولادة قد مس شغاف البدائيين، إذ تشهد أقدم الفنون البشرية على الأهمية التي شكلتها خصوبة الأنثى في نفوس هؤلاء الصيادين والماَّعين. فأقدم ما اكتشفه علماء الآثار من تماثيل هي تماثيل مساء أو – على وجه الدقة خيث أنها لا تنم عن ملامح فردية – تماثيل المرأة الحامل الولود. ومن نماذجها تمثال فينوس من ولندورف Venus of Willendorf  الممتلئة الثديين والبطن والردفين والفخذين.  ويبدو أن هذا التمثال (الذي صنع منذ خمس عشرة ألف سنة) والتماثيل الأخرى الكثيرة المماثلة كانت أصناما معبودة. ويدل على هذا بعض الصفات المشتركة في معظم هذه التماثيل الأنثوية، فهي مطلية بطمي أحمر يبدو أنه كان مخصصا للمقدسات، وكثير منها وجد قريبا وأنه نيران مذبح بجانب عظام متفحمة (لعلحا بقايا قرابين حيوانية). وأخيرا فإن هذه التماثيل تؤكد جميعا وظائف إخراج الحياة ورعايتها، وهي وظائف تقترن عادة  بالتقديس. وبرغم وجود تماثيل نادرة للرجال في نهاية العصر الخجري القديم،  فليس بينها تمثال واحد يظهر أيا من هذه الخصائص العجيبة.

ومن الجائز جدا أن الآلهة في أقدم المجتمعات البشرية لم تكن أربابا بل كانت ربات. وذلك لأن أشد التجارب البشرية سحرا وغموضا، وهو منح الحياة، كان من عمل النساء. وهكذا اضفت ربة الخصب القداسة على “مخاض” المرأة [كلمة labour الانجليزية تحمل معنى “مخاض” و”عمل”] وعلى عملها اليومي الذي لا يتغير : خلق الحياة ورعايتها.

نظام أمومي في العصر الحجري القديم

استنتج البعض أنه طالما كانت الأرباب البدائية نساء فلابد أن النساء في المجتمع البدائي كن، إذن، أشبه بالأرباب. ودفاعا عن هذا الرأي يصعب أن نتخيل مجتمعا يسوده الرجال وتعبد فيه المرأة. ولابد أنه كان هناك تشابه ما بين صورة المرأة في نظر بدائيي العصر الحجري القديم والدور الذي كانت تلعبه بالفعل في مجتمع ذلك العصر.

ولكن علينا أن نحترز من الاعتقاد بأن ديانة أهل العصر الحجري القديم كانت مجرد مرآة لمجتمعهم. ولنتخيل علماء الآثار بعد عشرة آلاف سنة من الآن منقبين عن بقايا مجتمعنا ويحاولون تفسير فكرنا ومشاعرنا بناء على فنوننا. فلنتصور أولئك العلماء المتخصصين في الآثار وقد توصلوا إلى بقايا كشك من اكشاك بيع الصحف وهم يهنئون أنفسهم على قيمة ما اكتشفوه. ألا تكون دهشتهم، على الارجح، كبيرة حين يكتشفون أن معظم “فنوننا” مكرسة لتصوير الأنثى العارية، ولا سيما ذوات الصدور الممتلئة. وقد لا يكون من الخطأ بالنسبة لعلماء المستقبل هؤلاء أن يستنتجوا أن الأمريكيين في القرن العشرين كانوا يعبدون شكل الأنثى. لكنهم يخطئون خطأ فادحا إذا استنتجوا أن هؤلاء الأمريكيين كانوا يعيشون في مجتمع تسوده النساء. فوجود هذا العدد الضخم من المجلات الإباحية، والجاذبية التي تمارسها “ربات” السينما في المجلات السينمائية، وصحف الفضائح بل والصحف اليومية، لن تزود علماء الآثار إلا بالقليل من المعلومات عن سلطة النساء الحقيقية ومكانتهم في مجتمعنا.

لهذا يجب أن نكون حذرين من افتراض أن النساء كن ربات في مجتمع العصر الحجري القديم، بسبب الأدلة القليلة المتفرقة التي لدينا، والتي تشير إلى أن الأرباب كانوا من النساء، وينبغي أن نفطن إلى أن الاهتمام المفرط بالأنوثة (على طريقة مجلة بلاي بوي) قد لا يكون إلا وجها آخر من أوجه استغلال النساء عموما وضعفهن الفعلي في المجتمع، وأن ندرك قدرة الرجال على إضفاء غلالة من المثالية على النساء لكي يبقوهن خارج العالم الحقيقي.

والسؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو : إلى أي مدى تظهر المؤسسات والأنظمة في العصر الحجري القديم هيمنة النساء ؟ يتحدث علماء الأنتروبولوجيا المحدثون عن النظام “الأمومي النسب” والنظام “الأمومي المركز” فالجماعة الأمومية النسب هي جماعة يتقرر فيها النسب (والميراث) عن طريق العلاقة بالأم وليس بالأب كما هو الحال في مجتمعنا. أما الجماعة الأمومية المركز فهي جماعة ينتقل فيها الزوج ليعيش مع أهل زوجته بدل أن تنتقل الزوجة لتعيش مع أهل زوجها أو في داره (كما هو الحال في مجتمعنا) ويذهب بعض علماء الإنسان إلى أن “النظام الأمومي” (ويعنون به الإنتساب للأم أو الحلول في دار أهلها) هو الوضع الأصلي للإنسانية.

ولكننا في الحقيقة لا نستطيع أن نقرر ما هو الأصل، إذ لا توجد سوى شواهد آلاف السنين. وزاد الطين بلة أن عبارة “المظام الأمومي” التي تشير إلى المجتمعات التي تسيطر عليها المرأة، وعبارة “النظام الأبوي” التي تشير إلى المجتمعات التي يسيطر عليها الرجل ؛ هي عبارات غامضة، فما من مجتمع يحكمه تماما الرجال أو النساء. ولاشك أن لكل من الأمهات والآباء بعض النفوذ في كل مجتمع، داخل الأسرة وخارجها، وما من جماعة تستطيع أن تحرم نصف المجتمع (الجنس الآخر) من السلطان والمكانة أو التأثير حرمانا تاما. بل إن تأثير النساء على الأطفال والأسرة والحياة المنزلية في المجتمعات التي لا تسمح لهن بالعمل خارج البيت لابد أن يكون تأثيرا كبيرا. ولقد وصف بعض الكتاب المجتمع الأمريكي الحديث بأنه مجتمع “أمومي التوجه” نظرا لأن الناس فيه يكتسبون قيمهم وأفكارهم في طفولتهم، في الوقت الذي يقضي فيه الآباء معظم وقتهم خارج المنزل في عالم العمل “الحقيقي”.

بيد أن قيام الرجال بأداء معظم الأعمال الهامة في المجتمع الأمريكي ومجرد شعور النساء باضطرارهن إلى المطالبة بالمساواة مع الرجال إنما يدل على أن هذامجتمع أبوي أكثر منه مجتمعا أموميا. ولايزال معظم الناس يؤثرون إنجاب الصبيان على البنات. والسواد الأعظم (حتى النساء) بفضلون أن يكون الرجل هو رب الأسرة وأن يتخذ هو أهم القرارات الخاصة بعالم السياسة والعمل والمجتمع. وقد كان من علائم اضطهاد النساء ما استخلصه محررو المجلات النسائية من السواد الأعظم من النساء يستطعن أن “يتوحدن توحدا كاملا مع ضحايا العمى والصمم والتشوه الجسماني والشلل المخي والشلل والسرطان أو الموت الوشيك” ولكنهن يجدن صعوبة في التوحد مع النساء الطموحات اللائي يشغلن وظائف هامة 10.

فنحن نعيش إذن في مجتمع يسوده النظام الأبوي إلى حد كبير. والإنتساب للأب (إذ تتخذ النساء عموما لقب آبائهن أو أزواجهن، وقلما يتخذ الرجال اسم أمهاتهم أو زوجاتهم) والإقامة في منزل الأب (فجميع الزوجات تقريبا يعشن بالقرب من عمل الزوج إن لم يكن مع أسرته). هاتان العادتان من أمارات سيطرة الذكر في المجتمع الحديث. وكلتاهما عادة قديمة جدا، ولكنهما ليستا أزليتين.

بعض الشواهد

كانت بعض مجتمعات الصيد – على الأقل – تقوم على نظام الإنتساب للأم والنزول في ديارها. ولعل هذا كان من مستلزمات الصيد، لأن جماعات الرجال دأبت على مطاردة الحيوانات المتوحشة وربما كانت حياة النساء – اللائي يجمعن الأطعمة البرية – هي حلقة الوصل الوحيدة بالبقعة الثابتة والترات المتصل.

وربما تمكن الصيادون من الذكور – في بعض الحالات الأخرى – أن يفرضوا سيطرتهم حينما كانوا ينجحون في تزويد المجتمع بمصدر الطعام. وتذهب الأديبة الفرنسية سيمون دي بوفوار Simone De Beauvoir المدافعة عن حقوق المرأة في كتابها الجنس الآخرLe deuxième sexe، إلى أن أهم قيمة في مجتمع الصيد لابد أنها كانت سلب الحياة (عمل الرجال) بدل من منحها (عمل النساء) ومعظم هذه الجماعات من الصيادين كونت منتديات ذكورية عدوانية (لا تختلف كثيرا عن الجمعيات أو المحافل الخاصة الحديثة) خلقت معتقدات وطقوسا دينية استعبدت النساء وسيطرت على المجتمع كله. ولكن من الطريف أن نلاحظ إلى أي مدى اتخذت هذه الجمعيات السرية الخاصة بالرجال، حتى في هذه الحالة، موقعا دفاعيا. إذ يقول جوزيف كامبل Joseph Campbell، وهو باحث في الميثولوجيا البدائية :

“من الملفت للنظر كثرة عدد أجناس الصيد البدائية التي تحتفظ بقصة أسطورية عن عهد أشد من عهدهم بدائية كانت النساء يحتكرن فيه فن السحر. وهذه الفكرة هي أساس أسطورة الأصل الخاصة بمحفل أو “هاين” hain جمعية الرجال السرية بين هنود أونا في تييرادل فوريجو” 11.

ويمكن تلخيص أسطورة الأصل الخاصة بهنود قبيلة أونا في أقصى جنوب أمريكا الجنوبية المعزول على النحو التالي : في سالف الأيام وقبل أن يصبغ الببغاء الغابات بألوانه، وحينما كانت الجبال لا تزال عملافة غافية في ذلك العهد السحيق، كان النساء ينفردن بأسرار السحر والعرافة. ولقد احتفظن  بمحفلهن الخاص ؛ حيث كن يعلمن بناتهن كيف يستحضرن المرض والموت. كان الرجال في هلع لا حول لهن ولا قوة. ولما اشتدت سطوة النساء، تجمع الرجال وأثخنوا في النساء حتى أبادوهن عن آخرهن. ولم يتركوا إلا الصبايا اللائي لم يبدأن بعد دراسة السحر. وفي حين انتظروا البنات ليكبرن فيحللن محل زوجاتهم، تساءلوا كيف يحلون دون قيامهم يتكرار طغيان امهاتهن. فأنشأوا محفلهن الخاص (الهاين) ليحل محفل النساء، وحرموا النساء جميعا من ممارسة نشاطاتهن السرية وإلا تعرضن لعقوبة الإعدام. ثم اخترعوا جماعة جديدة من الشياطين قيل أنها تمقت النساء، واتخذوا هيئة هذه المخلوقات لتخويف النساء واستعبادهن 12.

ومن بين قبائل الصيد الأسترالية – وهي اليوم قبائل أبوية في الغال غابر كانت الغلبة فيه للنساء. وبعض المواضع التي يعدها السكان الأصليون من أكثر البقاع قداسة يقولون عنها إنها المواقع التي كانت النساء يمارسن فيها السحر في الأزمنة الأسطورية، وكل رسومات الكهوف تقريبا عن النساء. وحتى في بعض محافل الرجال التي تعد اليوم مركز قوة الذكر في المجتمع، نجد أن أكثر الآلهة أهمية معظمها من النساء، كما أنهم يؤمنون بأن الكائن الأسمى نقسه هو الأرض الأم. وإذا ما دققنا النظر في جماعات الرجال السرية هذه، وهي التي تهيئ الصبية للرجولة، فإنه سيتضح لنا إحساس الرجال بالدونية، وهو ‘حساس يحاولون أن يعوضوه في

“إن الموضوع الأساسي لطقوس التكريس… هو أن النساء بقضل قدرتهن على إنجاب الأطفال قابضات على أسرار الحياة، أما دور الرجال فهو غير مؤكد وغير محدد، وربما غير ضروري. وقد عثر الرجل بجهد مضن على طريقة يعوض بها دونيته الأساسية. إذ تزود بأدوات مختلفة غامضة تحدث ضجة، وتستند قدرتها إلى شكلها الفعلي مجهول بالنسبة لمن يسمعون الأصوات – أي أنه لا يجوز للنساء والأطفال أن يعرفوا أن هذه الآلات هي في الواقع من نبات البوص أو جدع شجرة مجوفة أو قطع من خشب مجوف أو أوتار – فينزعون الصبيان من النساء ويسمونهم بالنقص، ثم يقومون هم أنفسهم بتحويلهم إلى رجال. إن النساء ينجبن الأطفال في الواقع، ولكن الرجال وحدهم هم الذين يستطيعون أن يصنعوا منهم رجالا. وتستمر أشكال محاكاة الميلاد هذه في جلاء شديد أحيانا، وبدرجة أقل وضوحا أحيانا أخرى. فالتمساح الذي يمثل جماعة الرجال يبتلع أولئك الفتيان الذين يتم تكريسهم ثم يولدون من جديد في الطرف الآخر، وتقوم “أمهات” من الذكور بإيوائهم في أرحام (صناعية) وتغذيتهم بالدم وتسمينهم وإطعامهم باليد ورعايتهم. وتكمن وراء هذه الطقوس أسطورة تقول إن كل هذه الشعائر قد سرقت من النساء بشكل ما، وإن النساء كن يقتلن للحصول عليها. إن الرجال يدينون برجولتهم إلى سرقة وإلى محاكاة مسرحية صامتة، وقد يتحول هذا كله إلى مجرد تراب ورماد لو عرفت مكوناته الحقيقية” 13.

وتتجه جماعات الصيد أيضا إلى القمر عادة أكثر مما تتجه للشمس، إذ يعتقد أن أرواح القمر تتسم بحاسة خاصة إزاء احتياجاش الأنثى (فمن الواضح أنها تتناغم مع إيقاعات المرأة البيولوجية) لقد عول صيادو العصر الحجري القديم على القمر من أجل ضوء المساء ولقياس الزمن، ولم يروا فيه مصدرا للنشاط الجنسي عند المرأة وحسب وإنما مصدرا لقوى الساحرة الغامضة أيضا.

ليس من المحتمل بطبيعة الحال أن كل المجتمعات البشرية قد تطورت بهذه الطريقة عينها. فإذا نظرنا إلى نسبة 0,001% من سكان عالم اليوم، وهي نسبة السكان الذين لا يزالون يعيشون حياة المجتمع الحجري القديم، سنجد أن أكثرهم ينتمون إلى مجتمعات أبوية النسب والدار وليس إلى مجتمعات أمومية النسب أو الدار. والرأي القائل بأن القرائن الدالة على سيادة النظام الأبوي تفوق القرائن الدينية التي تشير إلى وجود نظام أمومي سابق هو من قبيل التخمين أساسا. ومن قبيل التخمين أيضا الرأي القائل بأن مجتمعات العصر الحجري القديم الراهنة قد سبقتها مجتمعات أمومية أخرى، كما توحي بهذا بعض الأساطير. ويذهب بعض علماء الأنتروبولوجيا إلى أنه مع تراجع العصر الجليدي الأخير (منذ حوالي 15 أو 12 ألف سنة) حل محل عالم العصر الحجري القديم الأول، الذي صاغ تماثيل فينوس الصغيرة، عالم أنتج المزيد من رسوم الكهوف المشبعة بروح الذكورة العدوانية، وأن هذه الرسوم توحي بنظام أبوي محدد. غير أن هذه النظريات تشجع على مزيد من الدراسة أكثر مما تشجع على استخلاص نتائج، فلا تزال الشواهد محدودة.

الطبيعة البشرية والتاريخ البشري :

إن كاريكاتير إنسان الكهف، القوي العضلات، الذي يجذب امرأة من شعرها إلى كهفه لتسليه ليلة تقضيها معه، إنما هو صورة تعبر عن حاجة للإيمان بالطبيعة البشرية  نشأت في العصر الحديث. ففي مثل مجتمعنا الذي يتغير كل شيء فيه باستمرار نتوق إلى تكوين صور عن الطبيعة البشرية العامة التي لا تتغير. ولكن خبرتنا الحديثة بالتغيير قد دفعت علماء الأنتروبولوجيا إلى اكتشاف أن الناس يتصرفون في إطار “ثقافتهم” الخاصة، وأن في العالم عددا كبيرا من الثقافات المختلفة، وأن كل شيء يكاد يكون “طبيعيا” بالنسبة لأهل إحدى الثقافات في مكان ما في عالم الماضي أو الحاضر. إن دراسة الآثار (وهي دراسة غذاها أيضا العالم الحديث المتغير) قد علمتنا أن نرى أن ثمة تغيرات أساسية (بل لقد قال بعضهم إنها “مراحل” أساسية) طرأت على التاريخ الإنساني. فإذا جمعنا بين اكتشاف أهمية الثقافة، والتغيرات الأساسية في التجربة الإنسانية، كان معنى ذلك اكتشافا للتغير الثقافي في التاريخ البشري’ وهو تغير يصل مداه من حقبة إلى أخرى، إلى حد تبدو معه فكرة الطبيعة البشرية فكرة غير صحيحة. وهكذا بدأنا في مائة سنة الأخيرة أو حوالي ذلك نرى أن ما نريد أن نسميه “الطبيعة البشرية” ما هو إلا أنموذج ثقافي خاص من التاريخ البشري.

ولقد عبر عالم الآثار ف. جوردون تشايلد V. Gordon Childe منذ خمسين عاما عن فكرة عدم وجود طبيعة بشرية سوى تلك الطبائع التي صيغت تدريجيا في داخل التاريخ الإنساني، حين جعل عنوان دراسته الكلاسيكية عن الحياة في العصر الحجري القديم والعصر الحجري الحديث والحياة الحضرية الأولى : الإنسان يصنع نفسه. واليوم يمكننا أن نقول، بمساعدة حس صقلته الدراسات الأخيرة، إن التاريخ هو سرد للطريقة التي يصوغ الرجال والنساء بها أنفسهم، مرة بعد مرة.

والعملية التي يصنع بها الرجال والنساء طبائعهم” كما يشير تشايلد، لها صلة وثيقة بالأدوات التي يشكلونها لصياغة عوالمهم. فالأدوات تغير صانعيها كما تغير العالم، وكل عالم جديد يتطلب أناسا مختلفين ذوي، قدرات مختلفة وإمكانات مختلفة. فالنظام التكنولوجي في العصر الحجري القديم لم يقتصر على خلق مظام اجتماعي يقوم على الصيد وجمع الثمار، بل لبتكر أيضا من المعرفة العملية ومن الأحاسيس والخرافات والأدوات الجنسية، ما يسند حركة ذلك المجتمع. ومعرفتنا بتلك الطبيعة البشرية في العصر الحجري القديم هي أداة من الأدوات الكثيرة الحديثة التي لدينا لتشكيل أنفسنا.

لمزيد من الإطلاع :

إن أدبيات علم الأنتروبولوجيا التي تناولت موضوع الرجال والنساء ثرية للغاية. وتعد جهود مرجريت ميد نقطة مناسبة نبدأ منها. لقد اعتمدنا على كتابها الجنس والمزاج في ثلاث مجتمعات بدائية Sex and Temperament in Three Primitive Societies ولكن يمكن لدارس أن يرجع أيضا إلى كتابها الذكر والأنثى Male and Female على أن يضع في حسبانه أن بعض المنادين بتحرير المرأة (مثل بيتي فريدمان Betty Friedman في كتابها السر الأنتوي The Feminine Mystique يجدون في هذا الكتاب وفي كتابات ميد المتأخرة الأخرى ميلا إلى التحيز الجنسي وتفضيل جنس على آخر.

وكلاسيكيات علم الأنثروبولوجيا التي ألمعت إلى وجود نظام أمومي قديم قد أصبحت قديمة، وإن كانت لا تزال جديرة بالقراءة. فإذا لم يعد القارئ إلى الوراء إلى كتاب. باخوفن J.J. Bachofe حق الأم Mother Right الذي صدر عام 1861، فقد يكون من المفيد أن يلقى نظرة على الافتراضات الأولى التي قدمها العالم الأمريكي لويس هنري مورجان Lewis Henry Morgan في كتابه المجتمع القديم Ancient Society (1788)، إن لم يكن لأهميتها الذاتية فلأن ماركس قد تبناها على الأقل، وكذلك انجلز في كتابه أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة (1884)، The Origin of the Family, Privete Property and the State ومن ثم فقد أثرث في أجيال من الماركسيين والشيوعيين. أما الأكثر أهمية وإمتاعا فهو كتاب روبرت بريفو Robert Briffautt الأمهات The Mothers (1927) أو المجلد المختصر للمجلدات الثلاث الذي أعده جوردون راتراي تيلور Gordon Rattray Taylo. وبالنسبة للنقد الحديث لهذا الإتجاه في مجال علم الأنثروبولوجيا فيمكن الرجوع إلى كتابات روبين فوكس Robin Fox أو ليونيل تيجر Lionel Tiger وخاصة كتابه الأخير جماعات الرجال Men in Groups. وهناك أيضا مجموعة حديثة من المقالات التي كتبتها نساء جمعتها ميشيل زيمباليست Michelle Zimbalist ولويز لامفير Louise Lampher تحت عنوان المرأة والثقافة والمجتمع Woman, Culture and Society تعترض على فكرة وجود نظام أمومي قديم لكنها تؤيد بصفة عامة وجهة نظر إنجلز والآخرين في أن قوة النساء في المجتمع ترتبط عادة باسهاماتهن في العمل الهام للمجتمع. ويبدو أن هذا هخو المقصود بالنظام الأمومي في مجتمع العصر الحجري الحديث.

ومن أفضل الدراسات عن العصر الحجري القديم في مجال علم الآثار دراسة جاكيتا هوكس Jacquetta Hawkes ما قبل التاريخ Pre History. ولكن باستثناء دراستها فإن علماء الآثار قد أظهروا ميلا أقل من غلماء الأنثروبولوجيا لاصدار التعليمات عن النشاط الجنسي في العصر الحجري القديم، ويرجع هذا إلى أن طبيعة “الأدلة المؤكدة” التي لديهم ليست حاسمة. وعلى أي حال فإن المتخصصين في المجالات الأخرى قد قدموا تفسيرات مهمة لاكتشافات علماء الآثار التي ترتبط بدراستنا عن الرجال والنساء. فمؤرخ الفن س. جيديون S. Gideon مثلا في دراسته الحاضر الأبدي : بداية الفن The Eternal Present : The Berinning of Art لديه الكثير من الأشياء المثيرة ليقوله عن رسوم الكهوف في العصر الحجري القديم ورموز الخصوبة وتماثيل فينوس الصغيرة. وبالمثل نجد كتاب جوزيف كامبل أقنعة الرب : الميثولوجيا البدائية The Masks of God Primitive Mythology مليئا بالآراء الثاقبة بصدد الرموز الجنسية في العصر الحجري القديم.

ولسوء الحظ نجد أن معظم الأدبيات الجديدة النابعة من حركة تحرير المرأة إما أنها لا تعني بالتاريخ الحديث وحسب، وهناك استثناء واحد بارز هو مؤلف ايفلين ريد Evelyn Reed. ففي معظم كتب التاريخ عن المرأة لا يخصص أصحابها سوى فصل استهلالي عن العصر الحجري القديم. وهناك استثناءات ذات طابع إشكالي أكثر من كونها دراسات تاريخية، إذ يصعب على كثير من الرجال تصديق ما جاء في كتاب ايلين مورجان Elaine Morgan التسلسل الهابط للمرأة The Descent of Women وكتاب اليزابيت جولد دافيز Elizabeth Gould Davis الجنس الأول The First Sex. كما سيسبب كتاب رينكورت Riencourt الجنس والسلطة عبر التاريخ Sex and Power in History حنق معظم النساء بالدرجة نفسها. ويمكن أن يجد القارئ في الفصول التمهيدية لكتاب كيت ميللت Kate Millett السياسات الجنسية Sexual Politics وكتاب لويس ممفورد Lowis Mumford المدينة عبر التاريخ The City in History مناقشات ثاقبة مختصرة للمشكلة. وقد ظهرت دراسة واعمدة وإضافة جديدة إلى أدبيات القضية أثناء كتابة هذا الكتاب وهي كتاب ميشيل فوكو Michael Foucault تاريخ النشاط الجنسي The History of Sexuality الذي صدر في عدة مجلدات.

ترجمة : د. عبد الوهاب محمد المسيري
د. هدى عبد السميع حجازي

هوامش :

1- Betty Roszak and Theodore Roszak, Masculine / Feminine (New York : Harper & Row. 1969), P.. vii.
2- Margaret Mead, Sex and temperament in three primitive societies (New York : Dell, 1950, 1963), p. 50.
3- Ibid., p. 55.
4- Ibid., p. 259.
5- Ibid.
6- Ibid.
7- Ibid., p. 239.
8- Ibid., p. 243.
9- Ibid., p. 16.
10- Betty Frieden, The feminine mystique (New York : Dell, 1970), p. 46.
11- Joseph Campbell, The Masks of God : Primitive Mythology (New York : Viking Press, 1959), p. 315.
12- Ibid., p. 16.
13- Margaret Mead, Male and Female (New York : Morrow, 1949). pp. 102-103

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий