Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الرجولة ونزعة العنف ضد النساء – محمد عبدربي

الرجولة ونزعة العنف ضد النساء – محمد عبدربي

لقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة عن ظاهرة العنف ضد النساء، إذ أصبح الكثير من الكتب والمجلات يطفح بوصف مسهب لمظاهر هذا العنف وتجلياته على مختلف ميادين الحياة المجتمعية، كما ذهب العديد من الباحثين والدارسين إلى البحث عن تفسيرات علمية لهذه الظاهرة، وإذا كان يبدو جليا أن هذه الدراسات بينت أن النظام الاجتماعي والثقافي والوضع الاقتصادي والمستوى المعيشي كلها عوامل تفسر هذه الظاهرة، فإن الملاحظ هو أن هذه الدراسات والأبحاث لم تضع موضع السؤال علاقة العنف بتشكيل الهوية الرجولية، مما يجعل العنف ضد النساء يبدو كظاهرة عرضية وكمسألة طارئة في الزمان والمكان، كما يتجلى بكل وضوح في خطاب وسائل الإعلام.

يظهر أن هناك علاقة معينة بين العنف وتشكل الهوية الرجولية، حيث أن هذه الأخيرة تتأسس على الهيمنة على النساء بوجه خاص وعلى تحكم الرجال في وسائل الإنتاج المادي واحتكارهم لوسائل العنف الفيزيقي والرمزي، مما يدعونا إلى طرح التساؤل التالي: هل يعد العنف ضد المرأة مكونا أساسيا من مكونات تشكيل الهوية الرجولية؟ وإذا كان الأمر على هذا النحو، فبماذا يمكن تفسير هذه العلاقة؟ وهل تسعفنا المقاربات المعتمدة في تفسير الهيمنة الرجولية على إيجاد تفسير علمي للظاهرة موضوع الدراسة؟

** المقاربات المعتمدة في تفسير الهيمنة الرجولية

كما سبق أن أشرنا في مقدمة هذا المقال، فإن علاقة العنف بتشكيل الهوية الرجولية لم تحض بما فيه الكفاية من الدراسة والبحث، ذلك أن الاهتمام قد انصب أساسا على دراسة الهيمنة الرجولية بوجه عام، حيث اتجه العديد من الباحثين، بالاعتماد على بعض المرجعيات الفكرية والمنطلقات النظرية، إلى البحث عن تفسير لهذه الهيمنة دون الوقوف عند مكوناتها الأساسية، وبانطلاقنا من مسلمة كون العنف بصفة عامة والعنف ضد المرأة بصفة خاصة يعد بعدا أساسيا للهيمنة الرجولية، فإنه يكون من المشروع اعتماد المقاربات المستعملة في دراسة الهيمنة الرجولية لتحليل ظاهرة العنف ضد المرأة لدى الرجال والتعرف على علاقة العنف بتشكيل الهوية الرجولية. فما هو مضمون هذه المقاربات؟

** المقاربة الأبوية البيولوجية

تستند هذه المقاربة على السوسيو بيولوجيا التي تنطلق من كون العدوانية الذكورية الموروثة هي التي تمنح الأسس البيولوجية لهيمنة الذكور على الإناث، وللتراتبية والتنافسية بين الرجال وأيضا للحرب،على أساس ذلك، فإن ستيفن كولدبيرك (Steven Goldberg)، عالم الاجتماع الأمريكي، حاول أن يوضح أن الجانب الهرموني هو السبب في هيمنة الرجل، فالهرمونات الذكرية “التستاسترون” (Testasterone) هي المسؤولة في نظره عن نزعة الهيمنة والعنف لدى الرجل، وهذه النزعة هي الدافعة للرجل كي ينجح في أي ميدان وجد فيه، ويستدل على ذلك، بكون الرجال الفاقدين لهذه الهرمونات الذكرية، يعيشون سلوكات شبيهة بسلوكات المرأة، يرى الباحث أن هذا المعطى الغريزي للهيمنة عند الرجل هو المسؤول عن تفوق الرجل في ميادين متعددة، سواء العلمية أو الاجتماعية أو السياسية الخ، إلى جانب ذلك، فإنه يضيف وجود عامل آخر يزيد من رغبة الرجل في الهيمنة، وهو الجانب البيولوجي الفيزيائي لبنية الذكر الجسدية المتسمة بالقوة.

** المقاربة الأبوية الثقافية

من منطلق اجتماعي ثقافي، فإن المقاربة الأبوية تذهب إلى أن العنف ضد المرأة يرجع بالأساس إلى النظام الأبوي الذي يقوم على هيمنة الذكر الممثل في صورة الأب، رب الأسرة، الواسع النفوذ والسلطة من جهة، وعلى إخضاع المرأة الممثلة في صورة الأم وعلى إجبار الطفل على الطاعة واستدماج قيم البالغين والرهبة الموجودة في السلطة الأبوية، وبذلك يكون الصبي هويته كرجل بالاستناد إلى صورة أبيه النفسية التي يراها منعكسة في سلوك الذكور البالغين المحيطين به، كما ذهب إلى ذلك هشام شرابي. وهذا هو ما يجعل الفرد الذكر، في نظره، ينمو في مجتمعنا قضيبيا، ينزع في شخصيته إلى حب البروز والسيطرة ويحتقر المرأة، ويميل إلى إذلال من هم أضعف منه، وتتجسد هذه الشخصية القضيبية المصنوعة من طرف المجتمع، في أشكال ونسب مختلفة من العدوانية والشراسة وتتميز باعتزازها بذاتها، ويجد صاحبها لذته في إبراز أناه والدفاع عن سمعته وفرض نفسه على الآخرين.

** المقاربة النسائية ومرجعية علم النفس الحديث

في محاولة لتفسير السيرورة التكوينية لدى كل من الرجل والمرأة، فإن إيليزابيت بادينتير، ممثلة تيار تشابه الجنسين، ركزت على الطابع المعقد والصعب لهذه السيرورة عند الرجل. ولإبراز هذا الطابع الإشكالي وهذه الصعوبات التي يلاقيها الذكر في تطوره، فإن الباحثة تلجأ إلى مفهوم القانون السلبي الذي جاء به علم النفس الحديث واعتبره مبدأ لتحديد الهوية الجنسية للذكر البشري، وتسوق مجموعة من صور ومظاهر الرجولة التي جاءت بها الأنثروبولوجيا لتأكيد هذا الطابع الإشكالي.

ففي نظر الباحثة، يتمثل هذا القانون السلبي في أن الطفل الذكر، وللتعبير عن هويته الذكورية، يتوجب عليه أن يقتنع ويقنع الآخرين بأنه ليس امرأة، وليس يافعا، وليس لوطيا، إنه قانون سلبي ثلاثي الأقطاب، كل واحد من هذه الأقطاب يُعد صعوبة كبرى، فالذكر إذن يوجد أمام ثلاثة صعوبات، نوجزها في النقطتين التاليتين:

أ- الافتراق عن الأم والتميز الجذري عن الجنس المؤنث

لا يكفي أن تكون حاملا للكروموزوم (XY) وأن يكون لك قضيب لتحس بأنك رجل، إن المرحلة الحاسمة للتفاضل الذكوري تبدأ مع (XY) وتنتهي بالمنظور الذي يكونه الآباء حول جنس أطفالهم، والذي يحدد بدوره الهوية الجنسية للطفل، “طيلة هذه المرحلة فإن الجنين يكون قد “صارع”، حسب تعبير دجاست (A. Jast)، لكي لا يرضخ لبرنامج التطور الأنثوي، هذا الصراع البيولوجي هو أبسط مقارنة مع ذاك الذي سيخوضه الطفل الذكر حين ميلاده، وخلال زمن طويل، ليصبح رجلا”، كذلك، فالطفل الذكر يتغذى فيزيقيا ونفسيا من طرف شخص مخالف، وهو الأمر الذي يحدد مصيره بطريقة أكثر تعقدا ودرامية على خلاف البنت. ولكي يصبح رجلا، فإنه ينبغي أن يتعلم كيف يختلف عن أمه، وأن يكبت في أعمق أعماق نفسه هذا الاستسلام الأولي للأم، إن الذكورة تقتضي قمعا مبالغا فيه للرغبات الاستسلامية، خاصة المتعلقة بالاحتضان من طرف الأم، من هنا، فإن الذكورة خلال طول هذه المرحلة هي رد فعل أكثر منها انخراط، ذلك أن الأمر يتعلق دائما بمساعدة الطفل على تغيير هويته الأنثوية الأولية إلى هوية ذكورية ثانوية، وهذا ما يقوم به النسق الأبوي عندما يستعمل طقوس الإعداد، وبيداغوجية اللواط أو أسلوب الاحتكاك مع الأنداد، وهي آليات تهدف كلها إلى تغيير مكانة وهوية الشاب الذكر لكي يصبح رجلا، فهذه الطقوس “هي أجوبة ممكنة لحاجة كونية يتم الإحساس بها من طرف الطفل الذكر: أن يعترف به كرجل؛ أن يكون مع أولئك الذين قطعوا مع الضعف والارتباط الطفولي” كما أن هذه الطقوس ليست خاصة بالمجتمعات البدائية، إذ أنها تشمل حتى المجتمعات الصناعية كما هو الأمر بالنسبة لطقس التزريك (bizotage) المستعمل في المدارس الخيرية العامة بإنجلترا الحديثة، أو بالنسبة لنظام الكشفية (Boy-scouts) الذي أقيم بأمريكا سنة 1910، وكان الرئيس الأمريكي رئيسا شرفيا له، والذي كان هدفه المعلن من خلال الخطاب الذي ألقاه هو “أن نجعل من الأطفال الذكور رجالا كبارا ونصارع قوى التأنيث”.

ب- الغيرية الجنسية (l’hétérosexualité)

يتوجب على الطفل الذكر أن يبرهن بأنه ليس لوطيا، أي أن لا يتمنى أنه يرغب في رجال آخرين وأن لا يكون مرغوبا فيه جنسيا من طرفهم؛ أن لا يكون لينا، مؤنثا في مظهره الفيزيقي وفي تصرفاته، في هذا الإطار، فإن الأوموفوبيا (Homophobie) التي تعني كره الرجل للخصائص الأنثوية الموجودة في الرجال، “تشكل جزءا مندمجا لذكورة غيرية بالنظر إلى لعبها دورا نفسيا رئيسيا: أن تعني بأنك لست لوطيا وأن تبين بأنك غيري الجنس”، هذا الحقد على الجانب الأنثوي في الذات يولد طبيعيا ثنائية جنسية متعارضة، إن تأكيد الاختلاف هو رد فعل على تفقد الهوية والغموض الذي يقوي الذكورة، وتعتمد الباحثة على وجهة نظر (G. Groddeck) التي ترى أن الختان عند اليهود هو كبت لهذه الثنائية الجنسية، “إن إزالة القلفة عند اليهود هو إزالة للثنائية الجنسية عند الرجل، إنهم يزيلون عن الذكر الطابع الأنثوي، عن طريق الختان فقط، فإن اليهودي يصبح رجلا”.

من هنا تخلص بادينتر إلى أن مصدر الهوية الذكورية تعارضي وسلبي أكثر منه إيجابي؛ فهذا المصدر يشدد على المفاضلة، وعلى المسافة بالنظر إلى الآخرين، وعلى إنكار العلاقة العاطفية مع النساء، وهذا ما سنتبينه بالضبط في إحدى الدراسات السوسيولوجية التي هدفت إلى البحث في تكوين إيديولوجية الرجولة بالمجتمع الفرنسي، لقد أظهرت هذه الدراسة أن الرجولة كما تعرضها المادة الإشهارية تتمظهر في ثلاثة عناصر أساسية: أولها القوة، التي تشير إلى التمتع بصفات معارضة لصفات المرأة؛ وعنصرها الثاني هو السلطة، أي السيادة على الطبيعة وعلى جميع عناصرها من أدوات وبشر، أي الهيمنة والمنافسة؛ أما العنصر الثالث فهو التملك، أي السلطة على النساء. ولتأكيد هذا الطرح، فإن الدراسة تعتمد على ما أوضحتاه فيما بعد الباحثتان الأمريكيتان (Deborch S. David) و (Robert Brannon) ، واللتان أصبحتا شهيرتين بتبيانهما للمتطلبات الأربعة للذكورة، التي هي كالتالي:

المطلب الأول: لا شيء مؤنثا، مادام الرجل الحقيقي هو ذاك الخالص من كل أنوثة، فإنه سيكون ملزما بالتخلي عن جزء كامل منه.

المطلب الثاني: أن الذكر الحقيقي هو الشخص الهام، ما هو مطلوب منه هو التفوق على الآخرين، إذ الذكورة تقاس بالنجاح، بالسلطة والاعتبار، أي بدرجة توفر هذه الأوصاف في الرجل.

المطلب الثالث -وهو الحلقة الصلبة-: هو ضرورة أن تكون مستقلا عن الغير وأن لا تعتمد إلا على الذات. المطلب الرابع: يركز على ضرورة أن تكون قويا أكثر من الآخرين، حتى بالعنف إذا اقتضى الأمر ذلك، يتوجب على الرجل أن يبين الجرأة والعدوانية؛ أن يبين أنه قادر على تحمل المخاطر، حتى ولو كان العقل والخوف يقتضيان عكس ذلك.

إن الرجل الذي تتوفر فيه هذه المتطلبات الأربعة هو الذكر الأعلى بامتياز، والذي جعل، ولزمن طويل، الحشود تحلم به. هو الرجل الصلب، الوحيد، لأنه غير محتاج لأحد، هادئ الأعصاب، الفحل، كل الرجال حلموا بأن يكونوه: حيوان جنسي مع النساء، لكن لا يرتبط مع أي واحدة منهن، إنه ذاك الذي لا يلتقي بأنداده الذكور إلا في حالات المنافسة والحرب أو الرياضة. باختصار، إنه أصلب مما هو صلب، انطلاقا من هذه المقاربة نستنتج أن تشكل الهوية الرجولية يقوم في جزء كبير منه على القمع والعنف الموجه للذات بصفة عامة والموجه للآخر والمرأة بصفة خاصة.

4- مقاربة النوع الاجتماعي والمرجعية الأنتربولوجية

لتفسير الهيمنة الذكورية، تذهب الباحثة فرنسواز إيرتيرييه، بالاستناد على مقاربة النوع الاجتماعي وبالاعتماد على نماذج المجتمعات البدائية التي درسها الأنثروبولوجيون؛ وخاصة مجتمعات القناصين الملتقطين الذين درستهم الباحثة آن شابمان (Anne chapman)؛ وهي نماذج تُظهر وجود تفوق ذكوري تشوبه تغيرات نسبية تسير من المساواة الكاملة بين الجنسين عند بعض الجماعات الهندية إلى العبودية الكلية للنساء، إلى أن هذه الهيمنة لا ترجع إلى وجود الملكية الخاصة، كما ذهب إلى ذلك موريس كودولييه، وإنما أساسها هو النظام الرمزي، فأسطورة الأصل هي التي تبرر هذه الهيمنة.

هكذا تحاول الباحثة، بالاعتماد على دراسة أساطير بعض المجتمعات، أن تبين أن الخطاب الرمزي يشرعن دائما السيطرة الذكورية، سواء بمبرر العنف الأسطوري الأول الذي أُخضِع له الرجال من طرف النساء، إذن باستعمال سيئ للسلطة عندما كانت في أيديهن، كما تبينه أسطورة مجتمع أونا(ONA)، أو بمبرر عدم الإمكانية “الطبيعية” البيولوجية التي لا تمكنهن من الوصول إلى الصف العلوي، الذي هو صف الرجال، تقول الباحثة: “هناك قلب أساسي بين الجنسين مدرك دون أن يلفظ به ظاهريا، وهو على الشكل التالي: إن المرأة تتصرف دائما نحو الرجل، هذه هي المعركة الأولى، لا يوجد مجتمع حيث الرجال والنساء يتصرفون كليا بشكل متواز ومتماثل”، فالرجل، يبقى في كل الحالات هو المقياس الطبيعي لكل الأشياء؛ إنه هو الذي يخلق النظام الاجتماعي.

هذا ما يتبين أيضا حسب الباحثة، من خلال حالة مجتمع باريا (les Baruya) بغينيا الجديدة. تبرز هذه الحالة أن النساء في فجر الزمن هن اللواتي ابتكرن الناي والقوس اللذين كانا رمز سلطتهن، لكنهن لم يصوبن القوس في الاتجاه الصحيح، وقتلن بطريقة عمياء وفوضوية يسودها اللانظام، لهذا السبب اختلس الرجال منهن القوس وصوبوه في اتجاه الوجهة الصحيحة، الشيء الذي يجعلهم يقتلون بروية حسنة، هكذا، فإن الرجل يأتي بالنظام، المقياس العقلي لكل الأشياء، كما يعبر الخطاب الرمزي لهذا المجتمع عن ذلك.

هذا الأمر يتبين كذلك بخصوص المجتمع العربي الإسلامي من خلال ميتولوجيا التأويل القرآني، والتي تظهر فيها حواء، حسب الباحث تركي علي الربيعو، على أنها مصدر الغواية. إنها هي السباقة إلى الأكل من الشجرة، الشيء الذي يؤكد على طبيعتها الغريزية، وبانتهاكها المحرم تقع في الخطيئة المعرفة ثقافيا، وعبر هذا، تتحول الأسطورة إلى أدلوجة ذكورية تبرر السقوط وتباركه وتؤكد على أنه بنية أساسية في تركيب المرأة، إن خطيئة آدم عابرة وعرضية ويمكن له أن يمحوها بذبح عظيم، أما خطيئة حواء فأصلية وأزلية وتشكل بنية وجودها، فقد خلقت من ضلع أعوج ومن مَيْسَرَة الإنسان، وتحالفها مع الشيطان هو بمثابة نتيجة لتكوينها، إنها الشر بعينه، كما تذهب إلى ذلك بعض الميتولوجيات المتطرفة.

إذن، إذا كانت كل الأساطير الكونية، تؤكد على تفوق وهيمنة الذكورة وخضوع الأنوثة وتبعيتها، فما هو إذن أساس هذه الهيمنة وهذا العنف ضد النساء؟

تجيب الباحثة إيريترييه (F. Heritier) أن الخصوبة –وليس الجنس- هي أساس الاختلاف الواقعي بين المذكر والمؤنث، وأن الهيمنة الذكورية هي أساسا مراقبة وتحكم في إنجاب المرأة، في الفترة التي تكون فيها في مرحلة الخصوبة، أما المكونات السيكولوجية والأهليات الخاصة التي تخلق نماذج الذكورة والأنوثة حسب المجتمعات، والتي يفرض فيها أن تبرر هيمنة جنس على آخر، فإنها نتاج التربية، إنها إذن نتاج الإيديولوجية.

هذا بالفعل ما أكده من قبل جورج بلاندييه حيث يرى أن هناك سلطة بالنساء وعلى النساء. هناك مراقبة وأخذ بالسلطة الطبيعية التي تمتلكها النساء والمتمثلة في الإنجاب، فالرهان كله يدور حول تملك خصوبة المرأة، أي إنتاجيتها الطبيعية، إلى درجة أن المرأة المسنة بحكم أنها أصبحت خارج نطاق إعادة الإنتاج، فهي أقل خضوعا للمراقبة الذكورية ويمكن لها القيام بوظائف كانت محرمة عليها من قبل، ولكون تملك الخصوبة في الجسد الذكوري مآله الفشل، فإن هذا التملك يمر إذن بالمراقبة، بتملك النساء أنفسهن أو تملك منتوج هذه الخصوبة، هكذا، تخلص الباحثة إلى أن المحتمل هو أن الضبط الاجتماعي لخصوبة النساء وتقسيم العمل بين الجنسين هما أساس اللاتكافؤ الجنسي، وهما في نظرنا أساس العنف الرجولي ضد النساء، وهو العنف الذي يجد مشروعيته في النظام الرمزي للمجتمع.

وقفنا إذن على بعض المقاربات التي يمكن أن تشكل أرضية لتحليل وتفسير ظاهرة العنف ضد النساء وسننتقل بعد ذلك إلى البحث عن تمظهرات هذا العنف على أرض الواقع وعن المبررات التي يقدمها المجتمع لذلك.

** الرجولـة ومبررات العنف المادي ضد المرأة

انطلاقا من بحث ميداني(*)، يبين مجتمع البحث أن تحقق الرجولة بالنسبة للذكور يتحدد في جزء كبير منه بنوع من العلاقة النمطية مع المرأة، وهي العلاقة التي تقتضي من الرجل أن يحسن التعامل معها وأن تكون له قدرة الإنفاق عليها، لكن بالمقابل عليه أن يضمن عفافها والسيطرة عليها، كما تقول هذه المبحوثة: “ما يخلِّيش امرأته تدّير شي حاجة خايْبة، يكون حاكم عليها، باش ما يدّوش الناس عليه نظرة خايبة” (18 سنة، عازبة)، إنه يتم التركيز من طرف الجنسين معا على ضرورة فرض السيطرة من طرف الرجل ولو بالعنف الفيزيقي، إلى درجة يصبح معها هذا المظهر بعدا أساسيا من أبعاد الهيمنة الرجولية، كما تؤكد هذه المبحوثة:”فحل، حاكم على المرأة، ما تْملْمل، تمشي بمشورته” (65 سنة، ربة بيت)، لكن لتكتمل هذه السيطرة، على الرجل أن يكون قادرا على إشباع المرأة جنسيا، بالفحولة الجنسية حيث يمكن للرجل أن يكون له شأو عالي، كما يوضحه هذا المبحوث: ” فحل في الفراش؛ خاص يبرَّد لها الشهية، يعيش معها مزيان، وزايدون الراجل إلى كان فحل و قلْدة، يبقى عزيز عليها، لأنه يقال:” الذكر هو اللي يعلي شأنك أو يطيح شانك” المرأة كتْسَال من الراجل ثلاثة: الصير مزيان، كسوتها والنعاس ديالها لا غير، إلى تلاقيتي مع المرأة في النعاس، ما ترتاح ولو تبكي بالدم، ما ترحمها، لأن كلشي فيه الغدر إلا هذا الشي (الجنس) ” (34 سنة، متزوج وأب لطفل).

لكن الرجولة لا تتوقف عند حدود السيطرة على المرأة –هذه السيطرة التي ينبغي أن تتمثل في اتباعها وامتثالها لأوامره ونواهيه- ولا حتى عند تحقيق الإشباع الجنسي لها، بل لا بد أيضا من ضمان عفافها وعفاف بناته وكل ما يوجد تحت سلطته من نساء، يتطابق هذا المعطى مع ما ذهبت إليه فاطمة المرنيسي من أن” الرجل ليس مسؤولا على إشباع المرأة جنسيا وإرضاء حاجاتها المادية فحسب، ولكنه بصفته ساهرا على النظام الإسلامي يتحمل أيضا مهمة حراسة النساء اللائي يعشن معه وإخضاعهن”، هذا ما يتأكد بصفة خاصة من الموقف من المعاشرة الحرة للفتيات، كما يبينه البحث الميداني، إن فرض هذه السلطة يتم حسب التسلسل التالي: البنت، والحفيدة، والأخت، وبنت الأخ، وبنت الأخت، وبنت العم، وبنت العمة، وبنت الخال، وبنت الخالة. وبالرغم من كون عامل القرابة ما زال يفرض نفسه، إذ أن بنات الأقارب يشكلن أيضا عرضا عائليا، يتوجب ضمان عفافهن الجنسي، فالملاحظ هو أن هناك عاملا جد محدد يتحكم في القرابة بدورها وهو الرابطة المكانية، إن قرب نساء الأقارب أو بعدهن من سكن رجل ما، أو بالأحرى الإقامة أو العيش معه داخل نفس الفضاء يعد عاملا مهما يؤثر على درجة السيطرة على النساء، فكلما حصل تقارب في الإقامة كلما تقوت سلطة الرجل على قريباته، لكن كلما ابتعد محل الإقامة، كلما قلت أو اندثرت هذه السيطرة، كما يقول هذا المبحوث: “تفُوت عَ اختي وبنتي وتدبّر ارّاسها، أما إلى كانت قريبة لي في الدوار ما نبغيها تدير ذاك الشي، لأنها بنت العائلة، غاديا تجيب الشوهة والصداع للعائلة”، هكذا، تكون سلطة الرجل قوية على النساء اللواتي يقطن معه في نفس المسكن، وتنخفض بالتدريج حسب درجة البعد من الإقامة،على سبيل المثال، يحدث أن لا تكون للرجل أي سلطة على قريباته القاطنات بالمدينة، لكن في حالة زيارتهن له ومكوثهن معه في بيته لمدة ولو وجيزة، فإن سلطته تمتد عليهن ويمكن أن يلجأ إلى ممارسة العنف المادي ضدهن، كذلك، فإن الأخ قد يكون كامل السيطرة على أخته أو بنت أخيه إذا كانتا تقطنان معه في نفس البيت، لكن إذا حدث أن استقل هذا الأخ عن سكن أسرته، فإن سيطرته على هاتين القريبتين تكاد تنمحي، كما يقول هذا المبحوث: “الإنسان اللي خارج من الحضانة ديالك، ما سوقك فيه، ما تتدخل فيه، راه اختك وما تقدر تحكم عليها، الواحد يالله إلى قدر يحكم على اولادو باركة” (45 سنة، متزوج)، داخل فضاء الدوار، فإن سلطة الرجل يمكن أن تشمل كل قريباته، لكنها تختلف حسب الرابطة القرابية، تكون سلطته قوية من جهة النسب الأبوي، فالبنت والأخت أولى بالسيطرة، تليهن بنت الأخ وبنت الأخت، وتتبعهن بنت العم، بعد ذلك بنت العمة وبنت الخال، كما يقول هذا المبحوث: “إلى كانت من عائلتي، ما نبغي يكون فيها العيب، لأنه إلى كنتِ في الجمْع الناس يقولوا: شوف بنت عمك أو بنت خالك آش دايرة، دابا تطيح بالشرف ديالك” (26 سنة، عازب).

وتأخذ السيطرة على القريبات أشكالا مختلفة، العقاب البدني بالنسبة للبنت أو الأخت، الشتم والسب بالنسبة لبنت الأخ وبنت الأخت، إخبار والدي الفتاة في حالات رابطة العمومة والخؤولة. تشكل النساء، المنتميات بالقرابة إلى الرجل، عرضا ينبغي حمايته والدفاع عنه تجاه أي تحد خارجي، كما تقول هذه الفتاة: ” الراجل هو اللي ما يخاف، هو اللي يقدر يدافع على الشرف ديالو وعلى اولادو” (18 سنة، عازبة)، وأيضا كما تقول هذه المبحوثة الأخرى: ” يكون حاكم في دارو، وما يخلّي بناتو يخرجوا من الدوار، تكون عنده الكلمة وسط دارو، وما يخلي اولاد الدوار يضحكوا عليه أو يتغامزوا عليه” (20 سنة، عازبة)، حتى داخل البيت، فإن الرجل ملزم بحجب المرأة عن كل نظرة خارجية، إنه ملزم بحجبها عن أعين الضيوف. يقول هذا المبحوث: ” إلى جاوْ عندي ضيوف، خاصني ما نخليهم وحدهم في الدار مع المرأة ونمشي نخرج ندير شي حاجة (…) وإلى دقْ شي واحد في الباب، خاص ماشي اختي أو امرأتي هي اللي تقول شْكون، ولكن أنا اللي غادي نشوف شكون في الباب” (26 سنة، عازب).

ما يبرر لجوء الرجال إلى ممارسة العنف ضد النساء هو خوفهم من الإقصاء الاجتماعي ومن الشتائم التي يمكن أن تلحق بهم، كما هو الأمر بالنسبة لأولئك الذين يطلق عليهم نعت امرَيْوَة؛ الذي هو تصغير لاسم المرأة، يخص هذا النعت أساسا، الذي يصيب المرء في جوهر رجولته، على كل رجل لا يستطيع ممارسة السلطة على زوجته وبناته وأيضا أخواته وكل من يوجد تحت سيطرته داخل البيت من نساء، ويطلق على الذكر الذي لا يستطيع اتخاذ أي قرار داخل البيت أو خارجه، وإنما على عكس ذلك يلبي كل مطالب المرأة، كما يطلق أيضا على الرجل الذي يكون خاضعا لأوامر زوجته وواقعا لظروف معينة تحت سلطتها، إما بفعل صغر سنه، أو بفعل غناها هي وفقره هو، كما تقول هذه المبحوثة:”غالبينو اولاده والمراة غاسلها عليه. هذا هو المريوة عندنا” (39 سنة، متزوجة). وقد يطلق أيضا على الشخص الذي لم يستطع فض بكارة زوجته ليلة الدخلة، هذه المواصفات من شأنها أن تنزع صفة الرجولة عن الذكر وتجعله لا يحظى بالاعتبار الاجتماعي، كما يوضحه هذا المبحوث: “امريوة، أصغر من امرأته، حاكْمة فيه، تْسيّره كيفما ابغات، أو تحكم فيه بالمتاع ديالها أو بدارها، مني يبْغي يتدخل تقول له: أنت مالك؟ واش لك شي حاجة في هذه الدار، واجماعة ما يبقاو يعتبروه” (45 سنة، متزوج).

على أساس ما تقدم، ولكي لا تلحق المرأة أي ضرر يصيب جوهر الهوية الرجولية، فالملاحظ أن الأخلاق الاجتماعية وكل التوجيهات والنواهي تصب في اتجاه قولبة المرأة وتكييف سلوكها حسب مطالب الزوج، إلى درجة تجعلنا نستخلص أن المرأة تتحدد بزوجها أكثر ما تتحدد بأي رجل آخر، سواء كان أخا أو أبا أو ابنا أو قريبا أو أي رجل آخر، المطلوب من المرأة في علاقتها بالزوج هو أن تكون مخلصة له من الناحية العاطفية والجنسية وأيضا مطيعة له، أن تكون متفاهمة معه، تشاوره في كل أمر تريد قضاءه، عليها أن تتعاون معه وتساعده، من هنا يتوجب عليها عدم التدخل في شؤونه الخاصة مع ضرورة عملها على الإعلاء من شأنه وخدمته وتوفير العناية اللازمة به، المرأة ملزمة أيضا بعدم إثقال كاهل الزوج بالمطالب الاستهلاكية التي لا يستطيع تلبيتها. وبما أن الرجل الزوج ليس فردا منعزلا عن الآخرين، وإنما له أبناء وأسرة، فإن المرأة مطالبة بخدمة الأبناء وجميع أعضاء أسرة الزوج، وعدم الشجار مع والديه أو أقاربه، وفي حالة وفاته، فإضافة إلى ضرورة تحصنها وعفافها، فإنها ملزمة برعاية أبنائه والعمل من أجلهم حتى يكبروا، على المرأة أيضا عدم التعاطي للسحر وعدم الخروج من البيت أو زيارة الأماكن التي لا يرغب فيها الزوج دون إذنه. ذلك أن أشد ما يخافه المجتمع والرجال على وجه الخصوص هو تعاطي المرأة للخيانة الزوجية والسحر، يتم الاعتقاد أن المرأة، سواء كانت عازبة أو متزوجة أو مطلقة أو أرملة، فإنه لا وجود لأي ضمانة على عدم تعاطيها للجنس خارج إطار مؤسسة الزواج، المرأة متهمة أصلا بهذا الصنيع؛ بالخيانة الزوجية وبالتعاطي للجنس بدون هوادة، كما أنها متهمة بالتعاطي للسحر والشعوذة، إذ يرى المبحوثون أن المرأة بدافع الرغبة في السيطرة على الزوج؛ وبدافع الغيرة والحسد والمنافسة مع النساء الأخريات حول اكتساب الجاه والمال والاعتبار، فإنها تتعاطى إلى هذه الممارسات، هذا التمثل يتطابق مع “الاعتقاد الراسخ في المجتمع المغربي بأن السحر سلاح أساسي من أسلحة المرأة، تلجأ إليه إما للتأثير على قرارات الزوج؛ إذا ما انعدمت لديها قوة ضغط أخرى تمكن من تحقيق رغباتها، أو لضمان وفائه، أو بقصد تفكيك أسرة أخرى”، من هنا يفرض المجتمع على المرأة تجنب التعاطي لهذه الممارسات، التي تؤدي إلى فقدها مكانتها الاجتماعية، كما يقول هذا المبحوث: “إذا وجدوها تسحر لبني آدم، أو قوّادة، حتى واحد ما يبقى يحملها، اللي شافها يقول: اتْفُو على هذه الجُورة كيف دايْرة، كلشي خايف منها، تفرق المرأة على راجلها وعلى اولادها” (24 سنة، عازب)، هذه المرأة التي “تفسد، تخرج بلا ما تشاور زوجها، تكون هي اللي تحكمه وتسيطر عليه، ما يحترمها لا كبير ولا صغير” على حد تعبير هذه المبحوثة (62 سنة، أرملة)، تؤكد الملاحظة المباشرة أن الرجل الذي تتعاطى زوجته أو إحدى النساء الواقعات تحت سلطته لهذه الممارسات يفقد كل اعتبار اجتماعي، إنه يعتبر دون قيمة وخاضعا لسلطة النساء، ذلك، “أن الرجولة ينبغي أن يكون مصادقا عليها من طرف الرجال الآخرين، في حقيقتها كعنف حالي أو محتمل، و يشهد عليها بالاعتراف بالانتماء إلى مجموعة “الرجال الحقيقيين”، وإذا كانت هذه التهديدات الخارجية تتوخى بالأساس النيل من المرأة والبنات، فإن سلوكاتهن المنضبطة هي التي تمكن الرجل، في نهاية المطاف، من تحقيق رجولته أمام الآخرين، إن الرغبة في الإنضمام إلى مجموعة الرجال والخوف من فقد الاعتبار الرجولي هو ما يدفع بالرجال إلى ممارسة العنف ضد المرأة و تشديد الرقابة عليها بمبرر صيانة جنسانيتها والحفاظ عليها من تهديدات الآخرين.

نخلص مما تقدم أن الخوف من المرأة ومن ثمة ممارسة العنف المادي ضدها هو أحد مرتكزات بناء الهوية الرجولية، لكن لماذا ترضى النساء بذلك وكيف يشرعن المجتمع كل الممارسات العنيفة ضدهن؟.

** الرجولة والأسس الرمزية لممارسة العنف ضد النساء

إن ممارسة العنف ضد المرأة تجد أساسها في النظام الرمزي الذي تستند عليه، فسواء تعلق الأمر بالأساطير المؤسسة أو بالأعراف الاجتماعية أو بالترسانة القانونية أو غير ذلك، ففي كل الحالات نجد أن هناك سندا يشرعنها، فبمبرر أسبقية الوجود والتفوق والقوة والكمال تتم شرعنة كل الممارسات العنيفة التي يقوم بها الرجال ضد النساء، وهذا ما سنتبينه من خلال تحليلنا للأسس الرمزية التي يقوم عليها عنف الرجال.

يوضح الخطاب الأسطوري الذي يدلي به المبحوثون أن المرأة تفيد المغايرة أو الاختلاف المطلق مع الرجل؛ اختلاف في الخصائص الجسدية وفي الوظائف الاجتماعية الموكولة لهما؛ واختلاف في السمات المتعلقة بالطبع، فالرجل إذا كان ذكرا، بما تعنيه الكلمة من حمولة ثقافية، فالمرأة أنثى تتوحد مع الرجل من حيث الطبيعة، عبر الجنس، وهي أنثى، أي أنها عنصر مضاد يضع حدا لعواطف الرجل ويكبح طموحاته، كما يقول هذا المبحوث:”المرأة هي اسم دْيال الأنثى، خلقها الله باش تتوحّد مع الراجل، باش ما يفكر شي تفكير ما عنده حدود، باش ما يولّي رومانسي ما عنده حدود، ولهذا خلق الله المرأة، أي المعارضة، باش تعارض الراجل” (22 سنة، عازب)، كذلك، فالمرأة تعني النساء بصيغة الجمع، أي أنها شيء منسي ولا يمكن أن يرد الجميل، كما أنها تعني مرارة الطعم وأنها في حاجة إلى من يقوم بأمرها؛ أي أنها ولية، كما يؤكد ذلك هذا المبحوث:”حواء وأدام، هو يظل يفتش في النهار، وينام في المساء، وهي تفتش بالليل والنهار، لما وجدها قال لها ما اسمك؟ أجابته نساء، قال لها أنت منسية من رحمة الله إلا إذا هداك الله، ثم قال لها ما اسمك: قالت له: أنا المرأة، قال لها أنت هي المرة في الدنيا، قالت أيضا ولية من أولياء الله، من ترّيكة آدم (ض)، بعد ذلك، سألها آدم: أين كنت، أجابته كاذبة: كنت ع هنا، النساء كيدهن كيد، دير الخير في النساء وانساه ودير الخير في الرجال وترَجاه” (75 سنة، أب).

المرأة إذن، حسب التمثلات الاجتماعية، هي الكذب والخيانة والنقص والخطيئة كما تقر بذلك الحكمة الشعبية: “لا في النساء عهد وافي ولا عقد صافي” (27 سنة، متزوج)، فالخطأ الذي ارتكبته حواء في الجنة والذي كانت نتيجته طردها وآدم منها، جعل الله لا يشملها بمغفرته، لقد غفر لآدم، لكن لم يغفر لها هي، كما يقول هذا المبحوث: “النساء ناسيهم ربي من رحمته، محرْفِين لهم الشهادة نهار يموتوا، شكون اللي خْرَج على آدم من الجنة؟” (25 سنة، عازب)، لهذا السبب فإنه في حالة دفن المرأة في القبر بعد موتها فإنه يتم تمييزها عن الرجل كعلامة على دونيتها، ذلك أنه في حالة دفن الرجل الميت يتم على سطح القبر نصب شاهدتين: الأمامية عند رأس القبر والخلفية عند قدميه، بحيث تكون الشاهدتان متقابلتين ومتوازيتين، في حين تنصب على قبر المرأة الشاهدة الخلفية متقابلة بشكل تقاطعي مع الشهادة الأمامية، وهكذا نصبح إزاء هندسة رمزية تمايز بين قبر الذكر وقبر الأنثى، على هذا الأساس الأسطوري، يتم الإقرار بتفوق أبدي للرجل على المرأة وتتم شرعنة كل السلوكات العنيفة ضد المرأة، فهو أول من خلق، ولما قذف بهما على الأرض بعد خطيئتهما، كانت المرأة هي التي تبحث عن الرجل ليل نهار، مما يبرر تبعيتها له وارتباطها به، كما يقول هذا المبحوث: “كاين فرق، ماعمّرْها تكون أحسن من الراجل (..) الراجل هو على السمعة ديالو، لأنه هو اللي تخلق الأول، وحواء هي اللي فتشَت على آدم، هي تفتش عنه بالنهار، وهو يفتش بالنهار والليل، ما يخاف باش ينقذها ويعيشها تحت ظله (..) ولهذا الرجل عنده سمعة وفرق كبير على المراة، والمراة واخّ تكون موظفة ديما الراجل فوق منها” (22 سنة، عازب).

إضافة إلى هذا السند الأسطوري، فإن الخطاب الاجتماعي يفسر تفوق الرجل ويبرر ممارسته للعنف ضد النساء بقانون الأحوال الشخصية الذي يضع العصمة في يد الزوج، ويجعل المرأة مجرد كائن مغلوب على أمره، عليه أن يطيع أوامر الزوج ويتبعها، فالمدونة ترسم مجموعة من الحقوق والواجبات التي تكرس دونية المرأة وخضوعها للرجل، إذ تلزم المرأة بطاعة الزوج والوفاء له، وتلزم الرجل بالإنفاق على الزوجة كما يظهر ذلك بوضوح في الفصول (1 و 35 و 36) من مدونة الأحوال الشخصية، وكما بينت بعض الدراسات، فإن المغرب بقي أكثر إخلاصا لمدونته وللمرجعية الإسلامية، وأن مدونة الأحوال الشخصية تؤثر على أدوار النساء داخل المجتمع؛ إذ تسن سياسة تحرمهن من حقوقهن، كما أن المذهب المالكي، وهو المذهب الديني الأكثر انتشارا في دول المغرب العربي، يعطي الحق للرجل في السيطرة على المرأة، ويتمثل ذلك في كون المرأة لا يطلب منها الإدلاء برأيها في الزواج، وإنما يرجع ذلك إلى قرار أبيها –الولي- ووضع حق الطلاق في يد الأب، وحق تعدد الزوجات بالنسبة للرجل، وهذا يؤثر على حياة المرأة.

كذلك فإن الدين لا يمنح المرأة فرصا متساوية مع الرجل في اقتسام الإرث، فهي لا ترث إلا نصف حظ الذكر، يفسر الخطاب السائد هذا الأمر بكونها غير مؤهلة لأن تخلف الأب في اسمه بعد موته، ولا أن تحافظ على أمواله و ممتلكاته، ولا أن ترد جميله عليها، لأنها سرعان ما تتزوج حتى يأخذها واجب خدمة الزوج والأبناء عن واجبها تجاه والديه، كما يقول هذان المبحوثان:”لأن الراجل يعمر الدار حتى الأمان، والأرض ما يورثها له أحد، ويبقى ولده، يتسمى ولد فلان، خليفته، ويترحم على أبيه، والمراة ماشي بحال الراجل، ما تقدرش تدير هذا الشي، هي بنت فلان خاصها فلان يرث أباها ويتصرف في بلادو” (20 سنة، أعزب)، “البنت إلى ازدادت مايزغردوا عليها، والولد نزغرد عليه ثلاثة مرات، كنقولوا الراجل كيشد دار أباه. والمراة كتمشي تعمر دار الآخرين” (65 سنة، متزوجة).

الأعراف الاجتماعية وقيم العرض تبرر بدورها ممارسة العنف ضد المرأة، إذ تقر بتفوق الرجل وتجعله هو الذي يطلب المرأة للزواج وليس العكس؛ وهو الذي يفض بكارتها. كما تجعل المرأة هي موضوع العرض العائلي، وهي التي يمكن أن تجلب العار وكل التهديدات الخارجية، فهي غير قادرة على الامتثال لتعاليم الدين الإسلامي، إذ الرجل وحده القادر على أداء الواجبات الدينية على الوجه المطلوب، أما المرأة فلا يمكنها أن تقوم بذلك، لا يمكنها أن تؤم الناس في الصلاة، ولا أن تصلي الدهر كله؛ ولا أن تصوم كل أيام رمضان لأنها معرضة لدم الحيض والنفاس وأيضا للخطيئة.

هذه النظرة الدونية للمرأة، تظهر أيضا على مستوى تمثل المجتمع لدرجة امتثالها للقيم التقليدية، إذ يكاد يجمع كل الرجال، برغم اختلاف أعمارهم، على أن الذكور هم الأكثر امتثالا لهذه القيم من النساء:”الرجال همَ اللي محافظين عليها بزاف، أما المرأة لابد ما تتلاقى مع هذا وتعانقه وتسلم عليه” (26 سنة، عازب)، يعزى ذلك في نظرهم إلى كون المرأة معرضة بالطبيعة إلى الخطأ، وأنها رمز الخطيئة والخيانة والغدر؛ إذ أنها تتميز بالإبهام والغموض، لا يعكس ظاهر المرأة باطنها، لأنها تتسم بالقدرة على إخفاء ما تبطن. قد يكون ظاهر المرأة جميلا وجذابا، لكن لا يمكن لأي أحد أن يعرف ما تكنه وما تبطنه في داخلها، لذا، فإنها تشكل قارة ممنوعة تخيف الرجل وتهدده، “من هنا هذا الخوف من المرأة الذي يجمعها بالشر وبالشيطاني، إن المهيمن عليه هو ذاك الذي نهيمن عليه ونخاف منه في نفس الوقت”، كما بينت ذلك الأستاذة رحمة بورقية.

كذلك، فالمرأة تعرف دينيا بأنها ناقصة عقل ودين كما يقول هذا المبحوث: ” العيالات ما فيهم حيا ولا لحية، ناقصات من العقل ومن الدين” (17 سنة، عازب)، وبالتالي فإن المرأة تعد موضوع مذلة وهوان، ويسري الاعتقاد بأن أغلبية النساء جاهلات وغير متعلمات، مما يبرر السيطرة عليهن. مثل هذا التمثل ما زال سائدا لدى العديد من النساء أيضا، كما يدل على ذلك خطاب هؤلاء المبحوثان: “الراجل محافظ أكثر، الراجل هو اللي عنده النية على المراة، لأن المراة عندها عشرة ونية” (41 سنة، متزوجة)، “الرجال ماشي بحال العيالات، العيالات مافيهمش النية، العيالات ماعندهم كع المذهب، كاين اللي تضحك معك دابا، ولكن شوية تولي تهضر فيك، في حين أن الرجال ما عْزيز عليهم التبَرْزيط” (32 سنة، عازب).

** الجسد الأنثوي وإمتدادات العنف الرجولي

1- الجسد الأنثوي بين الرقابة والكلام

لأن الجسد الأنثوي، كما ذهبت إلى ذلك الأستاذة رحمة بورقية، “مكان للتفاعل والاندماج الاجتماعيين، فإنه محكوم عليه أن يكون حاملا للرموز، التي يكون اللباس واحدا منها، إن الزينة/ الحلي واللباس يعطيان للجسد الكلام، يجعلانه دالا، لأن العري يعني غياب المعنى، بعبارة أخرى الصمت، بينما يجعل المجتمع والثقافة منه جسدا متكلما”، ولأنه جسد متكلم، فإنه مجال للرقابة والضبط الاجتماعيين بامتياز، كما يستنتج من خلال كلام هذا المبحوث: “المرأة عندها واحد الولْسيسْ في رجليها، تحت كعاب رجليها، إلى بغيتي تعرفها واش عزْبة أو هجّالة، غادي تقلّبها من تحت كعابها، إلى كانت عندها ديك الولسيسة، اعرف أنها عزبة، ماكانت عندها اعرف أنها هجالة. (…) البنت احضيها في المشية ديالها، إلى لبست السبّاط وكان يضْبَرْها من رجليها، اعرف أنها هجالة” (26 سنة، عازب). يظهر إذن أن كل خصائص الجسد الأنثوي تصلح لأن تكون ضوابط على مدى صلاحيته وتطابقه مع المعايير التي وضعها المجتمع ومدى انضباطه لها، فكما أن انتفاخ بطن المرأة علامة على حملها، فإن الأجزاء الأخرى من هذا الجسد، تشير حسب الخطاب السائد، إلى معاني محددة، هكذا إذن تبين قدم المرأة مدى عذريتها، كما تبين مدى حسن أو سوء طالعها، والثديان أيضا يدلان على ذلك؛ إذ أن ارتخاءهما يدل على أن المرأة فقدت عذريتها، كذلك فإن تسريح المرأة لشعرها وعدم تغطيتها له يدل على رغبتها في الجماع، ونفس الشيء يقال بالنسبة للأعضاء الجسدية الأخرى، لكن ما يثير الانتباه، هو أن المعاني والدلالات التي أسندها المجتمع للجسد الأنثوي تشير كلها إلى تأويلات جنسية تعمل على تهميش المرأة، وتؤكد”أن جسد المرأة، في ذورته البيولوجية الخاصة، يعرضها داخل هذه البنية الثقافية إلى الإقصاء من الحياة العامة ومن دوائر السلطة والمعرفة، بما فيها المعرفة الدينية والصحية”، ولعل هذه الجنسانية التي ألصقت به هي ما يبرر حرص المجتمع على السيطرة على المرأة خوفا من إلحاق العار بالعرض العائلي، ومن ثمة فقد الاعتبار الرجولي الذي تسعى كل الاستراتيجيات الاجتماعية، التي عبرها يحتكر الرجال وسائل الإنتاج المادي ووسائل إعادة الإنتاج الرمزي، إلى تحقيقه والحفاظ عليه، كما هو الأمر بالنسبة للباس.

إن هذه الجنسانية هي التي بدورها تبرر ممارسة العنف ضد النساء كما يقول هذا المبحوث: “اليوم، كل واحد قايم بالدور ديالو، واللي دار شي فالْطة، راه لابد ما يضرب واخ يكون ع مُشْ (قط)، المرأة اضربها فقط عَ بمزرارة بين عينيها، هديك الحجرة كتشهد عليك يوم القيامة، ومن غير ذاك الشي إلى دارت شي حاجة خايبة طلقها، الله خلق صورة الوجه، أما الفرج والذكر وجميع المفاصل الأخرى خلقتها الملائكة” (57 سنة، أب)، وحسب ما نستخلصه من هذا النص، فالخطاب الرمزي يجعل الرجل وصيا على المرأة ومسؤولا عن تصحيح أخطائها، وإذا لم يكن اليوم قادرا على اللجوء إلى العقاب البدني، فإنه لا بد أن ينهاها عن المنكر ولو برميها بدرة حجر (مزرارة) على جبينها، إن ذلك سيكون الشاهد الواحد في الآخرة على أنه قام بدوره، لكن إذا ارتكبت أخطاء كبرى، فإن الواجب يفرض عليه تطليقها.

داخل الخطاب الرمزي إذن يكمن مفتاح فهم ظاهرة العنف ضد المرأة، إن النساء أنفسهن ترضين بذلك وتعتقدن بضرورة سيطرة الرجال عليهن، تقول هذه المرأة (41 سنة، متزوجة): “خاصو يسيطر عليها، لأنها تبغي تقوده وتدّير ما ابغات، خاص يكون محكوم عليها، تشد قانونها، ما تخرج للزنقة”، والملاحظ أيضا أن هذه السيطرة الذكورية كلما كانت قوية كلما شغفت النساء وتعلقن بها أكثر، كما تقول هذه المبحوثة (مطلقة، 27 سنة): “من طبيعة الحال، لأن الرجل كلما حكم، كلما تحترميه اكثر، حيث التّخْشاب مزيان” (مقابلة 97)، إن حجب المرأة داخل البيت (التخشاب) هو مسألة مألوفة لدى النساء، لدا لا تمانع نسبة كبيرة منهن في وجوده واستمراره حتى يومنا هذا، كذلك، فإن العديد من الفتيات المقبلات على الزواج يقبلن بسيطرة الزوج، ويجعلن هذه السيطرة أساس العلاقة بين الجنسين داخل الأسرة: “من طبيعة الحال نقبل يسيطر علي، حيث هو الزوج ديالي، والراجل اللي ما يحكم المرأة ماشي راجل، أنا نفضل يحكمني باش يتسمى راجل” (28 سنة، عازبة).

2- عذرية الجسد الأنثوي والعنف الممأسس

يظهر بمجتمعات البحر الأبيض المتوسط أن عذرية الفتيات تخص على وجه العموم مجتمع الذكور الذي يتوجب عليه، حسب قيم العرض، حماية هذه العذرية، من هنا المراقبة الدائمة لسلوك النساء، هذا ما أكده (LEFANCHEUR et G. Falconnet) حيث يرون أن من سوء حظ الفتيات وجود غشاء البكارة، التي هي واقعة فريدة تميزهن عن كل الثدييات، إن البكارة ساهمت في تسهيل المراقبة البوليسية على النساء لضمان عفافهن، وبالمغرب العربي، كما لاحظت (Dujardin)، فإن العذرية جد مثمنة في جميع الميادين الاجتماعية والثقافية والدينية؛ في الميدان الاجتماعي أولا ما دامت عذرية الفتيات الشابات، الملاحظة والمصرح بها أثناء الزواج، هي شغل وعرض كل العائلة، ثم ثقافيا وإيديولوجيا وحتى دينيا، ما دامت نفس هذه العذرية تأخذ قيمة تميز ترقى بهؤلاء الفتيات إلى الطهارة النموذجية، حسب الباحث عبد الرزاق مولاي رشيد، فإن القيمة المعطاة للبكارة تستجيب للأخلاق الجنسية الإسلامية التي تقوم على العفاف في مجتمع يعطي الأهمية للجسد الأنثوي غير المغتصب، إنها تستجيب لمفهوم الأسبقية في الامتلاك الفيزيقي لهذا الجسد، لكن إلى أي حد مازالت البكارة تتمتع بهذه القدسية وهذه القيمة في وقتنا الحالي؟ هل مازال الأفراد يولونها نفس الأهمية ؟ ما هو موقفهم من شريك بدون بكارة؟ هل يقبلون الزواج به ؟

حسب مجتمع البحث، فإن الحفاظ على البكارة معناه قدرة العروس على صيانة عرضها وعرض والديها، ومعناه أنها ذات نسب وأنها متخلقة بقيم الحشمة والحياء والجدية، ومن ثمة حظوتها بمقام محترم مع الزوج وأسرته، يعد هذا الفعل تشريفا لها ولعرض الأسرة التي ستؤسسها مع زوجها: “باش تبقى تحْميرْة الوجه قدام العائلة، باش تهز قيمة أباها قدام القبيلة، باش ما يضحكوا عليها قراناتها، باش تبقى عندها قيمة عند راجلها، تبقى كبيرة عند والديها، حيث كتبقى بحال النقطة ديال العسل في قلب راجلها، باش يقولوا هديك بنت الحكام والأدب” (24 سنة، عازبة) كذلك، فإن هذا العرض المحصل عليه بصيانة عذرية الفتيات يعد رأسمالا رمزيا يتم توارثه جيلا بعد جيل، وسيتم تداول خبره في أي مكان وزمان:”باش يبقى الشّرف دْيالها من ولد إلى ولد، ويبقى يتعاود من جيل إلى جيل وما يقدْروش يهتكوا الشرف ديالها” (65 سنة، متزوج) على هذا الأساس، فإنه خلال العرس، وحين يتم الإعلان عن كون الفتاة العروس قد حافظت على عذريتها لزوجها، آنذاك تعم الفرحة والسرور جمهور الحاضرين، لكن إن وجدت ليلة الدخلة بدون غشاء بكارة، فتلك هي الطامة الكبرى، حيث يسود الحزن و”ينطفئ نور العرس” على حد تعبير أكثر من مبحوث، وفي هذه الحالة، فإنها تصبح بدون قيمة تذكر، لا أحد يستطيع الدفاع عنها، إذ تتحول بموجب ذلك من امرأة حرة إلى عبدة أسيرة بين يدي الزوج وأسرته، قد يضربها ويشتمها ويعرضها لأقسى محن الفضح والتنكيل، لقد كانت العادة حتى عهد قريب هي أن يضع فوق ظهرها “برْدعة وشْواري”، على شاكلة ما يفعل بالحمير عند الرغبة في حمل بضائع عليها، ويتم إخراجها أمام جمهور المدعوين للحفل، ومن ورائها العريس وبعض من أفراد أسرته، يسوقونها كما يسوقون حمارا يحمل أمتعة: “يجري عليها ويسوّطها ويدير لها الفضايْح، زمان كان يديروا عليها البردعة والشْواري ويدُوروا عليها، حنث ما لقيها بنت، وهو بغى يعجب فيها القبيلة”(31 سنة، متزوجة). بعد الفضح والتنكيل الجماعي، فإن العروس سيتم تطليقها بعد أيام معدودة، قد لا تتجاوز شهرا.

لهذا السبب، نفهم لماذا لا يحضر جميع أفراد عائلة العروس إلى حفل الزفاف، ربما تجنبا لإمكانية وقوع حوادث مؤسفة عقب مثل هذا المشهد التي قد يستثير حميتهم وعصبيتهم إثر محاولة الدفاع عن بنتهم، على العموم لا يرافق العروس إلى بيت الزوج إلا ذكر أو ثلاثة، أخوها وبعض أقاربها، إضافة إلى مجموعة صغيرة من النساء، قد لا يتعدى عددهن ثمانية، ضمنهن أم العروس وبعض قريباتها، أما أب العروس فإن الأعراف السائدة تمنع عليه مرافقتها.

حتى يومنا هذا، فإن البكارة ما زالت مطلبا أساسيا يحرص الشباب على توفره في الشريكة، كما تحرص الفتيات أنفسهن على الحفاظ عليه إلى يوم الزفاف، ويتم التعبير عن البكارة بمجموعة من الألفاظ، التي لكل منها حمولتها ودلالتها الثقافية والاجتماعية؛ فهي “الصباح” وهي “تحميرة الوجه” وهي “السر” وهي “الشرف” وهي أيضا “الحياء” و”الحشمة”، لكن لماذا هذا التمسك القوي بالبكارة؟

حسب النساء، فالبكارة هي أهم ما تملكه الفتاة، هي مستقبلها، وبفقدها تفقد الحياة كلها، كما جاء على لسان بعضهن:”حيث الشرَف ديالها هو أهم حاجة عند البنت، هو المستقبل ديالها، إلى امْشى لها، امشات لها الحياة كلها”(19 سنة، عازبة). من جهة أولى، فالحفاظ عليها يمليه الخوف من الطلاق وعقاب الزوج والطرد من طرف الوالدين والإهانة من طرف أفراد المجتمع، ومن جهة ثانية، فهي أصعب اختبار لصلاحية المرأة وعفافها، ومن ثم فالبكارة هي الوسيلة الأساسية لنيل الاعتبار الاجتماعي سواء من طرف الزوج أو من طرف الآخرين، إن أهمية البكارة في حياة الفتاة تتجلى أساسا، في نظر المبحوثين، خلال اليوم الثاني من حفل الزفاف، أي في ما يسمى بطقس “البْرَازْ” أي البروز، حيث تظهر العروس أمام النساء المدعوات إلى الحفل.

خلال حفل الزواج، الذي أصبحت مدته تقتصر في الوقت الحالي على يومين، تقتضي العادة أن تكون ليلة الدخلة في اليوم الأول من العرس، فحوالي الثالثة أو الرابعة ليلا يختلي العريس بالعروس في غرفة تكون مخصصة لهذا الطقس لفض بكارتها، وأمام باب غرفته وخلال طول هذه الفترة يجلس ” لُوْزِير”، وهو شخص قريب أو صديق للعريس، يعين خلال الحفل من طرف أقرانه “التَّقادَّة”، وبإيعاز من أسرته، ليقدم له السلوان والنصائح، ويقوم بخدمته وحراسته من كل شخص يتربص به شرا بواسطة السحر أو” التّوكال”، الذي يقتضي تقديم مواد سامة في مأكول معين، وخلال ليلة الدخلة يكون هذا الشخص هو الناصح الأمين وهو حافظ سر العريس، الذي يسمى “مولاي السلطان”، أثناء لحظة الدخلة تجده يتحسس ويترقب من شقوق الباب أو النوافذ خبر العريسين، كما يشهد بذلك هذا المبحوث: “أنا نقول لك: هذا الشي وقع قدام عيني، كنت وزير ديال العريس، منّي دخل عليها ولقاها هجالة، ناض جْبّد عليها الموس، بغى يذبحها، حتى دخلت عليه فكِّيتو، شدّيت من عنده الكومّية، وصبّرته، ومني سلَى العرس، ابقات عنده شهر في الدار، ماعمره قرب لها أو تكلم معها، وفي الأخير طلقها” (26 سنة، عازب). كما يبينه هذا المبحوث، فإن الأمر إذا كان يستدعي التدخل العاجل، فإن “الوزير” هو الذي يتدخل أو يعين من يمكنه الدخول لمساعدة العروسين ( أم العريس أو أم العروسة أو الفقيه في حالة “ثقاف”).

خلال ليلة الدخلة، إذا كان أب العروس، منزويا في منزله، ينتظر في خوف وريب من أمره ذاك الساعي الذي سينقل له خبر عذرية ابنته قبل بزوغ ضوء الفجر، فإن جمهور الحاضرين ينتظر بدوره خبر العروس ويتطلع الأقارب إلى معرفة “السر” من “الوزير”، يكون الجميع متلهفا وفي شوق لرؤية “السروال”، أي قطعة الثوب البيضاء المبللة بقطرات دم البكارة، وحين تتأكد عذرية العروس تعم الفرحة وتكثر الأغاني والزغاريد، وفي صباح الغد، ما بين التاسعة والعاشرة، يتم الاحتفال بطقس “الحنّاء”، الذي بموجبه يتم إقعاد العريس أمام جمهور الحاضرين، وهو محاط ببعض الفتيات الصغيرات، اللواتي يدلين ظفائر شعورهن حوله، كما تحيطه عن يمينه ويساره امرأتان مسنتان تطليان يديه بالحناء، وتتخلل هذا الطقس، الذي تقدم فيه الهدايا “لغرامة” للعريس ولوالديه، مجموعة من الأغاني التي تقدمها بعض النساء من الدوار، واللواتي تتغنين بأمجاد العريس وخصاله؛ كما تتغنين بأمجاد كل من تقدم بهدية مالية أو عينية إلى العريس، كما تتخلله تلاوات لسور القرآن من طرف مجموعة من الفقهاء، وعند الانتهاء من هذا الطقس ومغادرة الرجال، بعد تناولهم وجبة الغداء، يبقى الشباب ملتفين بالعريس في خيمة معينة، بينما تمر النساء إلى الحفل الخاص بالعروس، وهو ما يسمى بطقس “البْراز”.

تختلف القيمة المعطاة لطقس “البْراز” حسب ما إذا كانت العروس بكرا أو فاقدة لبكارتها من قبل، في الحالة الأولى، تجلس العروس وسط غرفة البيت، مرتدية أزهى ملابسها، محاطة ب”وزيرتها” وقريباتها، مبتسمة ومحدقة في النساء المحيطات بها، والنساء ترددن: ” أن السر ظهر على وجهها”، يطول الحفل ويعم الفرح ويسود جو الغناء والمرح وتكثر الهدايا المقدمة للعروس، هكذا تعيش العروس، وكل قريباتها القادمات معها، لحظات كلها فخر واعتزاز، ويحظين بالتقدير اللازم لهن من طرف قريبات العريس الزوج، اللواتي يقدمن لهن الخدمات اللازمة، وربما، وتعبيرا عن هذا الفرح المشترك، فإن قريبات العروس تقدمن خلال هذا الحفل، وجبة غداء إضافية، معدة بلحم الديوك الهندية أو الدجاج، إلى مجموع النساء والشباب، الذين بدورهم يضعون، بعد تناولهم لوجبة الغداء هذه، مبلغا ماليا، يعد هدية وتقديرا للعروس؛ وفرحا بصيانتها لعذريتها.

لكن في الحالة الثانية، التي تكون فيها العروس فاقدة لبكارتها “هَجّالة”، فإن الكآبة تكون مخيمة على الأجواء التي يمر فيها هذا الطقس الذي يصبح شكليا، حيث تكون العروس خلاله مطرقة الرأس ومكدرة الوجه، لا تستطيع النظر إلى أي امرأة، كما أن علاقات التواصل ما بين الأسرتين تكون مشوبة بالازدراء والتحقير من جانب قريبات العريس لأسرة العروس، واللواتي قد يحدث أن تفضل غالبيتهن مغادرة الحفل في الصباح الباكر عوض الجلوس لحضور مراسيم طقس “البراز”.

حسب الذكور، فإن عدم حفاظ الفتاة على بكارتها، سيؤدي بها إلى عدم نيلها ثقة الزوج، الذي ستعيش معه في مشاكل أبدية: “إلى ما كانت عزبة، ما عندوش فيها الثقة، المرأة بحال واحد المحل مْسُورَت، جيتي حلّيتي ذاك المحل ودخَلتي، كتكون عندك الثقة، ماشي بحال واحد المحل ما مسورت، اللي جاء يدخل له، ما ثيق فيه والنفس شكّاكة” (33 سنة، متزوج). أن تكون العروس بدون بكارة معناه أنها قد تكون مصابة بمرض معين نتيجة ممارساتها الجنسية السابقة، كما أنه يتم الاعتقاد أنها لن تكون مخلصة في حبها لزوجها، وإنما ستعيش دائما مغرمة بالشخص الأول الذي فض بكارتها: “أما إلى ادى لها واحد آخر شرفها، راها ديما ما تبقى تحملك ولو متزوجة بك، لأن عقلها وقلبها مع الأول”، على هذا الأساس يفضل الشباب اللجوء إلى الطلاق عوض الاحتفاظ بها، إلا أنه نظرا للتكاليف الباهظة التي أصبح يتطلبها الزواج والطلاق، فإن غالبية الشباب تفضل المرور بالفحص الطبي للتأكد من عذرية الفتاة قبل عقد قران النكاح؛ وأحيانا المرور بالمعاشرة الحرة إذا سمحت الظروف بذلك للتأكد من خصال الفتاة ومعرفة مدى صلاحيتها للزواج.

** خاتمة

تظهر هذه الدراسة أن العنف ضد المرأة ليس حالة طارئة أو ظاهرة عرضية، ولكنه يعد بعدا مؤسسا للهوية الرجولية، فهو متأصل في البنيات الذهنية والمؤسسات الاجتماعية التي ترعاه وتحتضنه، العنف ضد النساء يتحكم في اللاشعور الجمعي للمجتمعات البشرية ويحرك دواليب الفعل السياسي والاجتماعي، إنه جزء لا يتجزأ من مخزونها الثقافي وإرثها التاريخي، لكن هذا لا يعني أنه حالة ثابتة وظاهرة مطلقة غير خاضعة لتغير الظروف التاريخية والاجتماعية التي تشهدها المجتمعات البشرية، وإنما المؤكد هو أن حدته تتفاوت حسب المرحلة التي قطعها كل مجتمع بشري في طريقه نحو إحداث القطيعة مع الممارسات البالية وفي تطوره نحو تحقيق التقدم والمساواة والرفاهية لكل نسائه ورجاله وكذا لكل فئاته العمرية وطبقاته وشرائحه الاجتماعية.

** يببليوغرافيا

– فريد الزاهي: الجسد والصورة والمقدس في الإسلام. إفريقيا الشرق، 1999 الدار البيضاء.

– فاطمة المرنيسي: الجنس كهندسة اجتماعية بين النص والواقع. ترجمة: فاطمة الزهراء أزرويل. نشر الفنك، الطبعة الثانية 1996.

– الهراس المختار وبنسعيد إدريس: الثقافة والخصوبة: دراسة في السلوك الإنجابي بالمغرب. دار الطليعة، بيروت. 1996.

– حليم بركات: المجتمع العربي المعاصر، بحث استطلاعي اجتماعي. مركز دراسات الوحدة العربية. طبعة 2، بيروت 1985.

– تركي علي الربيعو: العنف والمقدس والجنس في الميثولوجيا الإسلامية. المركز الثقافي العربي، طبعة 2- بيروت/ الدارالبيضاء 1995.

– هشام شرابي: البنية البطريكية: بحث في المجتمع العربي المعاصر. دار الطليعة، بيروت. ط 1- 1987.

– هشام شرابي: مقدمات لدراسة المجتمع العربي. دار الطليعة بيروت. ط 1- 1991.

– مدونة الأحوال الشخصية. طبعة عربية-فرنسية. سلسلة “النصوص القانونية” دار نشر المعرفة –الرباط- 2000.

Mostafa ABOU MALEK : Qui épouse qui ? le mariage en milieu urbain. Editions. ARIQUE Orient 1994.

Ekisabeth BADINTER: XY, de l’identité masculine. Editions Odile Jacob, Paris. Septembre 1992.

George BALANDIER: « Le sexuel et le social : lecture Anthropologique ».In : Cahiers internationaux de sociologie. Volume LXXVI- 1984.

Pierre BOURDIEU: « Vous avez dit “populaire” ?». In :Actes de la recherche en sciences sociales. N° 46 – mars 1983.

Pierre BOURDIEU : La domination masculine. Editions de Minuit 1998.

Rahma BOURQIA: « Une cible de pouvoir ou le corps tatoué. Réflexions sur le tatouage dans les tribus Zemmour ». In : B E S M. N° 153-154. 1984.

Rahma BOURQIA: « La femme et le langage ». In : Femme et pouvoirs. Série Approches. Collection dirigée par Fatima Mernissi. Editions Le Fennec, 1990.

CAMILLE et Yves LACOSTE: L’Etat du Maghreb. Editions le Fennec, 1991.

Mounira CHARRAD: «State and Gender in the Maghrib », In : JOSEPH (Suad) and SLYOMOVICS (Susan) : Women and Power in the Middle East. University of Pennsylvania Press, Philadelphia U.S.A 2001.

Camille Lacoste – DUJARDIN : «La virginité érigée en modèle des vertus féminines ». In : De camille et yves Lacoste : L’Etat du Maghreb. 1991

S. David DEBORCH et Robert BRANNON: The Forty-Nine Percent Majority, Addison-wesly Publishing company, 1976.

Géorges FALCONNES et Nadine LEFANCHEUR: La fabrication des mâles. Editions seuil 1975

Fatima MERNISSI et autres : Femmes et violences. Eds. PUMAG. Rabat, sans.

Steven GOLDBERG: the inevitability of Patriarchy (why the biological difference between men and women always produces male domination). Publisher : Wil|iam Morrow and campany, inc Ney york 1973.

G- GRODDECK : Le double sexe de l’être humain. In : Nouvelle revue de psychanalyse, n° : 7, Printemps 1973.

Françoise HERITIER: Masculin/ Féminin. La pensée de la différence. Editions Odile Jacob. Paris. Mars 2000.

Françoise HERITIER: « Les acquis des femmes sont bien fragiles ». In : Revue : Le Monde de l’éducation. N° : 282. Juin 2000.

Denis KANDIYOTI: «The Politics of Gender and the Conundrums of Citizenship », In : JOSEPH (Suad) and SLYOMOVICS (Susan) : Women and Power in the Middle East. University of Pennsylvania Press, Philadelphia U.S.A 2001.

Perla- Servan SCHREIBER: La féminité : de la liberté au bonheur. Editions Stock .Paris-1994.  [أمــــان]

مركز الدراسات- أمان – http://www.amanjordan.org/aman_studies

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий