Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > إصدارات وقراءات > الرحمانية تسافر مع الرحالة والباحث السوسيولوجي الفرنسي إدموند دوتي في رحلته داخل قبيلة الرحامنة

الرحمانية تسافر مع الرحالة والباحث السوسيولوجي الفرنسي إدموند دوتي في رحلته داخل قبيلة الرحامنة

الرحمانية: خاص

كان قد صدر قبل أسابيع قليلة للباحث المغربي وإبن منطقة الرحامنة الدكتور محمد بن عمر الناجي كتابه الأخير الذي هو عبارة عن ترجمة من الفرنسية إلى العربية  لكتاب ادموند دوتي   ” مراكش: قبائل الشاويةودكالة والرحامنة” . 

 


وهو الكتاب الذي جاء ليبرز أدبيات الاستعمار الفرنسي بالمغرب ،و حاول صاحبه دوتي  استكشاف أحوال الناس ومسارات البلاد وتضاريسها ومناخها وتربتها ولغات أوطانها خلال رحلة له قام بها سنة 1901 الى ثلاث قبائل مغربية توجد بين مدينتي الدار البيضاء ومراكش،وسعى من خلالها   إلى إخبارنا  بالتاريخ وبالمكونات البشرية والتنظيمات الخاصة والعوائد الثقافية لتلك المناطق  “

واعتبار لأهمية ماورد في هذا الكتاب من معلومات قيمة , وبعد الاتفاق مع المترجم الدكتور الناجي ارتأينا ان ننشر إحدى  فقرات هذا الكتاب تعميما للفائدة وتحفيزا للمهتمين بتاريخ منطقة الرحامنة على مطالعته والغوص في تفاصيل حياة سكان هذه القبيلة مع بداية القرن العشرين على مختلف المناحي  الاجتماعية منها  والاقتصادية والسياسية  .

1- من گراندو إلى الجبيلات

توقفنا يوم 29 مارس1901 “وسط طريق مراكش بگراندوالذي يدل على الخروج من مضيق جبل فطناسة. ويشكل هذا الموقع “نزالة” آهلة جدا، ومعروفة خصوصا بأطلال موجودة في المرتفع المجاور.

أطلال گراندو

وتعود هذه الأطلال لقلعة قديمة محلية  للأهالي، تغطي مساحة يمكن تقديرها بعشرين آرا، ولم يبق منها سوى شقة من سور بقي قائما أما الباقي فليس سوى أحجار غير منحوتة جيدا متناثرة في كل مكان، والمحاجر التي يحتمل أخذ هذه الأحجار منها من هنا، ولازالت شقة الحائط مصانة كما يظهر من صورتنا.

ولا زالت تظهر من جدران بعض البنايات ، من التابية حيث  الأثقاب التي استعملت أثناء البناء، -التي تبدو أنها من صنع المحليين أهل البلد- وهذه الدعامات مهجورة منذ القديم وتعرضت للخراب لأن بضعها لازال قائما، ولما كنا واعين بأهمية زيارة هذه الأطلال ، زرناها فعلا لكن لم نجد أي أثار لتلك المنارة التي أشار إليها عدة رحالة.

وليس غريبا أن يفكر سلاطين المغرب في إعطاء أهمية لهذه النقطة – لأنه حسب العسكريين المحنكين لا تخلو من  أهمية استراتجية. ويظهر لنا من هذا الموقع مضايق في اتجاه مراكش ومنبسط الرحامنة، التي يتعرج بها واد گراند والذي نلاحظ في ضفافه بقايا لسور مربع وبئر محفورة بطريقة جيدة تنسب إلى البرتغاليين، فالسور في الواقع بقايا بناية حديثة أما بالنسبة للبئر فمحفورة بالطريقة نفسها التي نجدها في كل من الحوز، مما يدل بكل بساطة على أن هذه المنطقة قد عرفت فترة حضارية زاهية فقدتها اليوم .

 

تاريخ قبيلة الرحامنة

(أطلال گراندو)

 

وقد أثار اسم گراندو اهتمام كل الرحالة ولا أعرف لماذا نسبوه إلى البرتغاليين،مع العلم أنه ليس له في هذه اللغة أي معنى ، ثم إن وثيقة برتغالية تعود للقرن السادس عشر تشير إلى ” قصر گراندو المهجور” دون أن تترك لحظة افتراض أنه كان هناك أي مؤسسة أو بكل بساطة أسم برتغالي“. ثم إن هذا الاسم يوجد على الأقل في جماعة أخرى في المغرب بحوض واد زيز. يحمل الاسم نفسه إن لم يكن هو. وهو أيضا كرانط الذي وقف به عبد المومن سنة 533 هـ/1138- 1139 م، وكان جبلا تكسوه غاية كثيفة يوجد قربه منبسط دون غطاء نباتي. وهذا المنبسط قد يكون هي الرحامنة وجبل فطناسة الذي من الممكن أنها كانت منطقة غابوية قديما. كما بينا بخصوص منطقة الجبل لخضر فإذا لم يكن الاسم برتغاليا، فإنه اتضح لنا أن البناية ليست برتغالية كذلك، ورغم ذلك تعتبر عموما كمؤسسة للبرتغاليين في القرن السادس عشر.

لكن الفقرة المأخوذة من المصدر المجهول المؤلف من المكتبة الوطنية الذي سبق أن أشرنا إليه، يبين أنه مكان دون أهمية . ثم إن الرحالة الذين ذهبوا إلى أن گراند وأشاروا إلى أن أصله يعود إلى  البرتغال كانوا ضحية نسب أهالي الحوز هذه وكل بناية قديمة إلى البرتغاليين. وقد حيكت بطبيعة الحال حول أطلال گراند وغيرها من الأطلال حكايات وأساطير غريبة. حيث يشار فيها خاصة إلى وجود ممرات أرضية تحتها تعبر الجبل، وهذه الإشارة لا تهدف مفاجأة الفلكلوري، لكن الغريب أكثر هو أن هناك بعض الرحالة أشاروا إلى أن مرافقيهم عبروا الهضبة عبر هذه الممرات الأرضية كادوا يتيهون  في دروبها.

قرية من الرحامنة

غادرنا گراندو ومضايق جبل فطناسة على الساعة التاسعة صباحا. ودخلنا الآن بلاد الرحامنة التي تمتد إلى حدود مراكش. وفجأة تغير المشهد في تناقض تام مع مشهد خصوبة دكالة. فلم تعـد هناك منبسطات غنية وأراض صالحة للزراعة تتوالى فيها الغلات دون انقطاع وحيث يظهر دوار جوار الآخر، ولم تعد هناك منازل مبنية بالحجارة، وليس هناك أي حيوية أو نشاط في الحقول. والهضبة الرملية تتخللها أحيانا صخور بارزة غير متقطعة، والدواوير متباعدة كثيرا. وليس هناك إلا النوايل توجد بينها بعض الخيام ومررنا قرب أحد هذه الدواوير، وهو الآن شبه فارغ إذ ذهب كل الرجال للتسوق وليس هنا إلا النساء، وتوقفنا لحظة لطلب بعض الماء، وفجأة تحلقت حولنا عدة نساء بداعي الفضول، فالأزواج غائبون ولم يعد يحسسن بأي حرج فأطلقن العنان لحسهن الفضولي، وتلبس العديد منهن ملاحف زرقاء بعض الماء، وفجأة تحلقت حولنا عدة نساء بداعي الفضول، فالأزواج غائبون ولم يعد يحسسن بأي حرج فأطلقن العنان لحسهن الفضولي، وتلبس العديد منهن ملاحف زرقاء أو الخنت، محجبات الرأس، سمراوات بل قريبات من السواد، و أياديهن صغيرة، وقسمات وجوههن رقيقة، وعيونهن حذقة ولوزية الشكل شيئا ما ، وأنوفهن أسيلة، وأفواههن صغيرة مع شوارب غليظة بعض الشيء لكن ليس إلى درجة غلظ شوارب الزنوج، وخلاصة القول إن لهن جمالا مثيرا. وقدم لنا حليب النيق باردا على الطريقة الأرستقراطية عند المسلمين العرب. فللسلاطين والأعيان عادة نوق بيض تربى من أجل الحليب. و لهذا الحليب خصائص وقائية مميزة.

تاريخ منطقة الرحامنة

( نساء وأطفال آيت موسى واحماد ( الرحامنة)

النوالة

وتسمى القرية التي وقفنا بها آيت موسى واحماد. مكونة فقط من النوايل والخيام وبلاد الرحامنة معروفة منذ القديم بالنوايل ، والمكان مسعف هنا لإعطاء تفاصيل حول هذا النمط من السكنى المميز. ولا تخلو النوالة المغربية من إتقان كما هو الحال بالنسبة للنوالة السودانية. فهي مبنية بقصبات قوية وغليظة تغرس في الأرض على شكل دائرة ويجمع فيما بينها من الجهة الأمامية القابلة للطي ثم تخاط بعد ذلك. ونجد في هذا الهيكل عند الرحامنة أغصان فروع من الطّرفة والمسماة عند عبدة بالرطم، فهي فروع رقيقة وقابلة للكي أو الطي حول الهيكل أو الإطار المعد أولا بطريقة منضدة ، ويستعان أحيانا كما هو الشأن بالنسبة لقرى الزنوج بمازگان بالتبن حيث يغطى الكل عادة بالقصب، ونحصل في الأخير على كوخ أسطواني مخروطي ذي طابع عتيق جدا تفتح في جنباته باب قصير بعض الشيء. وتتناثر النوايل في بلاد الرحامنة بشكل غير منتظم. فهي موزعة حسب فخذات القبايل وكل عائلة من هذه الفخذات تحيط “نوايلها” بزريبة مسورة بالأشواك. كما توجد دواوير كبرى على

شكل قرية كبيرة. كما هو الشأن بالنسبة لدوار أولاد ابراهيم الذي سنتحدث عنه لاحقا الذي كان يضم ما بين 200 إلى 250 نوالة. ويوجد في كل زريبة خيمة رب الأسرة وسيدها في حين يسكن باقي أفراد الأسرة في النوايل. وكلما تزوج أحد أبناء الأسرة تبنى له نوالة في الزريبة.

تاريخ منطقة الرحامنة

(نوالة  بقرية العبيد بمازگان)

وعندما يرحلون في فصل الربيع يحملون الخيمة ويتنقلون مع قطعانهم لمسافات بعيدة، يحلبون بهائمهم ويجزون أصوافها. ويحدث أحيانا أن يبقى جزء من قسم من العائلة في الزربية دائما عندما تكون لهم محاصيل وقطعان كافية للحرث أو الفلاحة، في حين يتبع الآخرون والقطيع. أما الفقراء الذين لا بهائم لهم ولا قطعان فلا يغادرون الدوار. وتستمر البهائم في الرعي تحت حراسة الرعاة طيلة فصل الصيف في مراعيهم الشاسعة، ثم يرحلون إلى أماكن بعيدة لجلب الربيع الأخضر والجاف، لكن ملاك الأغنام الحقيقيين الذين جزوا صوف أغنامهم لا يصطحبونها في هذا الفصل، بل يبقون في الدوار إلى حلول فصل الربيع القادم حيث سيتبعون بهائمهم من جديد وتختلط عند الرحامنة الخيمة بالنوالة. لكن الفقراء لا خيام لهم، وهناك بعض الدواوير الفقيرة وخاصة في طريق مراكش ليست سوى نوايل ولكنهم غير رحل. وكثير منهم لهم عدة تجمعات سكنية بنوها من النوايل خاصة منهم من له قطعان أغنام كثيرة. وخير مثال على قرية السكان المقيمين بالنوايل هو قرية الزنوج أو العبيد بمازگان، ومنذ عدة سنوات التي أخذت فيها الصورة 73 لم تكن هناك سوى أكواخ أسطوانية مخروطية، وبعض الأكواخ الأخرى على شكل گوربي.

كما نرى هنا وهناك عند الرحامنة ومثاله الصورة 72. ولا نجد خياما قديمة هنا وهناك إلا بصعوبة أما اليوم فقد تغير كل شيء، فتعاطي أهالي قرية العبيد إلى البناء، فاختفت الخيام وكذلك النوايل واستبدلت بناء الحجر بدل القصب. حيث نرى منازل مبنية كلها بالحجارة ومصبوغة بالجير، ومسقفة بالقصب والخشب، وقد ساعدت عوامل عديدة في هذا التحول منها أنهم لم يعودوا يؤدون حقوق المخزن ثم إنهم كانوا ضحية حرائق كبيرة اجتاحت القرية، وأخيرا فإن الرفه الذي أصبح يحس به الناس في هذه السنوات الأخيرة منحهم وسائل لإضفاء عناصر الجمال على بيوتهم.

 

تاريخ منطقة الرحامنة

(زريبة مع نوالة وسط مازگان)

تسول

غادرنا قرية آيت موسى أو حماد حوالي الساعة الحادية عشرة، وواصلنا سيرنا في هذه الهضبة فاختفى المتسولون. ورغم ذلك صادفنا امرأة تظهر لنا تظلمها من المخزن. وعلمنا أن أقاربها قد اعتقلوا أثناء تمرد الرحامنة الكبير ضد تولية السلطان الحالي (1901) وأن بعضهم قد قتل، والبعض الآخر لازال في زنازن مراكش وأنهت نقدها اللاذع بهذا الدعاء الذي يظهر منه احتقار الكافر يختلط بالحقد على الحكومة المغربية، فقالت: “اعطي لفلوس الله يعاونك احنا نصارى هما ناس ملاح، لمسلمين هما الكفار”. وبعد خمس وأربعين دقيقة من المشي البطيء من آيت موسى واحماد وصلنا  إلى ” سوق الإثنين”. ورغم أن هذا اليوم هو يوم جمعة وليس يوم السوق، فإن هنا هناك “سويقة” العيد الكبير الذي سيحل بعد غد. وقد شكل قرب العيد هذا فرصة لمرافقينا للإسراع في المشي بهذه البغال الضعيفة حتى نصل إلى مراكش غدا بعد الزوال. ثم إننا لم نرتح ولو نصف ساعة لأخذ وجبة الغذاء الذي كان في واضحة الشمس ورغما عن أنفنا. فالبلاد هنا مهضوضبة، لكن الفلاحات أو الزراعات نادرة وفقيرة، ومررنا حوالي الساعة الواحدة وعشرين دقيقة بدشر العرية.

 

السميرة

 

ومددنا الخطى لنصل إلى السميرة، وكانت الحرارة مرتفعة جدا، ولا ثر لأي شجرة بالطريق، وليس هناك إلا السدر تنبت أسفله بعض النباتات الخضراء ونبتة “بقلة الملك” و”الآذريون”، ثم أصبحت التربة تتغير شيئا فشيئا حيث هناك انبساط والتربة أكثر صوانية، والشيست يظهر هنا وهناك، وأخيرا وجدنا أنفسنا فوق هضبة كبيرة مكسوة كلها بأزهار الربيع والآذريون و الأقحوان الذي تعطر رائحته الأرجاء. وسط هذه الطبيعة الخلابة توجد السميرة التي وصلنا  إليها على الساعة الثانية بعد الزوال.

تشكل السميرة مكانا مفضلا واستثنائيا وسط جفاف منطقة الرحامنة. فهناك حدائق! والماء عذب ووافر، ومخزن في صهريج جميل. وتنتصب النوايل قرب أطلال بناية قديمة ذات طابع إسلامي لازال يظهر منها “برج” و أخبرنا السكان الذي سألناهم عنها أنها آثار قلعة قديمة بناها الحاج محمد المزوضي، ولايرون أن هناك آثار أطلال  مسيحية، ولايرددون إلا أن گراند وحدها هي البرتغالية في الواقع، فهم يقولون إن گراندو كان مسيحيا بنى تلك القلعة التي حملت اسمه !  وقالوا أيضا إن البرتغال وصلوا إلى السميرة بل وزحفوا إلى مراكش ولم يستطيعوا دخولها. وقالوا لنا أنه يوجد مكان يسمى الكهف. على بعد ساعتين من سوق الإثنين في اتجاه الغرب، به أطلال تشبه گراندو. ل هذه البلاد كلها قد سكنها البرتغاليون حسب قولهم- وشيدوا بها بنايات.

 

آثار الاحتلال البرتغالي

 

وتحضر هنا الآثار النفسية للاحتلال البرتغالي بقوة في الذاكرة الجماعية ، لكن يصعب أن يستخلص منه أي تفصيل مركز، والتاريخ لا يسعفنا أيضا في الاعتقاد بأن البرتغاليين شيدوا بنايات بداخل المغرب، فهم لم يحتلوا في الواقع سوى الساحل. لكن هجوماتهم العنيفة في الداخل، وتعنيفهم للأهالي جعل اسمهم يتردد دائما وأصبحت تنسب لهم لحد الآن كل البنايات القديمة. فقد كان للبرتغاليين ” البرتقيز” الدور نفسه الذي كان للسلطان لكحل الذي سبق أن تحدثنا عنه.

وتنسب في مناطق أخرى، إلى ” النصارى” أو إلى ” الروم” ( رومان أويونان) الأطلال التي بقيت قائمة من ذلك العهد وتسمى ” الأصنام” لأنها تشبه بأصنام الجاهلية.

 

أساطير خاصة بالأطلال

 

ففـي السابق كان يطلب تدخل شخصيات أسطورية ، ويتعلق الأمر أحيانا بحجارات كبيرة تنسب إلى الجْهالة أو الجُهالة “شعب من العمالقة. وليس هناك إلا رغبة تفسير شيء غريب، وأساطير تبدو فطرية. علما أنها ذات طابع بدائي انضوت تحتها الرغبة في التعرف وأصبحت اليوم موضوع فضول علمي. وقد انتشرت بصفة خاصة في البلدان التي نهتم بها، بالنظر إلى عددها الكبير الذي نصادفها فيه بآثار دالة على الخراب. والبنايات العالية النادرة التي بنوها لم تصمد أمام الأيام بل ورأوها أنفسهم تنهار أمام أعينهم دون مبالاة.

 

هضبة الرحامنة

 

انطلقنا من السميرة حوالي الثانية وعشرين دقيقة، وأصبحت الحقول الشاسعة أكثر جمالا وروعة. حيث أصبحنا نرى الشعير وبعض الأزهار ذات خضرة جميلة مشكلة ” زربية” مختلفة الألوان وذات أزهار صفراء ومختلف الأزهار من أقحوان وشقائق النعمان في تناسق تام خالقة تزيينا لافتا. وتشكل هذه الهضبة كلها مجالا واسعا للرعي وصادفت رحلتنا فصل الربيع، لكن عندما يحل الصيف وتجف هذه النباتات فإنه لا تبقى سوى النباتات الشوكية في منظر قاس وبنية قاحلة، وهكذا يحمل الراعي قربة ماء على ظهره وكيس مؤونته في جانبه ليدفع بقطيعه وسط هذه المساحات الشاسعة الموحشة حيث تعيش البهائم على النباتات المتناثرة الناذرة هنا وهناك ويبقى غائبا على هذه الحال لأسابيع تحت أشعة الشمس الحارقة، ولا يختبئ منها إلا عندما يجد مكانا مناسبا. ففراشه الأرض وغطاؤه السماء وسط هذه الوحدة الكبيرة ويتعرج على يسارنا الآن واد،  واد حقيقي كما هو الحال عندنا في الجزائر، أي واد دون ماء ولم نعبر من گراند وإلى الآن إلا ثلاثة وديان متشابهة، وأسرة وديان واسعة وذات حصى تتجه نحو الشمال الشرقي ونحو المحيط الذي لا تصل إليه، لأن الأراضي الجافة والمهضوضبة والعقيمة تحول دون ذلك، حيث تتوقف قبل ذلك، ونحو عبدة، حيث تكون هناك سيول عارمة أياما كل فصل شتاء، لكن لما كانت الهضبة جافة فإنها لا تتأثر بهذه السيول، وتقذف بهذه المياه وسط هضبات جافة وتحت سماء بخيلة. وتنتشر في ضفتي هذا الواد الذي تعبره الآن حقول من نباتات عالية مكونة من نباتات ذات أزهار زرقاء جميلة وذات سيقان طويلة ورقيقة وبعض أزهار القريني الوردية ذات الرائحة الطيبة.

وغادرنا هذه الحقول حوالي الساعة الثالثة وخمسة وأربعين دقيقة لنتجه نحو مجال أقسى من هذا، حيث حيث سنصعد نحو الگنتور عبر مرتفع قصير من حوالي خمسين متر أو أكثر، حيث تتبعنا واديا صغيرا وصلنا من خلاله إلى نزالة ” الرواگب”. ومن هنا أصبحنا نرى من جديد الهضبة الكبيرة والواسعة. أكثر انبساطا، ومن الممكن أن تكون قد انغلقت أو توقفت عند الجبيلات، لكنها إلى حد الآن تمتد ولا شجرة بها ولا أشواك غابات، و ليس هناك إلا نباتات ربيعية، “وشوالة الفار”، ولا يستطيع الرحالة أن يقاوم هذا الجمال الطبيعي، وأن لا يطلق العنان لخيله لتجري وسط هذه المساحات الشاسعة، لكن ليس لدي سوى جواد اكتريته من الدار البيضاء، لا يقوى على هذه المغامرة، توقفنا قرب نزالة صغيرة، لأصحابها معرفة كبيرة بالخيول، مثل باقي أهل هذه البلدان،و لاحظوا بنظرة فيها كثير من الخداع آثار الإنهاك والتعب على جوادي المسكين.

وتسمى هذه النزالة التي وقفنا بها غدير “نتاع” لخشب ( غدير لخشب)، بعد ساعتين من انطلاقتنا من الرواگب.  كان الوقت متأخرا، والشمس توشك على الغروب، وتشكل أمام أعيننا بياضا لافتا نحو الجنوب حيث تظهر السلسلة الثلجية  للأطلس الكبير. تختفي أو تنطفئ شيئا فشيئا وراء الجبيلات التي منعتنا الغيوم من رؤيتها من هذا المكان الذي نوجد به. وكلمة نزالة الغدير تحيل على أننا وصلنا إلى منطقة: لغدير” أي البرك التي يضل بها الماء راكدا لمدة اطول ويسعف في سقي البهائم صيفا، وغسل الصوف. وينتمي الأهالي هنا في هذه المنطقة إلى مجموعة منغلقة أو محصورة في الرحامنة وهم فخدة من المنابهة.  وهم مجموعة من المحتمل أن تكون أصولهم عربية، يوجد القسم الأكبر منهم في سوس، وقد قالوا لنا لما نزلنا عندهم” حنا خوت لفقيه ” دون أن يضيفوا شيئا. ويقصدون بالفقيه وزير الحرب القوي صديق السلطان: المنبهي، الذي يبدو أنه قطع صلاته بهم  منذ وصوله إلى السلطة.

الصهريج

انطلقنا يوم 30 مارس على الساعة السادسة وخمسة وأربعين دقيقة، حيث استمر تحركنا على أرض منبسطة، وبدأت سلسلة الجبيلات ترتفع في الأفق وسط السماء الزرقاء، على الرغم أن في خلف الأطلس الكبير تنتصب قممه الذهبية. فالأرض هنا مغطاة بأزهار السوسن البرية، وسهلة المسالك، فلم نمض سوى نصف ساعة لنصل إلى “الصهريج” الذي ينطقه مرافقي “الشريج” وهو دشر من حوالي أربعين نوالة، وسط صهريج لا ينقصه سوى الماء، يمكن أن يسقي حوالي خمسمائة رأس من الحيوانات. لكنه مهمل إلى درجة أنه لم يعد به ماء .

حب الأرض المنبسطة

وواصلنا سيرنا في هذه الأرض المنبسطة التي تسمى هنا: “البحيرة”، مع العلم أن هذا الاسم خاص بالجهات الموجودة في شرق المناطق التي نعبر الآن، والتي تشكل في قدم الجبيلات منحدرا حقيقيا تتجمع فيه المياه أثناء فصل الشتاء.

. وهذا اليوم هو آخر يوم ربيعي بقي لنا، فيجب الترحال في هذه المنبسطات ليتمتع الإنسان بالجمال الطبيعي، ولعل هذا هو سر إعجاب الضباط والموظفين في الجزائر بالهضبة الكبرى أو الصحراء وحبهم لها، وهو أيضا سراحتفاظ أغلب الرحالة الذين مروا من المغرب بذكريات جميلة عن هذه المناظر الجميلة، فكلهم لا يخفون سعادتهم بالمرور في هذه المناظر الطبيعية الجميلة  التي لا تعاد لها أي سعادة.

وتتشكل طريقنا من خمسين مضيقا صغيرا، تتقاطع فيما بينها، وسط النباتات الربيعية والأرض هنا رملية أكثر حيث نجد متعة في سماع صوت حبات الرمل تحت حوافر خيولنا وما أجمله من طريق للجيوش!، ولم يمنعني هذا الشعور من التفكير في أول مرة عبرنا فيها هذه الطريق كيف أنه لم نصل في هذه الفترة إلى صيغة للتعاون مع المخزن، ولم نكن مضطرين بعد للإقناع بيقين الاحتلال (المدخول) السلمي، الذي انتهينا إلى الاقتناع به، والذي دافعنا عنه نحن بأنفسنا.

أشجار السدر

تظهر لنا عن بعد سدرة كبيرة، وهي دلالة على ضريح طبعا. وفجأة ظهرت عدة سدرات. وشجر السدر خشب مقدس ( عندهم)، كما أن هناك حويويطة، وكركور، وشلاليگ؟ ، وكلها تدخل في تقاليد الأولياء. وأشجار السدر التي مررنا بها الآن لا أوراق لها، يتخللها بعض الرطم. وهذه السدرات الناذرة  هي مصدر ملاذ الرحالة الذين يبحثون عن الظل وسط هذه المنبسطات الشاسعة، فباستثناء أشجار الكروم (التين) والصبار بالسميرة، فإنها تشكل الغطاء النباتي الوحيد بالمنطقة. وأصبحت زراعات الشعير رغم ذلك أكثر انتشارا، ويعمل الأطفال على مطاردة الطيور حتى لا تأكل حبات سنابلها طيلة اليوم. وتوجد هنا وهناك عدة “غديرات” تغسل فيها النسوة الصوف اللواتي قلن لنا أن هذه الأرض الرطبة تمكن من انتشار الزراعات. فها نحن بالسوينية بل في قدم الجبيلات، حيث ضريح سيدي أحمد الفضيل يميز مدخل المضيق الذي سنعبر منه السلسلة الصغيرة.

 

Tags: , , , , ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий