Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الرمزية من منظور التحليل النفسي

الرمزية من منظور التحليل النفسي

د. آمال النور حامد

إن الرمزية من منظور التحليل النفسي بمعناها الواسع “هي أسلوب من التصوير غير المباشر والمجازى لفكرة أو صراع أو رغبة لا واعية، بهذا المعنى يمكننا عد كل تكوين بديل رمزي” Encyclopedia Americana 1966:161-162. ووفقاً لهذا التعريف يجوز عد ممارسة الزار تعبيراً رمزياً لرغبات أو مأزم معين، يرتبط في ذهن المريضة الممارسة بذكريات كامنة في اللا وعى لديها، كما قد تكون نتاج حتمية ترابطية تجسد حدثاً يرتبط بمسببات المرض. فالرمز هنا رغم تجليه عنصراً أبكماً لا واعياً. لا يستطيع المرء صياغة تداعياته ويحيله إلى حقل المرمز “حقل الهوامات” بتعبير فرويد، أو “حقل النماذج الأثرية لـ اللا وعى الجماعي” بتعبير يونج.

يرى فرويد في الرمز تمثيلاً لمواد مكبوتة لا شعورية في العادة، فالحلم ليس سوى تعبير أو نزعة لم يتم الإفصاح عنها. وعد بعض أنماط السلوك (زلة اللسان، والتماهى، والتسامي) رموزاً لامور يريد المريض التستر عليها. فلعل الممارسة الطقوسية تمثل من هذا المنطلق أموراً مكبوتة يتم التعبير عنها في التماهى والتسامي من خلال الهروب والرقص التعبيري والحركات الوجدانية، التى ربما تشير إلى حالات نفسية فاعلة.

ويؤيد يونج من جانبه فرويد في كون للأحلام رموز ولكنه يعطى من جانبه للأحلام مضامين ليست بالضرورة أن تكون جنسية. فالأحلام في رأي يونج تمثل الحياة الاجتماعية للجماعة، ويرجعها من ثم إلى اللا وعى الجماعي معرفاً الرمز بوصفه “مصطلحاً أو اسماً أو صورةً يمكن أن تكون مألوفة في الحياة اليومية، وتتميز بمعنى ضمني إلى جانب معناها الواضح المباشر، وينطوي على أشياء مبهمة غير معروفة أو مخفية. فالمعنى الضمني يعنى أن للصورة أو الكلمة مظهراً لا واعياً يصعب تعريفه أو شرحه بدقة … وحينما يحاول العقل استكشافه يقوده ذلك إلى أفكار خارج حدود العقل” (Jung,C.G.et al. 1978: 3-4). ويؤكد يونج أن هناك إدراكا واعياً ولا واعياً للواقع. فالتعامل مع ظاهرة حقيقية (أصوات، منظر الخ.) يمكننا من ترجمة الظاهرة من عالم الواقع إلى عالم العقل، وتتحول في العقل إلى أحداث نفسية، طبيعتها النهائية غير معروفة طالما أن النفس لا تدرك مادتها النفسانية. بالتالي فإن كل تجربة تحتوى على عدد غير محدد من العوامل غير المعروفة.

ويقسم يونج (Jung,C.G.et al.Ibid.: 82- 83) الرموز إلى نوعين: طبيعية وثقافية، الطبيعية منها هي التى تستمد من مشتقات اللا وعي، وتمثل عدداً من الأنماط البدائية وتصوراتها؛ والثقافية منها هي التى تستخدم لتعبر عن الحقائق الأزلية، وهى التى لازالت تستخدم في معظم الديانات، والتي تم إخضاعها لتحولات كثيرة لتغدو خيالات جماعية تتقبلها المجتمعات المتحضرة، وتثير عاطفة عميقة لدى بعض الأفراد وتعد عاملاً نفسانياً. هذا ويعد يونج النوع الأخير هذا مهماً للبناء العقلي ويؤدي كبتها أو إهمالها إلى اختفاء طاقتها في اللا وعي حيث تنشط وتزدهر وتتكثف بشدة لتجد تجلياً لها في الرغبات أو في الميول اللا واعية، التى قد تجد فرصة للتعبير عن نفسها أو الخمود. إن هذه الميول هي التى تشكل وجوداً دائماً وكامناً ومدمراً (الظل) للعقل الواعي. وهذه الأخيرة يمكن في حالة كبتها وعدم إتاحة الفرصة لها لممارسة تأثير ايجابي أن تتحول إلى شياطين. ولعل الممارسة الطقوسية للزار تمثل شكلاً من أشكال إتاحة الفرصة لتفريغ تلك الميول، وهو ما اصطلح يونج على تسميته “القنوات الانسيابية للطاقة energy canalisation”. وفي هذا الصدد يرى كالفن وآخرون أن الرمز بالنسبة لـ يونج هو أكثر من مجرد إخفاء أو خداع للرمز، فالرموز هي تحولات لدوافع بدائية، إنها قنوات انسيابية لتفريغ الغرائز اللبيدية بقيم روحية وثقافية. فالرقص، مثلاً، ليس بديلاً لنشاط جنسي بل يعنى شيئاً أكثر من ذلك (. (Calvin et al., 1973: 115

فرق ارنست جونز بين الرمزية بمعناها الواسع والذي يمكن أن يعنى، في تصوره، كل التطور الثقافي؛ وبين الرمزية الحقيقية التى تنهض على أساس صراع نفسي تبادلي بين النوازع الكامنة والنوازع المكبوتة. ما يتم كبته هو ما يتخذ لنفسه شكلاً رمزياً، وهو الذى يحتاج إلى ترميز. والترميز عملية لا شعورية تشير إلى أن ما تم كبته يظل خارج إطار التسامي. فالبدائل الباقية في الحلم والأعراض المرضية هي أمثلة لكيفية صياغة الرمز. ولا تفهم الرمزية الحقيقية بالرجوع إلى النواميس والتقاليد الاجتماعية بل في ضوء تجربة الشخص نفسه (عبدالمنعم حنفي، 1994: 864).

ويحاول هليجارد (Hilgard et al., 1971: 270-271) تبيان الفرق بين الإثارة الرمزية والإثارة العادية. فالإثارة الرمزية ينتج عنها، في اعتقاده، استجابات ملائمة لإثارات أخرى لا تنتمي إليها بصلة (مثل كلمة السم التى ترمز للخطر الذى نفهمه بالمعنى ولا يوجد في الكلمة). وقد قسم هليجارد المعنى الرمزي إلى فئتين: معنى ذو دلالة وهو الذى يحدد شيئاً ما يمكن الإشارة إليه؛ ومعان تحتوى على مضمون إضافي وهى التى ترافق المعنى الدلالي لكثير من الكلمات التى تتضمن معان عاطفية تستخدم عموماً للتعبير عن نوع من التقييم أو الأفضلية وتختلف من فرد إلى آخر. واستخدم هليجارد قياس التفاضل السيمانطيقى (1)، ووجد أن المعنى الإضافي يستخدم وفقاً لأبعاد ثلاثة: بعد تقييمي، وبعد نشاطي، وبعد للقوة. هكذا يمكن للرمز، وفقاً لهليجارد، أن يحمل معاني إضافية خلافاً لمعناه المباشر، وهو معنى له أبعاده التى يمكن تفسيره على ضوئها من حيث القيمة والنشاط والقوة.

ويرى بعض العلماء النفسيين أن هناك إمكانية للترميز من خلال حركة الجسم التى يتم تخزينها في سنوات الطفولة الأولى، تجريةً قد تطفو إلى السطح من غياهب اللا وعي وتشاهد في حركة الجسد، وهى ترمز لما عرف فقط جسدياً، رغم صعوبة إخضاعها للتحليل. من أهم هؤلاء العلماء كان كلاين، وويني كوت، وميلنر والذين قاموا بوصف المظهر الجسمي لعملية خلق الرمز الذى يسهم بدوره في نمو الأنا وتكامله (Klein,1930 ; Winnicott,1951 ; Milner,1952). فقد أشار كلاين إلى أن السعة التواصلية للترميز تبدأ في التكون من خلال الاحتكاكات وعلاقة الطفل بأمه وبجسمه. فالخيالات التى يحسها البدن في تلك الفترة هي تمثيلات للغرائز الطبيعية. وأبان اولانوف (Ulanov,1985) أن يونج وأيضاً كلاين قد أكدا على القوة الكامنة في الخيال الطفلي التى تصاحب الطفل منذ مولده، ويعتقدان بأن جذور الحياة النفسية تغرس في التجربة الجسمية.

أما ويني كوت (Winnicott,1975) فقد افترض أن الواقع الداخلي للطفل ينمو من خلال تعقدات الخيال غير المعقدة وذلك من خلال العلاقة بالجسم وأحاسيسه ووظائفه (الذات الجسمية). ورأى أن التدعيم المستمر للذات الجسمية يتم من خلال علاقة الطفل بأمه مما يساعد في خلق صورة جسمية آمنة لنمو إحساس بالهُويَّة، كما وأشار ويني كوت (Winnicott,1971) إلى أن هنالك عوامل كثيرة يبدو أنها تسهم في اكتساب القدرة على استخدام التعبير الرمزي والإحساس بالاحتواء والحماية مما يبيح الفرصة لتشكيل العالم الرمزي الذى تترابط فيه الصورة والإحساس والعواطف. ويقترح كوت (Winnicott,1986) في ذات السياق بأن الخوف من التمزق الذى يعاني منه الفرد البالغ هو خوف من النكوص لحالة التمزق وعدم التكامل التى مر بتجربتها لكونها تجربة تم حملها جسدياً في الذاكرة البدنية.

ركز سيجال (Segal,1991) على أن الرموز لا تمارس سيطرة على السعة التواصلية فحسب بل على التواصل مع الآخرين أيضاً، وتشكل أساس التفكير اللغوي سواء للسلوك الظاهر أو للتحويل أو لنتاجات اللا وعي مثل الأحلام والخيال النشط. فالتحليل في هذه الحالة يسعى لفهم المعنى الرمزي وتماثله مع البعد العاطفي للعقدة التى يراد تحليلها.

وافترض كل من نيوتن وردفيران (Newton and Redferan,1977) بأن العلاقة بين الأنا والأنت التى تنمو بين الأم وابنها والاحتكاك بينهما هي بمثابة مرحلة تحضيرية لنمو العلاقة بين الأنا واللا وعي، بالتالي تمهد الأرضية لبروز النشاط الرمزي. بالنسبة للطفل الناشئ فإن السلوك والتجربة يتأثران ويتحددان بأفكار الأنماط البدائية.

تتميز طقوس الزار بالغموض والضبابية إذ أنها تنبني على الاتصال الرمزي والسلوك المستتر للتعبير عن الصراع مع الأرواح (الأسياد). وكان وليام هاولز، عند دراسته للطقوس الشامانية، قد وصف ممارسات فيها قدر من التشابه بالممارسات المميزة للزار وذكر أن “السلوك الرمزي في ممارسات الشامانية يعد نوعاً من إكمال نسق الأفكار والرموز للموقف ذاته وهو ما يعنى سد الفجوة أو الثغرة في حياة هؤلاء الممارسين بما يمكن من القضاء على الوهم والهم والقلق الذى ينتاب حياة الممارسين” (وليام هاولز،330:1965).

تبدأ الرمزية في طقوس الزار بقدسية الزمان حيث يتم طقس “قفل العلب” (2) في 27 رجب من خلال احتفال يعرف بـ “الرجبية”(اشتقاقاً من شهر رجب) ويستمر التوقف عن ممارسة الزار إلى ما بعد عيد رمضان، ويجري طقس “قفل العلب” عادة بمنزل شيخة الزار مع دعوة كافة مرضاها. أما قدسية المكان فتتجلى في التقليد السائد الخاص بإقامة احتفالات الزار في أماكن محددة مثل منزل الشيخة أو منزل المريضة أو منزل إحدى صديقات المريضة شريطة أن تكون الصديقة من الممارسات للزار. هذا ويتم تزيين المكان بالكثير من الرموز الخاصة بالزار (نقوش آيات من القرآن، وبعض الرسوم المتنوعة الخ.).

الممارسة الطقوسية سلوك تعبيري رمزي

التعبيرية الرمزية في اللغة الشائعة عملية ترجمة جوهر معين بجوهر آخر، يكون طابعه قابلاً للملاحظة. ويهمنا في هذه الورقة تعريف التعبير من منظور علم العادات والأخلاق. تشير موسوعة علم النفس إلى أن النشاطات التعبيرية إيماءات، وطقوس، وأوضاع جسمية تسمى بالحركات التفريغية التى، وفق رولان دوران، “تمارس وظيفة الإشارة في إطار النشاطات الاجتماعية لجنس معين، وقد تُنظم هذه السلوكيات في أنظمة حقيقية تحمل دلالات متميزة، ويمكن بالتالي تحليلها رموزاً للاتصال … من ثم يمكن عد السلوكيات التعبيرية وقائع اتصال غير كلامي، ويحلل الدور الذى تقوم به في مختلف أشكال تفاعل جماعة ما” (رولان دوران وفرنسوا يارد،451-453:1997).

وتحمل الممارسة التعبيرية في طياتها أنماطاً مختلفة من الرمزية، كما يجوز عدها رموز اتصال غير ناطقة، فهناك اللون، واللحن، والإيقاع، واللبس، والحركة، والأضحية، والمائدة (الميز في لغة الزار)، والحلي، وفرقة الزار بقيادة الشيخة المعالجة. وفي المنظور السيكولوجي العام فإن معظم المدارس تطلق، على حد تعبير رولان دوران وفرنسوا يارد، مصطلح التعبيرية الرمزية على “المظاهر القابلة للإدراك في الانفعالات أو الحالات الداخلية الأخرى (إيماءات، واستعدادات جسمية، وبكاء، وصراخ، وارتجاف..الخ). وتوصف هذه التصرفات بحسبانها مؤشرات تعكس حالة إما عاطفية كامنة (توتر، إحباط)، وإما سمة معينة للشخصية. هذا في حين أن علم النفس الترابطي يرى في التعبير الرمزي استجابة ناتجة عن إثارة نتيجة التقلصات العضلية المأمورة من قبل إثارات الجهاز العصبي، فحدة الانفعال قد تترجم بإثارة ذات حدة نسبية تنتج التقلص العضلي وبالتالي السلوك التعبيري” (رولان دوران وفرنسوا يارد، المرجع السابق)

يهمنا هنا تحديداً التعبير الذى يتجلى عبر الحركات والانفعالات التى تتخذ من الجسد مسرحاً لها، وذلك من خلال ممارسة الرقص المصحوب بالإيقاعات. ويقصد بالتعبير الجسدي “مجموعة تقنيات الجسد التى تكون بشكل عام جماعية وتستند إلى فكرة. ومن المهم تحرير القوى والتصرفات المقموعة بفعل الضغط الاجتماعي، بخاصة الدين، والتي يفترض بأنها مخبأة في الجسد وهذه التقنيات نجد لها انتشاراً في الأوساط النفسية والعلاجية والتربوية” (رولان دوران وفرنسوا يارد،  المرجع السابق).

أكدت أبحاث كثيرة على أن أشكال التعبير عن الانفعالات هى ذات طبيعة شمولية، وأن الذى يتغير مع الثقافة هو فقط قواعد إطلاقها وإدارتها (رولان دوران وفرنسوا يارد، المرجع السابق). ولقد برهن مورغان وآخرون على أن الفعل الخلاق الذى يحرك التعبير المطاوع للمرضى الفعليين يمكن أن يبلغ أحياناً مستوىً فنياً يثري التحقيقات في علم النفس المرضي، ويحث الاتجاه نحو الشفاء. كما أن أفكار الظواهريين والمحللين النفسانيين حول علاقة الفن بالحالة النفسية قد قادت الأطباء النفسيين وعلماء النفس إلى تخصيص أماكن يستطيع فيها مرضاهم الاهتمام بالفنون (رولان دوران وفرنسوا يارد، المرجع نفسه). واستناداً على ما سبق يمكننا القول بأن الممارسة الحركية في الأجواء الاحتفالية لطقوس الزار هي تلك السلوكيات التى تحمل دلالة رمزية متميزة، ويمكن التعامل معها كوقائع اتصال غير كلامي، وتعكس حالة نفسية سواء من منظور علم العادات أو علم النفس الترابطي؛ أي، أن لها ارتباطات شرطية في ذهنية المريضة الممارسة، كما أنها قد تحمل معاني ضمنية … إنها ليست صيحات انفعال أو حركات عشوائية صادرة فقط عن موجودات، بل هي هوامات حافلة بنسق رمزي ابتدعه كائن في مجال أوسع من مجال اللغة. ولعل عباس العقاد كان محقاً في قوله بأن “الفن تعبير نلحظ فيه البواعث قبل أن نلحظ فيه الغايات”.. ويستطرد قائلاً “للحياة مظهران لا ينفصلان: تأثير من الخارج إلى الداخل هو الحس، ورد من الداخل إلى الخارج هو التعبير” (زكريا إبراهيم، 1966: 313). فالممارسة التعبيرية الراقصة الرمزية والإحساس بكل ما تحويه الأجواء الطقوسية المادية المدعومة بالاعتقاد في هذه الممارسة وفاعليتها ويمكن عدها علائق نفس تحيل العوائق إلى وسائط تحرر، وإطلاق مخيلة إلى حدود لانهائية.

أما إذا سلطنا المزيد من الأضواء على هذه التعبيرات وتنوعاتها فنجد بوتقة من التنوع الثقافي الاجتماعي، فهناك خيوط بنات الحبش، والأولياء الصالحين، والعرب، والنوبا، والتكاريير، والنصارى، والخواجة … الخ. فالممارسة لها أشكالها التعبيرية المختلفة حيث نجد نماذج للتماهي والاحتماء بالأولياء الصالحين والتوحد مع شخوصهم والتدثر بملابسهم وتقمص أدوارهم … أي على حد تعبير جان لابلانش وبونتاليس، “التماهي هو عملية نفسية يمثل بواسطتها مظاهر أو خصائص أو صفات شخص آخر، ويتحول كلياً تبعاً لنموذجه” (جان لابلانش وبونتاليس،1997). هكذا نجد المريضة الممارسة للزار تتماهى مع “لولية الحبشية” التى تجسد روح العاهرة في استباحتها للمحرم في تصرفاتها … وتؤسس الممارسة في هذا الخيط قاعدة انتهاك المحرم والتحرر من الغرائز المكبوتة … ممارسة يطفح بها الجسد في توسعه إلى الخارج. ولعل ذلك يمثل الإفلات من محتويات اللا وعى وسيطرة الأنا “عودة المكبوت”. فالحركات في هذا الخيط تتسم بنوع من التعري والمجون والخلاعة، وتتميز موسيقاه وإيقاعاته بالخفة التى تمنح المريضة الممارسة الفرصة للتعبير عن الكبت والحرمان الجنسي بإفراغها لانفعالاتها من خلال الأجواء الأخاذة في مجتمع نسائى صرف، يساعد على تعطيل الضوابط الخلقية ويستبعد الإحساس بالإثم … تتعطل “الأنا الأعلى” للمريضة الممارسة للزار لتحل محلها شخصية الشيخة المتسامحة، التى تبيح لها التخلص من القيود الاجتماعية والتزمت، حاثة لها باستعراض مفاتن جسدها وافراغ انفعالاتها بحرية كاملة، هكذا تندفع الممارسة في تدعيم إحساسها بجسدها والتفكير فيه، محاولة التخلص من التسلط المفروض على هذا الجسد، أي، كما يقول عباس مكي: “كان جسد المرأة ولازال مادة غنية للتشريع وتحديد الممنوع والمسموح من تحركات الجسم وتعبيراته ومتطلباته، تبعاً لأنماط مقبولة اجتماعياً، أي، تبعاً لأنماط مصلحة المتسلط الذى يمتلك هذا الجسد” (عباس مكي،1949: 117). والحقيقة أن خيط “لولية الحبشية” يقارب وصف مصطفي حجازي في قوله “عندما يفلت الجسد ويعبر عن طاقاته ورغباته بحرية يفلت الإنسان من التسلط والقهر” (مصطفي حجازي، 1989: 225).

كذلك نرى في طقوس الزار شكلاً من أشكال التماهي مع المعتدي وهو ما ينعكس في تقمص المريضة الممارسة للأدوار السلطوية (الحكيمباشا، والباشا، ومنليك ملك الحبشة، والخواجة .. الخ.) ففي هذا النوع من الخيوط تتسم الحركات الراقصة بتعبيرات تعكس السلوكيات العنجهية لأمثال تلك الشخصيات السلطوية، ويتجاوب الجمهور مع المريضة بالوقوف محيياً لها وهى تتحرك راقصة في استعلاء وخيلاء. لا شك أن ممارسة هذا النوع من خيوط الزار ترتبط بفرضية الحرمان والتعويض، التى تقوم على مبدأ أن التمييز الجنسي ضد النساء يولد الحاجة والقابلية للتعويض في هذه الانفعالات والتقمص. وأن تمتع الرجال بالأدوار الاجتماعية الحياتية خارج نطاق البيت – لا بدَّ أن يواكبه التعويض في الأدوار الطقوسية عند النساء برفضهن دورهن الأنثوي. إن التماهي بالمعتدي يتميز “بمحاكاة شخصية المعتدى وتبنى خصائصه، وبمحاكاة عدوانه يحيل نفسه من الشخص موضع التهديد إلى الشخص مصدر التهديد” (آنا فرويد،119:1972). وتقارب خيوط الزار هذه طقوس الزولو، التى وصفها ماكس كلوكمان، حيث تقوم المرأة بعكس أدوارها وتقوم بأعمال الرجال. ويفسر كلوكمان ذلك بأنه تمرد مسموح به ومستباح، ويعبر عن التمرد والصراع والاحتجاج كما سبقت الإشارة إليه (Max Gluckman: 1973: 112). ويمكن النظر إلى ممارسة الزار سلوكاً دفاعياً لا شعورياً، يصبح شعورياً في لحظة الممارسة التى تخدرها قوة الإلحاح الإيحائية، سلوكاً صادراً عن مكبوتات. ويعرف لابلانش الكبت بأنه عمليةً يرمي الشخص من خلالها دفع التصورات (أفكار، وصور، وذكريات) المرتبطة بالنزوة إلى اللا وعى وأن يبقيها فيه (جان لابلانش وبونتاليس، مرجع سابق: 416). وللكبت أضرار منها انشطار الشخصية أو اللجوء لأساليب ملتوية لتخفيف التوتر، وهو عملية غير اقتصادية فيها تبديد للطاقة .. إنه أحداث مكبوتة مشحونة بانفعالات قوية تقسر الفرد على ضروب شاذة من السلوك الظاهر الصادر بفعل عقد ومكبوتات. من خصائص السلوك المكبوت السلوك القهري (3) والاستحواذي وهما وجهان لعملة واحدة، أي، سلوك يحدث رغم إرادة الفرد، وهو سلوك شاذ ورمزي ينجم عن كبت الدوافع والمنع من التعبير الصريح؛ مما يجعل الفرد يلجأ للتعبير بصورة رمزية “لأن عملية الترميز تتيح للمكبوت أن يتملص من الرقابة” (جان لابلانش وبونتاليس، مرجع سابق:271).

ويلاحظ في الممارسة التعبيرية أنماطاً من السلوك العدواني بنوعيه: ايذاء الذات (المازوشية) وايذاء الآخرين (السادية)، وكان كرافت ايبنغ قد عرَّف السادية بأنها تطلق على الإحساس بلذة الحواس حتى الشبق، وهو إحساس ناجم عن عمليات التحقير والإذلال والعقاب والقسوة التى تمارس على شخص آخر، كما تطلق هذه التسمية على القيام بأفعال تلائم هذه الرغبة. أما المازوشية فقد رأى فيها الوجه المعاكس، ففي حين تبقى السادية إحداث الألم والعنف فإن المازوشية تهدف إلى تحمل الألم، وتصبو لأن تكون ضحية أعمال عنف، فالمازوشي تتسلط عليه فكرة أن يكون خاضعاً كلياً لإرادة كائن آخر، فكرة أن يُحسب فرداً حقيراً مهاناً. وفي حالة السادية والمازوشية تترافق هذه الصور بشعور النشوة، ويتغذى المصاب بأحد هذين المرضين بأحلامه هذه، وغالباً ما يسعى لتحقيقها، وقد يحدث أن يجتمع هذان الانحرافان لدى الشخص نفسه لدرجة يصعب معها تصنيف الحالة (فاوستو أنطونيني، 71:1989). في خيوط الزار نلاحظ نموذجاً لكل من السادية والمازوشية، ففي خيط الزرق، على سبيل المثال، نجد تجلياً للسلوك المازوشي، حيث تتسم حركات هذا الخيط بالعنف والقسوة وايذاء النفس، وتصاحبه أدوات تعبر عن طابعه المرتبط بالعنف (سكاكين، وفؤوس، وحراب، ونار .. الخ). ومن أكثر رقصات هذا الخيط عنفاً رقصة “الغرزة”، حيث تجلس المريضة أثناء الممارسة أرضاً جاثية على ركبتيها في وضع أشبه بالركوع، وتتمايل بعنف إلى الأمام وإلى الوراء ويمنة ويسرة ضاربة كوعها الأيمن تارة والأيسر تارة أخرى بصخرة مطروحة أمامها حتى يسيل الدم من الكوعين. كذلك من رقصات هذا الخيط رقصة تقوم فيها المريضة بضرب نفسها بسوط من الجلد، أو بحمل جمرات متقدة تقلبها في كفيها. وتعكس هذه الحركات في خيط الزرق معاناة المريضة الحادة، التى تبلغ بها درجة إلحاق الأذى بنفسها بصورة مازوشية. أما في خيط نمر الكندو فنجد تجلياً للسلوك السادي حيث تتدثر المريضة بجلد النمر المتوحش، وتقوم بملاحقة الصغار الموجودين بالحفل وتعضهم. إن العدوان سواء على الذات أو على الآخرين هو استجابة، يرد بها المرء على الخيبة، والحرمان بمهاجمة مصدر الخيبة أو لعله عدوان يمثل إسقاطا لغريزة الموت (وفقاً لمدرسة التحليل النفسى)، أوعدواناً تتجلى من خلاله “إرادة القوة والسيطرة على الغير” (آدلر). كما يجوز تفسيره بوصفه طاقة تنشد التفريغ الكامل للفيض الإثاري إحداثاً للتوازن (الجشطالتيون).

ويُلاحظ في طقوس الزار شكلاً من أشكال التعبير عن النرجسية ينعكس في الخيط المسمى بـ”خيط البنات” الذى تتميز بعض رقصاته بطابع الرقصات الشعبية، التى تتسم حركاتها بالنظرة النرجسية من خلال معايشة الممارسة، وهى ترقص لجسدها وذاتها، فالزار يبيح لها استعراض جمالها ورشاقتها وملابسها وزينتها.. “إن أفكار الراقصة تتعدى التفكير في الجنس؛ إذ تحتاج إلى فضاء أكبر عند الرقص منه عند المشي، وبالتالي فإن إسقاط الذات في الفضاء يصبح أكثر صعوبة، بحيث يؤدي الرقص إلى تغيير صورة الجسم .. هذا التغيير يمثل في حد ذاته هدفاً علاجياً” (آني ريشكو، 1999: 44-43). وهناك في طقوس الزار من الممارسات ما يعكس الخوف من المرض أو الموت، وهو ما يجد انعكاساً له في الخيط المسمى بخيط التربي (4)، فالمريضة التى تشكو من رؤية الأموات في أحلامها قد ينتابها الخوف من الموت … “فالخوف المرضي هو الخوف الذى يعتري المرء، ويتبدى على صورة الخشية من الموت ورهبة الفناء” (أسعد رزق، 1993: 119).

إن الممارسة التعبيرية للزار تحتوى على عدد من الخيوط المرتبط كل منها بمرض بعينه، من ثم فقد لاحظت أن بعض المريضات الممارسات يتوهمن المرض ارتباطاً بالأعراض التى يصيب بها الخيط المحدد. قد يكون هذا، في اعتقادي، نوع من توهم المرض الهجاسي hypochondria الذى هو ضرب من الوسواس الذى يستحوذ على الإنسان، ويولد عنده قلقاً بالغاً على صحته بحيث يعتقد واهماً معاناة ألم أو مرض معين، ويصل به الوهم درجة المبالغة في خطورة الألم أو المرض الوهمي، فهو موسوس بالمرض (أسعد رزق، مرجع سابق:89).

هوامش

(1) قياس التفاضل السيمانطيقي semantic differential طوره سنيدر واسكود Snider and  Osgood وسمي سيمانطيقي لكونه يختص بالمعنى ولأنه يحمل أبعاداً مختلفة من حيث دلالة المعنى، مثال كلمتي good and nice واللتين تستخدمان لدى الطلاب الأمريكيين بشكل مختلف إذ يشار بـ good  إلى الذكر، في حين تشير الثانية nice  إلى الأنثى (Hilgard et al., 1971: 273).

(2) قفل العلب: مصطلح تستخدمه جماعة الزار ويعنى توقف احتفالات الزار في فترة محددة من العام. وتشير العلب إلى أنواع البخور الخاصة بكل سيد من أسياد الزار.

(3) يتكون السلوك القهري عندما يكتشف الفرد أن سلوكاً معيناً يخفف القلق المتبط بالفكر الوسواسى، ويعزز تخفيف القلق هذا النوع من السلوك ويثبته ليصبح نمطاً سلوكياً متعلماً (أنظر: حامد زهران، ص. 425).

(4) تسقط الراقصة في هذا الخيط أرضاً في حالة غيبوبة وتنتفخ بطنها وتلف بملاءة بيضاء أشبه بالكفن، ومع حرارة الإيقاع وكلمات الشيخة يتلاشى الانتفاخ وترجع المريضة إلى حالتها الطبيعية. وكانت الباحثة خلال دراستها الميدانية المشار إليها في غير هذا المكان قد لاحظت أن مريضة ممارسة لهذا الخيط كانت تشكو من مرض القلب ومارست الرقص وهى تضع حبة تحت لسانها وفق إرشاد الطبيب وأقرت للباحثة لدى استجوابها أنها تحلم بأرواح الأموات في منامها.

المراجع

عبدالمنعم حنفي،1994، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي، ط4، مكتبة مدبولي، القاهرة.

وليام هاولز،1965، ما وراء التاريخ، ترجمة أحمد أبوزيد، دار نهضة مصر، القاهرة.

رولان دوران وفرنسوا يارد،1997، موسوعة علم النفس، م. أول، دار عويدات للنشر والطباعة، بيروت.

زكريا إبراهيم،1966، فلسفة الفن المعاصر، دار نصر للطباعة، القاهرة.

جان لابلانش وج.ب. بونتاليس،1997، معجم مصطلحات التحليل النفسي، ط 3، ترجمة مصطفي حجازي، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت.

عباس مكي،1974، “الجسم: حرمانه، وتشريعاته، وتعبيراته الانفجارية”، مجلة دراسات نفسية، كلية الآداب، الجامعة.

مصطفي حجازي،1989، التخلف الاجتماعي: سيكولوجية الإنسان المقهور، ط 5، معهد الإنماء العربي، بيروت.

آنا فرويد،1983، الأنا وميكانيزمات الدفاع، ترجمة صلاح مخيمر وعبده ميخائيل رزق مراجعة مصطفي زيور، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة.

فاوستو أنطونينى،1989، عنف الإنسان أو العدوانية الجماعية، ترجمة نخلة فريفر، سلسلة الكتب العلمية 10، معهد الإنماء العربى، بيروت.

آنى ريشكو،1990، “العلاج بالرقص والموسيقى”، الثقافة النفسية، مجلد أول، عدد 4، تشرين أول:43-47.

أسعد رزق، 1993، (إعداد)، عبدالله عبدالدايم (مراجعة)، موسوعة علم النفس، ط 4، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت.

Jung C.G., M-L von Franz, L. Joseph Henderson, Jolande Jacobi and Aniela Jaffé (eds.) 1978, Man and his Symbols, 17th Ed., U.S.A.: Dell Publishing Co. Inc.

Calvin S.Hall, Vernon, J. and Nord, Y. 1973, A primer of Jungian Psychology, New York: New American Library.

Hilgard E.R., Richard A. and Rital A. 1971, Introduction to Psychology, New York:Harcourt Brace Jovanovich Inc.

Klein M. 1930, ‘The Importance Of Symbol Formation In The Development Of The Ego’ International journal of psycho-Analysis, 11, 236-50.

Max Gluckman 1973, Custom and Conflict in Africa, Oxford: Basil Blackwell.

Milner M. 1952, ‘The Role of Illusion in Simple Formation’. in: New  Directions in Psycho-analysis. New York: basic Books: 82-109.

Newton K. and Redfearn J.W.T. 1977, ‘The real mother, ego-self  relations and personal identity’. Journal of Analytical Psychology  24: 295-315.

Segal H. 1957, ‘Notes on Simple Formation’, International Journal of Psycho-analysis,38,391-7.

Ulanov A. 1985, ‘A shared space’, Quadrant 18, 1: 65-80.

Winnicott D.W. 1951, ‘Transitional objects and transitional phenomena’, in: Playing and Reality. New-York: Basic Books 1971: 1-25 .

Winnicott D.W. 1971, ‘Mirror-role of mother and family in child development’, in: Playing and Reality. New York: Basic Books: 111-118.

Winnicott D.W. 1975, ‘Mind and its relation to psyche-soma’ in: Through Pediatrics to Psycho-Analysis. New York: Basic Books: 243-254.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий