Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الزار مفهوماً أنيمياً وسحرياً ومرتبط بالفكر الخرافي

الزار مفهوماً أنيمياً وسحرياً ومرتبط بالفكر الخرافي

د. آمال النور حامد

مجلة الأنثروبولوجيا العدد الرابع/ يوليو 2005


الزار وطبيعته

يقدم الجوهري تعريفاً للزار بوصفه نوعاً من الاحتفال الذى يستهدف طرد الأرواح أو استرضائها عن طريق إجراءات طقوسية خاصة تشتمل على تقديم الأضاحي والقرابين وأداء بعض الرقصات سريعة الإيقاع (الجوهري، 1980: 594).

يعرف المعتقد الشعبي السوداني ظاهرة الزار التى شهدت انتشاراً لافتاً للانتباه في الآونة الأخيرة لأسباب سنأتي على تفصيلها. ويعد الزار وفق المعتقد الشعبي طقساً علاجياً لكثير من الحالات غير الطبيعية التى يعاني منها الفرد، ويقوم بممارسة هذا الطقس العلاجي الأفراد الذين تتملكهم قناعة كاملة بجدواه لإيمانهم بالمفهوم البنيوي للزار القائم على أساس الاعتقاد في الأرواح والأولياء الصالحين وفي الأساطير والخرافات.

من حيث دلالة اللفظ وتطوره فإن مصطلح الزار قد اشتق حسب اعتقاد المستشرق زويمر من الكلمة العربية "زيارة". ويفسر زويمر نشوء المصطلح انطلاقاً من الاعتقاد السائد عند البعض بأن الجن يقوم في بعض الحالات بزيارة الآدميين. وفي فترة لاحقة أصبح مصطلح الزار يطلق على حالات غير طبيعية تعتري الفرد ولا يُعرف لها سبباً بعينه بحيث تم تفسيرها من منطلق الاعتقاد بكونها ناجمة عن اتصال بعض الأرواح بالفرد. وبما أن هذه الحالات غير الطبيعية التى تعتري الفرد لا يدوم تجليها سوى لفترات قصيرة وفي أوقات متباعدة فقد تم تشبيهها بـ "الزيارة" Zewmer 1920: 22. اللافت للانتباه أن هذا التفسير لدلالة اللفظ كما يقدمه زويمر لم يجد شيوعاً في أوساط الباحثين العرب. ويرجع معظم الباحثين الآن أصله إلى اللغة الإثيوبية. فعلى سبيل المثال يكتب سيريلي في شرحه لمادة "زار" في الموسوعة الإسلامية بأن الزار في العربية مستعارة عن الأمهرية، ذلك أن المعتقدات الشائعة في جن الزار قد انتقلت من إثيوبيا إلى العالم الإسلامي (دائرة المعارف الإسلامية، مجلد 10: 329). ويتابع سيريلي حديثه عن الزار مشيراً إلى أن مثل هذه الأقوال في الجن الذين يتجسدون إلى حين في بعض الكائنات البشرية نجدها في مختلف البلاد الإسلامية في كل من آسيا وأفريقيا حيث تطلق عليهم أسماء خاصة مثل "بوري" (في نيجيريا وطرابلس)، وأموك (في الملايو). ومهما يكن من أمر فإن هذه "المادة زار إنما تتناول فحسب عادات الزار المعروف بذلك الاسم في كل من مصر والحجاز وعمان علاوة على وإثيوبيا" (المرجع السابق نفسه: 329). ويرى سيريلي بأن الاسم زار في إثيوبيا نفسها يرجع إلى أصل سامي، إذ يعتقد بأن ظهوره يرجع في إثيوبيا إلى بداية العصر المسيحي هناك حيث تمت استعارته عن بعض القبائل الوثنية الكوشية الذين كان معبودهم الأعظم إله السماء يعرف باسم "جار Djar". ويبدو أن عالم الأنثروبولوجيا البريطاني سليجمان لم يظهر اختلافاً في وجهة النظر تلك مع سيريلي حيث نجده يؤكد على الأصول غير السامية لمصطلح زار عاداً إياه دخيلاً على اللغة الإثيوبية الأمهرية وافداً من لغة شعب الجالا .. "لكن بعد أن تم إنزاله عن علياء الألوهية إلى أسفل درك الكائنات فوق الطبيعة، مرتبة الأرواح الشريرة أو المغضوب عليها" (عبدالمجيد عابدين). هكذا غدا الإله المعبود الوثني القديم في إثيوبيا بعد اعتناقها المسيحية عفريتاً حقوداً. وانتقلت على هذا النحو الشعائر الخاصة بالأرواح إلى المسيحية عند الإثيوبيين ثم منها إلى الإسلام مقترنة باسم إله السماء جار. ويعتقد المسلمون والنصارى في إثيوبيا أن الزار، ذلك العفريت الذى يعيش بصفة خاصة في الأنهار والجداول أو غيرها من المياه الجارية، من الممكن طرده من الجسم الملبوس باستخدام التمائم أو الشعائر الشائعة عند أتباع كل من هاتين الديانتين السماويتين – المسيحية والإسلام – وذلك عن طريق استحضاره للإفصاح عن اسمه. ويجري المعتقد بأنه ولمجرد الإفصاح عن اسمه يفقد الزار قوته ومفعوله. أما أهالي إثيوبيا الجنوبية (الجالا والسدامو) فلا يقتصرون الشعائر على طرد الأرواح الشريرة واستحضارها وإنما يقيمون طقوساً أخرى بهدف إرغام تلك الأرواح على التلبس في أجسام الأتباع الجدد الذين ينضمون إلى زمرة المؤمنين بهذه الطقوس. وفي معتقدهم أنه بمجرد أن تتلبس الأرواح الشريرة بدن الفرد يمكنه أن يصبح قادراً على التنبوء بالغيب إذ يظن الناس أن كل كلمة تصدر منه أو إشارة تبدر عنه إنما تكون بمثابة وحي صادر عن تلك الأرواح التى تلبسته (انظر دائرة المعارف الإسلامية، مجلد 10: 329).

وكما سبقت الإشارة إليه فإن سليجمان يرى أن الزار ظاهرة ممارسة انتقل إلى الإثيوبيين الأمهرة من شعب الجالا المعروف باسم الأرومو والذي يرجع تاريخ ظهوره على أرض إثيوبيا إلى القرن الخامس عشر الميلادي. ومن شعائر الجالا الدينية صلاة "واداجا" التى تستخدم فيها الموسيقى والغناء ويمارس الرقص وتقديم القرابين إلى الإله "واكا" ويتم التهام القرابين جميعها. عند ذلك يعتقدون أن مثل هذا الحفل كفيل بشفاء مرضاهم وتحقيق رغباتهم Seligman 1939: 120. وفي الصومال توجد عادة وثنية قد تكون ذات صلة بالزار يطلق عليها مصطلح "السار" وترتبط طقوس السار بنوع قديم من الرقص المقدس الذى يتجمع فيه المشاركون في حلقة دائرية يتوسطهم المنشدون الذين يأخذون في الغناء على نغمة خاصة وفجأة يسقط أحد المشاركين على الأرض كما لو أنه مغشياً عليه، ويستمر الغناء والتصفيق وضرب الأرجل على الأرض ودق الطبول، ومع تزايد سرعة الإيقاع وتصاعد عنف الرقصات ينهض المغشي عليه من على الأرض متثاقلاً، ثم يتناول خنجراً بيده بمجرد وقوفه على قدميه ويعاود الرقص من جديد في وسط الحلقة مشهراً خنجره ثم يكرر السقوط على الأرض مجدداً، ولكنه سرعان ما ينهض هذه المرة بطريقة أكثر حيوية ونشاطاً ويجري مباشرة خارج حلبة الرقص ليختفي في مكان قريب لفترة وجيزة. بعدها يظهر في الحلبة والدم يقطر من خنجره. عندها يسود المشاركين اعتقاد بأن الدم السائل من خنجره هو دم الجن الذى نجح في قتله.

ويبدو أنه ونتيجة للعلاقات التى تضرب بجذورها إلى أزمان سحيقة وتربط إثيوبيا بشبه الجزيرة العربية فقد تكوّن مركب للأفكار مشترك شمل مفهوم الجن وأشكال الرقص والتطير. ويبدو أن العرب أخذوا فكرة الزار عن الإثيوبيين إذ تشير دراسات سنوك عن المجتمع في مكة في الثلاثينات من القرن المنصرم إلى أن نساء مكة كن يقمن حفلات الزار. ويشير سنوك إلى أن حفلات الزار في مكة كانت تجمع أفراداً ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة كما كانت الحفلات تظهر اختلافات من حفل لآخر Snouck 1921: 124.

تتمحور الفكرة القابعة في جوهر العلاج بالزار حول الاعتقاد بأن الفضاء الكوني ملئ بالأرواح، وتكمن النقطة المركزية في مفهوم الأرواح، وفق طقوس الزار؛ فتعد تلك الأرواح بمثابة قوة خفية، يتوجب على البشر مهابتها واحترامها وتبجيلها، ولا يجوز بحال من الأحوال الربط بين أرواح الزار والشياطين. وتنتج إصابة الفرد بحالة غير طبيعية بفعل حلول (1) روح من تلك الأرواح في بدنه، بحيث يصبح الفرد غير مسئول عن كل ما يصدر عنه من أفعال وحركات. وبما أن الأرواح تمثل قوة خارقة غير طبيعية فإنه لا بدَّ من التعامل معها برهبة واحترام وتقديس، ومن ثم يهدف العلاج بالزار إلى استرضاء الروح التى حلت في بدن الفرد، بحيث تهدأ بفعل الاستجابة إلى مطالبها مما يجعل الملبوس، طبقاً لمفاهيم الزار، يعود إلى حالته الطبيعية.

يسود لدى البعض في السودان اعتقاد بإمكانية تلبس الجن والشياطين المذكورين في القرآن الكريم جسم الإنسان، لكنهم يعتقدون في الآن نفسه بإمكانية تلبس الإنسان بأرواح أخرى مثل روح القرينة أو روح القرين وهى أرواح تتلبس، وفق الاعتقاد السائد، غير المتزوجين، وتمنعهم من الزواج، ويمكن أن تسبب لهم الأذى في حالة إذا ما تزوجوا. كذلك هناك اعتقاد في روح أم الصبيان التى تمثل روح امرأة تكره الأطفال وتؤذيهم، كما تتسبب في حالات إجهاض للجنين وأمراض أخرى. أيضاً هناك اعتقاد في أرواح أخرى هي "أرواح الزار" (الدستور أو الريح الأحمر). هذا وكان عباس أحمد قد قسم الأرواح إلى قسمين: ريح أحمر وريح أسود، وهو ما يمثل في اعتقاده تقسيماً رئيساً لعالم الأرواح الأرضية. ويقصد "بالريح الأسود" مجموعة أرواح الجن والشياطين التى يعتقد (في المعتقد الشعبي) بأنها إذا مست شخصاً أصابته بحالة من الجنون لا يعالج منها إلا بالنجاح في إخراج تلك الأرواح من جسد المريض. أما "الريح الأحمر" فيقصد به مجموعة الأرواح الأخرى خلافاً للجن والشياطين، التى حين تمس إنساناً ما تسبب له الاختلال أو القلق النفسي الذى لا يرقى إلى درجة فقدان العقل (عباس أحمد، 1969: 114).

وتطلق تسمية زار أو دستور أو الريح الأحمر في المعتقد الشعبي السوداني على نوع المرض الذى يستوجب المعالجة عبر طقوس الزار. ويتمركز الاعتقاد في الزار في وجود قوة خفية (أرواح) قادرة على أن تمارس الحلول في الفرد رجلاً كان أم امرأة مطالبة إياه بالاستجابة إلى مطالب محددة إرضاء لها، وبمجرد اكتمال عملية الحلول تلك تتغير الحالة الطبيعية للفرد وتتبدل طريقة حديثه وتنحرف تصرفاته. وهكذا يعتقد بأن الفرد أصبح مسلوب الإرادة، وأن شخصية الروح تلبسته بحيث يصبح المصاب متصفاً بالقلق والاضطراب والخوف والتردد. ولدى ظهور أعراض مثل هذه الحالة غير الطبيعية فإنه لا مناص، وفق المعتقد الشعبي، من معالجة الفرد من خلال إقامة حفل للزار.

يتجلى في السودان وجود شكلين مختلفين لطقوس التلبس بالأرواح، يتم التعبير عنهما من خلال مصطلحي "زار بوريا" و "زار طمبورة". والممارسون لزار بوريا من النساء، وهو الشكل الأكثر شيوعاً في العاصمة القومية. أما زار طمبورة فإنه خاص بطبقات خاصة من الرقيق المعتوق وأحفادهم، ويتميز بكثافة عدد الرجال بين الممارسين. ويمكن إبراز الاختلافات بين الشكلين في النقاط الآتية:

1- اختلاف الأدوات الموسيقية الرئيسة المستخدمة في الطقوس، الربابة بالنسبة لزار طمبورة، والدلوكة بالنسبة لزار بوريا؛

2- يكون الممارسون الأساسيون في زار طمبورة من الرجال، وذلك لصعوبة ممارسة طقوسه بالنسبة للنساء؛

3- على الشخص المتلبّس زار طمبورة أن يمارس الرقص وهو يرتدي حزاماً من عظام الأغنام والودع والخرز، وعليه أن يهزه ويخشخشه أثناء الرقص؛

4- لغة زار بوريا هي العربية، في حين تكون لغة زار طمبورة غير عربية؛

5- زار طمبورة أكثر سخونة في إيقاعاته، والمرض الذى يجلبه أكثر قسوة من زار بوريا.

الزار مفهوماً أنيمياً

تنطلق دراستي للزار من مفهوم له بوصفه تجلياً لحالات غير طبيعية مختلفة تعتري الفرد من بني الإنسان يستوجب علاجها اجراءات تتخذ من الاعتقاد في وجود قوى خفية يمكنها أن تلبس الإنسان، بالتالي، يصبح علاجها ممكناً فقط عن طريق التعامل مع تلك القوى الخفية بحسبانها ذواتاً لا موضوعاً، ذواتاً لا بد من استرضائها شرطاً مسبقاً لعودة الملبوس إلى حالته الطبيعية. من هنا نجد أنه يتوجب علينا بداية البحث عن أصول مثل هذه الذهنية التى يسيطر عليها الاعتقاد في الزار بمفهومه المبين أعلاه.

يشير راون آرون في كتابه حول الاتجاهات الأساسية في الفكر السوسيولوجي إلى أن أوغست كونت كان من أوائل الباحثين في تطور التفكير الإنساني مقسماً مراحله التطورية إلى مرحلة لاهوتية أعقبتها مرحلة ميتافيزيقية فثالثة وأخيرة هى المرحلة الوضعية. ويرى كونت أن المرحلة الأولى تمثل نمطاً عقلياً تفسر من خلاله الظواهر عن طريق نسبتها أو ارجاعها إلى قوى أو كائنات غير منظورة تتمتع بخصائص تشبه تلك التى يتميز بها الإنسان. أما المرحلة الثانية – الميتافيزيقية – فإنها، وفق رأي كونت، فتمثل نمطاً عقلياً تفسر من خلاله الظاهرات عن طريق قوة مجردة مثل الطبيعة. والمرحلة الثالثة والأخيرة في التقسيم الكونتي فتمثل قناعة الإنسان بملاحظة الظواهر واستخلاص الروابط التى توجد بين بعضها البعض Aron 1965: 65-66. لاحقاً تقبل كل من جون ديوي وآرثر بنتلي فكرة التقسيم الثلاثي لتطور الفكر، لكنهما عدلا في المسميات. بالنسبة لهذين الكاتبين فإن المرحلة الأولى لتطور الفكر – مرحلة الحركة الذاتية – تتميز بمحاولة الإنسان تفسير الظواهر الكونية بحسبانها كل ظاهرة قائمة بمفردها بعزلة تامة عن المظاهر الأخرى وهو ما أدى إلى افتراض قوى تتجسد في كل الأشياء والظواهر وتحركها وتفسر سلوكها. أما علماء الأنثروبولوجيا فقد أطلقوا على هذه المرحلة البدائية من تطور الفكر اسم المرحلة الأنيمية (الأرواحية) (2).

أما المرحلة الثانية – مرحلة التفاعل – فتتميز بتراكم المعلومات والمعارف مكنت الإنسان من رؤية العلاقات القائمة بين الأشياء والظواهر. أدت هذه النظرة بالإنسان إلى اتباع المنهج التحليلي في دراسة الطبيعة وما فيها من أشياء. وقوام المنهج التحليلي هو التعرف على الجزئيات التى يتكون منها الشئ أو الظاهرة مما يمكن الإنسان من تحديد التفاعل بينها ونتائجه. وتشكل المرحلة الثالثة – مرحلة الفاعلية – مرحلة أخيرة بدأ الإنسان يرى فيها أن الكون عبارة عن وحدة متكاملة مدركاً استحالة تحديد صفات أي جزء من الكون بمعزل عن الوسط المحيط به. ومن ثم استحالت إمكانية التعامل مع شئ ما في حد ذاته إذ تتحدد صفات الأشياء أو الجزئيات بنوع التفاعل الذى تعمل فيه لا العكس هذه النظرة أصبحت تعرف بنظرية النسبية Aron 1965: 89-90. قطعاً فإن التأكيد على تقسيم تطور الفكر إلى مراحل لا يعني بحال من الأحوال القطيعة الكاملة بين كل مرحلة والتى سبقتها. كل مرحلة لاحقة تُولد في أحشاء السابقة لها، وتظل تجليات المرحلة الأسبق بينة في المراحل اللاحقة. هكذا نجد أن الفكر الأنيمي لازال يجد انعكاسات له في واقعنا المعاصر. ويبدو أن الزار بمفهومه المشار إليه في المعتقد الشعبي السوداني أو غيره من الشعوب التى تُمارس فيها هذه الطقوس، يمثل ضرباً من ضروب الفكر الأنيمي القابع في أعماق الذهنية الحديثة التى تنتمي للمرحلة الثالثة في تطور الفكر، أي، الوضعية حسب كونت، ومرحلة الفاعلية وفق ديوي وبنتلي.

كان عالم الأنثروبولوجيا إدوارد برنت تايلور أول من أشار إلى الأنيمية بحسبانها نمطاً من أنماط التفكير إذ رأى بأن فكرة الأرواح والجن والآلهة وأية مجموعة أخرى من الكائنات الروحية إنما هى مفاهيم من طبيعة واحدة حول مفاهيم الأرواح باعتبار أنها المقومات الأولى في السلسلة الروحية. وقد أكد تايلور أن الناس في كل مكان قد يخضعون لتأثير بعيد المدى لما يشاهدونه في أحلام فيها أقرباؤهم الموتى أو أصدقاؤهم البعيدون بأنها دليل على وجود الأرواح. وذهب تايلور بأن الاعتقاد السهل في هذه الكائنات الروحية في انفصالها عن الأجسام الطبيعية قد يتسع لكي يشمل عقائد دينية أكثر عمقاً مع ما يصاحب ذلك من طقوس تجعل من الممكن التأثير في الأرواح القوية والتحكم في الأحداث الطبيعية الهامة The New Encyclopedia Britanica 1961: 922. وترى يمنى الخولي بأن مفهوم الأنيمية يقوم على "فكرة أن الإنسان في فجر حياته سيطرت عليه ذهنية تنظر لذاته بوصفه جزءاً من مجتمع في الوقت الذى تنظر فيه تلك الذهنية للمجتمع بحسبانه شيئاً مثبتاً في الطبيعة ومعتمداً على قوى كونية وأنه طالما انعدمت المجابهة بين مفهومي الطبيعة والإنسان أحدهما للآخر تكون منعدمة بالتالي الحاجة لإدراك المفهومين بأساليب مختلفة للمعرفة" (يمنى طريف الخولي، 1989: 236). تنظر الذهنية الأنيمية للظواهر وكأنما هى تجارب إنسانية التى هى أحداث كونية في منظور تلك الذهنية. والواضح أن هذا هو ما يميز الذهنية الحديثة عن الذهنية الأنيمية. يكمن الاختلاف البادي للعيان بين الذهنيتين في أن الأولى تنظر إلى عالم الظواهر بوصفه موضوعاً في حين أن الأنيمية تنظر إلى ذلك العالم بحسبانه ذاتاً. ومن ثم فإن علاقة الذات/الذات (أنا/أنت) المميزة للفكر الأنيمي تعني علاقة النوع بالنوع نفسه. إن الذهنية الحديثة بنظرتها لعالم الظواهر بوصفه موضوعاً إنما تقيم ترابطاً بين الذات والموضوع وهو، بالطبع، أساس مجمل التفكير العلمي وهو الوحيد الذى "يجعل المعرفة ممكنة" (روزنتال وآخرون، 1981: 216). أما أسلوب التفكير الأنيمي الذى يرى في عالم الظواهر ذاتاً فإنه يشير إلى نوع للمعرفة المباشرة. إن الظاهرة الموضوع يمكن أن تُقرن علمياً بظواهر أخرى بحيث تبدو جزءاً من منظومة وهو ما يؤهل العلم لرؤية الموضوع. فقط هذه النظرة هى التى تمكن العلم من تفهم الأشياء والحوادث إذ تتحكم بها قوانين عامة تجعل ممكناً التنبؤ بها وبسلوكها في ظروف معينة. أما الذات فهي فريدة دائماً لها شخصية الفرد التى لا يمكن التنبؤ بها حيث أن الشخصية هى وجود لا يمكن معرفته إلا بالقدرر الذى يكشف به عن نفسه. هذا إلى جانب كون الذات ليست مجرد موضوع للتأمل والفهم، بل أن الإنسان يجربه ويحس بعلاقة حركية معه. إن الذهنية الأنيمية في محاولتها تفسير الظواهر الطبيعية لا تضفي على الجماد صفات إنسانية بل أنها لا تعرف عالماً جماداً. بالتالي فإن الذهنية الأنيمية لا تشخص ظواهر الجماد. إن العالم يبدو لها زاخراً بالحياة، وللحياة فردية سواء في الإنسان أو الحيوان أو النبات أو في كل ظاهرة تجابه الإنسان في الحالات غير الطبيعية التى تعتري الإنسان من أمراض وقلق واضطراب، وفي الأمطار وقصف الرعد، وفي الآفات.. الخ. في كل لحظة تواجه الذهنية الأنيمية الظاهرة الطبيعية بحسبانها ذاتاً لا بوصفها موضوعاً. وتكشف الذات في هذه المواجهة عن فرديتها وصفاتها وإرادتها ولا تتأملها الذهنية الأنيمية بانفصال ذهني، بل تجربها حياة تواجه حياةً.

إلا أن الذهنية الأنيمية التى سيطرت على الإنسان في فجر حياته لم تكن الأسلوب الأوحد. كان على الإنسان أن يتعرف على البيئة التى يعيش فيها تمكيناً له من التكيف معها. وعندما تتعطل قدراته وتعجز كان يلجأ إلى الأفكار الخرافية المختلطة بالأفكار القائمة على الأنيمية، وهكذا اختلطت، على حد تعبير مالينوفسكي، بذور العلم بالتفكير الخرافي، فالإنسان المبكر إذا اشتبكت عليه آنية أحاسيسه، أدرك أن هناك مشاكل تتعدى الظواهر المجردة فتصور من الظواهر الطبيعية كائنات حية مثله وإن كانت تفوقه قوةً وتمارس تأثيراً قوياً على حياته، فكان لا بدَّ له له من استرضائها.

يبدو واضحاً أن طبيعة الزار وطقوسه كما أوضحناها تشير إلى أنه مفهوماً تمتد جذوره إلى خلفية أنيمية يختلط بها فكر خرافي. فالذهنية الأنيمية تعزو حالة الفرد امصاب بحالة غير طبيعية إلى وقوعه تحت تأثير خفي تعجز عن إدراك نوع التأثير ومن ثم تتجه إلى النظر إلى الحالة في حد ذاتها، أي بحسبانها ذاتاً، وبالتالي ترجعها إلى أحد السحرة أو إلى الموتى المختفين، أو إلى الأرواح الشريرة. ومن ثم فإن مفهوم الزار يمثل، في اعتقادنا، تجلياً لبقايا الفكر الأنيمي القابعة بصلابة في قاع الذهنية السودانية الحديثة أو غيرها من ذهنيات الشعوب الأخرى التى يحتل فيها مفهوم الزار موضعاً في معتقداتها الشعبية.

ويبدو لنا أن مثل هذا الربط بين مفهوم الزار والفكر الأنيمي فرضية تتقبلها الفطرة السليمة إذا وضعنا في الحسبان ارتباط الإنسان عموماً بالنزعة الأنيمية. تبدو هذه النزعة الأنيمية، في رأي يوسف ميخائيل أسعد، واضحة عند الأطفال، حيث يعزو الطفل في ألعابه الإيهامية الروح والإرادة والسلوك الأخلاقي إلى الأشياء من حوله ويثني على دُمية أو يعاتبها أو يعاقبها على ما يتخيل أنه سلوك ردئ صدر عنها (يوسف ميخائيل أسعد، 1977: 53). الشئ نفسه يمكن أن يقال بالنسبة للنزعة الأنيمية في حياة الراشدين فليس غريباً في سلوك الفرد أنه إذا ما أصاب سيارته عطل ناتج عن خلل في قطعة غيار طفيفة لا يحملها معه بحيث يتسبب ذلك في منعه من مواصلة السير رغم أهمية الموعد المرتبط به، فلا يستبعد أن نجده يخاطب السيارة ويلعنها ويعاتبها علماً بأنه يدرك أنها مجرد جماد ولا يقر بأن لها روحاً بعقله المنطقي، لكنه يقر ذلك بسلوكه، بل وبما ترسب لديه من نزعة أنيمية في أعماق ذهنيته. هذه النزعة الأنيمية نجد انعكاساً لها في الكتب المقدسة السماوية، فقد جاء في القرآن الكريم في سورة النمل ﴿ وورث سليمان داؤود وقال يأيها الناس عُلمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحُشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يُوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يأيها النمل اُدخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكاً من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التى أنعمت علىَّ وعلى والديَّ وأن أعمل صالحاً ترضاه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين (19) وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين (20) لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال أحطتُ بما لم تُحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين (22) ﴾.

الزار مفهوماً مرتبطاً بالسحر

ينعكس التجسيد الفعلي للذهنية الأنيمية في مفهوم السحر. والسحر كما تعرفه الموسوعة الفلسفية هو "أحد أشكال الاعتقاد البدائي، إنه مجموعة من الطقوس الت ترمي إلى التأثير في الناس والأرواح المتخيلة بهدف الحصول على نتائج معينة. ويقوم السحر على إيمان بعلاقة خارقة للطبيعة بين الإنسان والعالم المحيط به. وهناك سحر للعمل، وسحر لايقاع الضرر، وسحر لمعالجة الأمراض .. الخ. وقد ظل الاعتقاد في السحر قائماص في الجزء الأخير من القرون الوسطى (الكيمياء القديمة). ويعود السحر في زمننا الحاضر للظهور في نزعة العبادة السحرية" (روزنتال وآخرون، مرجع سابق: 244). في حالة اعتماد هذا التعريف فإن الزار يبدو ظاهرةً تمثل ضرباً من ضروبه موجهة لمعالجة حالات غير طبيعية تعتري الإنسان (سحر للأمراض) عن طريق طقوس ترمي إلى التأثير في الأرواح "الأسياد" المتخيلة بغرض استرضائها للتعايش في حالة سلام مع الفرد الذى تلبسته.

وقد أشار مالينوفسكي في كتابه عن دينامية التغير الثقافي إلى أن السحر يتسم بأشياء تقال، وأشياء تؤدى، وشخص يقوم بشعائر معينة Malinowski 1948: 95-97. بهذا المعنى يرتبط السحر بثلاثة أضلاع : الرقية، والطقس، وحالة الشخص الممارس للسحر. في حالة تطبيق هذه المؤشرات التى يقول بها مالينوفسكي على مفهوم الزار يتضح أنه يرتبط بـ "أشياء تقال" من ناحية بتحليل مقولة الأسياد والتعاويذ الخاصة بمخاطبتهم واسترضائهم. الكلمات التى تتفوه بها شيخة الزار وعباراتها تكون منغمة وموزونة وتوحي في لفظها بالغاية المطلوبة، كما تعطي مترادفات لما يُطلب. ويكثر استخدام الشيخة للتعابير المجازية مستفيدة من الخرافات مصدراً، وقد تكون بعض الكلمات غير مفهومة ولا دليل لها إلا كونها من كلمات الزار. ومن ناحية ثانية يرتبط بطقوس معينة محددة أثناء إقامة الحفل العلاجي. وأخيراً فإنه يرتبط بالممارسين له، والشيخة، والمغنيات، والمساعدات، وجمهور المشاركين، والمريض الذى تلبسه الروح – ويؤلف كل أولئك ما يعرف بـ جوقة الزار. ويذكر محمد جعفر عن شعب "الكاي" في غينيا الجديدة أنهم يعتقدون أن الشخص لا يموت موتاً طبيعياً قط حتى لو كان من الشيوخ الهرمين إذ يعتقد أفراد الكاي بأن موتهم يرجع إلى السحر، وكذلك الحال بالنسبة لجميع الكوارث التى تحل بهم. فإذا سقط شخص، على سبيل المثال، فالساحر هو الذى أسقطه، وإذا اتفق أن أصيب بجرح من خنزير بري أو لدغته أفعى ففتش عن الساحر أيضاً. كذلك الساحر هو الذى يعمل من بعيد على أن تموت هذه المرأة أو تلك اثناء الوضع (محمد جعفر، 1985: 55).

هكذا نجد الأمر لا يتعدى كثيراً مثل هذا الاعتقاد بالنسبة للذهنية السودانية الحديثة التى تعتقد في الزار. فالأسياد في مفهوم هذا النوع من الذهنية دائماً متحفزون لتلبس الفرد وفرض مطالبهم اللانهائية، ‘نهم في حالة إمكان دائم لتحدي الأفراد بالمطالب منتهزين كل بارقة تلوح للتلبس في الأفراد، ومن هنا يبدو وجه الشبه بين ذهنية الكاي والذهنية السودانية الحديثة التى تسيطر عليها النزعة الأنيمية والتى لا ترى سوى تفسير واحد للحالات غير الطبيعية التى تعتري الفرد، وهو أن المصاب وقع تحت تأثير قوى خفية تكون معرفتها ممكنة فقط عن طريق شيخة الزار بوصفها الوسيط الذى بمقدوره الكشف عن سر تلك الروح التى تلبس المصاب ومن ثم استدراجها لمعرفة مطالبها سعياً للاستجابة لتلك المطالب واسترضاءً للروح. هكذا تبدو شيخة الزار، من منظور السحر، بمثابة الطبيب الساحر.

فالطبيب الساحر Witch doctor، كما يعرفه لويس ميير، هو طبيب محلي يستعمل السحر في شفاء الأمراض، ويدعي القدرة على معرفة السحرة وإزالة آثار السحر عن المسحورين باستخراج المادة السحرية من أجسامهم (لويس ميير، 1983: 471- 472). أوليست الشيخة في الزار طبيب في المعتقد الشعبي يستعمل معرفته بالأسياد في شفاء الأمراض مدعية القدرة على معرفتها بهم وعلى إزالة الأرواح التى تتلبس الفرد؟

أما ابن خلدون فقد كتب في مقدمته بشأن شخصيات السحرة وصفاً له دلالته في هذا المقام.. "والنفوس الساحرة على مراتب ثلاث : يأتي شرحها فأولها المؤثرة بالهمة فقط من غير آلة ولا معين وهذا هو الذى يسميه الفلاسفة السحر، والثاني بمعين من مزاج الأفلاك أو العناصر أو خواص الأعداء ويسمونه الطلسمات، وهو أضعف مرتبة من الأول، والثالث تأثير في القوى المتخيلة فيتصرف فيتصرف فيها بنوع من التصرف ويلقى أنواعاً من الخيالات والمحاكاة وصوراً مما يقصد في ذلك ثم ينزلها من الحس من الرائين بقوة نفسه المؤثرة فيها فينظر الراؤون كأنها من الخارج وليس هناك شئ من ذلك ويسمى هذا عند الفلاسفة بـ الشعوذة أو الشعبذة. ورياضة السحر كلها إنما تكون بالتوجه إلى الأفلاك والكواكب والعوالم العلوية والشياطين بأنواع التعظيم والعبادة والخضوع والتذلل" (ابن خلدون، المقدمة: فصل السحر).

هكذا صنف ابن خلدون السحرة إلى ثلاثة أنواع. وقد حاول يوسف ميخائيل أسعد أن يصوغ هذا التصنيف في عبارات حديثة على الوجه التالي : "ثمة أولاً النوع الأول من السحرة وهم الذين يلتمسون قوتهم في الصيغ السحرية بحسبان أن السحر في حد ذاته بمثابة إعادة تنظيم جديدة بواسطة كلمات أو صيغ أو حركات أو إجراءات يلتزم بها الساحر. فكأن هناك مصدراً خارجياً أشبه ما يكون بالمعادلات الرياضية التى إذا ما جرت فإنها تستخدم أشياء هائلة لم تكن قائمة من قبل، أو تغير طبيعة الأشياء فكما أن معادلة رياضية إذا ما طُبقت فإنها ستحدث قنبلة ذرية تدمر شكل العناصر أو تغيره. كذا فإن الصيغة السحرية بهذا المعنى يمكن أن تؤدي إلى نتائج باهرة سواء بالفائدة لآخرين أو بايقاع الضرر عليهم. أما النوع الثاني من السحرة فهم أولئك الذين يستعيذون بقوى خارجية معينة لتحقيق مآربهم. ولا يكون تركيز الساحر هنا على المعلومات السحرية بل على القدرة على الاتصال بتلك القوى وتسخيرها أو ترويضها أو التماس مساعدتها لتحقيق المأرب، وطبيعي أن يكون موقف الساحر مضاداً لموقف المؤمن بالله ذلك أن  المؤمن يلتمس مساعة الله وحده بينما يلتمس الساحر المعونة من قوى شريرة لا تنال الرضى الإلهي ولا تُحظى بحبه بل يقع عليها السخط الإلهي ويتوعدها بجهنم في الآخرة. والنوع الثالث من السحرة فهم أولئك الذين يتذرعون بالايحاء النفسي وإعمال قدراتهم النفسية في قلوب الأشخاص الذين يقومون بالأعمال السحرية قبالتهم. وقد يستعين الساحر هنا بالتنويم – حتى إن لم يسمه باسمه الحديث – وقد سيطر بنظراته أو ببعض الحركات أو ببعض النغمات على من يحيطون به. وقد تكون للساحر في هذا النوع قدرات نفسية خارقة مثل الشفافية أو قراءة ما مر بحياتهم من مواقف لا يعرفها سواهم الأمر الذى يلقي في نفوسهم الرعب، ويحملهم على الخضوع نفسياً لكل ما يأمر به الساحر" (يوسف ميخائيل أسعد، مرجع سابق: 110).

هذا التصنيف الخلدوني لأنواع السحرة يضع شيخة الزار في وضع يسمح بمقاربتها بتلك الفئات الثلاث استجلاءً لأوجه الشبه القائمة. فشيخة الزار تلتمس قوتها خلال احتفال الزار عن طريق صيغ محددة ترتبط بحركات وإجراءات طقوسية بعينها. كذلك فإنها تلجأ إلى الأرواح (الأسياد) مدعية قدرتها على الاتصال بهم والتخاطب معهم استقصاءً للمعلومات التى تقودها إلى معرفة الروح التى تلبست المريض ومن ثم استدراج الروح للبوح لها عن سر الوصفة العلاجية اللازمة. وفوق ذلك فإن الشيخة تمارس عملية الايحاء النفسي أثناء مراحل مختلفة من إجراءات الزار بدءاً من لحظة ما يعرف في لغة الزار بـ "الحلم" الذى يعقب "كشف الأثر" مروراً بعملية الذبح والإدعاء بحضور أحد الأسياد "الست الكبيرة" مراسم تقديم القربان ورضاها وتقبلها للقربان المقدم، وانتهاءً بالايحاء للمريض برضا الأسياد ما إلى ذلك مما سنأتي لتناوله بتفصيل لاحقاً.

الزار مفهوماً مرتبطاً بالفكر الخرافي

يلاحظ وجود جسر يربط الزار بالفكر الخرافي – فالخرافة في رأي كل من كرتش وكرتشفيلد، هى نوع من الاعتقاد أو منظومة من الأفكار لا يوجد توافق بينها وبين الواقع الموضوعي، بل أن تعارضها مع ذلك الواقع يبدو جلياً. لكنه وفي الوقت نفسه لا يجوز القول بأن أي اعتقاد أو منظومة من الأفكار تتعارض مع الواقع الموضوعي تعد، من وجهة نظر العلم، خرافةً. انه وكلما يصبح الاعتقاد أو منظومة من الأفكار خرافة بالمعنى العلمي للكلمة لا بدَّ وأن يتوفر لذلك الاعتقاد أو منظومة الأفكار فعل الاستمرار، أي، أن لا تكون حدثاً طارئاً يعبر عن موقف آني، أو تفسير لظاهرة عرضية عابرة. الأمر أشد تعقيداً إذ أنه ولتحول الاعتقاد أو منظومة الأفكار إلى خرافة بالمعنى العلمي للكلمة لا بدَّ من توفر شرط قيامه بدور وظيفي في حياة المؤمنين به واستخدامهم ذلك الاعتقاد أو منظومة الأفكار في مواجهة بعض المواقف أو في حل بعض الإشكاليات الناشئة والخاصة بحياة أولئك النفر من المؤمنين به Kretch and Crutch Field 1946: 90. بهذا المعنى فإن الخرافة يمكن تعريفها نوعاً من التفسير الذى يوفر للمؤمنين به وسيلة لمواجهة مشكلة لا يعرفون طريقاً أفضل لمعالجتها. وقد أعطى كرتش وكرتشفيلد ملخصاً لما يعتقدان بأنه يشكل الشروط الرئيسة التى تحدد الخرافة:

1- البعد عن الواقع الموضوعي؛

2- الشيوع بين عدد كبير نسبياً من أفراد المجتمع؛

3- الافتقار للعلية المنطقية أو العلمية واستنادها إلى المفاهيم الغيبية والميتافيزيقية مثل الحظ والأرواح والسحر، واستخدامها لتلك المفاهيم في تفسير ظواهر طبيعية يمكن  تفسيرها في حقيقة الأمر تفسيراً سليماً باللجوء إلى الملاحظة المنظمة والدراسة القائمة على الشواهد الموضوعية (المرجع نفسه: الصفحة ذاتها).

كان مالينوفسكي قد عبر عن وجهة نظر مماثلة حين أشار إلى وجود قوتين يلجأ إليهما الإنسان : قوة واقعية مادية، وقوة أخرى سيكولوجية. وتعد القوة السيكولوجية، في اعتقاده، بديلاً رمزياً للقوة الواقعية. فما لا يستطيع الإنسان بلوغه في الواقع العملي يستطيع أن يبلغه بالخيال وذلك إما بتخيل وقوعه أو بالأمل في وقوعه. ويرى مالينوفسكي أن البديل الغيبي السيكولوجي بالسحر يعد ضرورة نفسية لتكامل الشخصية والحيلولة بين الإنسان واليأس. فعندما يفقد الإنسان الحيلة في معالجة أمر ما فإنه يلجأ للغيبيات ليملأ بها الثغرات ويسد بها الفجوات الناجمة عن عجزه وافتقاره للوسائل العلمية الواقعية (المرجع السابق نفسه: 183). فالقوة السيكولوجية البديل الرمزي للقوة الواقعية، هى قوة غيبية بعيدة عن الواقع الموضوعي، لكنها شائعة بين عدد لا بأس به من أفراد المجتمع رغم افتقارها للعلية المنطقية أو العلمية واستنادها إلى المفاهيم الغيبية والميتافيزيقية. من الواضح أن مالينوفسكي ينظر للنشاط الإنساني بحسبانه متميزاً بمستويين : مستوى علمي يتجلى في قوة الإنسان، ومستوى غيبي يلجأ إليه الإنسان عند العجز عن السيطرة على الظواهر وتسيير دفة الحياة. إلا أن مالينوفسكي يرى بأن المستويين لا يلتقيان بل أن الإنسان يلجأ إلى كل منهما وفق الحاجة والظروف فعند القدرة ووضوح الرؤية يلجأ إلى المستوى الأولي الواقعي الموضوعي، وعند العجز فإنه يسارع لاجئاً إلى المستوى الثاني الغيبي.

الزار ظاهرة ثقافية اجتماعية

رغم أن كرويبر وكلكهون قد أشارا إلى عدم الاتفاق بين علماء الأنثروبولوجيا على تعريف لمفهوم الثقافة، فإننا سنتبنى هنا مفهوماً للثقافة طرحه كلوكهون بوصفها "جميع مخططات الحياة التى تكونت على مدى التاريخ بما في ذلك المخططات الهندسية الصريحة، العقلية وغير العقلية والتى توجد في أي وقت باعتبارها موجهات لسلوك الناس عند الحاجة"Kluckhon and Kelly 1954: 381. فالثقافة بهذا المعنى تشمل كل القيم المادية والروحية ووسائل خلقها واستخدامها ونقلها. وبما أن الثقافة هى خاصة إنسانية فإنه، على حد تعبير رالف لنتون، "لا وجود لمجتمع بدون ثقافة، كما لا وجود لأي فرد بدون ثقافة" Ralph Linton 1945: 30، فإنه لا بدَّ من دراسة الإنسان لا بحسبانه جسداً فحسب، بل بوصفه مركباً من جسد ونفس psycho-somatic، أي أنه لا بدَّ من الاقلاع عن النظر للإنسان بوصفه جسماً من المحسوسات فحسب دون اعتبار لجانبه الروحي. من ثم ننظر للزار بوصفه يشكل ظاهرة ثقافية طالما أنه سلوك إنساني موجهة لتلبية غاية وظيفية وسد حاجة بعينها. فالزار في المعتقد الشعبي في السودان يمثل نموذجاً لتفكير يرى المعتقدون به ارتباطه بأمورهم الحياتية. الذهنية السائدة في معظم أنحاء السودان هى ذهنية متدينة تؤمن بالله وبرسوله، لكنه مع ذلك يلاحظ تفاعل تلك الذهنية ثقافياً على مستويين : مستوى تأصلت القوى الدينية فيه طاغية على سواها من ي وبالصوم والابتهالات؛ ومستوى ثان رغم الاعتقاد في الله عز وجل فإنه يتطلع أيضاً إلى معرفة القوى الخفية مسترضياً إياها بمختلف الطقوس والأفعال عله يجد فيها تحقيقاً لحاجاته وحلاً لمشكلاته. وقد وجد المستوى الثاني بين س من يدعي القدرة على الاتصال بهذه القوى الخفية والاستعانة بها.

ولا شك أن هذا المستوى الإسلامية تقوم على أساس التسليم بوجود كائنات غيبية مثل الملائكة والشياطين والجان. وقد أشار القرآن الكريم إلى الجان في مواضع كثيرة ويستفاد من هذه الآيات أن الجان كائنات تختلف عن الاناس من حيث مادة خلقها. فالجان قد خُلق من نار بينما خُلق الإنسان من صلصال ﴿ خلق الإنسان من صلصال كالفخار وخلق الجان الجان من مارج من نار﴾. وفي الجان عصاة وأشرار يعادون الأنبياء ويعصون الرسل ﴿ كذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الانس والجن﴾ ﴿ يامعشر الجن والانس الم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي﴾، ومن الناس من يعبدون الجن جاعلينهم شركاء لله تعإلى ﴿ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانو يعبدون الجن﴾.

كذلك فإن الطبيعة الوراثية لوظيفة شيخة الزار قد تشير إلى التشابه بين طبيعتها هذه وبين ما هو معروف عند الأزاندي في جنوب السودان حيث يسود الاعتقاد عندهم، كما يشير إلى ذلك ايفانز برتشارد، بأن "القوة السحرية تنتقل من جيل إلى جيل من الأسرة الواحدة عن طريق التوريث البيولوجي، فيرث الوليد هذه القوة عن أبيه أو أمه تبعاً لنوعه فالرجل يورث قوته السحرية إلى أولاده من الذكور، والمرأة إلى ذريتها من البنات" Op.Cit.Evans Pritchard 1937. ومن ثم فإن الزار مثله مثل أية ظاهرة ثقافية، يمثل عنصراً متغيراً وفي حالة حراك مستمر. فالظاهرة الثقافية بوصفها نمطاً تكيفياً يسعى لتحقيق أغراض بعينها لا تكون جامدة بل هى عرضة للتغير وفق الحراك الثقافي. هكذا نجد أن الزار الذى يمثل طقساً أنيمياً سحرياً خرافياً ساد في السودان قبل دخول الإسلام وارتبط بمركب ثقافي محدد يتم استيعابه في الذهنية السودانية المسلمة بعد ادخال تعديلات تجعل من ممارسته ظاهرة متناغمة مع العقيدة الإسلامية.

من جانب ثان يعرف جلن وجلن مفهوم العادة الاجتماعية أو الأسلوب الشعبي بأنه أسلوب متكرر يُكتسب، ويُتعلم، ويُمارس، ويُتوارث اجتماعياً Gillin and Gillin 1954: 53. أما سومر جراهام فإنه يسترسل في تعريف الأساليب الشعبية واصفاً إياها بأنها عادات الأفراد وعادات المجتمع التى تنبع من مجهودات الناس لاشباع حاجاتهم وتغلف الأساليب الشعبية بالاعتقاد في الجن والشياطين والأفكار البدائية، ولذلك فهي تكسب سلطة تقاليد وتصبح بعد ذلك قوة اجتماعية لا يعرف كيفية أو زمان نشوئها. وتنمو إلى وقت محدد بفضل الجهود الهادفة .. وفي وقت معين تفقد قوتها فتضمحل أو تموت أو تتحول. وحينما تكون في قوتها فإنها تمارس ضبطها على الأفراد ولكنها ليست عضوية ولا مادية انها تنتسب إلى نسق فوق عضوي من العلاقات والاعتقادات والترتيبات التنظيمية Sumner Graham 1946.

يتسم الزار في السودان بمحدودية أعداد الممارسين ومن ثم فهو لا يشكل الثقافة السائدة في المجتمع وإنما يعد جزءاً من الثقافة الفرعية، بالتالي ظاهرة اجتماعية. فالزار رغم كونه طقساً لمعالجة حالات فردية فإنه لا يجوز عده ظاهرة فردية طالما أنه لا يمثل نتاجاً فردياً. إنه يضرب بجذوره في أعماق الواقع الاجتماعي موروثاً ثقافياً ناتجاً عن ظروف أيديولوجية وبيئية، إنه يمثل نتاجاً للذهنية الأنيمية القابعة في بنية العقل السوداني، وللأفكار الخرافية والطقوس السحرية المرتبطة بتلك الذهنية. ولازالت هذه الذهنية المعبر عنها من خلال الزار وغيره من الممارسات السحرية ذات الطابع الخرافي/السحري تصر على اثبات وجودها رغم ظهور البديل العقلاني لها. يرجع ذلك إلى عوامل مختلفة منعزلة تماماً عن تلك التى يتحكم فيها العقل والمنطق. كان فؤاد البهي قد أشار إلى "أن الثقافة هى محصلة التفاعل القائم بين الفرد والمجتمع والبيئة. والبيئة هى ثمرة علاقات الفرد بالزمان والمكان والكون، والثقافة هى نتاج المجتمع وأفراده. ويؤثر الفرد على الثقافة الراهنة نتيجة لتأثره بالتراث الثقافي الذى يهبط إليه من الأجيال السالفة – فالفرد يولد داخل بيئة ثقافية تشكله وهو يشكلها بدوره" (فؤاد البهي،1979). ويقسم أحمد عزت البيئة إلى بيئة خارجية وبيئة نفسية وتمثل الخارجية، في اعتقاده، كل العوامل الخارجية التى تمارس تأثيراً مباشراً منذ اكتمال الاخصاب وتحديد العوامل الوراثية وهى بهذا المعنى تشمل العوامل المادية والاجتماعية والثقافية، وتؤلف المعايير الأخلاقية والدينية جانباً من الخصائص الخالصة للبيئة الخارجية. أما البيئة النفسية فإن أحمد عزت يشير بها إلى المجال السيكولوجي حيث يرى، وفقاً لـ كيرث ليفين، أنه لا يمكن معالجة أية عملية سلوكية دون مراعاة أمرين : الخصائص المميزة لظواهر البيئة المختلفة؛ والطاقات النفسية لدى الكائن الحي إذ نجد أن الفرد تركة لدوافعه مع وجود عناصر مشتركة بينه وبين حياة الأفراد الآخرين بحكم النشأة في ثقافة واحدة. هذه العناصر المشتركة للثقافة تؤلف المنظار الثقافي الذى تحدد من خلاله الثقافة وظيفتها وتحدد خبرات الفرد السلوكية وتوجهها.

الفرد كما يراه يونج في نظريته الشخصية يختزن الخبرات الماضية المتراكمة عبر الأجيال والتى مرت بأسلافه القدامى والعنصر البشري عامة فإنه يختزن خبرات الجنس البشري في لاشعور واسع وابعد وأغور وهذا ما سماه بـ اللاشعور الجمعي.. "اللاشعور الجمعي هو الأساس العنصري والموروث للبناء الكلي للشخصية .. وهو فعل الإنسان في عالمه الحديث فإنه يشيده وفق أنماط معينة مضت واختزنت في اللاشعور الجمعي" (محمود غنيم، 1975: 528) وهذا ما يوضح لنا الأشياء المشتركة بين الإنسان البدائي القديم والحديث والشاهد على ذلك تلك الممارسة الطقوسية في ظاهرة الزار. وكما قال يونج بعد زيارة قام بها لقارتنا الأفريقية "ان ذهن الإنسان البدائي ومخاوفه لا تستقر في رأسه وإنما خارجاً عنه.. حيث تسقط هناك في الغاب .. وأنا أشك بوجود ناحية من نواحي هذا "الذهن البدائي" فينا جميعاً، فعندما نكون وحدنا في الظلام فسوف يحفز هذا الظلام خيالنا فنتخيل أخيلة مخيفة (بيتر ماكلير، 1986: 74).

هوامش

Incarnation (1) أى أن يسكن إله بصورة مؤقتة أو دائمة فى جسم إنسان أو حيوان، وينتشر الاعتقاد بالحلول فى الكثير من الديانات والمعتقدات البدائية، ويصيب الحلول الأشخاص الذين تحل فيهم الآلهة بالجنون، أو أن ذلك يكسبهم قدرة فائقة على تحقيق نجاح فى الحياة [لويس ميير1983:471]. وفى جنوب السودان يعترف الشلك بالرث " ملكاً مقدساً " الذى تحل فيه أثناء طقوس إعتلائه العرش روح مؤسس الوطن، نصف الإله " نيكانج ". ويعتقد أن مملكته تتكون من نصفين مع حاضرة فى الوسط بينهما. ويمثل القتال الصوري بين النصفين المشهد الأكثر إثارة فى طقوس تنصيب الملك. ويجرى القتال على ساحل مجرى مائي يظن أنه يمثل نقطة وسطى فى المملكة، وينتصر فى هذه المعركة جيش الملك ولكن الذى يوقع به الهزيمة هو جيش يحمل صورة نيكانج الذى يسيطر على الملك قبل الحلول فيه [لويس ميير1983:266].

(2) تعرف الموسوعة الفلسفية الأنيمية بأنها الاعتقاد بالنفس أو الأرواح التى تؤثر في حياة الناس والحيوانات، والتي تمارس تأثيراً على الأشياء والظواهر في العالم المحيط فقد كان البدائي يتصور للأشياء والنباتات أرواحاً .. وكان إضفاء الطابع الشخصي على القوى الطبيعية أحد الأشكال التى كان يراد بها السيطرة عليها (روزنتال وآخرون، 1981: 20- 21).

المراجع

محمد الجوهرى،1980، علم الفولكلور، دار المعارف، القاهرة.

عباس أحمد،1969، "الزار أو الريح الأحمر عند الشايقية"، جمعية العلوم الاجتماعية، الخرطوم، ص.16-34

روزنتال م. ويودين ب.، (إشراف) 1981، الموسوعة الفلسفية، ترجمة سمير كرم، دار الطليعة، بيروت.

يوسف ميخائيل أسعد،1990، سيكولوجية الاعتقاد والفكر، نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة.

لويس ميير،1983، مقدمة في الأنثروبولوجيا الاجتماعية،ترجمة شاكر سليم، دار الشئون الثقافية، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد.

عبدالمجيد عابدين، (بدون تاريخ)، بين الحبشة والعرب، دار الفكر العربي، القاهرة.

يمنى طريف الخولي، 1989، فلسفة كارل بوبر منهج العلم منطق العلم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة.

محمد جعفر، 1958، كتاب السحر، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة.

ابن خلدون، عبدالرحمن،  مقدمة ابن خلدون، دار الكتاب العربي، بيروت.

فؤاد البهي السيد، 1979، علم النفس الاجتماعي، دار الفكر العربي، القاهرة.

محمود غنيم، 1975، سيكولوجيةالشخصية، دار النهضة العربية، بيروت.

بيتر ماكلير،1986، الانشطار الذهني، ط 2، تعريب حلمي نجم، دار الشؤون الثقافية العامة، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد.

Aron Raymond 1965, Main Currents in Sociological Thought, London.

Krech and Crutchield 1946, Theory and Problems of Social Psychology, New York: McGraw Hill.

Seligman C.G. 1939, Races of Africa. London.

Snouck Hurgrouge 1921, Mecca 2. London: MacMillan.

Malinowski B.1948, Magic, Science and Religion. Illionois: The Free Press.

Kluckhon and Kelly 1945, ‘The Concept of Culture’, In: R. Linton (ed.), The Science of Man in World Crisis. New York: Columbia University Press.

Ralph Linton 1945, The Cultural Bacground of Personality. New York: Appleton-Century-Crofts.

Gillin and Gillin 1954, Cultural Anthropology. New York: MacMillan.

Sumner W.G. 1940, Folkways: A Study of Sociological Importance of Usage, Manners Customs, Mores and Morales. New York.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий