Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > السبع المعلقات (تحليل أنثروبولوجي) بنية المطالع في المعلقات – عبد المالك مرتاض

السبع المعلقات (تحليل أنثروبولوجي) بنية المطالع في المعلقات – عبد المالك مرتاض

أولاً: لماذا الطلل؟

لقد علّل ابن قتيبة نقلاً عن بعض معاصريه أنّ “مُقصِّدَ القصيد إنما ابتدأ فيها بذكر الديار والدمن والآثار: فبكى وشكا، وخاطب الربع، واستوقف الرفيق؛ ليجعل ذلك سبباً لذكر أهلها الظاعنين عنها؛ إذ كان نازلة العمد في الحلول والظعن، على خلاف ما عليه نازلة المدر من انتقالهم من ماء إلى ماء، وانتجاعهم الكلأ، وتتبعهم مساقط الغيث حيث كان، ثمّ وصل ذلك بالنسيب (…) ليُمِيلَ نحوه القلوب، ويصرف إليه الوجوه”([1]).

وإذاً، فقد نَبَّه النقاد القدماء لعلة ابتداء مقصِّدِي القصائدِ بذكر الديار، ووصف الدمن، والوقوف على الربوع يبكون لديها، ويشكون من تَحّمُّل أهلها عنها، ومزايلة الأحبة إياها فيذكرون الأيام الخوالي، والأزمان المواضي؛ وما كانوا نَعِموا به فيها من اللحظات السعيدات، مع الحبيبات الوامقات: إما بالنظرات والرنوات، وإما بتبادل أسقاط الحديث، وأما بنيل أكثر من ذلك منهنّ… يذكرون كلّ ذلك فتذرف منهم العيون تذرافاً، وتهيم بهم  الصبابة، وترتعش في أعماقهم العواطف، وتلتعج في قلوبهم المشاعر، فينهال عليهم الشعر الجميل انهيالاً، كما تنهال من أعينهم الدموع الغزار حتى تبلّ محامِلَهم.

وكان هذا الدّيْدُن جِبِلّةً في ذلك المجتمع البدويّ الذي لم يك نظامه ينهض على الاستقرار كما كان ذلك مفترضاً في الحواضر العربية مثل مكة، ويثرب، وصنعاء، والحيرة…، وإنما كان ينهض على نظام التظعان: انتجاعاً للكلأ، والتماساً لمدافِع الماء، وارتشافاً لمنابعها، وارتواء بما في غدرانها؛ فكان المقام لا يكاد يستقرّ بهم قرارُه. وعلى الرغم من أنّ تلك المقامات التي كانت تقع لهم على عيون الماء وغدران الأمطار لا دَيَّارَ يعرفُ مُدَدَ أزمنتها؛ فإننا نفترض، مع ذلك، أنها كانت لا تزيد عن الشهرين والثلاثة. وعلى قِصَر هذه المدد التي كانت تُقَضَّى بتلك الغدران والمراعي المُمْرِعَةِ إلاّ أنها كانت مُجْزِئةً لاضطرام علاقات غرامية بين فتيات وفتيان ما أشدّ ما كانت قلوبهم تهفو للحبّ وتتعلقّ به. وغالباً ما كانت تلك العلاقات الغراميّة تقع بين أقاربَ وأهلِ عشيرة، لقيام تلك الحياة البدويّة المتنقلة على النظام القبلي أو العَشَريّ. وربما كانت تقع بين أجنبيّ عن القبيلة المتنقّلة بإحدى فتياتها…. وغالباً ما كان ذلك الحب يظلّ مكتوماً غير معلنٍ، وخفيَّاً غير ظاهرٍ؛ وإلاّ فهي المآسي للحبيبين الاثنين… ذلك بأنّ العرب كانوا يُحرِّمون على مَن يحبُّ فتاة ويشتهر حبُّه إيّاها أن يُقْدِم على اختطابها من أهلها. وكانوا يعدُّون ذلك من الفضائح وملطّخات الشرف. وإنّا لا نحسب أنّ أولئك الشعراء كانوا يصفون الدِمَنَ والأطلال، وخصوصاً أوائلهم، لمجرد حبّ الوصف، وإمتاع المتلقين؛ وإنما كانوا يصّورون عواطفهم الجيّاشة، ويعبرون عن تجاربهم الحميمة من خلال أشعارهم. من أجل ذلك كثيراً ما كنا نُلْفيهم يذكرون أسماء المواضع التي يقع حوالها الطلل البالي الذي زايلته الحبيبة وتحمّلت عنه إلى سوائه من مُخْصِبات الأرض، ومُرْوِيَات الأودية.

ولكننا نحسب أنّ ذِكْر أسماء النساء الحبيبات (زهير: أمّ أوفى؛  لبيد: نوار؛ عنترة: أم الهيثم؛ الحارث بن حلزة: هند…..) في المعلقات خصوصاً لم يكن يعني أن تلك الأسماء كانت تنصرف حقاً إلى حبيبات الشعراء، وإلاّ رُبَّتما كانوا قُتِلُوا قتلاً وَحِيّاً، وفُتِكَ بهم فتكاً ذريعاً. وإنما هي، في تمثّلنا على الأقل، أسماءٌ رمزيّة لا تعني إلاّ سمةً دالة على نساء بدون تخصيص للنسب، ولا تدليل على الانتماء العائليّ الحقيقيّ؛ ففي كلّ قبيلة عربية كان يوجد عدد لا يحصى من النساء ممن كن يَتَكَنَّين أويَتَسمين أُمَّ أوفى، ونَواراً، وأمَّ الهيثم، وهِنْداً…

والحق أنَّ ظاهرة الطلل في الشعر العربي قبل الإسلام الذي اتخذها له دأْباً لم تأتِ عبثاً؛ و لا لمجرد البكاء على عهود ماضية، وأزْمُنٍ خالية؛ ولا لمجرد الحنين والتعلق بالمكان؛ فتلك جوانب عاطفية وقد تناولها الناس قديماً وحديثاً من ابن قتيبة إلى نقاد عهدنا هذا؛ وإنما الذي يجب التوقّف لديه هو أن هذه الطلليات، أو المطالع الطللية، أو المقدمات الطللية- فبكلّ عبّر النقاد فيما نحسب -كانت جزءاً من تلك الحياة البدوية، الرعويّة، الشظِفَة، الضنْكة التي كان نظامها ينهض على إجبارية التنقل من مرعىً إلى مرعىً، ومن وادٍ إلى واد، ومن غديرٍ إلى غدير. وكانت القبيلة ربما اضطرت إلى التنقل فجأةً عن مستقرها من منزلها إذا خشيت العدوان عليها، أو الإغارة المبيتّة ضدها كما جاءت، مثلاً، بعض ذلك قبيلة بني أسدٍ حين تَوجَّسَتْ  أن يُصَبِّحَها امرؤ القيس طلباً بثأر أبيه([2]).

ولما كان نظام حياتهم ينهض على الترحال، وعلى التكيف بطقس الصحراء القاسي الجاف؛ فقد كانوا يجتزئون بأقل ما يمكن التبلّغُ به في الطعام والشراب من وجهةٍ، وبأقلّ ما يمكن التدثّر به من وجهة أخراةٍ. فكانوا، في باديتهم، أقدر على الإجتزاء بأيسر الطعام وأشْظَفِهِ وأسوئه كأكْلِهمُ الْعِلْهِزَ، والحيّات، والجراد، وبأقلّ الشراب وأخبثه كالفظّ والمجدوح([3])، فكانوا أقدر الناس على احتمال الجوع، والظمأ، ووعثاء الأسفار، وأصبرهم على التنقّل في مجاهل الصحراء.

ولم تكن تلك الحواضر العربية القديمة، القليلة، مثلُ مكّة، والطائف، ويثرب، والحيرة، وصنعاء، كافيةً لأن تشعّ بحضارتها، واستقرارها، ونظامها الحَضَريّ القارّ.

وعلى غير ما يحاول أن يثبت أستاذنا نجيب محمد البهبيتيّ([4]) من أن العرب كانوا على حظ عظيم من الحضارة والرقي والتعلم: فإننا نميّز بين الحياة في القرى، والحياة في البادية القاحلة. ولا سواءٌ قومٌ تُفْعِمُهُمُ الحساسية بالحياة، وتطبع عواطفهم بالرقة لدى الحبّ، كما تطبع مشاعرهم بالغلظة والقسوة لدى التعرض للمهانة والضيم؛ قومٌ يحرصون على الموت كحرصهم على الحياة لا يبالون أن يُقْتُلُوا أو يُقْتَلُوا: حبُّ الضيف شِنْشِنَتُهُمْ، وإكرامه جبلَّتُهُم، ورعي الذمام خُلُقُهم، والوفاء بالعهد طبعهم، وفصاحة اللسان مجْدهُم، وذكاء الجنان هبة الطبيعة إياهم… وقوم ينتلقون من فجّ إلى فج، ومن كنف إلى كنف دون أن يستقر لهم قرار، لا يكادون يصطحبون أثناء تظعانهم إلاّ المُحِلاّت([5]).

ولعلّ كل ذلك، أو بعضه على الأقل، تجسده هذه المطالع الطلليّة التي وردت في القصائد التي عرفت في تاريخ النقد العربي تحت مصطلح “المعلقات”، أو “السبع الطوال” ([6]) التي تسميها العرب أيضاً “السُّمُوط”، فيما يزعم المفضّل الضبيّ([7]).

وقد لاحظنا أن بنبة كل معلقة تقوم على ثلاثة عناصر لا تكاد تعدوها، ولا تكاد تمرق عن نظامها: إذ كلٌّ منهنّ تبتدئ بذكر الطلل أو وصفه، ثم ذكر الحبيبة ووصفها، ثم الانتقال، من بعد ذلك، إلى الموضوع. ولا نستثني من هذا النظام إلاّ معلقة عمرو بن كلثوم التي تخرق العادة بابتدائها بالغزل، ثم وصف الطلل، قبل الانطلاق إلى الفخر. وعلى الرغم من خرق هذا الترتيب، فإن المعلقة تظلّ محافظة على البنية الثلاثية العناصر.

وما عدا ذلك فامرؤ القيس يبتدئ معلقته بوصف الطلل، أو البكاء على الربوع الدارسة، ثم يتدرج إلى الغزل الجسديّ بالنساء فيتوقف خصوصاً لدى حادثة دارة جلجل، لينتهي إلى الفَرَس والليل، والمطر ووصف القفر، أو طبيعة البلاد العربية اليمنية خصوصاً.

بينما نلفي زهيراً يبتدئ بالطلل، ويعوج على الغزل، وينتهي إلى وصف الحرب والتزهيد فيها. على حين أنّ طرفة، هو أيضاً، يبتدئ معلقته بذكر الطلل، ويثنّي بالغزل، وينتهي إلى وصف الناقة والافتخار بنفسه وبشيمه، وبإقباله على تبذير ماله في شراب الخمر، والإقبال على الملذّات. ولا يأتي إلاّ بعض ذلك لبيد الذي يبتدئ بوصف الطلل، ويثنّي بالتوقف لدى الغزل، لينتهي إلى الناقة فيصفها ويمجّدها، وينوّه بمكانتها، ويختم معلقته بوصف البقرة الوحشية وصفاً دقيقاً قائماً على تجربة ومُجسداً لمعرفة؛ ولكن على أساس ما لناقته بتلك البقرة الوحشية من علاقة، والتي منها التشابه في السرعة. أما عمرو بن كلثوم فيخالف جميع أصحاب السموط، كما سبقت الإشارة، بابتدائه بالغزل، ثمّ تعريجه على وصف الطلل، قبل الانتهاء إلى الفخر بنفسه، والاعتداد بقومه، في حماسة عجيبة، وغضبة عربية رهيبة.

وأما عنترة بن شداد فإنّا ألفيناه يبتدئ معلقته بوصف الطلل، قبل أن ينزلق إلى الحديث عن امرأة يجتهد في إغرائها به لينتهي، آخر الأمر، إلى وصف فرسه وحُسْنِ تجاوبه معه في المعارك، وقدرته العجيبة على فهمه، وإدراكه الذكيّ لما كان يريده منه وهو يجندل الأبطال في ساحة الوغى.

ولا يأتي الحارث بن حلّزة إلاّ بعض ذلك الضيع حيث يبتدئ بوصف الطلل، والتثنية بوصف حبيبته هندٍ، قبل الانتهاء إلى وصف الناقة التي ينزلق منها إلى وصف الحرب وشدائدها وأهوالها.

فكأنّ نظام البناء العامّ في هذه المعلقات يقوم على:

الطلل -المرأة – الفرس.

الطلل -المرأة – البعير.

الطلل -المرأة – الحرب

الطلل -المرأة -الماء.

الطلل -المرأة -الفخر.

وبتعبير رياضياتيٍّ (نحن نميّز بين النسبة إلى الرياضة، وإلى الرياضيات) تغتدي بنية المعلقات قائمة على بعض هذه القيم أو الرموز:

ا + ب + جـ

ا + ب + د

ا + ب + هـ

ا + ب + و

ا + ب + ز

إلا معلقة عمرو بن كلثوم فإنها تبتدئ بـ (ب)، ثم (أ)، ثم (ج).

ولكننا، لدى اختصار هذه النظرة إلى بنية هذه المعلقات، نلفيها؛ في أغلبها، تنهض على: الطلل- الغزل -الحرب. ذلك بأنّ الجُزْءَ الثالث من كل معلقة يمثّل، غالباً، إما الحرب صراحة؛ كما يمثل ذلك في معلقات زهير، والحارث بن حلّزة، وعنترة؛ وإمّا شيئاً من ملازماتها كما يتمثل بعض ذلك في وصف الفرس وجَوَبَان القفار ليلاً، ومعاشرة الذئاب والوحوش الضّارية حيث إنّ هذه المواضيع، كما نرى، هي أدنى ما تكون إلى الحرب، وأبعد ما تكون عن السلم؛ وكما يتمثل في الفخر الملتهب الذي يصادفنا في معلقة عمرو بن كلثوم خصوصاً. وإذن، فهناك خمس معلقاتٍ، على الأقلّ، ينتهين بالحديث عن الحرب، إما بصورة مباشرة، وإما بصورة غير مباشرة.

ومثل هذه السيرة تمثل، بصدق، الحياة العربية قبل ظهور الإسلام حيث كان البقاء للأقوى لا للأصلح، والوجود للأشجع لا للأجبن، إذْ لم تكُ أي قبيلةٍ بمنأىً عن الحرب إما بشنّها هي الغارة على سَوائِها؛ وإما بتعرضها،  هي نفسها، لغارةٍ تشُنُّها عليها قبيلةً أخراةٌ مُعادية.

وذلك همٌّ آخر الهموم التي كانت تَضْطَرُّ القبائل العربيّة البدويّة إلى التّظعان على وجه الدهر، والتي كانت تحول دون قيام مجتمع مستقرٍّ ينهض على نظام مدنيّ. وقد نلحظ، أثناء ذلك، أنّ كلّ هذه العلاقات كانت تنهض على ما يسميه الأناسيّون (الأنثروبولوجيون) “نظام القرابة” ([8]).

كما أننا نلاحظ أنّ الماء يرتبط بالخصب، وأنّ الخصب يرتبط بالأرض، وأنّ الأرض ترتبط بالإخصاب لدى المرأة، وأنّ المرأة نلفيها في مركز اهتمام النصوص الشعريّة الجاهلية. وكلّ ذلك يحدث في وسط يتغيّر عبر الرُّتُوبِ، ويُمارُسُ عليه الانتقال والتحول، ولكنْ داخل حيز مغلق لا يعدوه.

ونتوقف الآن لدى طلليلة امرئ القيس لنحاول قراءتها من الوجهتين الانثروبولوجية والسِمَائياتيَّة، لنصف ونَُؤَّوِل معاً. ولعلَّنا، ببعض هذا السعي، أن نضيف شيئاً إلى القراءات الكثيرة التي سُبِقْنا إليها، قديماً وحديثاً.

وقبل أن نثبت الأبيات الستة الطلليلة المرقسيّة، نودّ أن نومئ إلى أننا لا نريد أن ننزلق إلى الحديث عن انتماء هذه الأبيات أو عدم انتمائها حقاً إلى امرئ القيس، وذلك على أساس ما ادّعت قبيلة كلب([9]) من أنها لامرئ قيسها المعروف بابن الحُمَام([10])، وقل إن شئت ابن حُمام، وقل إن شئت ابن خِدَام (بالدال المهملة)، وقل إن شئت ابن خِذَام (بالذال المعجمة)([11]). ولعلك تستطيع أن تحرّف المحرفين فتقول: ابن حزام، وابن حذام([12]) إذ من العسير إثباتُ ذلك أو نفيه إلا بدراسة معمقة ومتأنية لخصائص النسيج للنص الشعري الذي صحّ لامرئ القيس الكندي؛ فبذلك وحده يمكن النفي أو الإثبات. أما بالأخبار والروايات فإنها اضطربت وساءت بحيث يعسر الاستنامة إليها، وذلك إما بانقطاعها عن السَّندَ، وإما بأنها مظنونة بالتعصّب (الانتماء القبلي)، وأما بورودها في إطار تبيين من هو هذا ابن حُمام الذي ورد ذكره في بيت امرئ القيس الشهير… وكيف يصدّق عاقل بأنّ ابن حُمام هذا أو أي اسم آخر كما رأينا (كان يعايش امرأ القيس؛ وأنّ هذا استولى على شيء من شعر ذاك، ولا نعرف من شعره إلاّ أبياتاً قليلة جداً مروية، من حيث اشتهر امرؤ القيس وسار شعره في الآفاق؟ وكيف يمكن أن يكون شاعر في ذلك المستوى العالي من الشعرية (وذلك إذا صدّقنا ما زعمت أعراب كَلْبٍ من أن الأبيات الخمسة الأولى من معلقة امرئ القيس هي له) ثم يضيع شعره كله، ويبقى شعر معاصريه وصديقه امرئ القيس؟

ومن الواضح أن الأقدميين كانوا يشككون في عباراتهم الموحية في هذه المسألة حيث إن الجاحظ مثلاً حيث ذكر ابن حمام قال: “ويزعمون أنه أول من بكى في الديار” ([13])، من حيث يقرر ابن سلام بأنه “رجل من طيئ لم نسمع شعره الذي بكى فيه، ولا شعراً غير هذا البيت الذي ذكر امرؤ القيس”([14]).

كما أنّ هشام بن السائب قرر في شيءٍ من الشك بادٍ أنّ “أعراب كلب إذا سئلوا: بماذا بكى ابن حمام الديار؟ أنشدوا أبياتٍ متصلة من أول:

*قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل*([15])

ونلاحظ أنّ ابن سلاّم يجعل ابن حُمام طائيّاً، من حيث يجعله ابن حزم كلبيّاً.

إنه لا يجوز الاستشهاد بغائب على حاضر، وبمنفيّ على ثابت، وبمفقود على موجود.

ونحن، لم نرد هنا الاعتراض على بحث الأستاذ عبيد، وإنما أردنا أن ننبّه، وقد أردنا إثبات ستة أبيات من معلقة امرئ القيس، إلى صعوبة البحث في مثل هذه القضايا التي يغيب عنها النص، ويقلّ من حولها التوثيق؛ فلا يبقى إلاّ سبيلُ فرض الفروض والتأويل للنصوص الضعيفة المتناقضة القليلة. فأي خمسة أبياتٍ هذه التي تزعمها أعراب كلب لابن حُمَامهم، أو خدامهم، أو خذامهم، أو خزامهم أو ما ليس إلاّ اللّه به عليم!؟ أهي الخمسة الأبيات الأولى التي وردت في معلقات الزوزني؟ أم تلك التي وردت في جمهرة القُرشيّ؟ فالخمسة الأبيات الأولى الواردة في الجمهرة تختلف اختلافاً بعيداً عن تلك الواردة في معلقات الزوزني، مثلاً؛ إذ هما لا يتفقان إلاّ في إيراد البيتين الأولين وترتيبهما ونصّهما، أما من بعد ذلك فكلٌّ يتخذ سبيله فإذا هذا يذكر ما لا يذكر الآخر إما بالزيادة عليه، وإما بالنقصان منه.

من أجل ذلك استطردنا هذه الاستطرادة ونحن نزمع إثبات الستّة الأبيات المرقسيّة. فذلك، إذاً، ذلك.

*******

قال امرؤ القيس بن حجر بن عمرو الكندي:

1-قفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلٍ

بِسِقْطِ الِلوَى بين الدُّخولِ فَحَومَل

2-فتوضِحَ فالمِقْراةِ لم يَعْفُ رسْمُها

لِما نسجَتْها من جنوب وشَمْألِ

3-ترى بَعَرَ الآرامِ في عَرَصاتِها

وقيعانِها، كأنه حبُّ فُلْفُلِ

4-كأنّي غداةَ البيْنِ يوم تحمَّلُوا

لدى سَمُرَاتِ الحَيّ ناقِفُ حَنْظَلِ

5-وقوفاً بها صحْبِي عَلَيَّ مطيَّهُمْ

يقولون: لا تهْلكْ أسىً، وتَجَمَّلِ

6-وأنّ شِفائي عَبْرَةٌ مُهَزاقَةٌ

فهل عند رسْمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوّلِ؟([16])

ثانياً: شعريّة المكان:

يقيم الناصّ ملحمة الحنين العارم على خمسة أمكنة هي: سقط اللوى، والدَّخُول، وحومل، وتوضِح، والمقراة. ذلك بأنّ الرَّسْم الدارِسَ الذي يَعْنيه، والرَّبع البالي الذي كان يضني قلبه ويبريه؛ إنما هو سِقْطَ اللِّوى الواقع بين هذه المواضع الأربعة. فكأنه واسطة عِقْدِها، وجوهرة قلادتها. فالحبيب الذي من أجله استبكى أصحابه بعد أن كان هو بكاه، كان يثوي بهذا الربع الدارس الذي طالما قضّى فيه لحظاتٍ مفعمةً بالسعادة، وأوقاتاً غامرةً بالحبّ، وأزماناً حافلة بالملذّات.

لقد اغتدت الدارُ رسماً دارساً، وربعاً خالياً، تقطنه الآرام وتسرح فيه، بعد أن كانت غانيةً حافلة، ومكتظةً بأهلها عامرة. والآية على دروسها بَعْضُ هذا الذي تراه من بَعَرِها الذي تَحْتَفِل به عرصاتها، وتمتلئ به قيعانها؛ فإذا هو كأنه حبُّ فلفل طريح.

لقد تحمّل الأحبة إذاً أياديَ سَبأ فما أنت فاعلٌ؟ لو كنت تدري أين يَمَّمُوا لكنت قَصَصْت آثارهم؛ ولو كنت تعلم إلى أين ذهبوا لالتمست ديارَهُم… لكن كيف تدري، مالا يُدْرَى؟ وكيف يجوز لك ذلك وهم رحَّلٌ نُقِّلٌ: لا يستقرّ قرارُهُم، ولا تُعْرَفُ دارهم: اليومَ هنا، وغداً هناك، وبعد غدٍ هنالك. اليوم في هذا الوادي الخصيب، وغداً في ذاك المَرْج المُمْرِعِ.

فماذا دهاكِ أيتها الحبيبة الذاهبة وقد كان رَبْعُك مُخْصِباً، وواديك مُعْشباً، وناديك مُمْرِعاً؛ حتى قلنا وقلت: عَلِقَتْ مراسيها بذي رَمْرَام! وحتى قلنا وقلت: بهذا الوادي تَحلوْلي اللّيالي والأيام. لكن وا حسرتاه!

لكن ما يدريك؟ فلعلّ الحبيبة الظاعنة لم تتحمّلْ إلى وادٍ آخر خصيبٍ اختياراً، وإنما جاءت ذلك وأهلَها اضطراراً. والآية على ذلك لا تبرح في رَسْمِها الدارس بقيّةٌ من كلأ، وسُؤْرٍ من ماء: فأيما الآرامُ ففيه تتواثب، وأيما الأُتُنُ فخلالَهُ تتلاعب، وأيما الطير فَحَوالَهُ تتجاثم. أرْوِعْ بك أيُّها الوادي وأخْصِبْ! وأجْمِلْ بك أيها الرُّبعُ، على البلى، وأنْضِرْ! لكن كيف تَحَمَّلَ عنك الأحبة ورَغِبُوا عنك إلى سَوَائِك؟ ألم تَضْطَرْرهُم إلى ذلك دواعي الاضِطِرار؟ أم لم يك وراء ذلك غارةٌ شعواء شُنَّتْ على الحي على حين صباح، أو توجَّسوا خَوفاً من هذه الغارة فوقع التحمُّلُ على غير رغبة، وفي شيء من الإكراه، وعلى جناح من العجلة؟ إيه أيتها الحبيبة الذاهبة، والعزيزة الغائبة: أين أنتِ الآن وقد تحمّلتِ عن مغناك الذي أصبحتْ دِمْنَتُه مرتعاً للصِّيرَانِ، ومرعىً للأبقار؟ أو لاتبرحين مُدّكرةً بعض تلك الأيام الحوالِم التي مضّيناها ألْمَعا؟

أيما أنا فما أشدَّ ذكْري لك، وَعَلقي بك. ذكرى هَدَّت كياني، وفاض منها جناني، فاغتَديْتُ، غداةَ بَيْنِكِ -يوم تحملّتِ عن سقط اللِّوى وأنا قائمٌ لدى سَمُرْات الحيّ- حائراً سامِداً، وحزيناً سادِراً: فِعْلَ مَن يَنْقُفْ الحنظل فتتهاتَنُ دموعه غِزاراً…

أعلمتِ أم لم تَعْلَمي…؟ ألم تبلغكِ الأخبارُ عن صحابي حين احْدَوْدَقُوا بي ليواسوني بما أَلَمَّ عليّ من هول البيْنِ، وفاجعة الفراق؟ لو رأيت شاعِرَكِ، أيتها الحبيبة، وهويذرف الدموع تذرافاً…

وإن تعْجَبي فعَجَبٌ من شاعر صَبٍّ مستهام لا يُلْفِي عزاءَه إلاّ في البكاء، ولا سُلُوَّهُ إلاّ في النّحيب، ولا لذّاته إلاّ في تذراف العَبَرات… لكنْ ما أغرب أمرَ شاعرك أيتها الحبيبة الظاعنة إذ اغتدى باكياً لدى رسم دارس: إنْ نُودِيَ لا يُجيب، وإن طُلبَ لا يستجيب…

وبعد، ألمْ يأن لكَ أن تتجمَّل وتَتصبّر، وتتجرَّع وتتوَّرع، فلا تُشفّي فيك مالا يَعِي عنك ولا يدرك؟….

****

ثالثاً: أنتوروبولوجيّة الوسط:

إنّ هذا الوسط بدائيّ، ولعله بذلك أن يليق كَوُنَه موضوعاً للتحليل الأنتروبولوجي بامتياز على الرغم من غياب العناصر التي ينشط لها هذا العلم الذي تعامل مع الوسط وما يحتويه:

فالأولى: إنّ الإنسان الذي كان يعيش في هذا الوسط (سِقْط اللوى) لا ينهض نظامُ عيشه على الاستقرار، ولا على الكتابة، ولا على منظومة من القوانين التي تحدّد العلاقات بين الناس فيعرف كل منهم حَدَّهُ فلا يتعدّاه، وذلك بناءً على ما سطّر من تلك القوانين، وإلاّ فهناك دولةٌ حامية، وشرطة ساهرة، وعدالة حاكمة.

والثانية: إن الإنسان هنا، في هذا الوسط، كان يتعامل مع الطبيعة في حال عُذْريَّتها، أو قل في حال وَحْشِيَّتها. خذ لذلك مثلاً الرّمال التي تنسجها الرياح من الجنوب إلى نحو الشمال، ومن الشمال إلى نحو الجنوب؛ وربما من الغرب إلى نحو الشرق، بل ربما من الشرق إلى نحو الغرب.

وخذ لذلك مثلاً آخر: الآرام التي كانت تتواثب في قيعان هذا الوسط وعرصاته الخالية، والذي يدلّ على وجودها هذا البَعَرُ الأسودُ الذي بعضُه رَطْبٌ، وبعضه يابس؛ والذي يصادفك من هذا القفر أنّى دَرَجْتَ؛ حتى كأنه حب فلفل منثور على هذه الساح.

والثالثة: إنّ وسائل النقل هنا مجرّدُ حيواناتٍ توقَرُ بالبضائع والمرافق والمُحِلاَّتِ. وهي تتجسد خصوصاً في البعير. ذلك بأنه لم يَكُ في هذا الحيز عربات تَتَجرْجَرْ، ولا خيولٌ مطهّمةٌ تصهل، وإنما نجد تعاملاً مع المطايا التي كانت أحسن وسائل النقل، والتنقل، في هذا الوسط الصحراوي المقفر.

والرابعة: إنّ هذه الأحيازَ لم يكن يحكمها نظام العمران الذي يغلب على طابع المدن المكتظة من تشييد للدّور على أساس، وشقّ للطرقات على تخطيط، وإقامة للحدائق، ونصبٍ للملاهي، وتسريح للملاعب، على تجميل؛ وإنما كانت مجرد أقفار تُطَنَّبُ عليها خيام، حتّى وقع لها واقع، أو طاف على المَعْشَر طائف: قُوِّضَتْ الخيام بعد تَطْنيبٍ، ونادى المنادي في الأصاحيب: أن ارْتَحِلوا من حَيّكُم هذا إلى حيّ آخر مُعشب مُريعٍ…

والأخرى: لم يك هنا نظامٌ للتغذية قائم على تناول ثلاث وجباتٍ في اليوم([17]) ولا على أسواق نافقة، ولا على دكاكين عامرة يبتاع منها الناس ما شاء الله لهم ان يبتاعوا: من أطعمة وأشربه، ومرتفقات وألبسة؛ ولاعلى شوارع مخططة يتجوّل فيها الناس، ولا على ساح يَحْرَنْجِمُ فيها الفتيان للهو والتسلية ساعةً من نهارهم، أو سويعاتٍ من ليلهم.. لا شيء من بعض ذلك كان.. وإذن، فلم يكن هناك إلاّ مجموعةٌ من الخيام تنصب، وشيءٌ من الطعام يتبلغ به. إذا ألمّت على أحدهم، أو إحداهنّ، علّةٌ من العلل فلا آسي ولا دَوَاء؛ إلاّ ما كان من طبّ الأعشاب القائم على التجارب الشفوية؛ وإلاّ ماكان من سِحْرِ السَّحَرةِ، وكهانة الكهنة. ولكن نادراً ماكانت مثل تلك المساعي مُجْدِيةً، وتلك الطقوس نافعة، في مداواة الأدواء.

كانت الأميّة هي المتحكمة: لا الكتابة والعلم، وكان التنقّل هو السائد: لا الثبات والاستقرار. وكانت الحرب هي المُبْدَأة، لا السّلم. فأيما الطعامُ فمن لُحْمَان الأنعام -وربما من الحشرات والمستقذرات كالجراد والعِلْهز والحَيَّات- وإيما الشرابُ فمن حُرِّ ماء العيون والغدران؛ وربما كان من الخبيثات كالفظّ والمَجْدوح. وإيما الملابس فكانت من الأصواف والشعر والأوبار، ولم يكن القطن والحرير إلاّ للأثرياء، وما كان أقَلَّهُم…. وكانت المرأة هي التي تنسج هذه الملابس الصوفية أو الوبرية أو الشعرية بنفسها، وبالوسائل البسيطة التي كان في متناولها. وقلّما كنت تُلفيهم يرتدون، كما سَلَفَ الِقيْلُ، الحريرَ والأثواب الرّقاق. وإنما كان ذلك وقْفاً على السَّرَاةِ، وعلى من سَبَغَتْ نِعْمَتُهم، وارْتَخَتْ سِبَاُلُ عيشهم، وعلى سادات الحواضر مثل مكة، ويثرب، والطائف، وصنعاء، وسَوَائِها من القُرى العربية العتيقة التي ما كان أقلَّها على ذلك العهد المبكّر من التاريخ.

****

وقد لاحظنا في هذه الستة الأبيات المَرْقَسيّة التي نجتهد في قراءتها، في هذا المجاز من هذه الدارسة، قراءةً انتروبولوجية: مظاهرة أُخراةً لعلَّها، بعضها أوكُلَّها، تندرج ضمن الحقل الأنتروبولجي، ومنها: 1- الحبيب، في قوله:

*من ذكرى حبيب ومنزل*

ينصرف إلى امرأةٍ كان يحبها. وإلى هنا لا غرابة في أن يحبّ شاعر امرأة. ولكننا نقرأ، نحن، هذه المرأة- الحبيب- على أنها لم تكن امرأة بالمفهوم الحضاريّ الجاري بين الناس…، وإنما كانت مجرد أنثى. فقد كان يحبها لأنه ذكر، لأنه من جنس الذكور والفحول، ولأنها هي كانت أنثى. إنّا لا نعتقد أن حبه إياها كان من أجل تأسيس بيت، وإنجاب أطفال، والتمتع معها بحياة عائلية مدنية قائمة على الوئام والاستقرار. لا ديَّارَ من العقلاء يجب أن يفهم لفظ “حبيب” المَرْقَسيّ إلاّ على أنَّ هذا الحبيب ينصرف إلى حبيبته، وإلاَّ على أنّ هذه الحبيبة تنصرف إلى أنثى جميلةٍ تكتظ بالمفاتن الأنثوية بما هي بَضَاضَةُ البَشَرة، وغضاضة الجسد، وهَفْهَفةُ الخَصْر، وهَضْمُ الكَشْح، وصَقْلُ الترائب؛ والآية على ذلك قوله في وصف امرأةٍ أخراة في بعض هذه المعلقة نفسها:

مُهَفْهَفةٌ بيضاءُ غَيْرُ مَفاضَةٍ

ترائبُها مصقولةٌ كالسَّجَنْجَلِ

فالحبيبة التي كانت يحنّ إليها امرؤ القيس، أو قل هذا الفحل من الرجال، لم تك إلاّ انثى غامرة الأنوثة، أما ما عدا ذلك مما فيها، أو مما يمكن أن يكون فيها، من عقل، وثقافة، ورزانة، وجمال روحٍ: فلا نلفي له إيماءة بَلَه ذِكْراً.

والآية على أنّ هذه الحبيبة كانت أنثى أساساً، ولم يكن يُلاصُ لها إلاّ أن تظل أنثى عُمْرَها، أنّ العرب، على ذلك العهد، كانوا حين يظعنون يُركِبُون نساءَهم على المطايا في الظُّعنِ. وكانت المرأة من النساء لا تمتطي المطيّة ولو كانت على ذلك قادرةً، بل بَعْلُها هو الذي يُركبها حتى قالوا في أمثالهم السائرة على لسان امرأة -أنثى- تخاطب زوجها: “احمل حِرَكَ أو دَعْ”! ([18]).

وبمقدار ما كانت المرأة العربية قبل الإسلام قادرةً على مساعدة الرجل في الحياة العامة. وتفّهم أصول الحياة البدوية بما فيها إيرادُ الإبل كما يدل على ذلك قول النوار بنت جُلّ بن عدي بن عبد مناة بن أُدٍّ من تيم الرّباب:

أوْرَدهَا سَعْدٌ وسَعْدٌ مُشْتَمِلْ

ماهكذا تُوردُ، يا سَعْدُ، الإبِلْ([19])

فإنها، مع ذلك، ظلّت في مقام المنظور إليها على أنها أنثى قبل كلّ شيء تصلح للإنجاب وإطفاء الرغبة الجنسية لدى الرجل. والاستثناءات التي تصادفنا هنا وهناك من التراث العربي القديم والتي تذكر نساء ذوات شخصياتٍ قوية، لا تصحّح القاعدة. وإنما الإسلامُ الذي كرّم المرأة وجعلها شقيقة الرجل. وأنّ الذي يتتبّع الأشعار العربية القديمة، والتي استشهد بكثير منها المعجميون الكبار أمثال ابن منظور، فإنّ كثيراً منها ينظر إلى مكانة المرأة في المجتمع على أنها لذّاتيّة وجنسيّة وجماليّة قبل أيٍّ شيء آخر. ونحن نتحلّل من الاستشهاد ببعض هذه الأشعار الجنسية الكثيرة لأنّ الذوق الأدبيّ العامّ المعاصر يأبى علينا ذلك…

وإذن فامرؤ القيس لا يبكي هذه المرأة لأنه كان يريد أن يسكن إليها، ويزاوجها ليأنس بها، ويعاشرها ليُنْجِبَ معها، أو منها، بالمودة والرحمة، وإنما كان يبكيها لأنه فقد فيها الملذّات الجسديّة قبل كل شيء. وبين الأمرين بونٌ بعيد.

2- وأما المنزل الذي نلفي امرَأَ القيسِ يبكيه، ويحنّ إليه، ولا يرضى بذلك حتى يستبكي صِحَابَه، ويستوقف رفاقه، من أجله:

قفا نَبْكِ من ذِكْرى حبيبٍ ومنزل

بسِقْطِ الِلِّوى بين الدَّخول فَحَوْمَلِ

فلا ديَّارَ من العقلاء يعتقد أنه منزلٌ مما ألفنا رؤيته من مرصوص البنيان، ولا ممّا شُيّد على أسس وأركان، وإنما هو، في الغالب، مجردُ خباءٍ من صوفٍ، أو خيمة من شعر، أو مظلّةٍ من شجر، أو أقنةٍ من حجر، أو طِرَافٍ من أدم([20])….. فهذه هي أمّ أنواع بيوت العرب. ومنزل حبيبة امرئ القيس، أو أثناه كما نريد نحن أن نعبّر، لا ينبغي له أن يخرج عن أحد هذه البيوت التي جئنا عليها ذَكراً.

وإذ تدرّجنا إلى هذا التصور لمنزل أنثى امرئ القيس فقد وجب علينا أن نقرر أنّ كُلاً من هذه البيوت له تقنيات فولكورية يُبْنى عليها، ويتطلّب أدوات بدائيّة يُبنى بها كالنَّحيزة -وهي الَعَرقَة أيضاً- والطريقة، والرِواق، والسَّمَاوة، والأطناب، والقوائم، والأواخيّ، والعُمُدِ، وهلم جرا…

وعلينا، حين نتمثّل مثل هذا المنزل البدائي المتنقّل، أو القابل للتنقّلِ، أن نذكر أنّ قاطنيه كانوا يصطنعون أدوات بدائيّة يرتفقون بها في عيشهم الشّعِثِ، وبطشهم الشَّظِف، مثل: البُرْمةِ، والرّحَيَان، والعمد، والغِرَارة، والجُرْنِ- المِهْراس- والقُرْعَةِ- المُنْخل- والحُرْبَةِ، والجُوَالِقِ، والتَّخْتَ، والخُرْجِ، والقَعِيدة، وسِؤَائِها مما يرتفق به أهل البدو في باديتهم.

3- يجسّد لفظُ “تَحَمَّلوا” من قوله:

كأنّي غداةَ البينِ يوم تحمّلوا

لدى سَمُرَاتِ الحيّ ناقِفُ حنْظَلِ

مجموعة من الخيام، والأخبية، والطُّرَفِ التي يُقام بعضها قُرْبَ بعضٍ، في صعيد واحد: تعايشها حيوانات أليفةٌ وأنعام (إبل وخيل وضأن)- ويمثّل هذا التحمّل حركةً بعد استقرارٍ، كما يمثّل هذا  الاستقرارُ مجرد ثباتٍ قصيرٍ تعقبه حركةٌ وارتحال. ولكن لما كان الاستقرار موقوتاً، أي مرهوناً بانتظار وقوع رائد القبيلة على أوّل مرعىً خصيب، ووادٍ عشيب؛ فإنه لا يلبث أن ينتهي بالإفضاء إلى ارتحال؛ ولما كان هذا الارتحال قائماً على التنقل إلى مراعٍ بعينها، محددة من ذي قبل، فهو مجرد قطع مسافةٍ على الإبل، ثم، لما كان هذا الارتحال يفضي إلى استقرارٍ آخر مَوْقوتٍ في وادٍ مُعشوشِبٍ، أو مرعىً مخصَوْصِبٍ…. فإن هذه السيرة تمثل ثلاثية لا تبتدئ حتى تنتهي، ولا تنتهي حتى تبتدئ:

أ + ب + أ

ثم: ب + أ + أ

إلى مالا نهاية له من الحركة التي تغتدي في حدّ ذاتها مشابهةً للرُّتُوب، ومضارعةً للسُّكون. ولولا الوضع الذي طرأ على هذه المعادلة في مرحلتها الثانية لما وقع البكاء والاستبكاء، ولما حدث الوقوف والاستيقاف، ثم، لما كانت، ربما، هذه العلاقة الغرامية، الجسدية، بين الشاعر وتلك المرأة؛ تلك العلاقة التي فجرت فيضاً شعرياً غامراً في نفسه فخلُد هو، وخلّدَ الشعر العربي بهذه الفلتة من الجمال الفني العبقري النادر المثال.

فكأن سيرة هذا المنزل المرقَسِيِّ تقوم على ثلاث أحوال يَعْقُبْ بعضُها بَعضاً، ويحل بعضُها مَحَل بعضٍ آخر، ولكن هذه الثلاث الأحْوالَ لا يلبثْنَ أن يتجددن ليطبعن سيرة تلك الحياة البدوية في حركتها الدائبة، وتنقلها المتواصل.

4- على حين أن لفظ “الحي” من قوله:

كأني غداة البين يوم تحمّلوا

لدى سُمرات الحي ناقف حنظل

يُحيل على مجموعة من العادات والتقاليد والظاهر والظواهر والمعتقدات. فالحيّ لفظ جامع لشبكة من العلاقات، والمعاني، والقيم المتصل بعضها ببعض، والمفضي بعضها إلى بعض، والمتوقف بعضها على بعض:

فالأولى: إنّ الحي مجموعة من البيوت العربية، وإن شئت قلت: الأعرابية، البسيطة مثل الخيام، والطُّرُف، والأخبية المتناثرة المتقاربة والتي بعضها يقام للبشر وهو الغالب، وربما أقيم بعضها الآخر للحيوانات الحديثة الميلاد ، وخصوصاً العزيزة لديهم.

والثانية: أن هذه المجموعة من الخيام، أو البيوت، التي تشكل، في عامّتها، منزَلاً (بفتح الزاي، أي مكاناً لنزول الناس واستقرارهم) لأهل القبيلة: تتشكّل من أدوات فولكورية بسيطة، وقطع صناعية تقليدية بفضلها كان يتمّ بناء تلك البيوت مثل الأطناب، والأوتاد، والأعْمِدَة، والأزرار، والطَّوارف، والستائر، والطرائق، والقَرِيَّات، والعُويدات، والعُصَياتِ([21])، وهلم جرا مما لا نكاد نحن اليوم نعرف منه إلا قليلا.

والثالثة: أن الحياة في هذا المنحى المتحدَّث عنه، في البيت المرقَسِيّ، بمقدار ما رأينا قيامها على تلك الفولكلوريات التي كانت تُعَدُّ، يومئذ، تقنيات مقبولةً لبناء الخيام ونصب الأخبية؛ فإنها كانت مرتبطة بالإبل التي يركبونها في السفر، ويحملون عليها أمتعتهم حين التَّظعان، ويَطْعَمُونَها لدى القَرَم، ويُقدمونَها مهراً لدى النكاح، ويَدُون بها لدى حوادث القتل، ويبيعونها بَضاعة في الأسواق ليمتاروا بثمنها ما كانوا يتبلغون ويتقوتون. إذ لا يجوز تصور قيام حي من الأحياء، وحياة من الحيوات، في ذلك المجتمع الجاهلي البدائي بمعزل عن هذه الإبل التي كان غِنَاهم في اقتنائها، وعِزُّهم في امتلاكها، وشرفُهم وذيوعُ ذِكْرِهم في هِبَتِها أو نَحْرِها. وكانوا يَسِمُونها بسمات تحيل على مالكيها، وقبيلتهم. وكانوا، ربما، أطلقوا على تلك السمات “النَّار” التي تعني العلامة، ولذلك قالوا في أمثالهم السائرة، وأقوالهم الدائرة، في معرض الحديث عنها، وموقف التنويه بها: “نارُها نِجَارها”([22]). ثم، لذلك قالوا في أشعارهم الشاردة:

نِجارُ كُلِّ إبلٍ نِجارُها

وَنارُ إبْلِ العالمينَ نارُها([23])

فكانت هذه النارُ سِمَةً على شرف الأصل، وعلو النجْر، وطيران الذكر.

والحق أن للإبل مكانةً مكينة في المجتمع العربي بعامة، والمجتمع الجاهلي بخاصة. ومن حقنا، ونحن نحاول التركيز على هذه الإبل في النص الذي نريد تحليله، أن ننصرف بوهمنا إلى دَوْرها الاقتصادي الكبير في ذلك المجتمع المتبدي حيث إنها:

1- كانت تُتَّخَذُ غِذَاءً إذ كان لحم الإبل مما يُؤكَلُ إلى يومنا هذا. ويبدو أن أهل البادية كانوا يُلفونَ في طعمه نَكهةً لذيذةً كانت تجعلهم يتلذَّذون بأكله، وربما كانوا يشوونه كما نفهم ذلك من أسطورة امرئ القيس مع سِرْبٍ من النساء، وأنه رأى قطيعاً من الفتيات العاريات فيهن ابنة عمه عنيزة، وهن يستحممن في غدير دارة جُلْجُل، فاقترح عليهن أن ينحر ناقته لهن فرحَّبْنَ بفكرته، وتقبلن دعوته، فجمع الإماء الحطب، ضرّموا النار فيه حتى تأجج، ثم أخذوا في شيّ لحم ناقةِ امرئِ القيس؛ وكل ذلك نفيده من بعض أبيات معلقته([24]).

2- كانت الإبل تُتَّخذ للنقل، وتُصْطَنع في الأسفار، فكان يُرْتَفَق بها في أطوار كثيرة لعل أعرفها لدنيا، على الأقل:

أ- إنهم كانوا ينقلون عليها بضائعهُم في الأسفار التجارية (رحلتا الشتاء والصيف لقريش مثلاً)، كما كانوا يَحْتَمِلونَ عليها أمتعتهم في الارتحالات العادية التي كانت تقع لهم حين كانوا يتحمّلون من حيّ إلى حيّ، ومن مرعىً إلى مرعى، ومن ماءٍ إلى ماء آخر.

ب- إنهم كانوا يحْتَمِلون على متونها نساءهم في التظعان، فكانوا يتخذون عليها الخُدور ثم يُركِبون فيها حلائِلَهم إكراماً وإعزازاً. ويبدو أن هذه الظُّعُن كانت لا تتخذ إلا للحرائر والعقيلات الكريمات، ولم تكن تُتَّخَذ للإماء والعجائز وعامة النساء. وكانت العرب تطلق على الرَّجُل الفارع القامة المديدها: “مُقَبّل الظُّعُن” ([25]).

3- كان ينتفع بوَبرها انتفاعاً لطيفاً بحيث كانوا يرتفقون به في جملة من المرافق لعل أهمها:

أ-   كانت تتخذ في نَسْج الملابس حيث كان نساؤهم ينسُجْن وبَرَها لتُتَّخَذَ أثواباً يَخيطونها ثم يرتدونها. ولا يبرح الناس، إلى يومنا هذا، في جنوب الجزائر مثلاً، ينسجون برانس من هذا الوبر. وهي من أغلى الأثواب التقليدية ثمناً، وأجملها مظهراً، وأنضرها مَرْآةً، للرجال.

ونحن وإن لم نكن نملك من المعلومات التاريخية ما يتيح لنا أن نحكم بغلاء أسعار الملابس الوبرية قديماً، في المجتمع الجاهلي، إلا أننا، وقياساً على العهد الراهن، يمكن أن نحكم بأن الوبر هو الأغلى، ثم يأتي من بعده الصوف، ثم الشعر.

وإنما كان الوبر أغلى ثمناً لأنه أندَرُ في الأسواق وجوداً، وأعزُّ في الإنتاج وفوراً؛ على حين أن الصوف أكثر كَثْرةً في الأسواق، وأَيسْرُ إنتاجاً لدى المُتمولين. أما الشعر فلسوء مادته، وخشونتها، وتطاير شعرها، وصعوبة غزلها ونسجها، وتساقط أطرافٍ منه أثناء الغزل والنسج من الغازلات والناسجات: زَهِدَ الناس فيه زُهداً، ورغبوا عنه رُغباً؛ على الرغم من أن هناك مرافق لا يكاد يليق فيها إلا اصطناع الشعر وحده، ومنها نسج الخيام أيضاً([26]) ولكنّ النوعيَّة تظل في كل الأطوار، وفي كل الأزمان، أردأ بالقياس إلى الصوف والوبر.

ب- كما كان العرب بنتفعون بالوبر في نسج الأخبية والبُجُدْ([27]).خصوصاً  وإنما سُمِيَ سكان البادية أهلَ الوبر “لأن بيوتهم كانوا يتخذونها منه”([28]).

فوظيفة الوَبَر حين تتجلى من خلال هذه الاستعمالات الحضارية تبين لنا أنَّ أهميتها الاقتصادية والاجتماعية كانت عظيمة. ذلك بأنه كان يقي الناس، عرب الجاهلية، حَرَّ الشمس وصبَّارَة البرْد. كما كان هذا الوبر زينةً في المحافل، وجلالاً في المجالس، بحيث يكسو مُرتديه سكنيةً وبهاء.

كما كان له أهميةٌ اقتصادية وارتفاقية أخراةٌ تتجسَّد، كما سلفت الإشارة إلى بعض ذلك، في نسج الأخبية والبُجُد التي كان الناس يأوون إليها لَتقيهُمْ حرَّ الشمس، وقطرات المطر، وعصف الرياح، وقد تستميز منفعتها الارتفاقية بأنها خفيفٌ محملها بحيث كانت تُحمل، لدى الارتحال وأثناء التَّظعان، على ظهور الإبل. كما كان تطنيبها وتقويضها يَسِيريْن لديهم ، لأَلْفِهِمْ إياه، منذ السن الأولى.

4- ودْي القتلى:

كان من دأب العرب إذا وقعت حادثة قتلٍ، وما أكثر ما كانت تقع، إما بين شخص وآخر، وإما بين قبيلة وقبيلة أخراة، وذلك خارج إطار حرب معلنة: أن يحتكموا إلى حكمائهم لودْي القتيل، وإلاّ أخذوا بثأره دماً. وكانت دية القتيل، في حال الاتِّداء، غالباً ما تبلغ مائة بعيرٍ للقتيل الواحد، أو الأسير الواحد، فإنْ أسر أسيراً رجلان اثنان كان لكل منهما مائةٌ من البُعْران. فإن كان الأسير سيداً من سراة القوم كانت الدية أكثر من ذلك كما وقع في افتداء معبد بن زرارة الذي أسره عامر والطفيل، وجاءهما لقيط بن زرارة أخوه ليفتديه منهما بمائتي بعيرٍ فاستقلا المكافأة قائلين: “أنت سيّد الناس، وأخوك سيد مضر، فلا نقبل فيه إلاّ دِيَّةَ ملك.”([29]).

5- مهر النساء:

وكان الرجل الكريم يمهر العقيلة العربية مائة بعيرٍ غالباً، وظل ذلك قائماً إلى أن جاء الله بالإسلام([30]). ويبدو أن العرب بدأت تستعيض عن الإبل بالدراهم حين شاع التداول بين الناس بالعملة المسكوكة، بعد ظهور الإسلام، وبعد تدفُق الثروات([31]).

كما كانت الإبل تمثّل أساس الاقتصاد في المجتمع الجاهلي فكانت هي مصدر أموالهم ورزقهم، فكانوا إما يربونها فتنتج لهم فيبيعون ما يفيض منها عن حاجتهم في الأسواق، وإما يتاجرون فيها. وكان ذلك يحصل لهم إما بالابتياع، وإما بالإنتاج، وإما بالاتَّداءِ، وأما بألاتِّهابِ.

فكانت الإبل، إذن، أو المطيُ، وقد ذُكِرَتْ في نص امرئ القيس المطروح لبعض هذا التحليل، وكما رأينا، مصدر الرزق لديهم، بل مصدَرَ الحياة والبقاء، ولم يكن أحد من العرب يستغني، على ذلك العهد، عن البعير. فالذي كان يبدع به من فقراء الأعراب، كان يَسْتَحْمِلُ السَّراةَ والأسخياءَ من الناس كما حدث للأعرابي الذي استحمل الرسول، صلى الله عليه وسلم، مخاطباً أياه: “إني أُبْدِعَ بي فاحْمِلني”([32])

وإذن، فقد كانت الإبلُ في المجمع الجاهلي عِماد الاقتصاد، والمواصلات، والحرب، والسلم، والنكاح، والاتِّداء، والطعام، والنزهة.

أما الخيل فكانت أثيرةً لديهم، عزيزةً إلى قلوبهم، جليلةً في عيونهم، فكان الفارس العربي في الجاهلية ربما تَغنَّى بجواده، وخَدَمه بنفسه، وقد برع في وصف الفرس من أصحاب المعلقات امرؤ القيس وعنترة خصوصاً. فكان الفارس يمتطي فرسه يوم الزينة، ويقاتل عليه يوم الحرب، ويتظاهر به على السفر إلى قريب، ويتباهى به بوم السباق في الرياضة والعَدْو.

ويمكن أن يضاف إلى كل ذلك: الضأن التي كانت، هي أيضاً، مما يكتسبون، فكانوا يتخذون أصوافها وشعورها في لباسهم ونسج خيامهم وأخبيتهم، كما كانوا يتخذون لحومها طعاماً يَطْعمونه، وقِرىً يقدمونها إلى ضيفهم كانوا يَلمُّونَ على ديارهم، وما أكثر ما كانوا يفعلون.

وإذاً، فالحيُّ، في عهد الجاهلية، وفي بيت امرئ القيس، كان يعني، في تمثلنا، كلَّ ماذكرناه من عناصر: من إنسان، وحيوان، وآلات، وأدوات، وطبيعة، ونبات، وعلاقة بعضٍ ببعضٍ، وكلٍّ بكل؛ فإذا كل شيءٍ مسخرٌ لما قدر له، ومهيأٌ لما دبر من أجله: من الراعي إلى الفارس، ومن الأَمة إلى نَؤوم الضحى، ومن الخادم إلى شيخ القبيلة الذي كان يعقد لواء الحرب، ويقرر إعلان السلم؛ ومن الدَّلو التي يمتح بها المتح من البئر، إلى الخِباء الذي يُتَّخَذُ للتوقي من الحر، والتدفُّوء من القرِّ.

ولقد كان التجمع في الحي الواحد، وعلى صعيد واحد، من أجل التعايُش، ومن أجل تكوين مجتمع صغير مَعْشَرُه يجمعهم أمرٌ واحد، ومنفعةٌ واحدة. وكانت وَحْدَهُ هذا التجمع القبلي البسيط تقوم على معيار قبلّي خالص بحيث إن كل قبيلةٍ كانت تتَّخذ لها وجهاً من الأرض تقيم فيه، فإذا ضخمت وعظمت، تفرعت إلى عشائر سرعان ما تستحيل من بعد إلى قبائل… وقد كان التجمع، على كل حالٍ، من أجل محاولة تشكيل قوّةٍ واقية تحمي بها القبيلة، أو العشيرة، حيازها من العدوان الخارجي. كما كان في الوقت ذاته محاولة لتكوين قوةٍ ضاربةٍ قد تستنجد بها قبيلة قريبة لها، أو متحالفة معها.

ومن المعروف أن الحي العربي الذي كان متكوناً، غالباً، من العشيرة المتقاربين في الدم، والمنتمين جميعاً إلى أب واحد أعلى، كان مؤسسةً قائمة الذات. فكانت هذه المؤسسة بمثابة الدولة الصغيرة: تتألف من شيخ القبيلة وهو رئيس القوم، وهو الذي يعود إليه قرار إعلان الحرب، وعقد الصلح، ومجلس من حكماء العشيرة وسراتها يستشيرهم الشيخ لدى أُدْلِهْمَامِ الخَطْب، واشتداد الأَزْمِ.

أمَا عوامُّ الناس فكانوا يَتَولَّوْنِ النهوضَ بالحياة اليومية البسيطة، ومنها الإشراف على رَعْي الإبل والأنعام وسقيها مع العبيد… بينما كان الرُّماةُ يتولون صيد الظباء، والحُمُر الوحشية وسواها للاقتيات بها. بينما كان النساء يتولين طهي الطعام ومَخْضَ اللبن، ونسج الملابس من الصوف أوالشعر أو الوبر. وكان للأغنياء منهم إماءٌ وعبيد كانوا غالباً ما يتولون النهوض بالخدمات المنحطة في الحي وخارجه.

فكانت العلاقة في هذا الوسط العجيب تقوم على التفاضل بين الناس: الأعلى، فالأوسط، فالأدنى من وِجْهَةٍ؛ والرجل، ثم المرأة، ثم الطفل، من وجهة أخراة. وعلى أنه يمكن اختصار هذه العلاقة القائمة على الغَبْن في وسط القبيلة، وداخل الحي، بين صنفين اثنين في جهة، وهما: السادة والعبيد، وصنفين اثنين آخرين في جهة أخراةٍ، هما: الرجال والنساء.

ثم، أنّ هذا التجمع السكانيَّ القائم على رابطة القرابة أساساً، بحيث لا تُلْفي بين سكان الحيّ، في الغالب، ساكناً واحداً غير مُنْتَمٍ إلى العشيرة: كان يجعل هذه العشيرة في مأمن من هجوم الحيوانات المفترسة.

ونحن نحسب أثناء ذلك أن سكان تلك الأحياء البدوية لم يكونوا يصطنعون الشموع ولا القناديل الزيتية في الإنارة أثناء الليل، وهي التي كانت لا تُسْرَج إلاّ في المعابد، ولدى السَّراة في الحواضر العربية القليلة؛ فكانوا يُوقِدون النارَ في ساحة الحي صدْراً من الليل قبل أن يُخْلِدوا إلى الدَّعَةِ والكَرى، والآية على بعض ذلك قول امرئ القيس:

تُضيءُ الظلامَ بالعِشاءِ كأنها

منارةُ مُمْسَى راهبٍ مُتَبَتِّلِ

فهذه المرأة لجمال وجهها، ونضارة مُحيّاها، وفرْطِ بياضها وصفائها اسطاعَتْ أن تُضيءَ ديجور هذا الليل حتى كأنها مسرجة راهبٍ منقطع في ديره عِشاءً؛ وقوله أيضاً:

يضيء سَناهُ أو مَصابيحُ راهبٍ

أمالَ السَّليطَ بالذُّبَال المُفَتَّلِ

فالملك الضِلّيلُ، كما نَرى، نلفيه يُلحّ في بعض شعره على أن الإنارة بالليل كانت وقفاً على الأحبار والرهبان في معابدهم، ولم تك شائعة الارتفاق بين عامة الناس في الأحياء المنقطعة التي هذا الحي الذي يتحدث عنه امرؤ القيس يجب أن يكون أحدها.

ونلاحظ أن الحياة في هذا الحي؛ في هذا المجتمع القبلي، تنهض على جملة من العلاقات المتضافرة والمفضي بعضها إلى بعض، وكلها ينتهي إلى التماس البقاء، والحرص على التعلق بالحياة. فالعلاقة مع الكون هي علاقة اعتقادٍ، ويأتي الاعتقاد بالغيب والإيمان به، والتعامل معه، على أسسٍ تقديسيةٍ التماساً للبقاء.

والعلاقة مع الطبيعة هي علاقة استغلال وانتفاع: احتفار للآبار، وتحقين للغدران، واصطياد للحيوانات؛ طلباً للعيش والتماساً للبقاء.

والعلاقة داخل القبيلة (العلاقة الداخلية)، هي علاقة قائمة على تبادل المنفعة بين أفراد العشيرة فسيقع التكتل من أجل اكتساب القوة التي تكمن فيها القدرة على المقاومة، والدفاع عن النفس من أجل البقاء.

والعلاقة مع غير القبيلة (العلاقة الخارجية) علاقة مختلفة الأطوار؛ فإما أن تكون علاقة عَدَاءٍ فيكون الاحْرِنْجامُ داخل القبيلة مفضياً إلى القدرة على المقاومة من أجل البقاء؛ وإما أن تكون علاقة صداقةٍ  فيكون التكتل داخل القبيلة من أجل مظاهرة القبيلة الجارة، أو الحليفة ، أو التي تربطها بها روابط القُرْبى، وكل ذلك من أجل البقاء: هنا بقاء الذات في طور، وبقاء الآخر المرتبط ببقاء الذات في طور آخر.

والعلاقة مع الأنثى، بالقياس إلى الذكر، ومع الذكر، بالقياس إلى الأنثى، هي علاقة ملذات وإنجاب من أجل البقاء.

فالموت هنا يكون من أجل الحياة والبقاء، واللذة الجسدية تكون، هي أيضاً، من أجل الحياة والبقاء.

******

رابعاً: جغرافية الأطلال المرقسية:

إن الذي يحاول من الدارسين والباحثين أن يحلّل الوسط القبلي، عن طريق قراءة الشعر، وقراءة الطلليّات المعلقاتية بعامة، والطللية المرقسيَّة بخاصة؛ يلاحظ، إذا توحّدت ملاحظة مع ملاحظتنا، أن الأحياز التي كانت تشكل هذا الذي يسميه الانتروبولوجيون وعلماء الاجتماع “الوسط”: تتسم بالجمالية مما يجعلنا، ونحن نُعْنَى بمُدارَسَةِ هذا الحيز الجغرافي وتحليله ومحاولة فهمه -خصوصاً- أثناء ذلك، نذهب إلى أن هذه الجمالية الحادة نتحسسها لدى عامة المعلقاتيين في تعاملهم مع الحيز ونظرتهم إليه.

وعلى الرغم من أن هذه الأحياز التي تصادفنا في قراءة هذه الطلليات هي أمكنة جغرافية، كما ثبت ذلك في معاجم البلدان العربية، وهي سيرة كانت ذهبت بنا إلى حقل الانتروبولوجيا، في وجه من هذه الدراسة، ما دامت هذه الأحياز أمكنةً، ومِياهاً، وودياناً، ومراعي، وجبالاً، وروابي، وقفاراً مُقْوِيَةً. وما دامت هذه الأمكنة بجذاميرها تشكل وسطاً تقليدياً تجري فيه الحياة على أبسط ما تكون من البدائية، وتجري فيه العلاقات بين الناس على أساس رابطة القربى (نظام العشيرة)، وهلم جرا…

فإن مُدارَسَتِها، كما نرى، تندرج ضمن حقل الأنتروبولوجيا.

ولكن، هل يمكن تحديدُ منزلِ حبيبة امرئ القيس، أو أنثاه، من خلال بعض الإشارات الجغرافية المقتضبة طوراً، والغامضة طوراً، والمُورَدَة تحت الشك طوراً آخر([33])؟ إن المعلومات التي احتفظ لنا بها معجم ياقوت تميل إلى أن كلاً من “الدَّخول، وحومل، وتوضِحَ، والمقراة، مواضع بين إِمّرة، وأَسْوَد العين”([34]). لكن ما المعرِّفُ به، بأوضح من المعَّرف، وإذاً، فأين تقع إِمّرة هذه، وأسود العين هذا؟

يذكر ياقوت الحموي أن “امّرة الحمى لغنى وأسد، وهي أدنى حمى ضربة أحماه عثمان لإبل الصدقة. وهو اليوم (بالقياس إلى يوم ياقوت) لعامر بن صعصعة”([35]). بينما يعدّ أسود العين عبارة عن “جبل بنجد يشرف على طريق البصرة إلى مكة”([36]).

ونلاحظ أن هذين المكانين الشهيرين اللذين عرّف بهما السُكّريُّ، لدى شرح بيتي امرئ القيس الأوليْن في معلقته:

1- أن أحدهما، وهو امّرة، مجال فسيح، ومرعىً خصيب، وكأنه لم يكن مملوكاً لأحد، ولذلك أحماه عثمان بن عفّان رضي الله عنه لإبل الصدقة. وربما كان قبل ذلك لغنى وأسد، ثم زالت مُلكيتها عنه. ويدل إحماءُ عثمان لإمرة ووقْفُها على إبل الصدقة أن هذا الرَّجَا من الأرض كان منقطعاً على نحو ما من العمران مما كان يجعله لائقاً للرعي، كما كان معشوشباً مُمْرِعاً، وهو سبب آخر لجعله أليق للرعي. ونلاحظ أن الحموي لم يومئ إلى مائية هذا المكان الذي كأنه كان بادية قاحلة.

2- وأن أحَدَهُما الآخر جبل بنجد يشرف على طريق البصرة إلى مكّة، ويبدو أنه مرتفع شامخ، من أجل ذلك قال الشاعر فيه:

إذا ما فقدتُمْ أَسْوَدَ العَيْنِ كنُتمُ

كِرَاماً، وأنتُمْ ما أقَام أَلائِمُ([37])

وإذا كان هذان المكانان (المرعى والجبل) اللذان عَرَّفَ بهما السكرى الأماكن الخمسة التي وردت في بيتي امرئ القيس ليس لهما في معجم الشهرة والذيوع لدى الناس ما يجعلهما حقاً صالحين لشرح غيرهما؛ فإن الطمع في تحديد مواقع سقْطِ اللِّوى، (وتحدث كثير من القدماء عن “السِقْطِ” على أنه “منقطع الرمل حيث يستدق من طرفه” ([38])، وعن “الِلِّوَى” على أنه “رمل يعوج ويلتوى”([39]). فكأنه، إذاً، غَيْرُ مكانٍ؛ وإنما هو وصفٌ له، وتحديدٌ لتضاريسه؛ ولكن كيف يوصف مكانٌ لا مكانية له؟ إننا نعتقد أنه موضع يقع، من الوجهة الجغرافية، بين الأمكنة الأربعة الأخراة) والدخول، وحومل، وتوضح، والمقراة، يُعَدُّ من العسر بمكان بعيد. ولكننا من خلال بحثنا عن هذه الأماكن في معجم البلدان لياقوت، ولم نكد نعثر إلاّ على مكان “توضح” في سَوَائِه([40])، كما لم نستطع العثور في جميع المظان التي بمكتبتنا على تعريف أو ذكر لمكان “سقط اللوى”، فاقتنعنا بأنه كان مجرد مَعْبَرٍ عَرَضي نزل به أهلُ امرأ القيس هذه زمناً، ثم زايلوه إلى الأبد فباد ذكره، ودرس أثره إلاّ في هذا البيت المرقسي العجيب. والآية على أن هذا الموضع كان مغموراً مجهولاً، لدى عامة العرب، وقل لدى عامة الجغرافيين العرب، أن امرأَ القيس أُضْطُرَّ إلى أن يذكر، على غير دأب الشعراء في تحديد مواقع الأمكنة أو ذكرها، أربعة مواضع أخراة يبدو أنها كانت أشهر وأعرف لدى الناس من هذا المكان “السحري”: سِقْط اللِوى؛ فجعله بينها مجتمعةً تحْدَوْدِقُ به ؛ فكأنه تعريفٌ قانوني يشمل الحدود الشمالية والجنوبية والشرقية، على دأب الذين يكتبون عقود تمليك الأرض([41])

ونحن نعتقد أن سِقْط اللِوى، هذا، لم يَكُ، بأي وجه، مُسْتَقَراً ومُقاماً لأهل أنثى الشاعر؛ وإنما كان في الغالب مَرْعىً جادت به عليه السماء فمر به القوم فمكثوا فيه إلى حين إجهاد ما كان فيه من كلأٍ، ثم تحملوا عنه إلى سوائه…

والآية على ذلك أن معاد الضمير في قوله: “لما نسجتها” اختلف النحاة في تخريجه، ومنهم أبو الحسن، وأبو علي الفارسي: فهو إما يعود على “المقراة”، وإما يعود على المواضع الخمسة كلها([42]). فالعجب من شاعر يذكر حبيبة ويربطها بمكان محدد، ثم لايكاد يمضي إلى البيت الموالي حتى يتنكر لذلك المكان فيهمل إعادة الضمير عليه، وينصرف إلى سَوائِه. فما أنسى الشاعر سِقْط لِوَاهَ؟ وما أعجله إلى سواه؛ والحال أن أنثاه كانت تحيا في الموضع الأول، ولم تذكر المواضع الأربعة الأخراة إلاّ على سبيل التعريف به، والتحديد له؟ فما هذا الإشكال؟ إلاّ أن يكون “بين” في بيت امرئ القيس وارداً بمعنى المصاحبة أو العطف، فنعم. ولكن لا أحد من النحاة يجعل “بين” بهذا المعنى، فماذا؟

كأن هناك سَقْطاً في الكلام، ضاع من الرواة، وقع لِمَا بعد “سِقْط اللِوى”؛ وإلاّ فكيف يتحدَّث الناص عن مكان، ثم يعيد الضمير على سواه، في حيز ضيق من الكلام؟ هل يعقل أن تكون الأمكنة الخمسة بجذاميرها دارِسَةً عافيَةً، ومُقْفِرَةًً بالية، والحال أن البكاء إنما كان ينصرف، أصلاً، إلى المكان الأول، إلى سِقْط اللِّوى، لا إلى الأمكنة التي يقتصر دورها، في ظاهرة الدلالة، على مجرد التعريف به؟ وما جدوى ذِكْرِ الأمكنة التالية واّتِرَاك المكان المقصود، المكان الذي كان يُؤوي منزل الحبيب؟ ومهما يكن من شأن، فإن هذه الحبيبة، فيما يبدو، لم تك إلا ورقيّة، إذ نلفي ذا القروح يفرغ لوصف النساء الحقيقيات، فيما بعد من معلقته، فيذكر بعضهن بأسمائهن (فاطمة -أم الرباب -أم الحويرث -عنيزة (ولعلها غير فاطمة، وهو ما يزعمه الرواة) ويعفّ عن ذكر أسماء الأخريات. وقد ألفيناه يبدع في الوصف الجسدي المفصل: للشعر، والكشح، والساقين، والترائب، والبشرة، والخد، والعينين، والجيد، والأصابع، والقامة الفارعة…

وكل ذلك إذا صَدَّقنا، وسنكون إذاً سُذَّجاً، أن معلقة امرئ القيس (والطللية التي نحن بصدد تحليلها طرف منها)، كما أَثْبِتَتْ في المتون، وكما تداولها حَمَّادٌ وخَلَف، هي حقاً كلها من حُرِّ شعره، وخالص إبداعه، وأنها، إذن، استطاعت أن تُفْلِتَ من عبث الرواة المحترفين الذين كانوا يتزيدون في الأشعار، وخصوصاً منهم حماداً الراوية الذي عاث في الشعر الجاهلي فساداً فلا يَصْلُحُ بعده أبداً، مع أنه “كان أول من جمع أشعار العرب وساق أحاديثها (….). وكان غير موثوق به، وكان ينحل الرجل غيره، وينحله غير شعره، ويزيد في الأشعار”([43]). وكان حبيب بن يونس لا يبرح يردد، في حيرة وحزن: “العجب ممن يأخذ عن حمادٍ، وكان يكذب….”([44]). وقد حاولنا أن نتتبع آراء النقاد الأقدمين في حماد الراوية وخلف الأحمر، حول كذبهما وزيادتهما في أشعار الناس، وذلك فيما لدينا من مصادر محدودة في مكتبتنا الشخصية، فبلغ ذلك تسعة مصادر على الأقل لكل منهما([45]).

وعلى الرغم من أننا سنتناول هذه المسألة في مقالة مستقلة، وسنُعيدُها ببعض ذلك جَذَعَةً؛ فإننا نلاحظ أن هناك مكرراتٍ في معلقة امرئ القيس، كتكرار بعض الأوصاف الجسدية أكثر من مرة واحدة، وذلك على أساس أن الذي يكذب يَنْسى، وأقصد كَذَبَة الرواة. ولو كانت كلها من حر قوله لما كررت هذه الأوصاف وذلك على غرار ما نلفيه من تكرار الكشح مرتين، والساق مرتين، والتشبيه بمصباح الراهب مرتين… كما نلاحظ هذا الاختلاف الشنيع بين روايتي الزوزني، والقرشي، فالقرشي يضيف آباييت كثيرة لم يذكرها الزوزني، وخصوصاً في المطلع الطلليّ مما يدل على عبث حماد الذي يعود معظم الشعر الجاهلي وروايته إليه، وقد عرفنا ما قال فيه قدماء العلماء….

ومهما يكن من شأن، فإننا استطعنا أن نعرف، بفضل ياقوت الحموي، أن موضع الحومل لا تحديد لموقعه، ولا لصفته، وهل هو ماء، أو جبل، أو مرعى، وإنما سمي حوملاً “من الحمل لَمّا كثر التحميل”([46]) منه، وأن “الدَّخول اسم واد من أودية العلية بأرض اليمامة” ([47])، وأن هذا الدَّخول، لدى نهاية الأمر، هو من مياه عمرو بن كلاب. وزعموا أنه كان بئراً نميرةً كثيرة الأمواه([48])، وأن هناك دَخولاً آخر ذُكِرَ في قول شاعر من شعرائهم، ولكنه لم يكُ دَخُولَ عمرو بن كلاب، وإنما كان ماءً لبني العجلان([49]). كما أن هناك توضح آخر باليمامة يقول فيه شاعرهم:

أيا أثلاثَ القاعِ من بَطْن تُوضِحٍ

حنيني إلى أَفْيائِكُنَّ طويلُ([50])

ويبدو أن هذا الموضع كان قرية من قرى أرض قرقري الخصبة التي كان “فيها قرى وزروع ونخيل كثيرة”([51])،وأن توضح والمقراة “قريتان من نواحي اليمامة”([52]).

وقد يَسْتبين من خلال هذه التلميحات أن سقط اللوى كان بين أماكن تتسم بشيء من الخصب، وأن تلك المواضع كانت مواقع مياه كان العرب يتقصدونها. ولم نستطع التوصل إلى أكثر من هذه النتيجة، إنْ حقّ أن يكون مثلُ هذا نتيجة!

خامساً: جمالية الحيز الطللي:

لانحسب أن الناص ذكر هذه الديار، وأومأ إلى هذه الآثار، وهو في معرض سَوْقٍ لذكريات جميلة بادت، وأزمنة قشيبة بَليتْ، وفتيات فاتنات الملامح، بَضَّات الترائب، سود الجفون، أسيلات الخدود، نحيلات القدود، ضامرات الكشوح، مستشزرات الشّعور: ثم لاَ يقْرِن تلكم الذكريات بالجمال البديع، ولا يربطها بعهد الشباب الجديد، ولا يغمسها في غدران وعيون، لَتَترَهْيَأَ من بعد ذلك بين الرياض والزروع. فالحبيب هنا يعني امرأة، والمرأة قد تعني مجرد أنثى، ولكنّ أُنثِيَّتها([53]) هي التي، ربما، تضفي عليها شعاع الحب، ويعني الحب حزماً من الذكريات المتراكمة؛ وتعني الذكريات هذه الأسقاط من الأزمن العائمة في أحياز الأمكنة التي تشكل، لدى نهاية الأمر، متضافرةً بجذاميرها، شحناً من التمثلات التي تعتور الذاكرة، أو تتواثب في مجاهلها الشاسعة؛ كلما حدث حنين عارم إلى ماضٍ غابر، أو دعا داعٍ إلى نبش معيش الأمس الدابر.

ذلك بأننا نذهب إلى أن هذه الأحياز، أو هذه المواضع التي أراد الناص أن يتخذها مسرحاً لعرض بعض ذكرياته العذاب، في بعض هذه الأبيات الشعرية الوحشية، أو العذرية، أو الغجرية: هي في معظمها مياهٌ للعرب كانت معروفةٍ لديهم، مثل الدخول الذي كان وادياً جارياً، ولا يعقل أن يكون هناك وادٌ في بلاد العرب، أو في بعض بلاد اليمن، ثم لا ماء فيه. فعهدنا بتلك الأودية السحيقة مسايل للماء، ومجارٍ للسيول، ومدافع للعيون. فكان فيها ظل وماء، وفيها دفء واعتدال. ولأمر ما ألفينا شجر البن يخضر فيها وينضر، ثم يزهر ويثمر، فتراه يتخذ منابته المخضوضرة في جنبات تلك الأودية السحيقة التي لا نكاد نلفي لها مثيلاً في العالم: الظل، والماء، والاعتدال الدائم على وجه الدهر.

ولا يقال إلا نحو ذلك في توضح والمقراة اللتين كانتا قريتين من نواحي اليمامة([54]). ولا يعقل أن تكون قرية يقطنها الناس، ولا يكون فيها ماء و لامرعىً ولا شجر، ولا يكون بِدِمنَها وعرصاتها، ومرتفعاتها وقيعانها، نَبْتٌ ولا كلأٌ ولا اخضرار. إن ذِكْرَ المواضع الغانية، لا يمكن إلاّ أن ينشأ عنه الحد الأدنى من التصور الجمالي المتجسد في ضرورة وجود الماء الذي يفضي بالضرورة إلى وجود الشجر والزرع الذي يفضي بالضرورة إلى وجود الحياة الغانية التي تفضي بالضرورة إلى التخاصب والتزواج والتعايش والتحابّ.

فلا يترعرع الحبّ إلا في ظل شجر، وحول ماء جارٍ، وفي وادٍ ممرع، ووسط مخصب؛ إذا لم تكن بلاد العرب كلها مجرد رمال قاحلة، وسوافٍ عاصفة؛ فإن فيها مواضع ليس أجمل منها على الأرض…

ونريد أن نتوقف لدى ضربين من الحيز ونحن نحاولُ مُدارَسَةَ جماليَّاتِهِ، في بعض هذه الأبيات الستة:

الحيز بين الانتساج والانتساخ، والحيز الأخضر، عافّيِنْ عما بقي من أضربه إلى حين.

1- الحيز بين الانتساج والانتساخ:

يصادفنا في طللية امرئ القيس حين يتحول من حال إلى حال، ومن وجه إلى وجه، في إفراز الجمال، فترى سطحه ينتسخ، وشكله ينتسج؛ وذلك بفعل انتساج الرمال وحركتها الناشئة عن عصف الرياح، وهبوب السافيات. فتلك الأحيازَ قاومت الطبيعة بالطبيعة، وقل: إنّ الطبيعة العذراء هي التي تقاوم ذاتها، فانْتَسأ العفاءُ بفضل الرياح التي كانت تذرو الرمال على هذا الوسط الصحراوي العجيب:

لم يعف رسمُها* لما نسجتْها من جَنوب وشَمأَلِ

ويبدو أن حركة الانتساخ الرملي التي كان ينشأ عنها مناظرُ عاريةٌ عجيبة كانت تتم تارة بفعل هبوب الرياح من الجنوب نحو الشمال، وتارةً أخراة بفعل هبوب الرياح من الشمال إلى الجنوب.

ونلاحظ أنّ الحيز الشعريّ هنا لا يزال يبدّل سطحه، ويغيّر وجهه، كلما هبت عليه الرياح؛ وكلما سكنت عنه، أيضاً، هذه الرياح. والتبدل الذي يعتوره إنما كان يتمّ بفعل حركة الرياح وسكونها معاً. وواضح أن الحيز هنا ذو لونٍ أصفر ضاربٍ إلى الحُمْرة، لأنه لون الرمال. وهو حيز، إذاً، أغبرُ أشعث لأنَّ السوافي لم تبرح تثير مادّته هذه فتفعل فعلها فيما حَوالَها، ومن ذلك حيلولتها بين هذه الأطلال والدروسَ فلا تَدْرُسُ؛ فإذا هي باقيةٌ قائمة، محتفظة بأهم مما كان فيها من أثافي القدور، ومن معاطن الإبل، ومن حظائر الغنم، وربما من مرابط الخيل: أطلال كأنها ليست أطلالاً، وكأنّها لا تبرح غانية كما كانت بالأمس.

2- الحيز الأصفر وملحمة الألوان:

إن اللون الأصفر، وقل اللَّون الأدكن؛ اللون المتشكّل في أصله من لونين اثنين أصفر وآخر أحمر، أو قريب من الحمرة: كان يتلاقى مع لون آخر يماثله، أو يقترب من مماثلته؛ وهو لون الشمس المتمثّل في أشعّتها المذّهبة العجيبة. فكان لون سطح الأرض يمتزج بلون آخر آتٍ من نحو العلاء: فيذوب اللون في اللون، ويتزاوج الشكل مع الشكل، فيُحْدِثان ملحمة عبقرية طبيعية من الألوان الساكنة الناعسة، وهي ألوان ما تَحْتَ، والألوان المتحركة المتحفّزة وهي ألوان ما فوق.

وكانت هذه الألوان لا تلبث، هي أيضاً، أن تنتسخ وتنتسج تبعاً لما يعتورها من شعاع وفَيْءٍ، وضياء وظلّ؛ فإذا بعضُها مصفرٌّ فاقع يشّع من بعيد فيبهر البصر، ويسحر الجنان؛ وإذا بعضها داكن خامد، كأنه سكون نائم، أو منظر عائم؛ لأنه وقع تحت ظلّ الشمس؛ ولأنّ سطحه كان متعالياً بعضه على بعض بحكم أنّ السطح لا يكون في كلّ الأطوار ممتدّاً لا عوج فيه ولا أمت، ولا ارتفاع ولا انخفاض؛ وإنما تراه في كثير من أطواره السطحية مرتفعاً بعضه، ومنخفضاً بعضه، ومنبسطاً بعضه الآخر، فإذا هو يشكّل أضرباً من الحيز الداكن الخامد وهو الواقع تحت سلطان الظلّ؛ وأضرباً أخراةً من الحيز المصفّر المشعّ، وهو الواقع تحت سلطان الشمس المتوّهجة.

وكان هذا الحيز الملحميّ لا يلبث أن ينفلت من هذين الشكلين ليجّسد شكلاً ثالثاً هو الشكل المغبرّ المتكوّن من حبّات الرمال المتطايرة حين تذروها السوافي فتتناثر فيما حوالها من الفضاء شظايا. وهو شكلٌ حيزيٌّ بمقدار ما هو مذهلٌ مريع، بمقدار ماهو غجريّ وحشيّ، يجسّد الطبيعة في عذريتها، وعبقريّتها وتغيّرها، وانتساخ مظهرها تبعاً لما يعتور أطوارها، ويخامر أحوالها.

ومن الواضح أنَّ هذا الحيز -الثالث- متحركٌ لا ثابت، ومتناثر لا ساكن؛ وهو الذي كان يفضي بسطح الرسوم المرقسيّة السحرية إلى أن تظلّ باقيّةً غير فانيةٍ، وقائمة غير ذاهبة؛ وكلّ أولئك أمور حدثت بفعل انتساج الرمال التي إنّما تناسجت، هي أيضاً، بفعل هبوب السوافي عليها تارة من تلقاء الجنوب، وتارة أخراةً من تلقاء الشمال؛ في حركة كأنها دائبة، ونشاط كأنه أزليّ. وكأنّ كلّ أولئك إنما كان لأجل حفظ الحيز الأصليّ الثابت من أن يَبْلى ويَدْرُسْ.

فهل يمكن أن يوجد أسحر وأبهر من هذا الحيز الثلاثي الأشكال، المركّب الألوان، المتغيّر الأطوار، من حال إلى حال؟

3- الحيّز الأخضر وملحمة الجمال العذريّ:

يصادفنا في هذه الطللية العجيبة ضرب من الحيز يتّسم بجملة من المظاهر المفضية إلى تشكيل ملامح من الجمال تتضافر بجذمورها لتبدع لوحة طبيعة عبقرية، وتتمثّل خصوصاً في :

أ- بعر الآرام:

إنّا لنعلم أن بَعَر الآرام، وتواثب الأرانب، وغناء الطير، ونحوها: بمقدار ما تدلّ على وحشيّة المكان وإقفاره، تدلّ على خصبه وإمْرَاعِهِ، وتواجد الخضرة فيه، في الوقت ذاته. سواء علينا أكانت تلك الخضرة ناشئة عن مياه المطر، أم عن مياه الغدارن والعيون؛ فإنها في الحالين الاثنتين تدلّ على الخصب والإمراع. إذ لا ينبغي أن يكون بعرٌ إلا بارتعاء؛ ولا ارتعاءٌ إلاّ لعشب أخضر.

إنّا؛ حقاً، لو قرأنا “بعر الآرام”، تقليديّاً، لما انتهينا إلى شيء مما زعمناه، ولكانت قراءتُنا إيّاه على مقتضى السابقين؛ وإذاً لما كان لقراءتنا وجوبٌ ولا غناءٌ. ولكننا نحن سخّرنا في هذه القراءة التأويليّة ما نطلق عليه “الحيز الخلفيّ” الذي أفادنا بالتسلسل الذهني بهذا الذي استنتجناه من قراءة هذه العبارة. إنّ بعر الآرام، فعلاً، وحقّاً، وانطلاقاً من سياق النص، يسبّب شبكة من المعطيات الدلالية التي تفضي حقاً إلى بعض ما اهتدينا إليه.

ب- العَرَصات:

تعني العرصات في اللغة المعجميّة الملاعب والمغاني التي تحدودق بالمنازل، وتحيط بالدور. فهي من هذه الوجهة تحيل على حيز مرتبط بعمران كائن أو كان. فكأنّ العرصات عبارة عن مساحة مخضرة ممتدّة يسرح مع خضرتها الطرف، وتمتدّ مع امتدادها العين المبهورة بعبقرية الطبيعة ورونقها وأناقتها. فهذه الآرام التي يُتَحدَثُ عنها تمثل مع هذه العرصات وسطاً طبيعياً عذرياً ، أو متوحشاً غجرياً، لمَّا تُهذّبه مهذّبات الحضارة بالتضيع والتغيير. فهناك إذن الخضرة؛ وهناك إذاً ما يعيش في أحضان هذه الخضرة (الآرام)؛ وهناك من يحسُّ بهذه الخضرة العرصاتية، أو يمتزج بها، أو يندمج فيها بشعور أو بدون شعور.

ج- وقيعانها:

لو لم يتحدث النصّ عن القيعان بعد العرصات لحقّ لنا أن نتأوّل هذا الحيز على أنه وَعْرٌ حَزْنٌ، وعلى أنه شاهقٌ عالٍ، ولكنه حين أعقبه بـ “القيعان” أسْتَبان أنّ هذه العرصات المرقسيّة كانت تَخْضَوضِرُ فتمتدّ ظلالها في كل اتجاه، ولعلها كانت تتربّع في قيعةٍ من الأرض حيث إنها مظنونةٌ باحتقان الماء.

ولا نعتقد، لمن سيعترض علينا، بأنّ تلك القيعان كانت مجدبة، وأن تلك الآرام كانت تتواثب وتتلاعب في مجرّد الرمال القاحلة. كما لاينبغي أن ينصرف الوهم إلى أنّ الحيز الشعري الجميل الذي كان يحنّ إليه امرؤ القيس، ويتلذّذ بذكراه، كان مجرد قفر عجيب. وإلاّ فبم كانت تلك الآرام تقتات؟ وأين كانت من شجر الأراك؟ ثم أين كانت تختبئ لتتّقي عدوان القنّاصين المتربّصين بها؟ ثم من سيستطيع أن يثبت لنا بأن حيز امرئ القيس المتحدّث عنه هنا كان مجرد رمال جافّة، وحجارة صلدة، ومناظر موحشة؟ وما القول في العرصات، والسّمرات، والآرام، والمنزل…؟

د. سَمُرات الحيّ:

قد تكون هذه السَمُرات مجرد بيان للعرصات المتقدمة الذكر، وذلك من الوجهة الوصفية الخالصة، لكن من الوجهة الدلالية تعني، أو قد تعني أنّ الشأن منصرف، هنا، وفعلاً، إلى طبيعة مخضرّة عذراء؛ وأنّ الاخضرار لم يَكُ، ربما، وقفاً على ما ابتعد عن الحيّ وانتشر حَوَاله من فضاء يبدو كأنه مريع؛ وإنما نلفيه أيضاً يوفر، ربما، في هذا الحيّ الذي تباسَقَتْ سَمُراته المخضرّة فتَرَهْيَأت أغصانها المورقة فامتدّت أفقياً وعمودياً: فنشأ عنها شيء من الظلّ والنّعمة والرّغد…

ونلاحظ أنّ خضرة العرصَات كأنها وقفت على الآرام وما كان يشبهها من حيوانات وحشية كالذئاب وسوائها؛ بينما خضرةُ السَّمُرات وقفَتْ هنا على الإنسان يتظلّل بظلّها، ويتنسّم بنسيم أغصانها المصطفقة، وفروعها المتراصة. فعلاقة الطبيعة انصرفت في الحال الأولى إلى مجرد حيوان، بينما انصرفت في الحال الأخراة إلى الإنسان.

هـ- رسْم دارس:

لعلّ من عجيب المفارقات، ولطيف المباعدات، أن يغتدي الخراب اليباب مظنّةً للجمال البديع، ومقصدةً لاستعادة الذكريات العذاب. فالرسم الدارس من حيث هو ديارٌ بالية، وبنايات متهدّمة: لا جمال فيه، ولا إلهام منه، ولا سعادة تجثم حَوالَه. بيد أنّ الذي جعل من جَلاله جمالاً، ومن شقائه سعادة، ومن وحشته أُلفَةً، ومن بشاعته نُضْرَةً؛ هو تلكم الذكريات الجميلة التي كان يطويها في نفسه، وتلك العلاقات العاطفية الكريمة العارمة، وتلكم الأزمنة التي قضّاها أناسٌ فيها حتّى ضجّت بهم، وغصّت بوجودهم: ما بين ذاهبٍ وآتٍ، وخارج وداخل، وسارٍ وقائمٍ، ويقظان ونائمٍ، ومفارق ومُوامقٍ، ومُغاضِب ومعانق… حياة على الشظف رغيدة، وعلى الاضطراب وديعة، وعلى الشقّاء سعيدة…. الحبّ والشعر، والشعر والحب، على الرغم من كلّ المهدّدات التي كانت تمثّل في الإغارات المشنونة، والحروب المستعرة…

أو لم يكن فيما توقفنا لديه من هذه المنازل القائمة، والمغاني الممرعة، والقيعان المخصبة، والعرصات المخضوضرة، والسّمرات الباسقة، والرسوم الدارسة الموقورة أطلالها بالأسرار والألغاز، والمشحونة رواكدها برسيس الذكريات العذاب: ما يجعل هذه الأخبار طافحاً جمالها…؟

***

ولمّا كنّا نعلّق شأناً مهماً على مدارسة الحيز وتحليل أنواعه في هذه المعلّقات، فإنّ ما عرضنا له في نهاية هذه المقالة يحملنا على عقد مقالة بحذافيرها لجمالية الحيز في المعلّقات، من حيث هو، وليس من حيث هو طلل، وهو الأمر الذي حاولنا أن نعوج عليه معاجاً عجلاً في نهاية هذه المقالة. حقاً، أنّ الطلل ينضوي تحت مفهوم الحيز، بامتياز، ولكنّ للطلل شأناً آخر ينصرف إلى سير أخراة اجتهدنا في أن نعرض له في القسم الأكبر من هذه المقالة.

&&


([1]) – ابن قتيبة، الشعر والشعراء، 1-20

([2]) -أبو الفرج الأصبهاني، كتاب الأغاني، 9-81 -91.

([3]) -ابن قتيبة، كتاب العرب في الردّ على الشعوبيّة، منشور ضمن “رسائل البلغاء” بجمع محمد كرد علي، ص 365,

([4]) -يراجع تاريخ الشعر العربي حتى آخر القرن الثالث للهجرة (مجازات مختلفة).

([5]) -تراجع إحالة رقم 6 من إحالات المقدمة.

([6]) – القرشي، جمهرة أشعار العرب، ص. 34. 7-م.س.

([7]) –

([8])- Edmon Leach. Levi Strauss, P.P .146-171.

([9]) -ابن حزم الأندلسي، جمهرة أنساب العرب، ص. 456.

([10]) -يراجع الأستاذ محمد عبيد، في: مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية، ص 279-288، ع-10، 1995، الإمارات العربية المتحدة .

([11]) -ابن منظور، لسان العرب: خدم+ خذم.

([12]) -ابن حزم الأندلسي، م.م.س.

([13]) -الجاحظ، الحيوان، 2-140.

([14]) -ابن سلام، طبقات فحول الشعراء، 1-39.

([15]) -ابن حزم الأندلسي، م.م.س.

([16]) -الزوزني، شرح المعلقات السبع، ص 7-9.

([17]) – Cf. C. L. Strauss, Mythologique, III, Paris, 1989.

([18]) -ابن منظور، لسان العرب، حرح.

([19])- ابن سلاّم، م.م.س.، 1-29-30

([20]) -ابن سيده، المخصص، 6و3.

([21]) -لقد برع ابن سيده في ذكرذ هذه الأخبية ومركباتها، وتفصيل أطوارها، يراجع المخصص، 206-8.

([22]) -ابن منظور، لسان العرب، نور.

([23]) -م.س.

([24]) -وهي:

ألا رُبَّ يوم لَكََ منهنَّ صالحٌ

ولا سيما يومٌ بدارَةَ جُلْجُلِ

ويومَ عقرتَّ للعَذَارى مطِيتي

فيا عَجَبَاً من كُورِها المُتَحَمَّلِ

فظلّ العذارى يرتمين بلحمها

وشَحْمٍ كَهُدّاب الدِمَقْس المُفَتَّلِ

([25]) -أبو العباس المبرد، م.م.س.، 1-309. ومن مُقَبّلي الظُّعنُ: قيس بن سعد، والعباس بن عبد المطلب، والأشعث بن قيسٍ الكندي، وعدي بن حاتم الطائي، وزَيْد الخيل الطائي.

([26]) -الأصفهاني، م.م.س.، 3-82.

([27]) -ابن سيده، م.م.س.، 6-3.

([28]) -ابن منظور، م.م.س.، وبر.

([29]) -ابن عبد ربه، العقد الفريد، 5-140.

([30]) -م.س.، 6-100

([31]) -أبو  العباس المبرّد، م.م.س.، 1-281. وكان مهر الأثرياء ربما بلغ عشرين ألف درهم (مهر ابنة إبراهيم بن النعمان بن بشير الأنصاري.

([32])

([33]) -ياقوت الحموي، معجم البلدان (الأماكن التي ذكرت في بيتي امرئ القيس…).

([34]) -م.س.، 2-430.

([35]) -م.س.، 1-335.

([36]) -م.ي.، 1-250.

([37]) -م.س.

([38]) -الزوزني، م.م.س.، ص 7.

([39]) -م.س.وانظر أيضاً القرشي م.م.س.، ص 39.

([40]) -ابن عبد ربه، م.م.س.، 1-105.

([41]) -زعم ابن كثير (السيرة النبوية، 1-118: أن “هذه مواضع معروفة بحوران”، وحوران بالشام، هذا وقد ورد ذكر موضع “حومل” في معلقة طرفة، من حيث ورد ذكر موضع “توضح” في معلقة لبيد.

([42]) -أبو علي الفارسي، كتاب الشعر أو شرح الأبيات المشكلة الإعراب، 2-468-469.

([43]) -ابن سلاّم الجمحي، م.م.س.، 1-48. 42-م س ، 1-49.

([44]) -م.س.، 1-49.

([45]) -بالقياس إلى حماد نحيل على المصادر التالية: السيوطي، المزهر، 1-175 وما بعدها؛ أبي الفرج، الأغاني، 6-83-84؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد، 5-307؛ نفسه، 6-84-88، 90-91؛ ابن سلام، طبقات فحول الشعراء، 1-48-49؛ ابن خلكان، وفيات الأعيان، 2-207؛ الجاحظ، الحيوان، 4-447-448؛ ياقوت الحموي، معجم الأدباء، 4-140؛ الشريف المرتضى، أمالي المرتضى، 1-132. وبالقياس إلى خلف الأحمر يراجع ما يلي: الزبيدي، طبقات النحويين واللغويين، ص 177 وما بعد؛ السيوطي، المزهر، 1-176-177؛ ابن عبد ربه، العقد الفريد، 5-307؛ المرزوقي، شرح حماسة أبي تمام،  2-827؛ ابن النديم، الفهرست، ص 80؛ المرزباني، الموشح، ص 198-199؛ السيوطي، بغية الوعاة، 1-554؛ أبو علي القالي، الأمالي، 1-155؛ الجاحظ، الحيوان، 4-181.

([46]) -ياقوت الحموي، معجم البلدان، 3-372.

([47]) -م.س.، 4-45. ويذكر القرشي أن “الدخول وحومل موضعان شرقي اليمامة”، الجمهرة، 39.

([48]) – ياقوت، م.م.س.

([49]) -م.س.

([50]) – م.س.، 2-430، 7-58 وهي أبيات ذكرت مع حكاية طريفة. والرواية في الإحالة الثانية: “إلى أطلالكن “بدل” “أفيائكن” -وينسب ياقوت هذا الشعر ليحيى بن طالب الحنفي.

([51]) -م.س.، 7-56.

([52]) -م.س.، 8-123. ولم يزد الزوزني على تحديدهما بأكثر من أنهما موضعان (شرح المعلقات السبع، ص8)،ولم يزد القرشي على قوله: إنهما “موضعان بالقرب من الأول” (جمهرة أشعار العرب، ص40).

([53]) – لانريد إلى الأنوثة، وإنما نريد إذاً إلى ما نطلق عليه “الأنثية” التي تتخذ معنى الجنس أساساً، لا معنى جمال الجنس.

([54]) -ياقوت الحموي، م.م.س.، 7-56.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий