Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > السبع المعلقات (دراسة سيميائية أنثروبولوجية) 5. نظام النسج اللغوي في المعلقات– د. عبد المالك مرتاض

السبع المعلقات (دراسة سيميائية أنثروبولوجية) 5. نظام النسج اللغوي في المعلقات– د. عبد المالك مرتاض

5. نظام النسج اللغوي في المعلقات

حين نتحدّث عن نظام النسج اللغويّ، قد لا نستطيع المروق من جلودنا، ولا الإفلات من قبضة طبيعة الأشياء. وإذن، سنقع، حتماً، تحت سلطان الأسلوبيّة. وحين نتحدّث عن الأسلوبيّة، فإننا لن نستطيع إخراجها، هي أيضاً، من إهابِها، ولا تغريبها عن وضعها الذي وُضِعَت فيه، وَقَدَرِها الذي قدّرت له، ومَنزِلَها الذي بُوِئَّتْ إيّاه. فإنما الأسلوبيّة تعني، أو قد تعني، في أشهر التعريفات: الإجراءَ الذي يضبط سطح النظام النسجيّ للكلام؛ إمّا في نص من النصوص، وإما في مجموعة من النصوص تشكّل أدباً بِرُمَّتِه، في عصر من العصور، وعبر لغة من اللغات.

وسينشأ عن هذا التمثّل الذي نتمثله نحن للأسلوبيّة على الأقلّ، بشيء من التجاوز والتسطيح، والتسامح والتعميم: أنّ الحديث عنها، أي عن نظام النسج اللغويّ في نصوص المعلّقات؛ أننا لا نخرج عن ملاحظة الاسْمِ والفعل، وعلاقة أحدهما بالآخر، وتوظيف بعضهما بإزاء بعض- نسجيّاً(أسلوبياً) لا نحوياً- ثم عن ملاحقة النداء والاستفهام والقَسَمْ والتشبيه، ثم نُحاول التوقف لدى ما نتوخّى أنه يمثّل نسج النصّ-أو نسج النصوص- ويجسّد روحه جميعاً.

فكأننا، إذن، نقع من كثير من الوجوه، أو من بعضها حتماً، في فخّ المفاهيم البلاغّية. ونحن لا نأنف من أن نكون بلاغييّن على الطريقة الحداثيّة، إذ كانت الحداثة لدينا لا تنهض على إلغاء التراث بَجذاميرِه، ولا الزُّهْد فيه بحَذافيره؛ ولكنها تلقيحُ التراث بالحداثة، وتوظيفُ الحداثة للتراث؛ والنظر إلى التراث برؤية متحررة متطوّرة، وبأدوات إجرائيّة جديدة تكون لها القدرة على فكّ اللغز، وتعربة المغشَّى، ونبْش المغَطَّى… فليست البلاغة عِلْماً مُفْلِساً؛ ولكن الذي أفلس البلاغة هم الذين لم يبرحوا يضيّقون من حولها الخِناق، ويُوغِلون في التطبيقات الباردة، ويُصِرّون على تجزئة الظاهرة الأسلوبيّة وقصْرِها على تشبيه واحد مقطوع عن أصله….

بتمثّلّنا الخاص نتعامل مع بعض هذه الأدوات البلاغية القديمة للإفادة منها في فهم الظاهرة الأسلوبيّة لنصوص المعلقّات، وليس بتمثّل بعض الأقدمين الذين كان قصاراهم التوقّفَ لدى أحسن تشبيه؛ وأجمل استعارة، وألطف كناية، خارج إطار النصّ العامّ، وبدون ربط هذا بذاك، ولا ذاك بهذا، ولا استنتاج شيء من هذا بالقياس إلى ذاك: إلاّ ما كان من الانطباع البارد الذي ينشأ عن الإعجاب غير المبرّر: أي باقتلاع جملة من أصلها، واجتثاثها من أَوَاِخِّيها؛ فإذا هي ناشزة شاحبة، وحائرة وخائبة، وسادرة باردة…

إننّا إذْ نحلّل أطرافاً من النصّ المعلّقاتيّ، في منظور مستوى النسج اللغويّ، لِنكررْ ذلك؛ فإنما لكي نراعِي هذه الأدوات البلاغية في إطار النصّ العامّ؛ لا في جزئيّاته التي تمزّق النصّ، وتؤذي نظامه، وتشوّه سطحه، فتجعلهُ رُقَعَاً خَلْقَاءَ، وأحلاساً بالية.

وسنرى أنّ ارتفاقنا، ببعض الأدوات البلاغيّة، في طَرفٍ من هذه المقالة، يندرج، بوعي منهجّي، ضمن الرؤية الحداثيّة لهذا العلم التراثيّ.

وقد اضطُرِرْنا، ضمن إطار منهجنا المستوياتيّ، إلى عقد هذه المقالة التي تتحدّث، هنا، عن نظام النسج اللغوي لسطح النص الشعريّ المعلقّاتيّ؛ لأننا لا نرى كيف يمكن، من منظورنا نحن على الأقل، فهم الظاهرة الأسلوبيّة المُتبنَّاة في نسج شعر المعلَّقات بدون المَعاجِ على بعض أدوات البلاغة نستأنس بها، ونتعامل معها؟..

وسنحاول، أثناء كلّ ذلك، تعويم بعض هذه الأدوات في طرائق القراءة الجديدة التي تَتَجالَفُ ، بتلك البلاغيات، نحو تأويليّة القراءة، وسيماءَوِيّ‍ةِ التحليل.

وسنجتزئ بالتوقف، فيما يرتدّ إلى التشبيه خصوصاً، لدى معلقتي امرئِ القيس وطرفة؛ وذلك على أساس أنّ معلقّتيهما أوفر المعلّقات حظّاً من التشبيه(أحصيْنا واحِداً وثلاثين تشبيهاً في معلّقّة امرئ القيس، وتسعة وثلاثين في معلّقة طرفة: كما وردتا لدى الزوزني). كما سنركّز على تحليل تشبيهات امرئ القيس خصوصاً لِمَا سنعلّل به هذا الصنيع بعد قليل. من حيث سيكون توقُّفُنا لدى تشبيهات طرفة أقصر نفَساً، وأعجل مَرّاً. أمّا توقّفنا لدى معلّقات الآخرين فسيكون مجرّد عرْضٍ لموضوعات التشبيهات المستعمَلة، وعددها، لقلّة أهميّتها لدى أولئك المعلّقّاتيين الذين يبدو أنهم لم يركّزوا عليها في نسج اللغة الشعرية عبر معلقّاتهم، على نقيض امرئ القيس وطرفة…

بينما سنجتزئ، مضطرين، بالتوقف لدى معلقاتيين اثنين فحسب، وهما لبيد وعمرو بن كلثوم، وذلك فيما ينصرف إلى ما أطلقنا عليه”عذرية اللغة، ووحشيّة النسْج”.

أولاً: المعلقات: عذرية اللغة، ووحشية النسج

وعلى أننا لا نريد بمصطلح الوحشيّة إلى دلالة تهجينيّة، كما يتبادر إِلى الأذهان؛ ولكننا أردنا به إلى دلالة تحسينيّة. وإن لم يُعْجِبْ مُعْجِباً هذا الإطلاق فذلك لا ينبغي أن يصرِفَه عن المعنى الذي أردنا إليه من وراء اصطناع مصطلح الوحشيّة التي رمَيْنا بها إلى معنى الطبيعة الأولى، إلى السليقة العذراء، إلى معنى أيّ شيء في حالِ كينونَتِه، ومخاضِ صيرورتِه، وهو يلامس التوهّج والعنفوان فهذا التوحّش اللغوي، في شعر المعلّقات، هو كالماء حين ينبع من النَّبْع، وكالصوت حين يصدر من الطبع، وكالصدى حين ينبعث من أصل الصوت فيصاديه، ولا يعاديه…

والحقّ أننا حين نريد أن نعالج هذه المسألة نودّ أن ننبّه إلى أهمّيتها وخطورتها؛ إذ بدون مُدارَسَةِ المادّة الشعريّة، أو المادة الخام-بتعبير اللغة العصريّة- للشعر الجاهليّ لا يمكن اهتداءُ السبيلِ إلى خصائص النسج فيه؛ وأنظمة الأسلوب عَبْرَهُ. ذلك بأنّ النقاد القدامى، ولقرب عهدهم من زمن الجاهليّة، ثمّ لانعدام الأدوات الإجرائيّة للقراءة لديهم التي نمتلكها نحن اليوم، كانت هِمَمُهم تقف بهم لدى شرح الغرائب من الألفاظ، والغوامض من المعاني، ممزَّعَةً موزّعة… ولم يدُرْ بخَلَدِهم، قطّ، أن يتناولوا لغة المعلقات في تجلياتها الإفرادية والتركيبيّة معاً، وفي مظاهرها النسجية والجمالية جميعاً.

بيد أنّنا لا نودّ أن ندَّعِيَ ما ليس من الحقَّ لنا أن ندَّعِيَه؛ فَنْزُعمَ للناس أنّنا سنتناول هذه المسألة بالتحليل الدقيق، والدرس العميق، وبالمتابعة الشاملة الكاملة: فذلك ما لا يطمع في إدراكه العقلاء؛ ذلك بأنّ هذا الوجه من التحليل يُفضْي إلى آفاق شاسعة، وأَفْضِيَةٍ واسعة، ليس يستطيع اجتيابَها إلاّ الأديبُ المُخِفُّ، الذي نحن لَسْنَاهُ.

وما تَكَأَّدَنَا شيءٌ في هذه الكتابات، عن المعلّقات، ما تَكَأَّدَنَا من هذا الأمر الذي نُثيره، هنا في هذه المقالة، لأنه استهوانا، حتى أغوانا؛ فأَضْنانا… ذلك بأنّنا، لدى الإِقبال على إنجازه، بذات خُطُوَاتُ العِلْم تتعثّر، وأخذ الفكرُ يَكِلٌ، وأنشأ الخيال يحسر، وسُقِطَ في يَدِنَا، مع الإصرار على الإِقدام على التناول والمعالجة…

ونقول للباحثين البارعين، والدارسين اللامعين، والذين قد تستهويهم هذه المسألة فيشرئّبن إلى أن يُبدعوا فيها ويُجَوِّدُوا في كتابتها-وَكَأَنَّا بِهْمْ قَدِ!-: سنكتب ما نكتب هنا لمجرّد إثارة الانتباه إلى هذه المسألة اللطيفة دون الاِلتزام بالذَّهاب فيها إلى غاية المذهب الذي كنا نودّ الذهاب فيه، أو إليه؛ ونُضْطَرِبُ في مُعالجتها المُضطرَبَ الذي كنّا نتطلّع إلى اجتيابه…

فذلك، ذلك.

1. اللغة الإفرادية:

إنّ أيَّ بناء من النسج اللغويّ ينهض على اصطناع العناصر الأولى في هذا البناء، وهي اللغة.

فاللغة في أيّ نسج أدبيّ، كما نتمثّلها، إنما هي بمثابة الألوان الزيتيّة المصطنَعة في النسج الرسميّ. فكما أنّ الرسّام لا يستطيع أن يُنجز لوحة زيتيَّةَ إلاَّ بواسطة الألوان، والمواد الزيتيّة، فكذلك الشاعر لا يستطيع إنجازَ قصيدةٍ إلا بواسطة الألفاظ اللغوية التي تمثّل، في نسج الشعر، عناصِرَ البناء.

وإنّ أيَّ بناءٍ باللغة، عَبْرَ النسج الأسلوبيّ، ينشأ عنه، بالضرورة؛ معرِفَةُ طبيعةِ السِّماتِ التي تتسّم بها عناصر اللغة في ذلك النسج. فاللغة بناءٌ، والبناء لغة. والسمة لفظ لغويّ، واللفظ اللغوي سمة.

وتلك العناصر الصوتيّة التي تتبادل المواقع التركيبيّة، داخل لغة ما، هي التي تمثّل النظام اللغويّ للكلام؛ لتلك اللغة التي يغتدى اللعب بها شكلاً أدبيّاً يبهر ويسحر.

وعلى الرغم من أنّ اللغة الجاهلية، كما وصلتنا عن طريق ما صحّت روايته(وما صحّت روايته لا يعني، توكيداً ويقيناً، أنه صحيح، وأنه هو حقّاً كما قاله أًصحابُه حرفيّا، وَنَسَجَه شعراؤُه لفظِيّاً، لأسباب كثيرة منها أنّ الرواية الشفويّة معرّضة لأَنْ يقَعَ فيها التغييرُ والتبديل؛ لا سيما إذا علمنا أن الشعر الجاهليّ استقرّت نصوصه بعد أكثر من قرنين من ميلاده المفترَضِ على الأقلّ: عَرَفَ العربُ أثناءهما أحداثاً مَهُولَةً، وانقلاباتٍ عقليَّةً وروحيّةً وسياسّية جذريّة، وأنّ كثيراً من الرواة عَبثوا بنصوص الشعر الجاهليّ، ومنهم حمّاد الراوية، وعاثُوا: لأسباب ذَكَرها النقاد القدماء، وقد عَرَضْنا لها نحن بالتفصيل والتحليل في غير هذه المقالة…): هي الأساس الذي قام عليه التركيب اللغويّ في العصور اللاحقة بدون تغيير يذكر، بفضل نصّ القرآن العظيم دينيّاً، ثم بفضل النصوص الشعريّة والنثريّة، العربيّة القديمة الجميلة التي ربطت الأحفادَ بالأجدادِ رَبْطاً عاطفيّاً وجماليّاً فظلّوا يحِنُّون إلى تلك العهود الغابرة، والحقب الدارسة: حنيناً عارماً؛ فظلّوا يتمثّلونها في أنفسهم، ويتصوّرونها في ضمائرهم، فَيَنْعَمونَ بما يتمثّلون، ويتمتّعون بما يتصوّرون: فإنّ اللغة الجاهليّة، كما وصلتنا من خلال النصوص الشعريّة الجاهلية بعامّة، ومن خلال نصوص المعلّقات بخاصة؛ يجب أن تظلّ ذات خصوصيّة دلاليّة وتركيبيّة جميعاً. كما يجب أن تظلّ، بعد لغة القرآن ونظمه، مرجعيّة عالِيَة لنماذج الكتابة، وطرائق النسج الأسلوبي في اللغة العربيّة.

ونحن لا نقبل بأن نذهب إلى عَدِّ هذه اللغة غريبةً لمجرد أنها غريبة علينا نحن؛ فالغريب حقاً هو ما كان غريباً في زمانه، وبين أهله وقُطَّانِه، والحال أنّ تلك الألفاظ، أو تلك العربيّة العُذْرية، كانت مفهومة فهمْاً عامّاً لدى أهل الجاهليّة وصدرٍ طويلٍ من الإِسلام، وخصوصاً لدى الرواة والنقاد.

ثمّ ذهب العهد بأهلها، فبدأت تغترب قليلاً قليلاً إلى أن اغتدى في العربيّة لغتان اثنتان: لغةٌ قديمة، وهي على جمالها وجزالتها، يكاد المعاصرون من أوساط الثقافة لايفهمون منها شيئاً ذا بال؛ ولغةٌ حديثة رَوَّجَتْ لها الصحافَةُ السيّارة، والصحافة الطيّارة، والصحافة الثَّيَّارة، فاغتدَتْ هي اللغةَ الشائعةَ الذائعة بين عامة هؤلاء الناس.

وإذا كانت اللغة القديمة رَوَّجَ لاستقرارها وانتشارها، في الجزيرة، المواسِمُ والأسواق ثم القرآنُ الكريم، والحديث النبويّ الشريف، ثمّ نصوص الخُطَب، والأشعار، والرسائل، والأحاديث، والأقوال المأثورة، والحكم السائرة… فإنّ اللغة الحديثة رَوَّجَ لها ما يعرف اليوم في اللغة المعاصرة تحت مصطلح”وسائِلُ الإعلام”، أو”وسائلُ الاتصال”. ويضاف إليها الكتابات الأدبيّة على اختلافها من شعر ورواية وقصة ومسرحيّة ومحاورات سينمائيّة…

والذي يتأمّل لغة المعلّقات يصادف عدداً ضخماً من ألفاظها لم يَعُدْ مستعَملاً بيننا لأنّ المعاني التي قيل فيها لم نعد محتاجين إِليها على عَهْدِنا هذا. وقد لاحظنا أنّ كثيراً من هذه الألفاظِ التي يمكن أن نصِفَها الآنَ بأنها ميتة، أو مُمَاتَة، أو على الأقلّ مجمّدة الاستعمال، كانت نُطْلَقُ على الناقة، وعلى الأماكن، وعلى جملة من المرتفقات الحضاريّة، والمعاني الوثيّة، أو المعاني الأثنولوجيّة، والأثنوغرافيّة، المرتبطة بطقوس فولكلوريّة بادَتْ، أو بادَ كثيرُ منها على الأقلّ. بإِشراق الإِسلام بنوره الوهّاج على ربوع الأرض.

وكثيراً ما نصطنع اليوم تلك الألفاظ، أو بعض تلك الألفاظ، ولكن بمعان لاعهد لأهل الجاهليّة، ولا لِمَنْ بعْدَهم في الزمن قليلاً، بها: مثل”البليّة” التي كانت تطلق على الناقة التي تُشَدُّ على قبر صاحبها حتى تَهْلَكَ من حوله جوعاً وظَمَأ. فقد رأينا، إذن، أن معنى البليّة الأوّل، والذي ورد في معلّقة لبيد:

تَأْوي إلى اْلأَطْنابِ كلُّ رَذِيَّةٍ

مِثْلِ البَلِيَّةِ قَالِصٍ أَهْدامُها

مات بموت تلك العادة المعتقداتيّة التي لا يمكن فَهْمُها إلاّ بتعويمها في الرؤية الأنتروبولوجية، ولكنّ لفظها ظلّ مستعمَلاً في معنىً آخرَ؛ وهو المعنى الشائع الاستعمال في اللغة المعاصرة، حين ينطق، أو حين يكتب.

ولا يقال إلاّ بعضُ ذلك في لفظ “الحقيقة” التي كانت تستعمل، في اللغة الجاهليّة، استعمالاً واسعاً بمعنى ما يَحِقُّ عليك حِفْظُه، فكانت”حقيقة الرجل: ما يَلْزَمُهُ حِفْظَهُ وَمَنعُه، ويحق، عليه الدفاعُ عنه من أهل بيته” (1). وكانت العرب كثيراً ما تردّد، حول هذا المعنى، وحين يريدون إلى مدح بمكارم الأخلاق، ومآثر الأفعال: “فلانٌ يَسوق الوسيقَة، وينسل الوديقَة، وَيَحمِيْ الحقيقة”(2).

وقد ورد لفظ الحقيقة في معلّقة عنترة بهذا المعنى:

ومِشَكِّ سابغةٍ هتكْتُ فُرُجَها

بالسيف عن حامي الحقيقة مُعْلَمِ

فالحقيقة إذن لدى قدماء العرب كانت تعني ما يجب، أو ما يحق، عليك حمايتُه؛ أو ما هو حقّ لك من الأشياء والممتلكات، ثمّ تنوسي هذا المعنى القديم، لهذا اللفظ الجميل، بضعف الحميّة الجاهليّة التي لم يبرح الإسلام يحاربها، واغتدى موقوفاً على معنى الشيء اليقينيّ في التصورّ لدى الفلاسفة، ولدى أهل التصوّف أيضاً.

ومثل لفظ”الضريبة” الذي اغتدى اليوم يطلق في لغة أصحاب الضرائب والجبايات، والذين يتابعون الناس في أرزاقهم يقتطعون منها، على مقدار معلوم يقتطع من مرتّب الموظف، أو يفرض على التاجر ورجل الأعمال، وكلّ ذي دَخْل(وبالمناسبة فإنّ لفظ”الدّخل” كان يطلق، في العربيّة القديمة، على ما يناقض المظهر الخارجيّ للمرء، وقد خلّدت هذا المعنى تلك الفتاة العربيّة التي أجابت أباها لمّا سألها عن أمر فتيان إخْوَةٍ جاؤوا جميعاً يختطبونها، فلمّا حارت في أمر اختيار أحَدِهِمْ قالت:

“ترى الرجالَ كالنَّحْل، وما يُدْرِكَ ما الدَّخْل؟”: بينما أصبح لفظ”الدخل” يطلق في لغة التّجار ورجال الأعمال، وعلماء الاقتصاد، على الرزق الذي يقع للموظف، أو المواطن، أو الربح الذي يقع للتاجر…)؛ في حين أنه كان يطلق على الشيء الذي يُضْرَبُ بالسيف، والشخص الذليل الذي كان يُضْرَبُ بالسيف، فلا يَضْرِبُ هو: “المُضَّرب”. وقد جاء هذا اللفظ بهذا المعنى، في معلّقة الحارث بن حلزّة:

ليس منّا المُضَرَّبونَ ولا قيـ

ـسٌ، ولا جَنْدَلٌ، ولا الحَذَّاء

ولعلّ الذي أبعد العربيَّة القديمةَ على ما يجري به الاستعمال المعاصر، الشائع، ثلاثةُ أمورٍ: أولهما: موت المعاني التي استُعْمِلَتْ فيها العربيّة القديمة، مثل العتيرة، والحقيقة، والمُضَرَّب، وكثير من تلك المعاني كان مندرجاً في طقوس وثنيّة بادَتْ.

وثانيها: شيوع الأميّة اللغويّة، وغلَبَة الكسل، وانعدام حبّ المعرفة، لدى كثير من الناس.

ولم تبق هذه الأميّة اللغويّة مقصورةً على عامة الناس فحسب، ولكنها جاوزتهم إلى الكتاب والشعراء أنفسهم؛ فإذا هم لا يكادون يستعملون إلاّ ألفاظاً بسيطة قليلة في كتابات كثيرة: فغاب الدور الجماليّ للّغة، في أعمال أدبيّة يفترض أنّ الوجود اللغويّ فيها هو الذي يمنحها الشرعيّة، ويشرئّب بها نحو الخلود.

ولقد نشاهد كلّ يوم في الفضائيات الأجنبيّة الساقطة علينا من أَجْوَاءِ أوربا أنّ هناك برامَج ثقافيَّةً وترفيهيّة كثيرة تقدّم إلى الناس باللغة، وعن اللغة… بينما الذين يشرفون على البرامج المبثوثة عبر الأثير، في معظم بلدان الوطن العربيّ، لا يملكون أن يقدّموا مثل تلك البرامج الثقافيّة اللغويّة الجميلة؛ لأنّ الصحفيّ العربيّ في أوّل درس يتلقّاه في مدرسة الصحافة، يقال له: اللغة للمختصّين، وللذين يدرّسون اللغة العربيّة في المدارس والجامعات… أمّا أنت فعليك بالكتابة، وبكتابة لا تكلّف نفسَها معرفة أكثر من ثلاثة آلاف لفظة!… والله المستعان!…

وآخرها: طفوحُ معانٍ جديدة، بحكم التطوّر الحضاريّ المذهل، ثم بحكم التطور الطبيعيّ للمجتمعات والأشخاص بحيث أنّ إنشاء ألفاظ جديدة كثيراً يكون شؤماً مشؤوما على حياة ألفاظ قديمة فتموت، أو تُمَاتُ، وتُنْسَى، أو تُتَنَاسَى… وهذا قانون ينطبق، في الحقيقة(بالمعنى الحديث)، على جميع اللغات الإنسانية التي تَطَوُّرُها واتّسِاعُها وتَبَحُّرُها لا يحَدْثُ في كلّ الأطوار، دون أن يَضِيرَ ما قَدُمَ من الألفاظ، وما غَبَرَ من المعاني. من أجل ذلك، ارتأينا أن نطلق على لغة المعلّقات، في بعض استعمالاتها على الأقلّ. صفة التوحّش، لا صفة الغرابة؛ وصفة العذريّة، لا صفة البَداوة.

ولمَّا كان الأصلُ في كلّ تركيب لغويّ، هو اللغةَ نفْسَها في لَعِبِها بنفسها؛ ولمَّا كانت هذه اللغة هي المادّةَ الأولى التي يتشكّل منها التركيب، ويتركَّب منها النسج، ولمّا كانت هذه اللغة التي قيل عبرها الشعر الجاهلي وحشيَّةً، غجريّة: كأنّها نبْعُ الماء حين يتبجّس، أو شذَى الوردِ حين يعبق، أو خضرةُ النبْتَة حين تَدْهَامُّ، أو زَرْقَةُ السماء حين تصفو، أو إِشراقة الشمس حين تتوهَّج، أو نور القمر حين يتلألأ: سمحةً كعطاء الطبيعة، وكريمةً كقَطْرِ الغيث، وعبِقَةً كنفَس الفجر، ودافئةً  كَلَبَنِ الثدي، كان التركيب اللغويّ الذي هو أثر من آثار عطائها، وشكل من ثمرات تشكّلها: غجريّاً مثلها.

خذ لذلك مثلاً قول لبيد:

*في لَيْلَةٍ كَفَرَ النجومَ غَمَامُها*

فإننا نلاحظ فيه:

1. فعلى المستوى النحويّ تقديمُ المفعول على الفاعل، على غير المألوف من التركيب، بحيث يمكن للقارئ، أو المتلقيّ، أن يقع في غَلَط إذا تسرّع في قراءته  فيرفع المفعول، وينصب الفاعل، قبل أن يَنْبَه إلى وجه الكلام، ويهتدي السبيلَ إلى صواب الإعراب.

2. وعلى المستوى النحويّ أيضاً-لأنّ النحو ليس إِقامة الإعراب فحسب، ولكنه إقامة المعنى أيضاً- نلاحظ أنّ  لفظ “غمامها”، هنا، مُشْكِلٌ بحيث يمكن أن تعود الهاء منه إِمّا على”ليلة”، وإِما على”النجوم”: دون أن يمتنع إمكانُ توجيهِ إعرابِ على إعرابِ، وتخريج على تخريج.

3. وعلى المستوى الدلاليّ فإنّ اصطناع لفظ “كَفَرَ” الشائع في اللغة العربيّة، منذ ظهور الإسلام، بمعنى الشرك بالله، أو الشكّ في وجوده، أو القطْع بعدم وجوده: يوهم القارئَ العاديّ فيتسرّع وَهْمُهُ إلى المعنى الإسلاميّ، لا إلى المعنى الوصفِيّ لهذا اللفظ الذي كان معناه في أصل الوضع للسَّتْرِ والإِخفاء والمُواراة.

4. نلاحظ أنّ إضافة الهاء المُشْبَعَة بالسكون المفتوح الممدود، إلى الميم من لفظ (أو “ضَرْب”، كما يصطلح العَروضيّون): “غَمَامُها” ينهض بوظيفة إِيقاعيّة وجماليّة عجيبة؛ فلو أُورِدَ هذا المصراعُ على التركيب البسيط، فقيل:

*في ليلةٍ كَفَرَ فيها الغَمَامُ النجومَ

لخرج عن كلّ انزياح؛ ولَمَزَق من دائرة الخرْق النسجي، والتوتُّر اللغويّ؛ وإذن، لَمَا كان له مثل هذا الوقع الجميل، وهذا التنغيم البديع.

كما أنه لو أُوِرَد على طريقةِ النسج في هذه القصيدة، ولكنْ بتقديم وتأخير المفعول، وقيل:

*في ليلةٍ كفَرَ الغَمَامُ نُجومَها

لفسد الإيقاع، ولخرج من صوت الضمّ إلى صوت الفتح؛ وإذن لانْكَسَرَ الصوت؛ وإذن لحدث اضطراب مُريع في مسار الإيقاع الشعريّ الأخير لهذه القصيدة الوحشيّةِ الخارقةِ الجمال.

ويبدو أنّ نسج هذه القصيدة يُعَدُّ أُمَّ النسوج الشعريَّة التي قيلت على شاكلتها، على نحو أو على آخر، ابتداءً من الفرزدق إلى أبي الطيب المتنبي:

وفاؤُكما كالربْع أَشجاه طاسِمُهْ

بِأَنْ تُسْعِدَا والدَّمْعُ أشقاه ساجِمُه(3)

إلى أبي الحسن الحُصْرِيّ في داليته البديعة (وهي الداليّة التي تناصّ معها كثيراً من الشعراء منهم نجم الدين القمراوي، وناصح الدين الأزّجانيّ، وأحمد شوقي…)(4) فنسج على غرار قصيدة لبيد، مع وجود الفارق، ولكن مع استلهام روح الإيقاع، متناصّاً معه:

يا ليلُ الصَّبُّ مَتى غَدُهُ

أقيامُ الساعة مَوْعِدُهُ؟

ولعلّ من الواضح أنّ إعادة الضمير على سابق في هذا الإيقاع، واجْتِعَاَلَ هذه الهاءِ عنصراً إيقاعيّاً، إضافيّاً، بجانب ما قبله: يفجّر اللغة بما فيها من الطاقات النغميّة، والعطاءات الصوتيّة؛ فيغتدى النسج كأنّه منظومة من الأنغام المتتالية المتصاقبة التي تخرج ألفاظ اللغة من مجرّد سمات صوتيّة فيزيائية دالة على مدلول، إلى سمات جماليّة تستحيل بالوظيفة اللغويّة من الذهن إلى السمع، ومن المدلول إلى الدالّ…

وممّا يمكن أن يندرج ضمن ما نطلق عليه التركيب الوحشيّ للغة العربيّة، قول لبيد أيضاً:

*قَسَمَ الخلائِقَ بيننا عَلاَّمُها*

فهذا التركيب بعيدٌ عن النسْج المألوف للغة العربية وأسلوبِها”الأَرْطودُوْكْسِي” بين الناس؛ وَفَهْمُ معناه لا يتأتَّى إلا باستعمال الذكاء، والاندماج في روح النّصّ حيث تصادفنا جملة من الانزياحات النسجّية منها:

1- تقديم المفعول على الفاعل، هنا أيضاً، كما كنّا لاحظْنا ذلك لدى تحليل المصراع الشعريّ السابق، وهو قوله:

*في ليلة كَفَرَ النجومَ غَمامُها*

وإن كان المفعول هنا، على موقعه المتقدّم، يبدو أكثر اطمئناناً في النسج، وأشدّ استقراراً في التركيب، وذلك على أساس أنّ القارئ العربيّ الذكِيَّ يُدرك، لأوّل وهلة، أن الذي يَقْسِمُ الأرزاقَ بين الناس لا يكون إلاّ علاَّمَ الغيوب؛ فهو الفاعل الأعظم، والمقِّدَّر الأكرم.

2- إن الضمير الوارد، هنا، في هذا المصراع الشعري اللَّبِيديّ، جَاءَ لِمُجَرَّدِ إِشباعِ الإيقاعْ بصوت إضافيّ، بعد الميم التي كأنَّها، لو أُبْقِيَ على ضَمِّها غير الممدود لكان في ذلك قمْعٌ للنفَس، وقهر لاندفاع الصوت، وغَفْص لمخْرَجِه، وَكَبْت لمنتهاه: أعِيدَ على الخلائق، ولكن بتغليب الكائنات غير العاقلة على العاقلة، وكأنّ الحياة كانت لا تبرح في تلك اللحظة الشعريّة العذريّة، تمثّل النشأة الأولى للإنسانيّة. وكأنه لم يكن هناك أي فرْقٍ بين ما لا يعقل، وبين من يعقل، ولذلك وقع التغليب. وعلى أننا نعلم، من الوجهة النحويّة الخالصة، أنه يجوز إعادة الضمير على جمع التكسير على هذا النحو دون حرج. ولكننا أردنا إلى تأويل هذا الضمير سيماءَوِياً، لا نحويّاً.

3- إنّ التركيب في هذا المصراع لا يستقيم، كما يجب أن يلاحظ ذلك كل مُتَلقٍ من الناس، وأنه مكثّف إلى درجة أن المتلقّي هو الذي عليه تأويلُ الصياغة، وتخريجُ المعنى، وتركيب النسج على الوجه المألوف، إن شاء أن يَفْهَم. وهو ببعض ذلك كأّنّه شعر حديث جداً، لأنّ الباثّّ، هنا، يرسم نصف صورة، ويترك للمتلقّي تكملةَ رسْمِ النصف الآخر من هذه الصورة.

ويغتدي المفعول، حين يُعْمِلُ المتلقي ذهنه، منصوباً على المُغَالَطَةِ (ونحن نتجرَّأُ على النحاة باقتراح هذا المصطلح الذي فرضتْه إجراءات هذه القراءة)، وهو هنا نائب لمفعول غائب اقتضاه التكثيف الشعري: يتمثل في لفظ”الرزق”. وعلى بعض ذلك يغتدي تقدير نسج هذا المصراع العجيب:

* قَسَم العلاَّمُ الرِزقَ بين الخلائق.

فكأنّ التكثيف اقتضى تغييُبُ لفظ “الرزق”، المفهوم لدى المتلقّي الذكيّ، وتعويضه بمَنْ ينتفعون به وهم الخلائق: من الوِجْهة الدلاليّة، كما اقتضى حذف لفظ “الرزق” واتخاذ “الخلائق” نائباً له، للدّلالة عليه من الوجهة النحويّة. أمّا الهاء التي أُشْبِعَ بها صوتُ الميم من اللفظ الأخير في المصراع (الضرب)؛ فقد جاء، كما أَسْلفْنا الْقَالَ، لينهض بوظيفة جماليّة أساساً؛ ولكن لا يمتنع من أن ينهض بوظيفة إضافيّ‍ة تتجسّد في تعميق الدلالة، وتوكيد المعنى.

ولو جئنا نقرأ مثلاً هذا البيت لعمرو بن كلثوم:

ذِرَاعَيْ عَيْطَلٍ أَدْمَاءَ بِكْرٍ

هِجَانِ اللَّونِ لَمْ تَقْرَأْ جَنِينَا

لتأكّد لنا ما كنّا زعمناه في شيء ممّا كنّا قرأناه من بعض شعرِ لبيدٍ، ولاٌ ستبانَ لنا أنّ هذا النسِج حوشيّ غجَريّ في معناه، وفي تركيبه:

1. فأَيْمْا في معناه فإنه يُشّبِهُ ذراعَيِ المرأةِ بذراعَي الناقة؛ وهي صورة في منتهى السوء، وانحطاط الذوق البدويّ، وقصوره عن إدراك جمال الحياة، وجمال الأشياء. ولعلّ الذي حمله على ذلك هو حرصه على إقناع المتلقّي بضخامة هذه المرأة: طولِ قامةٍ، وضخامَةِ جسدٍ. وإذِ اغتدتْ ذراعاً هذه المرأة العجيبة ذراعَيْ عيْطلٍ من النُّوق؛ فقد وُصِفَتْ بأنَّها كومُةُ من اللُّحْمانِ، وكثيبٌ من الأعصاب: فهي فارعة طويلة، وضخْمة بدينةٌ؛ فكأنّها مجموعة من النساء مجسّدة في امرأة، وطائفة من الأجساد مطويّة في واحد، وعلى الرجل الذي يريدها كلّها، أو يريد شيئاً منها: أن يكون، على الأقلّ، في مستوى طولها وعَرْضها، وبَدانتها وضَخامتها… وهذه أوصاف كلّها عيوب، ونعوت كلّها منفِرّات من المرأة، لا مرِغبات فيها.

وبياض هذه المرأة مثْلُ أَمْرِ ذراعيْها. فكما أنّ ذراعيها تشبهان ذراعي الناقة في الضخامة والبضاضة، فإنّ لونها، أيضاً، يشبه بياضُه بياضَ الناقةِ الأَدْمَاءِ. وتذوب هذه المرأة في هذا الحيوان، في هذه الناقة، أو البقرة الوحشيّة، لتتّخذ لها وصْفاً آخَرَ منهما؛ فكأنّ خيال الناصّ كان من القصور والحرمان بحيث لم يستطع قطّ مجاوزة صورة تلك الناقة التي كان يشاهدها ويركَبُها، فصوَّرَ فيها صاحَبَتَه، وجعلها امتداداً منها، أو امتداداً لها.

ولمّا جاء الناصّ يصف هذه المرأة، أو قل جاء ليؤكّد الوصف، بياض اللون، اصطنع لفظ “الِهجان”، وهو لفظ لا يكاد يطلق إلاّّ على البيضِ من النُّوق، وإِلاَّ على البِيضِ من العقيلات. وأنهى الصورة التي أراد من ذكرها تجميلَ صاحبتِه وتقديمها للمتلقّين في صورة من الحُسْن والجمال، بِجَعْلِ هذه المرأة ناقةً لمَّا تَقْرَأَ: أي لمَّا تَحْمِلْ. فهاتان الذَّراعان السمينتان، الغضّتان البضّتان، كأنهما ذراعا ناقة فتيّة ضخمة الجسم، طويلة العنق؛ لَمَّا تتجشّم الحمل…

وقد رأينا أنّ جمال هذه المرأة المسكينة انقلب من سحر الأنوثة، وفتنتها، ولطافتها، ورشاقتها؛ إلى مجرد كثيبٍ من اللّحمان المترهّلة، وقامة غليظة عملاقة تشبه هيئة النخلة المتهاوِيَة.

2. وَأيَمْا في تركيبه فإِنه تغْلُبُ عليه هذه الأوصاف التي هي، أصلا، للناقة، ثمّ استعيرت لهذه المرأة: فإذا العيطل، والأدماء، والبكر، وهجان اللون، وَعَدَم القَرْءِ.

ولو جاء معاصر يقرؤها لأَلْفاها ألفاظاً مسلوكةً في اللغة الغجريّة المنصرفة إلى هذا الحيوان الذي كان يلازم العرب ويلازمونه، وهو الناقة. فعلى ما يبدو في هذا النسج من أُلْفَةِ التركيب العربيّ، فإنّ المادة اللغويّة المنسوجَ منها تَجْعَلُهِ في مُجْتَعَلِ التوحُّش، وتعود به إليها. إذ الكلام واردٌ في معارِضَ حَوَالَ المرأةِ في معناه، وحوْل الناقِة في لفظه؛ فإذا صورة المعنى تطفو على صورة النسج، وإذ الدالُّ حيوان، وإذا المدلول إنسان.

أو قل إنه لا يمكن فَهْمُ هذا البيتِ فهْماً صحيحاً إلاّ بتعويمه في الأنتروبولوجيا والسيمائيّة معاً. فهو من الوِجهة الأولى يضطرب في مجتمع بدائيّ ينهض فيه الحيوان بوظيفة مركزيّة في الحياة اليوميّة، وَيُنْظَرُ فيه إلى الأشياء نظرة بدائيّة، ويُتَمَثَّلُ فيه الجمال بناء على ما بلغته الحياة الخياليّة في ذلك المجتمع… وهو من الوِجهة الأَخراةِ نُلفي الناقةَ تنهض، في هذا البيت، بوظيفة السمة الحاضرة، الدالّة على السِّمَة الغائبة. وليست السِّمَةُ الحاضرة هي المقصودة في الكلام، ولكن السمة الغائبة… وتذوب الصورة الغائبة في الصورة الحاضرة، أو قل إنّ الصورة الحاضرة هي التي تُذيبُ الصورة الغائبة فيها حتى ترقى بها إلى مستوى المُماثِل(الإقونة): إذْ لم تكن هاتان الذِّراعان المشاهَدَتانِ إلاّ صورةً للذراعيْن الغائبتين؛ كما أنّ هذه العَيْطل الأدْمَاءَ الحاضرةَ ليست إلاّ صورة كاملة مُمَاثِلَةً للمرأة الغائبة… ويمكن قلْبُ الصورة المُماثِليَّة بتعويم صورة المرأةِ في صورة الناقة؛ حيث إنّ هذه ذابت في تلك، وتلك ذابت في هذه؛ فلا ندري أيٌّ منهما يُرادُ؟ ولا ندرِي في أيّ منهما كان الناصّ يفكّر، وأيّاً منهما كان يَصِفُ، وأيَّاً منهما كان يَحِبُّ؟ إِنَّ منزلة الناقة تستوي هنا بمنزلة المرأة فليس بينهما فرق.

ولو جئنا نتابع أبياتاً لهذا، وأبياتاً لذلك، من المعلّقاتييّن، لَما أمِنَّا أن يستحيل هذا المجاز، في هذه المقالة، إلى فصل طويل، وربما إلى مجلدّ كامل. من أجل ذلك نجتزئ ببعض ما قدّمنا. ولكن قبل أن ننفض اليد من ذلك نودّ أن ننبّه إلى أنّ الشّاهديْن السابقَيْن لهذا: على الرغم من عذريّتهما النسجيّة، إلاّ أنّ التصوير فيهما كان بديعاً، وأنّ البَداوة لم تَحْرِمْهُما من فيض فيّاض من الجمال العبقريّ؛ فكأنّ مثل ذلك الشعر يظلّ، أبد الدهر، مصدَرَاً من مصادر الإلهام وينبوعاً من ينابيع الجمال.

****

ثانياً: النسج اللغويّ بالتشبيه

ليس هناك أيّ أدبٍ في العالم، وبأيّ لغة كُتِبَ، وفي أي نسْج نُسِجَ، وتحت أيّ خيال أنْشِئَ: تراه يخلو من التشبيه. وليس التشبيهُ مقصوراً على المبدِعين، شعراء وكتّاباً، وَحْدَهُمْ، ولكنه زينةٌ يصطنعها كلّ المتعاملين باللغة في حياتهم اليوميّة، وفي تعاملاتهم التبليغيّة الابتذاليّة، وفي تعابيرهم الشعبيّة، حيث تلفي المرأة البدويّة تستعمل التشبيه، بلغتها العاميّة، وَحَسَبْ مستواها الذهني والثقافي؛ فتصيب المحَزَّ، وتقطع المفصَلَ. وحيث تلفي الشاعر الشعبيّ يصطنع هذه الزينة الكلامية، في شعره، فتراه يشبّه صغير الحجم بكبيره، وناضر الوجه بأنضر منه، وطويل القامة بأطول منه، وهلمّ جرا…

وقد لاحظنا أنّ كثيراً من الأوصاف التي كنّا نلفيها لدى الشعراء الجاهلييّن لا تبرح متداوَلَةً بين الشعراء الشعبييّن، في العالم العربيّ بعامة، مع اختلاف في النسج، وتفاوت في درجة التعبير. فإذا كان العربيّ القديم كان يصطنع عبارة “بعيدة مَهْوَى القُرْطِ” ليصف بها عنق المرأة في طوله، وإذا كان امرؤ القيس يشبّه جِيدَ صاحبتِه بجيد الرئم في طوله-غير الفاحش- وفي لطفه واستوائه؛ فإننا نلفي شاعراً شعبيّاً جزائريّاً يستعمل الرَّقَبَةَ عَوِضَ العُنُق، ويستعمل الطْول صراحةً عَوِضَ التكنية عنه ببُعْدِ مَهْوَى القُرْطِ، أو تشبيهه بجيد الرئم…

وقد توقف البلاغيّون العرب لدى التشبيه، طويلاً، فقتلوه تعريفاً وتصنيفاً، وتقسيماً وترتيباً؛ ولكنّ الذي فاتهم، فيما يبدو، أنهم لم يميلوا إلى تناول جماليّته، وما يضفيه على النسج الأدبيّ من حسن فنّيّ بديع. فكأنهم تعاملوا مع التشبيه، كما تعاملوا في أطوار كثيرة مع الاستعارة أيضاً، تعاملاً إجرائيّاً؛ فغلب التصنيف والتقسيم على التحليل، وطغَا التعريف والترتيب على إبراز ما يجب أن يكمُنَ فيه من جمال يرقى بالنسج الأٍسلوبيّ من مجرد كلام عاديّ مبتذل، إلى كلام فنّيّ بديع.

وقد اجتهد في أن يُدَارِسَ التشبيه من الوِجْهة النفسيّة، ولكن ضمن التقسيم البلاغيّ المدرسيّ(5). ولعلّ أوّل من حاول أن يراعي الجانب الجمالي، في البلاغيّات بوجه عامّ، كان الأستاذ عليّ الجارم في كتابه المدرسيّ “البلاغة الواضحة”. ولكن مساعيه، هي أيضاً، لن تجاوز المنطلقات التقليدية لمفهوم الإجراءات البلاغيّة، وتقسيماتها الركبكة…

وإنّ ما نودّ التوقّف لديه نحن، هنا، هو أنّ التشبيه حتى في حال اشْتِيَاقِهِ إلى التقبيح، وتعلّقه بأداء وظيفة التشويه: يظل، في منظورنا، راكِضاً في رياض الجمال، وسابحاً في مروج الخيال. فالشاعر حين يقول:

وإذا أشارَ مُحَدِّثاً فكَأَنَّه

قِرْدٌ يُقَهْقِهُ، أو عجوزٌ تَلْطِمُ!

فلا يعني حُبُّ التقبيح والتشنيع في رسم هذه الصورة، أنَّ التشبيه، من حيث هو إجراءٌ فنَيَ جماليَ، يلتحق بغاية أبي الطيب من إِرادة تشويه هيئة هذا المتحدّث الذي يشبّه هنا بصورة القِرْد حين يُقَهْقِه، وصورة العجوز الشمطاء حين تلطم. فالجمال الفنّيّ يكمن، بالذات، وهنا، في هذا القبح الجميل. أي أنّ عبقرية النسج تكمن في أنّ الناصّ استطاع أن يُصوِّرَ لنا القبيح الدميم، في صورة تشبيّه جميلة، فصوّر لنا الدميم البشع في صورة أدبيّة طافحة الجمال. فكأنّ المفارقة تقوم في أن الدميم من الأحياء، والرديء من الأشياء: قد يذوّبها الأديب الكبير في نسج عبقريّ فتغتدي الدمامة في نفسها، كأنها دمامة جميلة في نسج الكلام.

فلا شيء أسوأ من مَرآةِ قِرْدٍ وهو يضحك، ولا شيءَ أبشعُ من منظر عجوز وهي تلطم على وجهها؛ بيد أن نقل هذه الصورة المركّبة من منظريّن بشعِيْن إلى صورة شخص بشع يتحدّث بيْن أصحابه، ثم ربط المناسبة بينهما بجَعْل الصورة الأولى كأنها الصورة الأخراةُ لهذا الشخص: هو الذي جسّد عبقريّة النسج، وجمال التصوير، وحُسْن التشبيه: فتوارَتِ البشاعةُ، أو كأَنْ قَدِ! والسرّ في كلّ ذلك، ذلك الجمالُ الطافح الذي أنشأ هذا النسيج الكريم من الألفاظ، من مجرد الألفاظ؛ فتكوّنت علاقة بين بَشِعٍ واحدٍ، وبشعيْن اثنيْنِ؛ ولكن عَبْرَ عرائِسَ من الألفاظ، وعجيباتٍ من الصور.

ومما لاحظناه في تشبيهات امرئ القيس أنه كان يعمد، أطواراً، إلى تشبيه قويّ بضعيف، ومتوهّج باهر، بشاحب ذابل: أي أنه كان يصطنع ما يمكن أن نطلق عليه”التشبيه المقلوب”.

ولعلّ بعض ذلك يَمْثُلُ في قوله، مثلاً:

أصاحِ تَرى برْقاً أُريكَ وَميِضَهُ

كَلَمْعِ اليَدَيْنِ في حَبِيٍّ مُكَلَّلِ

فهذا الوَمَضَانُ الخاطِفُ للأبصار، حين يَمِضُ في السَّحاب المركوم: لا يعدو أن يُشْبِهَ حركةَ اليديْن الصغيرتين. وماذا في حركة اليدين من وَمَضَانٍ، وماذا فيهما من سُرعة الحركة حتى يُشَبَّه بهما وميضُ البرق الخاطف؛ إلاّ أن يكون تشبيهاً مقلوباً؟

وذلك، مع أنّ الذي يقرّره البلاغيّون هو أنّ التشبيه يقوم على ضرورة بروز الحالة التي يراد تشبيهُها: في المشبَّه به، أكثر من المشبّه: فيشبّه الضعيف بالأضعف منه، والقويّ بالأقوى منه، والجميل بالأجمل منه، وهلمّ جرا… كما يقرّرون أنّ التشبيه، من وجهة أخراة، يقوم على تشبيه المجرّد بالمحسوس… ولكنّ هذه المقرّرات لا يمكن الالتزام بها لدى الكتابة الإبداعيّة التي تنهض على الإبداع في اللغة، وفي النسج، وفي الصور… وليس على تقليد الصور البالية، والتشبيهات العتيقة…، كما كان يقرر ذلك القدماء، ومنهم ابْنُ طَبَاطِبَا(6).

وقد لاحظنا أنّ التشبيهات لدى امرئ القيس تتنازعها ثلاثَةُ محاوِرَ كُبرى: وهي البياض، واللمعان، والنضارة، والصفاء، وما في حكمها. ثمّ الحركة والتبختر والاهتزاز وما في حكمها. ثمّ الطول والاعتدال والنحافة والرِّقّةُُ والاستواء. ونسعى الآن إلى متابعة ذلك خلال شعره.

أولاً: البياض والصفاء والإشراق والبريق

1. البياض والطراوة:

*وشَحْمٍ كَهُدَّاب الدِمَقْسِ المُفَتَّلِ*

2. البياض والصَّقْل والصفاء:

*ترائِبُها مصقولَةٌ كالسَّجَنْجَلِ*

3. البياض القائم على التمازج مع الأصفر(الصفاء):

*كبِكْرِ المُقاناةِ البَيَاضِ بِصُفْرَةٍ*

4. البياض والصفاء والإشراق:

تُضيءُ الظلامَ بالعِشاءِ كَأَنَّها

منارةُ مُمْسَى راهبٍ مُتَبَتِّلِ

5. بياض اللون، وطول الذيول، وسُبوغ الشعور، وتبختر الحركة: معاً:

فَعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعَاجَه

عَذَارَى دَوَارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ

6. بياض: أطرافُه سُودٌ:

فأَدْبَرْنَ كالجِزْعِ المُفَصَّلِ بَيْنَهُ

بِجيدِ مُعَمٍّ -في العشيرة- مُخْوَلِ

7. البياض واللّمعان(له علاقة بالبياض)، وسرعة الحركة:

أصاحِ تَرى برْقاً أُريِكَ وميضَه

كلمْع اليديْن في حِبَيٍّ مُكَلَّلِ

8. البياض المخطّط:

كأنَّ ثبيراً في عَرانينِ وَبْلِهِ

كبيرُ أناسٍ في بِجَادٍ مُزَمَّلِ

9. البياضُ واللّمعان:

كلمْع اليديْن في حَبيٍّ مُكَلَّلِ

يُضيء سناه، أو مصابيحُ راهبٍ

أمالَ السليطَ بالذُّبال المُفَتَّلِ

****

ثانياً: الحركة السريعة، والاهتزاز، والتبختر:

1. فعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنّ نِعاجه

عَذارى دَوارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّلِ

2. على الذَبْل جَيَّاش كأنَّ اهتزامَه

إذا جاشَ فيه حِمْيُهُ- غَلْيُ مِرْجَلِ

3. كُمَيْتٍ يَزِلُّ اللِبْدُ عن حَالِ مَتْنِهِ

كما زلَّتِ الصفواءُ بالمُتَنَزِّلِ

4. دريرٍ كخُذْروفِ الوليدِ أَمَرَّهُ

تتابُعُ كفَّيْه بخَيْطٍ مُوَصَّلِ

5. له أيْطَلاَ ظَبْيٍ وساقا نَعامةٍ

وإرخاءُ سِرْحانٍ وتقريبُ تَتْفُلِ

6. مِكَرٍّ مِفَرٍّ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعاً

كجُلمودِ صَخْرٍ حَطَّه السيلُ مِن عَلِ

7. كأنّ ذرى رأس المُجَيْمِرِ غُدْوَةً

من السيل والأغثاءِ فلْكَهُ مِغْزَلِ

****

ثالثاً: الطول والاعتدال والنحافة والدّقة والاستواء:

1. وكَشْحٍ لطيفٍ كالجَديلِ مُحَضَّرٍ

2. وفرعٍ يَزِينُ المَتْنَ أسْوَدَ فاحِمٍ

أَثيثٍ كقِنْوِ النَّخْلَةِ المُتَعَثْكِلِ

3. وجيدٍ كجيد الرئْم ليس بفاحش

إذا هي نَصَّتْه، ولا بِمُعَطَّلِ

4. وتعطو برَخْصٍ غيِر شَشْنٍ كأنه

أساريعُ ظَبْيٍ، أَوْمَساويكُ إِسْحِلِ

ثم تأتي معانٍ أُخَرُ مِثْلُ القوّة والفراهة والفتاء:

كأنّ على المتنين منه إذا انتحى

مَدَاكَ عَروسٍ، أو صَلاَيَةَ حَنْظَلِ

ثم تأتي معانٍ أُخَرُ متفرّقةٌ مثلُ الاستدارة والدقّة، والتلاؤم في الطبع، والعَبَق وانتشار الشذى، والظهور، وتداخل الأصوات وتكاثرها، والرسوب، والثبات والسكون…

لكننا إن قرأنا هذه التشبيهاتِ قراءةً تَشاكُلِيَّةً، وهو إِجراء سيماوِيٌّ، أمكَننا أن نُلْحِقَ بعُضَها بما سبق من التشبيهات المتواتِرَةِ المعانِي مثل الشذى أو العبق الذي هو هنا متلائم مع سيرة النساء اللواتي تكررت صُوَرُهُنَّ الجميلات فتبوَأّنَ المنزلة الأولى من الاهتمام عبر نصّ معلقة امرئ القيس. فبَضاضة جسد المرأة وغضاضَتُه: لا شيءَ أولى بالتلاؤم معه كالعطر والشذى. ويمكن أن يضاف إلى ذلك، التلاؤم في الطبع بين أمّ الحُويرِثِ وجارَتِها أمِّ الرَّباب. وأمّا تَداخُلُ الأصوات، أَصواتِ المَكَاكِيِّ، مَكاكِيّ الوادِي في الغُدِيَّةِ الربيعيَّةِ فلا ينبغي أن يستأثِرَ به شيء كجمال المرأة ودلالها وحركتها وحديثها، ورقّة صوتها، وحسن تَرَهْيُئها، وإشراقة ابتسامتها…

إنّ معظم الصور التشبيهيّة واردة في معلّقة امرئ القيس في إطار الإحساس اللطيف، بل الشعور الحادّ، بالجمال في صوره المختلفة، ومظاهره المتباينة: في أصوات الطير، في حركة العذارى، في عطر النسا، في ركض الحِصان، في شآبيب الصَّفْواءِ، في السحاب السابح في الفضاء، في حركة خُذروف الوليد، في غَلْيِ المِرْجل، في جُلمود الصخر المندفع من الأعلى نحو الأدنى، في جِيدِ الرئْمِ الجميل- أوفي جِيدِ الجميلة التي يشبه جيدُها جِيدَ الرئم- في الشَّعَرِ الأسود الأَثِيثِ، في البَنان الناعمة الرقيقة، في صفاء الترائب وَصقْلِ النَّحْرِ، في مصباح الراهب المضيء عِشَاءً…

ونلاحظ أنّ هذه الصور منتزعةٌ من صميم بيئة الناصِّ وحياته اليوميّة، وتقاليد مجتمعه البدويّ: الطبيعةُ مادَّتُها، والتعايُشُ معها أداتُها.

وحين نعمد إلى محاولة تحليل الأسس التي نهضت عليها التشبيهات لدى طرفة، نلاحظ أنه يختلف اختلافاً بعيداً عن امرئ القيس الذي صرف معظم عنايته إلى تشبيه الحِصان أوّلاً، ثم المرأة ثانياً، ثم من بعد ذلك تأتي الطبيعة والأشياء.

على حين أن التشبيهات، لدى طرفة، تنصرف، أساساً، إلى الناقة بتواتر بلغ أربعاً وعشرين مرة من تسع وثلاثين، ثم يأتي الرجل بعشر مراتٍ، ثمّ الطبيعة والمرأة بثلاث مرّات لكلّ منهما.

فالتشبيهات الواردة في معلّقة امرئ القيس متوازِنَةٌ بحيث توزّعت على المرأة، والحسان، والطبيعة، والأشياء، لكنّ الحصان هو الذي استأثر بالمنزلة الأولى بأربع عشرة مرّة، ثمّ المرأة بعشر، ثم الطبيعة والأشياء، مجتمعةً، بسبع. فاهتمام امرئ القيس يتوزّع، أساساً، على هذه الحقول الثلاثة. وإذا كان الحصان، لديه، نال المرتبة الأولى من العناية فلأنّه كان أميراً فارساً؛ ولأنه كان صيّاداً مقامراً، ولأنه كان متنزِّهاً سائحاً. وإذا كانت المرأة، لديه، وردت في المنزلة الثانية من الاهتمام فلأنه كان شاعراً عاشقاً، ومغامراً فاسِقاً(7) ومنادِماً فائقاً(7)؛ فكانت المرأة بالقياس إليه أساساً من أسُسِ الحياة، ومُتْعةً من مُتَعِها، وَملَّذَّة من ملذَّاتها. فكأنّه كان يعّدها مجرّد أنثى يتمتّع بها، ويلهو معها غير مُعْجَل؛ ثمّ لا شيء وراء ذلك. وهو ببعض ذلك يختلف عن عنترة الذي كان يحبّ امرأة واحدة، بوفاء، ويَمِقُها بِكَرمٍ، كما يختلف عن عمرو بن كلثوم الذي نلفيه يمجّد نساء قبيلته اللواتي كنّ يَقُتْنَ الخيْلَ للمحاربين أثناء المعركة، وكنّ يحْضُضْن الرجال على القتال، في حروب البسوس، حتى يتجنّبن سُبَّةَ السَّبْيِ، وعار الذُّلِ.

فالمرأة لدى عمرو بن كلثوم خُصوصاً، اثنتان: إحداهما للمتعة واللهو والنعيم، وتتمثّل في القِيان والجواري الميسَّرات لِمَا خُلِقْنَ له لديه، وإحداهما الأخراة هي السيدة الكريمة، والدُّرَّةُ العقيلة: التي كانت تشارك الرجل عَذابه ونعيمَه، وأملَه وألَمَه، وَضَنْكَ عيشهِ ورغده…

بينما المرأة لدى امرئ القيس لا. فهي ذلك الكائن اللطيف الذي وقف عليه، بعد الحصان، معظم تشبيهاته. إنها كانت لديه مجرّد جسَدٍ غضّ: للتمتّع العارض، والتلذّذ العابر، ثمّ لا شيء من بعد ذلك، يترتّب على ذلك. كانت مجرّد أنثى إذن. من أجل ذلك نجد ذِكْرَاً لنساء كثيرات في معلّقته؛ وكأنّ كلّ واحدة منهنّ كانت تمثّل جزءاً من حياته، أو لحظات سعيدات في حياته، ووجهاً من وجوه مغامراته معها. ثم، لعلّ من أجل ذلك، ألفيناه يصيب في تشبيه النساء، ويجوّد في إجراء الحِوار بينه وبينهنّ، ويبدع في تصوير علاقته بهنّ: وكيف كان يجاوز إليهنّ الأحراسَ، وكيف كان يلهو بالبِيض منهنّ في غيرِ عجلة من أمره، وكيف كان يَتَأَوّبُهُنَّ إذا جَنَّهُنَّ، وجَنَّهُ، الليلُ؛ وإذا نَضَضْنَ للنوم ملابِسَهُنَّ…

وربما تعود عبقريّة التشبيه التصويريّ للمرأة لديه، إلى كَلَفِهِ بها، وعِشْقِه إيّاها، وملازمتِهِ لها طويلاً؛ ثم إلى ممارساته العمليّة معها معاً. ثمّ إلى جُرأته على الجَهْرِ بفِسْقِه، والصَّدْعِ بفَضائح علاقاته الجنسية: إذا مارس العِشْقَ والاضطجاع… وهي سيرةَ عَفَّ عنها سَواؤُهُ من نُظرائِهِ المعلقّاتييّن .

وعلى الرغم من أنّ طرفة بن العبد يأتي في المنزلة الأولى، من حيث عدد التشبيهات التي اشتملت عليها معلّقتُه، على سبيل الإطلاق؛ فإنّ تشبيهاته، مع ذلك، لم يتوقف النقاد والبلاغيّون القدماء لديها إلاّ قليلاً، من حيث أُعْجِبُوا إعجاباً مَهُووساً بمعظم تشبيهات امرئ القيس؛ وخصوصاً ما ورد منها حوال المرأة والحِصَان. ولا نحسب أنّ الأقدمين جانبوا الصواب، إذا حقّ لنا إصدارُ حُكِم قيمةٍ، فيما كانوا يذهبون إليه. من أجل ذلك، قد نقضي بأن امرأ القيس وإن كان يأتي في المرتبة الثانية من حيث الترتيب العددي، بعد طرفة، بزهاء واحد وثلاثين تشبيهاً، مقابل زهاء تسعة وثلاثين تشبيهاً لدى طرفة: إلاّ أنّ ذلك ما كان ليكون مانعاً من عدّ امرئ القيس أحسن المعلقاتيين تشبيهاً، وأجملهم تصويراً، وأقربهم إلى الذوق العربي العام؛ فظل ذلك قائماً على امتداد ستة عشر قرناً.

ولعل الذي أضرّ بطرفة أنّ كلّ عبقريته الشعرية أهدرها في وصف الناقة في لغة بدويّة، وألفاظ حوشيّة، وتعابير وحشيّة، وصور غجريّة لم تلبث أن فقدت رُواءَها مع مرور الزمن، وأضاعت طلاوتها مع كُرِّ الأيام. على حين أنّ موضوع المرأة الذي عالجه امرؤ القيس، بإثارة وإباحيّة، هو موضوع، يظل إنسانيّاً، ماثِلاً لدى الناس إلى يوم القيامة، على الرغم من اختلافهم في النظرة إليه…

لقد استغنى كثير من الناس عن الناقة فلم يعودوا يعنون بها، ولا يلتفتون إليها ولا يتّخذونها همّاً في حياتهم، بينما من النِّفاق أن يَزْعُم الرجال أنهم قادرون على الاستغناء عن المرأة التي هي الحياة وسِرُّها وهِبَتُها وإِكْسيرها، ونضارَتُها وعَبَقُها.

فقد عرفْنا إذن علّة خُلودِ تشبيهاتِ امرئِ القيسِ، ودُرُوسِ تشبيهاتِ طَرَفَة، وَسَوَائِهِ من المعلّقاتيّين الآخرين.

وإنّا وقد ذكرنا المعلّقاتيّين الآخرين الخمسة، فما بالُها لديهم؟ وما شأنُها في معلقاتهم؟ وهل قصَّرَتْ، لديهم عن تشبيهات امرئ القيس وطرفة، أو فاقَتْها؟ لِنَرَ ذلك.

إنّ التشبيهات لدى الخمسة الآخرين تتفاوَتْ في الكثرةِ والقِلَّةِ، والرداءةِ والجَوْدَةِ: ولكنها مجتمعة لدى هؤلاء الخمسة(لبيد- زهير- عنترة- عمرو بن كلثوم- الحارث بن حلّزة) لا تمثّل إلاّ أقلّ من نصفها لدى الأوّلين: امرئ القيس، وطرفة. بيد أنّنا لاحظنا، أثناء ذلك، أن عنترة يأتي في المرتبة الثالثة بتسعة عشر تشبيهاً موزّعة، بحسب تكاثر التواتر، على الناقة، ثم الرجل، ثم المرأة، ثم الظَّليم، ثم الذُباب، ثم المطر؛ ولبيداً في المرتبة الرابعة بستّة عشر تشبيهاً موّزعة، بحسب تكاثر التواتر، على البقرة الوحشية، ثم على المرأة، ثم الطبيعة والأشياء، ثم الناقة، ثم الرجل، ثمّ الحصان بتشبيه واحد فحسب، وعمرو بن كلثوم في المرتبة الخامسة بأربعة عشر تشبيهاً موزَّعَةً، بحسب تكاثُرُ التواتر، على الرجل؛ ثم على المرأة، ثم الطبيعة والأشياء، ثم الحصان بتشبيه واحد فقط-مثله في ذلك مَثَلُ لبيد-؛ والحارث بن حلّزة في المرتبة السادسة بأحد عشرَ تشبيهاً موزّعةً، بحسب تكاثر التواتر، على الرجل، ثم الناقة، ثم الطبيعة والأشياء؛ وزهير بن أبي سلمى في المرتبة الأخيرة بأربعةِ تشبيهاتٍ فقط، موزعّةً على المرأة بتشبيهيْن اثنين، وعلى الطبيعة والأشياء بتشبيهيْن اثنيْن آخرين.

وربما قلّت التشبيهات لدى زهير لأنه كان في معلّقته، خصوصاً في القسم الحكميّ، مجرَّدَ حكم متأمِّلِ يَبُثُ تجاربَه، ويَسوق تعاليمَه، ليتعلّم بها الناس ويُفيدوا منها في حياتهم ممّا به يبتلون.

****

ثالثاً: النسج اللغوي، في المعلقات،
بين نظام الفعل ونظام الاسم

لاحظنا في المقالة التي عرضنا فيها لتحليل الإيقاع المعلقاتيّ أنّ هناك نصوصاً منها تميل إلى نحو ما أطلقنا عليه، في شيء من التجاوز والتساهل: “الحميمّية”، أو “الانضواءِ على الذات”؛ وذلك بناء على تأويل دلالة الخَفْضِ في اللغة العربيّة، مثلاً. وإذا كنّا لا نطمع في أن يتفق الناس معنا على ما ذهبنا إليه؛ فإنّنا قد نكون أفلَحْنا في تحفيزهم، على الأقلّ، إلى البحث عن تأويلٍ آخر، عن قراءة جديدة أخراة، من آلاف القراءات التي اقتُرِئَتْ بِها هذه النصوصُ ماضِياً، والتي ستقرأ بها مستقبلاً.

وإذا كنّا جئْنا نثير مسألَة نظامِ النسج اللغويّ فبِما رغْبَةٍ عارِمةٍ مِنَّا في الكشف عن الظاهرة النسجيّة التي تستأثر بنظام اللغة، وبنية التعبير لسطح هذه النصوص الشعريّة العذريّة.

وقد انتهينا من خلال الإِحصاء الذي اضْطُرِرْنا إليه (والذي لا نحمل أي عُقْدَةٍ له أو عليه، فهو لدينا مجرّد من الإجراءات التي قد نعمد إليها، في بعض المستويات من قراءتنا، وذلك ابتغاء استكشاف ظاهرةٍ ما، حين نعتقد أنه لا يمكن استكشافَها إلاّ به، أو إلاّ عَبْرَه): إلى أنّ النسج الشعريَّ يهيمن عليه النظام الاسْمِيُّ لدى عامّة المعلقّاتيّين إِلاّّ لدى زهير الذي يغلب، في نسجه الشعريّ، النظامُ الفعليّ، لِمَا سنعلّله من بعد حين.

وقد رأينا، والحال أنّ الشأنَ منصرِفٌ إلى نسج شعريّ، أن نراعي مَطْلَعَ صَدْرِ البيت، وآخر عجزه على أساس أنهما مفتاحَا البيتِ الشعريّ. ولم نُرِدْ أن ننزلِقَ إلى ملاحظة النظامين الفعليّ والاسميّ في أكثّر من هذين المستويْين الاثنين خشْيَة أن يُفضي ذلك إلى تطويل قد لا يكون فيه، لهذا البحث، غَناء كبير.

والحُكْم العامُّ الذي نستخلصه من هذه المتابعات المنصرفة إلى مطالع الأبَايِيتِ، وأواخر أعْجَازِها: أنّ الشعراء كانوا يجنحون للتعامُل مع النظام الاسميّ أكثر من جنوحهم للتعامل مع النظام الفعليّ، لأسباب مختلفة، منها:

1. إنّ نسجْ الأسلوب العربيّ ينهض أساساً على النظام الاسميّ أكثر من نهوضه على النظام الفعليّ. وهو قادر، على نقيض اللغات الأوربية وحتى بعض اللغات الشرقيّة، على الاستغناءِ عنِ الفعل من حيث لايستطيع الاستغناءَ عن الاسم. أَضْرِبُ لذلك مثلاً نَصَّ البسملةِ الذي يُردّده كلَّ يومٍ قريبَاً من مليارِ مُسْلم في العالَم، فإنه لا يشتمل على أيّ فعل. ودَعْكَ من تخريجاتِ النُّحاةِ وفي طليعتهم الشيخ عبد القادر الجرجاني؛ والتي فيها يزعمون أنّ الباء في”بِسم اللَّهِ” متعّلقة بفعل تقديرُه: “أَقْرَأُ، أَوْ أَتْلُو” (8). وعلى أنّ تقدير عامّة النحاة هو: “ابْتَدِئُ”. فنحن لسنا نجنح إلى هذه التقديرات والمتعَلَّقات، ونحن نبحث في أمر المعلقّات، التي لا تتعلّق إلاّ بأوهام اغتدت فيما بعد قواعد للإعراب؛ وإلاّ فإن الله تبارك وتعالى، لو كان شاء إلى ما شاؤوا، وقصد إلى ما إليه قصدوا، لكان قال كما قالوا. والآية على ضعف هذا المذهب أنّ الله تبارك وتعالى حين أراد إلى أن يتبرَّكَ بأسمه، وَصَلَهُ بالاسْمِ لا بالفعل، فقال: “باسِمْ اللَّهِ مُجْرَاهَا ومُرسَاهَا(9)، ولم يَقُلْ: “أُجْرِيَها ببِسْمِ اللّهِ، وأُرسِيَها”.

وقد لاحظنا، أيضاً، أنّ سورة النحل لا يوجد فيها إلاّ ثلاثة أفعال فحسب من بين سبعة عشر اسماً على الأقل؛ مَثَلُهُا مَثَلُ سورة الفاتحة التي تشتمل على أربعةِ أفعالٍ فحسب من حيث نُحصِيْ فيها من الأسماء ما لا يقلّ عن واحد وعشرين.

وقد يمكن النسجُ بالاسم وحده، في اللغة العربيّة، دون أن يَعْتَاَصَ ذلك على الفُصحاء الأبْبِنَاء، والَّلِسِنين البُلغُاء؛ كما نلاحظ ذلك في بعض خطبة قسّ بن ساعدة الإيادي الذي كان يُضْرَبُ به المثل في فصاحة اللسان، والقدرة على نسج البيان(10): “(…) في هذه آياتٌ محكمات، مَطَرٌ، ونبات، وآباءٌ وأمهات، وذاهبٌ وأت، ونجوم تَمور، وبحور لا تَغُور، وسقف مرفوع، ومِهَادٌ موضوع، وليلٌ داج، وسماءُ ذاتُ أبراج”(11). ففي هذه الكلمة لم يرد الفعل إلاّ مرتيْن اثنتيْن من بين عشرين اسماً؛ وكما يمكن أن يُلاحَظَ ذلك في بعض نصّ إحدى خطب الحجّاج، إذ يقول: “يا أهل العراق، يا أهل الشِّقاق والنِّفاق، ومساوئَ الأخلاق، وَبني اللَّكيعة، وعبيد العصا، وأولاد الإماء، والَفْقْع بالقَرْقِرَ…”(12): فهنا نجد خمسةَ عشرَ اسْمَاً بدون ورودِ أيّ فعلٍ، وبدون أن يمكن أن يذهب أحد من الناس إلى أنّ مثل هذا الكلام كان محتاجاً إلى أن يَتَعلَّق بغيره الغائب، على نحو أو على آخر…

ومثل هذا في العربية كثير مشهور، ومتواتر معلوم؛ بحيث لايحتاج معه إلى برهنة ولا إلى تدليل.

2. إن النظام الإسْميَّ يفيد الثبات والسكون؛ ولعلّ السكون هو الدَّيْدَنُ الغالب على حياة الجاهلية الذين كان الرُّتُوبُ يحكم حياتَهم، والسكون يقيّدها. وكانتْ تلك السيرةُ تُحَتِّمُها نوعيَّةُ الطبيعة المحيطة بهم، والبدائيّة التي كانت تحكم حياتَهم، بحيث كانت أسفارهم الطويلة، قليلةً، وإقاماتهم، أو تنقلاتهم القصيرة، كثيرة. لا تغير في نظام العيش، ولكن الرتوب… يعيش الأبناء كعيشة الآباء، ويعيش الأحفاد، كعيشة الأجداد. من خرج عن نظام القبيلة، وعاداتها، عُدَّ مارِقاً، ومَنْ تنكّر لتقاليدها اعْتُبَر عاقّاً مُفَارِقاً.

وإذن، فإنّ النظام الاسميَّ في نسج اللغة في المعلّقات السبع لا يعدو كونَه امتداداً للحياة الجاهليّة بمظاهرها الاجتماعيّة والعقليّة والاقتصادية والثقافيّة التي كانت تتجسّد، خصوصاً، في رواية الشعر، وفي إنشاده في المحافل والمناسبات الكبرى وفي التغنّي به في التظّعان. كما أنّ الأشعار التي كانت تتردّد في المآقِطِ المختلفة كانت تتشابه وتتقارب أشكالُها، ومضامينها: البكاءُ على الأطلال، ووصْفُ جمال النساء، ثم وصْفُ النُّوقِ والسَّفَر، أو الخيلُ، أو المطر، أو البلاء في الحرب… أو سَوْقٌ لبعض الحِكَمِ، وضَرْبٌ لبعض الأمثال، وذِكْرٌ لبعض الوقائع…

فلم يكن الثبات الذي يقتضيه النظام الاسِميُّ في نسج اللغة، عَبْرَ المعلقات، متمثِلاً في الحياة بمعانيها المادّية فحسب؛ ولكننا نلفيه ثابتاً أيضاً، في المظاهر الأدبيّة والثقافيّة (بناء القصيدة- نظام القبيلة- تقاليد الرعي والتماس الكَلأ، وهلمّ جرا من سائر المظاهر الأنتروبولوجيّة).

3. الاسْمُ يحيل على الكائن الحيّ ويعيّنه، فهو يحيا: يحبّ ويكره، إن كان عاقلاً، ويضطرب ويتحرّك، إن لم يكُنْهُ. على حين أنّ الفعل حدَثٌ، والحدث لا ينشئ نفسه، ولا يقوم بذاته بمعزل عن الاسم؛ عن الكائن الحيّ الذي يُسَبّبُهُ، أو يكون نتيجة له، أو يكون مندمجاً فيه.. فالفعل- وإذن النظام الفعلي، بجَذامِيرِه- لا ينبغي له أن يكون إلاَّ مجرّدَ تابِعَ للنظام الاسِميّ، خاضعٍ له، ناشئٍ عنه.

4. قد يجتزئ الاسم وحده في الكلام؛ إذا ظاهرتْه قرينةٌ ما، مثل قوله تعالى: “الرّحْمن”(13). فاسم الجلالة: الرحمن، هنا آية بنفسه؛ ولم نجد ذلك حَدَثَ في فعل من الأفعال. فالاسْمُ هو صاحب الشأن والبال؛ أما الفعل فلا يأتي إلا خَدَماً له، وسائِراً في فلكه.

5. وإذا كانَتْ بعض المعلّقات(خصوصاً معلّقة زهير) تَغَلَّبَ فيها النظامُ الفعليّ على النظام الاسميّ؛ فلأَنَّحكيمُ المعلّقاتيين عَمَدَ إلى بثّ الحكمة، وإرسال الأمثال، وتذكيرٍ بمآسي الحرب، وتصوير لبشاعتها، وتزهيد الناس في سفك الدماء، وترغيبهم في أن يجعلوا المحبّة والسلام يسودان بينهم. ومثل هذا السلوك الذهنيّ ينشأ عنه قلةٌ في استعمال الأسماء، وكثرةٌ في استعمال الأفعال. ولعلّ الذي ظاهر على ذلك أنّ نظام النسْج في معلَّقة زهير اقتضى أن ينتهي كثير من أبياتها بأفعال مضارعة، إذْ نلفي اثنيْن وعشرين بيتاً من بين اثنين وستين ينتهين بأفعال أغْلَبُهَا مُضارِعٌ. وهي سيرة من النسج الشعريّ ليست عاديّة.

ونحن حين اصطنعنا عبارة”نظام النسج”، في هذه المعلّقة، فلأننا، فعلاً، لاحظنا أنّ أسلوب الكَمِّ يكاد يختلف، هنا، عنه في سائر المعلّقات. فكأنّ نظام النّسْج في معلّقة زهير ينهض على تسخير هذه الفُيوض الفائضة من الأفعال المضارعة المجزومة التي كان وراء جزمها، في عامّتها، ذلك العامل الجازم لفعلين اثنين، وهو: “مَنْ”، وأخواته مثل “متى”، و”مَهْما”… التي تكرّرت، في جملتها، زُهاءَ أربعٍ وعشرينَ مرَّةً.

وعلى أنّنا لو انزلقنا إلى عدِّ الأفعال المضارِعة المجزومة المعطوفة على الجُمل الأصليّة الناشئة عن إعمال الجزم لوجدنا النص الزُّهَيْرِيَّ يَعْجُّ بها عجيجاً، مثل: يوخّرْ، فيوضعْ، فيدّخرْ، يعجَلْ، فينقم. ومثل: وَتَضْرَ، فتضْرَم، وتلقحْ، تنتج، فتُتْئَم، فتُنْتج، فتغلل….

وإذا كان اسم “مَنْ” جاء في العربيّة للدلالة على العقلاء، إلاّ لدى الانزياح(فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ…) (14)؛ فِلأَنَّ الناصّ كان يريد من وراء هذا الاستعمال إلى مخاطبة العقلاء حقاً، وتخصيصهم بالخطاب فعلاً. كان الشاعر الحكيم يريد أن يخاطبهم، فيؤثّر فيهم، ويبلغ غايته منهم؛ فيعدل بهم عمّا كانوا فيه من جَهالةٍ جهلاء، وما كانوا يَخْبِطون فيه من حروب هوجاء، وما كانوا يشنّونه من غارات شعواء، وما كانوا عليه من التساهل في سفك الدماء: باسْمِ الشجاعة، واستحلال أموال سَوائِهِمْ تحت عادياتٍ تَعَوَّدوها…

وإذا كانت لغة عنترة تجري في بعض ما نحن بصدده من افتخار بسفك الدماء، وتمجيد القتل وخوض الحروب، وتصوير لمكارم الأخلاق كلّها في طعن الفرسان بالرماح، وَشَكِّ الرجال بالسلاح، وجندلتهم في سَاحِ الوغَى، وتغنٍّ بمناظر الموت البشعة، وتبجّج بمشاهد الدماء وهي تنزف من أجساد البشر، وهم يَتَهَاوَوْنَ على الأرض صَرْعىً لَقىً كأجْذاع النخْل: بفعل العَضْبِ بالسيوف، والطَّعْنِ بالعوالي: فإنَّ الصورة لدى زهير هي غيرها لدى عنترة. فكأنّ عنترة قاتل محترف:

*قيلُ الفوارسِ: ويْكَ عَنْتَرَ أَقْدِمِ*

ومحاربٌ متخصّص في جندلةِ الأبطال، على حين أنّ زهيراً رجلُ سلامٍ، ومحبّة، وعقل… وأيّاً كان الشأن؛ فإنّ الفكرة التي نهضت عليها معلقة زهير كانت تقتضي فيْضاً من هذه الأفعال، كأنه لِيَصِفَ بها، بطريقٍ غير مباشر، معارِكَ الحرب، وأهوالُ الموت، ومناظر العذاب والخرابِ. فكأنّ زهيراً لا يصف الحرب وأهوالَها وآلامها وأتراحَها ومِحَنَها وشقاءَها في اللغة، ولكنه كان يصفها باللغة. وكأنَّ هذه اللغة، اللغة الزهيريّة، حركات الفرسان وهم يتقاتلون ويتصاولون ويتطاعنون: في خِفّةِ حركةٍ، وفي كرٍ وفر، وفي إقبال وإدبار، وفي وَثَبَانٍ وَرَوَغَانٍ…

بينما نلفي نظام النسج اللغويّ لدى عنترة، وقد اقتضى المقام أن نقرن بينهما، هنا، ينهض على تصوير الحركة الفعليّة، الماديّة: للتقاتُلِ والتَّطَاعُنِ والتَّنَاحُرِ والتصاولُ بين الفرسان؛ وقل إن شئت بين عنترة وَحْدَهُ والفرسان الآخرين الذين كانوا يَعْرِضون له، أو يجرؤون على التَّطالُلِ على فروسيّته ورجوليته، وشجاعته التي سارت بذكرها الركبان… فاللغة لدى عنترة تنهض بوصف ما يحدث، فكأنّها سخّرت لِسَوَائِها، على حين أنّ اللغة لدى زهير تنهض بوصف الخارج فيها؛ فكأنها مسّخرةٌ لذاتِها، من أجل ذاتها. فكأنّ العمل باللغة في معلقة زهير يتّخذ من النسج باللغة غايةً له. فلغة زهير تصوّر الخارج عَبْرَ فَيْضٍ من وجدان الذات، فكأنّها تحويل للخارج نحو الداخل: لِتَركِّبَهُ، ثم تَبُثَّه نحو الخارج في صورة أخراةٍ جديدة. بينما اللغة لدى عنترة كأنها تصوير للخارج في واقع الداخل، وإٍسقاط للواقع الخارجيّ على حميميّة الذات.

وإذا كانت التقريريّة هي التي تحكم نظام النسج لدى زهير في معلّقته، مَثَلُه مَثَلُ عمرو بن كلثوم، وربما طرفة أيضاً؛ فإنّ السرديّة هي التي تحكم نظام النسج لدى المعلّقّاتيّين الآخرين على الرغم من أنّ صفة السردية تجمع معظم المعلّقاتيّين، إن لا نقل كلّهم، إذا انصرف الوهم إلى المطالع الطللّية. لكنّ امرأ القيس يظلّ أشدهم تعلّقاً بالسرديّة، وأكثر استعمالاً لها، وقد كان ذلك أثار عنايتنا منذ أكثر من ربع قرن(15).

وأياً كان الشأن؛ فإنه يمكن أن نقرر أنّ المعلّقاتيّين السبعة، في نظام النسج اللغويّ المستعمل في معلّقاتهم، هم إمّا سُرَّادٌ، وذلك عَامٌّ في مطالِعِهم؛ وإمَّا مُقَرِّرُونَ؛ وذلك خاصّ بأصحاب الحكمةِ والتأمّل، ولا سيما طرفة وزهير. ثم يقع التفاوت فيما بينهم على درجات من حيث الإغراقُ في السْردِ فحسب؛ أو الإغراق في التقرير فحسب؛ أو الجنوح للسرد أكثر من التقرير، أو الميل إلى التقرير أكثر من السرد…

ومن الواضح أنّ هذا الوضع يؤثّر في طبيعة الأسلوب، وشكل اللغة، ونظام النسج.

وهناك مسألة أخراةٌ عالجْناها، في غير هذا المقام، وهي أننا لاحظنا أن نظّام النسج كان يخضع، لدى هؤلاء المعلّقّاتيّين، لطبيعة المضمون المتناوَل، ولحال الوضع العاطفيّ الماثل، للمعلّقاتي حين يُنشئ شعرَه. فمَنْ النسْج ما يغْلُب عليه ما أطلقْنا عليه الضجيجيَّةُ كما في معلقتي عمرو بن كلثوم والحارث بن حلّزة، ومنه ما يطْغُو عليه الحميميَّةُ والذاتيَّةُ مثلما يصادفنا بعض ذلك لدى امرئِ القيس، وربما لدى عنترة أيضاً، ولدى طرفة في وجه من معلّقته. وقد كنّا لاحظنا أنّ الضجيجيّة تعني ذَوَبّان الذاتِ في الآخَرِ، وليس الآخَرُ هنا إلاّ القبيلةَ التي ينتمي إليها المعلّقاتي، فَيَنْضَحُ عنها، وَيُرَوِّجُ لِمَكَارِمِهَا، ويتغنّى بمآثرها، حتى يجعلها في ذروة من المجد، وقُلَّةٍ من السُّؤْدد. بينما الحميميّة إنما تُعْنى بتوهّج الذات، وطفوح قوة النفْس، وبروز شدة الحضور الداخلي، أو الحميميّ الذاتيّ، للمعلّقاتيّ: فإذا هو لا يلتفت إلا قليلاً إلى العالم الخارجي، ولا يكترث بما حوله، ولكنّ التعبير عن عالَمَه هو الذي يعنيه في المنزلة الأولى.

****

رابعاً: زخرفيّات نسجيّة أخرى

وممّا يمكن أن يكون له صلة بنظام النسج اللغويّ في المعلّقات ما لاحظناه من طفور بعض الأدوات الإنشائيّة، بتعبير البلاغيّين، وأدوات الزخرفة اللفظيّة باصطلاحنا: وذلك مثل الاستفهام، والقَسَمَ، والنداء، والتعجّب ونحوها.

وقد لاحظنا أنّ الاستفهام، بنوعيه البسيط والإِنكاري، يأتي في المرتبة الأولى بثلاثة وثلاثين استفهاماً، والنداء يتبوأ المنزلة الثانية بتسع عَشْرَةَ حالَةَ نداءٍ، والقسمَ يَردُ في المرتبة الثالثة بإِحدى عشرة حالة قَسَمِ، من حيثُ يتبوَّأُ التعجُّبُ المرتبةَ الأخيرة بسبع حالاتٍ تعجّبٍ فحسب.

والذي لاحظناه أيضاً حول هذه الظاهرة أنّنا ألفينا كلّ المعلّقاتيّين مستفهمين، مع تفاوت بينهم في كثرة الاستعمال: كثرة تتراوح بين تسعة استفهامات لدى الحارث بن حلّزة، واستفهاميْن فحسب لدى امرئ القيس.

ولعلّ أداة الاستفهام أن تكون زخرفة كلاميّة تجلو الرتابة عن النسج، وتنفض غبار السكون الأسلوبيّ عن الكلام، وتحمل المتلقيّ على التيقّظ والتّحفّز، وتدفعه إلى استعمال مَلَكَته الذوقيّة، وطاقته الذهنيّة من أجل أن يجيب عمّا أثير من تساؤلات، وطُرِحَ من استفهامات. إنّ الاستفهام، وخصوصاً الإنكاريَّ منه-وهو كثير- مُساءَلَةٌ، وَحَيْرةٌ، وقلق. ولعلّ المُساءلة أن تكون دعوة إلى المعرفة، والمعرفة أرقى مستويات الإدراك.

والاستفهام إبداءٌ لما في النَفْس من فضول معرفيّ، وَبَوْح بما في القلب من وجدان الذات، وكشْف عمَّا في الضمير من حَيرة حَيْرَى: فإِذا ما كان مخبوءاً يغتدي مكشوفاً، وإذا ما كان مستكيناً يُمْسِي مُعرّىً.

وبينما كنّا ألفينا امْرَأ القيس يتبوَأ المنزلة الثانية بالقياس إلى زَخْرَ‌فَةِ التشبيه (واعتبرناه الأوّل من حيث تنويع تشبيهاته، وجمالها، وإِصابتها-كما يعبّر الجاحظ- وابتكارها وابتداعها): نلفيه الأخير في زخرفة الاستفهام. فكأنّه وقع تبادلٌ في المواقع النسجيّة بين المعلّقات فإذا هذه تُغْرِقُ في التشبيهات، وتلك تغرق في الاسْتِفَهامات، والأخراة تجنح لِلْقَسَم، وهلمّ جرّا…

وإنما ألفينا الحارث بن حلزة يغرق في استعمال الاستفهامات فيبلغ بها تِسْعَ حالاتٍ متبَّوئاً المنزلةَ الأولى بين المعلقّاتيين لأنه كان يدافع عن قضيّة، وَيَنْضَحُ عن مَوْقِفٍ. لقد كان قصاراه إِقْنَاعَ المتلقّين بظلم قبيلة تغلِب مجسَّدَةً، أو مُجَسَّداً، في موقف عمرو بن كلثوم، وتجاوزه كل طَوَرْ، وعَدَوه كل حدٍ: في الادِعِاءِ على بَكْر، وذهابه في كلّ ذلك المذاهب المستحيلة من سَوْقِ التُّهَمِ بالباطل…

وقد لاحظْنا أن الحارث لم يندفع في نسج الاستفهامات من ذاته إلاّ مرة واحدة:

لا أرى مَنْ عَهِدْتُ فيها فأَبْكِي الـ

ـيوم، وما يُحيِرُ الْبُكَاءُ؟

وعلى أنّ هذا الاستفهام وارِدٌ ضمنياً، إذ يمكن أن تُقَرَأَ عبارة: “وما يُحَيُر الْبُكَاءُ” على معنى النفْي، لا على معنى الاستفهامِ؛ على الرغم من أنّ قراءتها على معنى الاستفهام يمنحها قوةًً دلالية أجمل وأقلق وأغنى؛ وكأن الحارث كان يريد أن يقول بالتسطيح النثري: وهل رأيتم، قط، بكاءً حارَ جَواباً، وردَّ خِطاباً؟ وهو كما يقرر الزوزنيّ: “استفهام يفيد الجحود”(16) فهذا الاستفهام: الشعريّ، الانزياحيُّ، الجميل(وهو جميل حقّاً لأنه خَرَقَ قواعد الصياغة المألوفة فاستفهم في غير مكان الاستفهام؛ وهي سيرة نعهدها لدى كبار الشعراء، وفصحاء الأبيناء) أفضى إلى الاستنكار والقَلَقِ، والحَيْرة والسُّمود.

وأمّا بقيّة الاستفهامات فتنطلق، في عامّتها من الضمير الجمعيّ: من صرخة القبيلة، ومن صوت العشيرة، مثل:

أم علينا جَرَّى قُضاعَةَ أم ليـ

ـس علينا، فيما جَنَوْا، أَنْدَاءُ؟

إنّ معظم التشبيهات لدى الحارث بن حلّزة واردة في معنى الإنكار والحجود، والرفض والنفي. وهو مازاد هذه التشبيهات فَيْضَاً جماليّاً بديعَاً، لأنّه يحمل جماليّة في نفسه من حيث هو مُساءلة، أي إيقاظٌ لانتباهِ المتلقّي ودَفْعَه إلى المشاركة في تشكيل الرسالة المطروحة، كما يحمل جماليّة أخراة تتمثّل في أنّه يحمل مُخادَعةً للمتلقّي، ومُغَالطَةً للمستقبل الذي يعتقد، لأول وهلة، أن الرسالة أُلقِيَتْ عليه ليجيب عنها، بينما هي تحمل جوابَها في نفسها، وإقناعَها في ذاتها، وإنكارَها في نسجها.

على حين أنَّنا ألفيْنا كُلَّ الاستفهامات الواردة لدى طرفة بن العبد، وهي ستّة، وهي تمثّل المرتبة الثانية بعد الحارث بن حلّزة، تنطلق من ذات الناصّ، وتنبع من نفسه، وتنبثق عن جَوَّانيته، لأنه كان بصدد نَعْيِ نَفْسِه، فيما يزعم مؤرخّو الأدب (17): فكان مُضطَرَّاً إلى التساؤل عن كثير ممّا يَحْدُثُ مِنْ حَوْلِهِ، أو قُلْ: ما يحدث له، أو قل: ما يحدث له عبر هذا العالم الغريب، وما يتعرّض له من ظلم ومَضاضَةٍ:

* وأنْ أَشْهَدَ اللّذّاتِ هَلْ أَنْتَ مُخِلْدِي؟

* ستَعْلَمُ، إن متْنا غَداً، أَيُّنا، الصَّدِي؟

وأمّا منطلق مُساءلات عمرو بن كلثوم، وقد تواترتْ خمسَ مرّاتٍ، وهو الشاعر الذي كان يبشّر بقضيّة القبيلة، ويدافع عن مجدها، وينضَحُ عن شَرَفها: فإنّها وردت، هي أيضاً، وعلى سبيل الإطلاق، في معرض التحدّث عن الجماعة، والتكلّم باسمِها، ورفع العقيرة بصوتها:

بأيِّ مشيئةٍ، عمرو بْنَ هِنْدٍ

تُطيع بنا الوُشاةَ وتَزْدَرِينا؟

أَلَمَّا تَعْلَمُوا، مِنَّا ومنكم،

كتائِبَ يَطَّعِنَّ ويَرْتَمينَا؟

بينما انطلقت استفهامات عنترة، وهي خمسة أيضاً، من أعماق نفسه؛ إذْ كان بصدد النَّضْحِ عن حَقِهِ في الحريّ‍ة، وَجدارته بالوجودِ؛ وإذْ كان على شجاعته وَحُسْنِ بَلائه في الحروب كان أبوه يتردّد في إلحاقِه بنَسَبِه، كما أنّ حُبَّهَ عَبْلَةَ أَجَّجَ في قلبه رسيس الهوى فأنطقه بما أنطق، وألهمه بما ألهم: فجعله يخاطبها، وهي بعيدةٌ عنه، معاتباً إيّاها عن عدم مُساءَلَتِها عن بَلائه في الحروب، ومتابعتها لمقاماتِه في الوغى؛ وكيف أنّ الخيل كانت تعرفه لفُروسيّته، وكيف أن الفرسان كانت تتَهَيَّبُه لشجاعته: إلاّ هي التي ظلّت جاهِلَةً، أو متجاهلةً، بما كان يجب عليها أن تعلم من أمره، وتعرفَ من شأنه:

هَلاَّ سأَلْتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكٍ

إن كنتِ جاهلةً بما لم تَعْلَمِي؟

وقد أثار انتباهَنا، هنا، شيءٌ آخرُ في نظام النسيج اللغويّ للمعلّقات؛ وهو هذه النداءات المتكررة، والأصوات المتعالية: الدالّة على الدَّلَهِ وَالْوَلَهِ، والقَلق والفَزَع، والتخوّف والترقّب. وكانت هذه النداءاتُ ربما خرجت عن إطارها الاستعمالِيّ المألوفِ، لتخرق القاعدة، ولتغتدي مُنزاحةً مُنساحةً، مثل ما نلفيه لدى امرئِ القيسِ الذي خاطب الليل فجعله يَعْقِلُ نداءه، ويعي خطابه (وإن كنّا شكَكْنا في أنّ الأبيات الأربعة التي يصف فيها الملك الضليل الليل، قد تكون له… وقد عللّنا ذلك في موقعه من هذه الدراسة…)، ومثل ما نجده لدى زهير الذي يخاطب الرَّ‍بْعَ ويدعو له بالسَّلامة، وكأنّه عاقِلٌ واعٍ، وسامِعٌ سَاعٍ.

ذلك، وقد ألفينا هذه النداءات الصريحة، أو النداءات المنزاحةَ الواردة في صور التعجب، تبلغ زهاء تِسْعَةَ عَشَرَ. وقد توزّعت على عامّة نصوص المعلقات إلاّ معلقة الحارث بن حلّزة إنها خَلَتْ من أيّ نداء أو تعجّب. أمّا التواتر فكان يتراوح بين ستّةِ نداءاتٍ (عمرو بن كلثوم)، ونداءٍ واحدٍ (زهير بن أبي سُلمى).

وإذا كنّا زعمنا أنّ الاستفهام يعبّر عن مدى القلق الناشئ عن فضول المُساءلة النائشة عن الحَيرة والتعجّب، فإنّ النداء لا يَقِلُّ جماليّة من حيث هو مظهرٌ تعبيريّ أنيق رشيق، وخصوصاً حين ينزاح النداء فينصرف إلى ما لا يعقل، أو حين يَحَارُ فينصرف إلى التعجّب كقول امرئ القيس:

ألا أَيُّها الليلُ الطويلُ ألا انجلِِ

بِصُبْحٍ، وما الإصباحُ منك بأَمْثَلِ

فهذا الليل لطول زمنهِ، وكثافة ظلمته، وكثرة هُمومه، وشِدّة أهواله، ولمُلازِمة النَّاصِّ له، ولملازِمة الليل للنَّاصّ: مسافِراً يتسقَّطُ المجْد، وظاعِناً يحاول  السُّؤُدْدُ، وأرِقاً يتجرّع العِشّق، وساهِراً يَحْتَسِي كؤوس الرَّاح، وشاعراً يلتمس بناتِ الشعر: اندمج في هذا الليل، واندمج الليل فيه، فذاب، ما كانَ بينهما من فروق: أحدهما إنسان حيّ عاقلٌ واعٍ، وأحدهما الآخر زمن مظلم غير عاقل ولا واع: فإذا هذا ذاك؛ وإذا ذاك هذا؛ وإذا النَّاصُّ يُلفي سبيلَه على ليله؛ فتنزاح له الحُجُب، وتتكشّف له الأسرار، وَيُؤْتَى من هذه الأسرار ما يُتيح له الفهمَ عن الليل؛ بل يُتيح له ما يجعله: يجعل هذا الليلَ يفهم عنه، وَيَعِيَ خطابه، ويستجيب لندائه… وإنه لِسِحْرُ الشعر! وإنه لَجمال النسْج الأدبي العبقريّ. وإنّها لَعُذْرِيَّةُ الخيال، ووحشيّة اللغة الشعريّة…

وإذا كنا توقّفنا لدى نداء امرئ القيس، هذا، فلِمَا رأَيْنا من اشتماله على انزياح لغويّ عجيب، وانسياج نسْجيّ مبكِرٍّ في الشعر العربيّ. أمّا النداءات الأخراة وعلى كثرتها في معلّقة عمرو بن كلثوم مثلاً؛ فإنها لا تجاوز حدود الاستعمال المألوف الذي إن كان يعني قلقَاً وعجَبَاً، وَحيرةً وتطلّعاً؛ فإنه، مع ذلك، وعلى الرغم من  ذلك، لا يستطيع أن يرقى إلى مستوى الاستعمال المنزاح، مثل قوله:

أَبَا هِنْدٍ فلا تعْجَلْ عليْنا

وأَنظِرْنا نُخَبِّرْكَ اليقينا؟

وربما كان أجمل نداءات عمرو بن كلثوم حين قَرَنَ بين الاستفهام والنداء، في مثل قوله:

بأيِّ مشيئةٍ، عمرو بْنَ هندٍ،

تُطيع بنا الوُشاةَ، وتَزْدَرينا؟

أمّا المظهر النسجيّ الآخر الجديرُ لِلَّتَوَقُفِ، والقمينُ للْمُلاحظة؛ فهو القَسَمُ الذي هو زينةٌ من زيناتِ النسج الأدبيّ في الأدب العربيّ: شعره ونثره. فقد كان الفصحاء يتفنّنون في هذه الأقسام، ويتأبَّهُونَ بها، ويتبجّحون باستعمالها لِمَا كانوا يُحسِّون، إحساساً فطريّاً، فيها من الجمال الدافق، والوهَج الطافح: فكانوا يسحرون المتلقّين سحراً، ويأْسرونهم أسْراً.

فلا عجب أن نلفي هذه المعلّقاتِ تُنَمِّقُ نُسِوجَها ببعض هذه الأقسام فنلفيها تتكرّ‍ر لدى ثلاثة معلقّاتيّين هم طرفة، وزهير، وامرؤ القيس. بيد أنّها لم تكد تتكرّر لدى هؤلاء إلاّ عشرَ مرات: أربعاً لدى الأوّلين، واثنتَيْنِ لدى الآخر.

وقد وردت تلك الأقسام في صورة العبارات التالية:

*لعَمْرُكَ، ولَعَمْرِي(أربع مرات)،

*آليت، وأقسمت، وحلفت (ثلاث مرات)،

*يميناً، ويمين الله(مرتين اثنتين)،

*وجَدِّكَ(مرة واحدة).

وقد وردت هذه الأقسام الثمانية، لدى طرفة وزهير، على لساني هذين المعلقّاتيّين أنفسهما، بينما القَسَمان الاثنان الآخران الواردان في معلّقة امرئ القيس ورداً على لسان إحدى النساء اللواتي شبَّب بهنّ:

*ويَوْماً على ظَهر الكثيب تعذَّرَتْ

عَلَيّ، وآلَتْ حَلْفَةً لم تَحَلَّلِ

*فقالت: يَمِينَ اللّهِ مالكَ حيلَةٌ

وما إِنْ أَرَى عَنكَ الغِوايَةَ تَنْجَلِي

ولكن يبدو أنّ القسم، هنا، ومن الوجهة الدلالية الخالصة، لا يعني الرفض، ولا يعني التقديس؛ بمقدار ما هو كلام تقوله المرأة حين تريد باطناً ولا تريد ظاهراً. فالتَّأَبِّي، والتَّأَلِيَّ لدى هذه المرأة لم يكن يُقْصَدُ منه التمنُّعُ الحقيقيّ، ولا التأييسُ منها، ولا التزهيدُ فيها؛ بمقدار ما كان ضَرْبَاً من الغَنَجِ والإِغراء بها، حتّى قيل: إنّ البيت الثاني هو أغنج بيت قيل في الشعر العربيّ على سبيل الإطلاق(18).

فكأنّ النسيج الشعريّ لدى امرئ القيس أبداً يَسْتَمِيزُ عن النسوج الشعريّة لدى زملائه المعلّقاتيّين، ويتفرّد عنها، إن لاّ نقل يتسامى عليها. فالقَسَم لديه، هنا، مُنْزاحٌ لأنّه لا يحتمل ظاهِرَ الدلالة، بينما نلفي الأَلاَيَا، لدى طرفة وزهير، لا تخرج عن وَضْعِها اللغويّ، المألوف لدى الناس مثل قول زهير:

فأقسمتُ بالبيتِ الذي طاف حوله

رِجالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُريشٍ وجُرْهُمِ

يَميناً لَنِعْمَ السيّدان وجَدْتُما

فالتَّالِيَّ، هنا في بيت زهير، مسلوكٌ في مَسْلَكِهِ المألوف؛ بحيث إنّ النَّاصُّ يُقْسِمُ يميناً بالبيت العتيق الذي كان تعاقب على بنائه أقوامٌ وأمم منها جُرْهُمٌ وقريش (ولأمر ما كانت قريش تؤثر شعرَ زهير على صِحَابِه، زاعمةً أنّه”لا يعاظِلُ بين الكلاميْن، ولا يتتبّع وحشيّ الكلام، ولايمدح أحداً بغير ما فيه” (19)، بينما قد يكون ذلك عائداً إلى أنّه لأنه ربما ذكر قريشاً في معلقته؛ وإلاّ فأين المُعَاظَلَة التي نجدها، مثلاً، في شعر امرئ القيس… فهناك شعراء لم يمدحو قطّ منهم عمرو بن كلثوم، وربما عنترة أيضاً(بينما مدائح امرئ القيس-وهي قليلة- لا يمكن أن ترقى إلى مستوى شعره في المعلّقة أو المطولّة-، فالمَدْح في مسألة تفضيل زهير غير وارد إذن، فلماذا ذكر؟ إلا أن تكون المفاضلة كانت بينه وبين سَوَاءِ المعلقّاتِيّينَ، والحال أنها كانت بينه وبينهم؛ فهم أَكْفَاؤُه وأَنْدَادُه. وهناك شعراء ظلت لغة شعرهم جاريةً على كلّ لسان، ومعانيهم مسرعةً إلى كلّ جَنان؛ منهم امرؤ القيس، فأين الوحشيّة اللغويّة المزعومة التي تتحدّث عنها تلك الرواية…؟ وَلِمَ قَدَّمَ الرسولُ الكريم، صلى الله عليه وسلم، امرَأَ القيس(20)، ضمناً، بينما لم تقدّمه قريْشٌ…؟) إنّ هذين السيّدين اللذين هما هرم بن سنان، والحارث ابن عوف: لَكَرِيمان ماجدان، بسعيهما إلى وقف سَفْكِ الدماء”بين عبس وذبيان، وتحمّلهما أعباءَ دِيَاتِ القَتْلَى”(21).

فالقَسَمْ، على شرف مستعملِه، لا يخرج هنا عن الإطار المألوف للنسْج الأدبيّ؛ فليس فيه خرّق ولا انْزِيَاحٌ. ومثل ذلك يقال في بقية الأَ‌لاَيَا الأخراةِ التي لا تكاد تخرج عن الاستعمال المألوف إلا ما رأينا من قَسَمَي امرئِ القيس على لسان فاطِمته.

وعلى أنّ هناك مُزَخْرَفِاتٍ أخراةً صادفتنا ونحن نقرأ نصوص المعلّقات وهي التعجّب، والدُّعاء، والتحيّة والتمنّي… وقد صادَفنا بعض ذلك، خصوصاً، لدى زهير، وعنترة، ولبيد، وامرئِ القيس، وطرفة. ولكنّ ذلك كلّه لم يجاوز تسع مزخرفات مثل قول امرئ القيس حكايةً عن حبيبته وهي تدعو إليه: دعاء المتدلِلَّةِ المتغِنّجَة، الوامقة العاشقة، لا الحاقدة الحانقة؛ فكأنّها كانت، إذن،
تدعو له:

*فقالَتْ: لَكَ الوَيْلاتُ، إنَّكَ  مُرْجِلي

وهنا، أيضاً، نُلفي هذا الدعاءَ مارِقاً عن نظام الاسْتعمال المألوف، ونازحاً عن أصل الاستخدام المعروف: فإذا هو معدول به عن وضْعه الأصليّ. ذلك بأنّ الدعاء إمّا أن يكون عليك، وإمّا أن يكون لك؛ فإذا كان عليك فهو بالويل والثبور، وهو بالشقاء والتِّبارِ؛ وهو بكلّ ما هو سيّء ضار… وأمّا إذا كان لك فهو بالسَّقْيا والخَيْر، والرحمة والسعادة، والتوفيق والفَلَجْ. والويل، في ظاهره، مصروف إلى مصارف الشرّ، ومدفوع إلى وجوه الضَّيْر، لكنّ ذلك كله مجرّد مغالطة أسلوبيّة يحملها سطْح النسج: إذا كان السياق يقتضي أنّ الوبل، هنا، لا يزال يفقد من غُلُوَاءِ شِرّهِ وضيْره إلى أن يغتدِيَ مجرّدَ كلامٍ أبيضَ، أي إلى أن يغتدِيَ عبارةً تَحَبُّبٍ وَتَوَدُّدٍ، وقولَةِ إِغْراءٍ وتقرُّبٍ، وإعلانَ دُعاءٍ وتَوَمُّقٍ؛ فكأنَّ معنى هذا الدعاء الجميل: ارْفُقُ بِي أيها الحبيبُ الغالِ؛ والتزِمْ شيْئاً من الحِذَارِ حينُ تُقَبِلُّني؛ وأنا في غبيطيَ الصغير؛ فإنّك توشك أن تُوقعني أَرْضَاً، وإنّي أخشى أن تَقَعَ، قبل أن أَقَعَ أنا أيْضاً، أرْضاً! ومع ذلك، فامْضِ فيما أنتَ فيه ماضٍ؛ فإني مُلْفِيَةٌ فيه اللذاذَةَ، ومُحِسَّةٌ فيه بالنعيم!… فامْضِ، إذن، فيما أنت فيه، وَلأُرْجَلْ، أثناء ذلك، أَلْفَ إِرْجَالَةٍ!…ويَحْكَ امْضِ… ويحك ادْنُ..

ونُلْفِي زُهيراً يُحِيّي طَلَلَه الْبَالِ، وربْعَه الدارِسَ، فيخاطبه:

فلَمَّا عرْفتُ الدارَ قلت لربْعِها، تَكَلَّمي

أَلا عِمْ صباحاً، أيُّها الربْعُ، واسْلَمٍِ

كما نلفي عنترة يخاطب حبيبته، يحيّيها، ويدعو لها:

يا دارَ عَبْلَةَ، بالجَواءِ، تَكَلَّمِي

وعِمِي صَباحاً، دارَ عَبْلَةَ، واسْلَمِي

وقد يكون هذا البيت من أجمل الشعر العربيّ زخرفةً، فقد جمع فيه الناصّ بين عدّة مُزَخْرَفاتٍ:

المزخرِفُ الأوّلُ يَمْثُلُ في النداء الذي تكرر مرتيْن اثنتين:

يا دارَ…+ دار عَبْلَةَ (نداء بالياء، ونداء آخر بحذف حرف النداء).

ولقدْ يمكن أن نُؤَوِّلَ استعمالَ أدَاةِ النداء أوّلاً، ثم العدول عنها آخِراً، في موقف واحد، وفي بيت واحد؛ لم يكن إلاّّ تجسيداً لِمَا كان يلتعج في نفسْ الشّخصية الشعريّة التي كانت ترى مُبْتَدأَ الأمِر، أنّ دار الحبيبة، فِعْلاً، بعيدةٌ من حيث الحيزُ، من أجل ذلك كان الأليقُ بالنسج استعمالَ أداة النداء الدالّة على بعيد. ولكن لَمَّا دَعا لدار الحبيبة، عاد في موقفه، وكأنه اسْتَحَى أنْ يُخاطِبَها بأداة النداء الدالّة على البعيد، فناداها، تارةً أخراةً، بوجهٍ آَخَرَ من الكلام، واصطنع زَخْرَفَةً دالة على الاقتراب والالتصاق؛ فكأنّ عَبْلَةَ كانت مستقِرَّة في نفسه، وكأنها كانت كَظِّلهِ لا تُزايلهِ، وتقارفه ولا تفارقه، فقال: دارَ عبلة…

وأمّا المزخرِفُ الثاني فَيْمثُلُ في تَحيَّةِ الحبيبة والتسليم عليها، وقد اصطنع الناصّ عبارة أهل الجاهليّة في التحيّة، وهي:

عِمِي صباحاً.

والمزخرف الثالث يَمْثُلُ في الدعاء، وهو قوله:

اسلَمِي!

على حين أنّ المزخرِف الرابع يَمْثُل في استعمال الطَلب الوارد، ظاهريّاً، في صورة الأمر، وهو قوله:

تَكَلَّمي.

وعلى أنّ ذكر الحيز الذي كانت تقطنه عبلة أمرٌ واردٌ ضمن الإغراق في هذا التحبّب وهذا التومّق؛ إذْ ذِكْرُ المكان تخصيصٌ لِلاسْمْ؛ فكأنّه ذِكْرٌ لَعَبْلَةَ مرتين اثنتين… فما يدري المتلِقّي وقد تكون العَبَلاَتُ كثيراتٍ… فلمّا خصّ عَبْلَتَه بمكان الجَواءِ، بمقامها زادَ دلالةَ التسميةِ تَخْصيصاً. وأمّا المزخرِف الذي يُحَسَّ ولا يَلْمَسُ، وَيُفْهَمَ ولا يُنْطَقُ؛ فهو مخاطبةُ الشخصيّة الشعريّة ما لا يعقل إذا خاطب دارَ عبلة وكأنها كائِنٌ حَيٌّ عاقل يَفْهَم عنه، ويَسْمع منه، وذلك غاية الدَّلَهِ والسُّمود…. ونكاد نلاحظ في بيت زهير ما لاحظناه في بيت عنترة حيث إنّ النّاصّين يَدْعُوانِ من خلال الدعوة لداريَ الحبيبتيْن، في الحقيقة، للحبيبتيْن…

qq

q إحالات وتعليقات

  1. 1.    ابن منظور، لسان العرب، حقق.
  2. 2.    م. م. س.
  3. 3. 

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Обсуждение закрыто.