Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > السبع المعلقات (دراسة سيميائية أنثروبولوجية) 9. مظاهر اعتقاديّة في المعلّقات– د. عبد المالك مرتاض

السبع المعلقات (دراسة سيميائية أنثروبولوجية) 9. مظاهر اعتقاديّة في المعلّقات– د. عبد المالك مرتاض

9. مظاهر اعتقاديّة في المعلّقات

أوّلاً: معتقدات العرب في الجاهليّة

إنّنا نعتقد أنّ المعتقدات، بأنواعها وأشكالها وطقوسها الكثيرة المختلفة، قديمةٌ قِدَمَ الإنسان. ويبدو أنّ مفهوم المعتقداتِ مظهرٌ ذهنيّ عاطفيّ معاً ينشأ لدى الإنسان حين يضعف ويُحِسُّ بالصِّغَر والضَّآلة أمامَ قوى الطبيعة العاتية، وحين يقصُرُ عن تأويل ظواهر القوى الغيبيّة الهائلة التي تَذَرُهُ حيرانَ أمامَ كثيرٍ من المواقف والأحداث التي لا يُلفي لها تَفسيراً مُقْنِعاً، فيذعن لمعتقدات يعتقد أنها تنقذه مِمّا هو فيه، أو تُقَرِّبُه إلى تلك القُوى الغيبية التي يُؤْمِن بها. من أجل ذلك كانت غريزةُ العاطفةِ الدينيّة جبلّةً في سلوك الإنسان ومعتقداته منذ الأزل، ولكنّ طقوسها ومظاهرها هي التي تختلف.

ولعلّ حتّى أولئك الذين لا يؤمنون بالله تعالى، أو لا يوحّدونه، تراهم يَعْمَدونَ إلى الإيمان بمظاهر غيبيّة أخراةٍ فيقدّسونها تقديساً، ويعبدونها من دون الله زُلْفَى، طمَعاً في خيرها، ورغبة في أن ينالَهم شيءٌ من بركاتها، فيما يعتقدون. ولعل، من أجل ذلك كثرت الديانات غيرُ السماويّة، فشاعت عبادةُ الأصنام، وتعدّدت مظاهر الوثنية في شبه الجزيرة العربيّة فإذا كُلّ قبيلةٍ كانت تَتَّخِذُُ لها صَنَمَاً بعينه تَزْدَلفُ منه “وتَعْبُده على سبيل الشرك بالله: إمّا جَهْلاً، وإمّا مُكابرةً وعِناداً(1).

وقد “كان دينُ الحنيفيةِ غالباً على العرب يَدينون به حتى أنشأ عمرو بن قمعة(2) صنم اللاّت، فهم أوّل من غيّر دين إبراهيم وإسماعيل وكفَرَ بتعاليمهما، فهو، إذن، أوّل مَنْ عَبَدَ اللاّت من العرب. وكانت اللاّتُ صخرةً عظيمة فكان ابن لحي يَلُتُّ عليها الطعام (أي يَبُلُّهُ بالماء، ويَخْلِطُهُ بشيء من السمن)، ثمّ يُطعمه قومَه، فسُمِيَتْ تلك الصخرةُ اللاّتَ(3).

ولكن قبل سعْيِ عمرو بن لحي كانت هناك معتقدات عربيّة قديمة تَمْثُلُ في تقديس الشمس والقمر خصوصاً، وقد أومأ القرآن الكريم إلى عبادة أهل اليمن القدماء الشمسَ، وذلك على عهد الملكة بلقيس(4). من أجل ذلك كانوا يسمّون أطفالهم باسم عبد شمس، على سبيل التبّرك والإقرار، ومن ذلك أنّ قَيْلاً من أقيال بني قحطان كان “يسمّى عبد شمس بن يشجب”(5) ويزعم صاحب التيجان أنّ سبأ بن عبد شمس هو الذي بنى سدّ مأرب(6).

وكانت العرب، لتقديسها الشمسَ والقمر، لا تفتأ تقول عن مالها مثل عبارة: “استرعيْتُ مالِيَ القَمَرَ (إذا تركَتْهُ هَمْلاً، لَيْلاً، بلا راعٍ)، واسترعْيتُه الشمسَ”(7) إذا أهملتْه نهاراً).

وقد عبّر عن هذا المعتقد العربيّ القديم طرفة بن العبد، فقال:

وكان لها جارانِ قابوسُ مِنْهُما

وبشرٌ، ولَمْ اسْتَرْعِها الشَمسَ والقَمَر(8).

فكأنّ الشمس والقمر كانا مُوَكّلَيْنِ، في معتقداتِ قدماءِ العرب، بحفظ أموالهم، ورعاية أبنائهم، وكَلْئِهمْ من شَرِّ الشياطين، وحِفْظِهمْ من نَكَباتِ الدهر، وكأنّ اسم القمر مشتقّ، من بعض الوجوه، من التَقَمُّرِّ الدالِّ على قوّة الخِداع والمِحَال، والقدرة على المُباغتة والمُفاجأة. وكأنّ القمر، إِذن، مأخوذٌ من بعض ذلك، وهو تأويل اشتقاقيٌّ استنبطناه من المعاجم العربيّة القديمة(9).

وقد سرد القرآن شيئاً من تلك الوثنيات التي كانت قائمة في الجاهليّة على تقديس الشمس والقمر، ونهى عن استمرارها، وممارسة طقوسها، كما سبقت الإيماءة إلى ذلك في آَيَتَيِ النمل وفصّلت(10).

كما أنّ هذه المعتقدات كثيراً ما كانت تنشأ عن المبالغة في الأخبار، والتزيُّدِ في الروايات، والتهويل في مشاهد الأسفار، وقد ذكروا أنّ العجم كانت “تكذب فتقول: كان رجل ثُلُثُهُ من نحاس، وثلثه من رصاص، وثلثه من ثَلْج، فتعارضها العرب بهذا وما أشبهه”(11).

ومن ذلكم اعتقادُ العرب في النار، وزعْمها المزاعمَ حَوالَها، فكانت تزعم في أساطيرها قبل ظهور الإسلام: “إنّ الغيلان توقد بالليل النيران، للعَبَثِ والتَحَيُّل، واختلال السابلة”(12).

وقد تحدّثتْ كتب السيرة النبويّة عن نار التحكيم اليمنية التي كانت تحرق الظالم، ولا تضير المظلوم(13). ويبدو أنّ هذه النار العجيبة كانت من نسج أخيلة بني إسرائيل الذين ربطوها بِحَبْريْنِ يهوديَّيْن: فهما اللذان لم تكن النار تُحْرقهما، وهما اللذان كانا يَحْكُمان بتلك النار بين المختصِمين: فهي نار تُحرْق العرب، ولكنها لا تُحْرِقُ اليهود(14).

ومن معتقدات العرب القديمة توهُّمُهُمْ أنّ كُلَّ شيءٍ كان يَعْرِفُ وينطقُ، في الأزمنة الموغلة في القدم، وأنّ الصخور كانت رطبة، فكانت تؤثِّرُ فيها الأقدامُ إذا وَطِئَتْها، وأنّ الطّلْحَ كان خَضِيداً: لا شوك عليه(15).

وعلى أننا لا نريد أن نذهب، في بحث هذه المسألة اللطيفة، إلى أبعد حُدودها التي، في حقيقة الأمر، خاض الناس فيها خيَاضاً، قَبْلنَا، وإنما آثْرْنا الكلامَ حَوَالَها من باب التمهيد والاستهلال لهذه المقالة. وهي إِشارات تدلّ على أنّ الجوّ الروحيّ، أو النفسيّ، كان مهيّاً، في المجتمع الجاهليّ، لِتُعشّشَ فيه المعتقداتُ، ولتتبوّأ لها مكانة مكينة في نفوس النساء والرجال. من أجل ذلك تعدّدت الديانات، وشاعَت عبادة الأصنام، وكثر التصديق بالأوهام أمثال السَّعالِي، والغيلان، والشِّقّ، والنَّسْنَاس، والرَّئِيّ..(16)، ومثل التصديق بأنّ الجنّ كانت تقرض الشعر وتُبْدِع الأدب الجميل(17).

وقد أردنا، أن نقف هذه المقالة على طائفة من المعتقدات العربيّة القديمة المرتبطة بالطقوس الوثنيّة، والتي أومأت إليها المعلّقات السبعُ: كلُّها أو بعضُها، ونحلّلها تحليلاً انتروبولوجيّا مثل الذّبائح، والعَتَائِر، والتَّمائم، ومسألة تقديس الثَّوْر في المعتقدات الجاهليّة، وطواف العذارَى حول بعض الأصنام مثل طوافهنّ حوال صنم دَوارٍ، وغيرها ممّا له صلة بها كلعبة المسير التي كانت طقوسها العجيبة لا تخلو، هي أيضاً، من مظاهر اعتقاديّة.

ثانياً: الحيوان في المعلّقات

لقد كَلِفَ الشعراء، على عهد الجاهليّة، كلّفاً شديداً بتناوُل البقر والثور ووصفها، ومعالجة الحمار والأتان ونِعْتِهِما.. ولم يَنْبِه النقّادُ القدماءُ، وشارِحُو النصوص، إلى لطف هذه المسألة، وإلى إمكان ربطها بالمعتقدات العربيّة القديمة، وكان علينا أن ننتظر حتّى تتطوّر الدراسات، ويدور الزمن دورة سحيقة، وتتقدّم الأطوار بالمعرفة والعلم، من أجل أن تخصّص دراسات تحاول تأويل مُثِولِ الثور والحمار، في الشعر الجاهليّ، تأويلاً انتربولوجيّا قائماً على ادِّعاء وجود ترسّبات معتقداتية موغلة في القِدَمِ كانت سائدةً، في شبه الجزيرة العربيّة، ثمّ بادت، أو خمدت جَذْوتُها أو كادت.. وهي التي حملت شعراء الجاهليّة بعامة، وشعراء المعلّقات بخاصة، على أن يَعْرِضُوا لها، أو يومئوا إليها في أشعارهم.

وإذا كان النقاد الأقدمون لم يُعْنَوا بهذه المسألة ولم يجاوزوا، أو لم يكادوا يجاوزن، شرحَها على ظاهر النصّ، فإنّ المحدثين -وخصوصاً المعاصرين الحداثيّين -من النقّاد لم يفتأوا يتأوّلون التأويلات، ولم يبرحوا يذهبون في ذلك المذاهب حتّى تعسَّفوا، فعَدَوْا طَوْرْ المعقول.

ولعلّ ما يذهب إليه الدكتور عليّ البطل من أنّ صورة الحيوان في الشعر الجاهليّ “تُنْبِئُ بأصول أسطوريّة قديمة كالثور الوحشيّ، وحمار الوحش، والظليم، والناقة، والحِصان، وهي من المعبودات الأساسيّة القديمة”(18) يندرج ضمن هذا المنظور.

وقد رأينا من خلال ما ذهب إليه الدكتور البطل أنّ كلّ حيوانٍ كان مقدّساً لدى أهل الجاهليّة: ابتداءً من الثور الوحشيّ، إلى الظليم، والناقة، والحصان. وهو مذهب من الصعوبة الموافقةُ عليه، لأنّنا لا نحسبه يستند إلى نصوص موثوقة، ولا إلى منطق مقبول، إذ لو أنّ العرب كانوا يعبدون هذه الحيوانات كلّها، حقّا، لما اصطادوها، ولما أكلوها، ولامتنعوا عن امتطائها في تَظْعانِهم، ولكانوا عَفُّوا عن تسخيرها في حياتهم الاقتصاديّة والحربيّة:

فالأولى: أنّ الذي يقدِّسُ حيواناً، ويعبده، لا يسمح لنفسه بايذائِه، بَلْهَ قَتْلَهُ واصطيادَه، بله أكْلَهُ والتهامَه. ولم نَعْثُرْ على نصّ من النصوص التاريخيّة، ولا الأدبيّة القديمة، ما يفيد أنّ العرب كانت تمتنع عن أكل لحمان الناقة، والفرس، والثور الوحشيّ، والنعامة، والعير..

والثانية: أننا لم نعثر على نصّ شعريّ جاهليّ يثبت أنّ العرب كانت تعبد كلّ هذه الحيوانات التي ذَكَرَ طائفةً منها الدكتور البطل. ولا نعتقد أن ما اسْتُكْشِفَ من رسوم، هنا وهناك، يَرْقَى، تاريخيّاً، إلى أن يدُلّ على تقديس العرب إياها، على سبيل القطع واليقين. فقد يرسم المرء ما يحبّ، كما قد يرسم ما لا يحبّ. وتظلّ المسألة، هنا، قائمة على التخمين والظنّ، لا على اليقين والقَطْع.

والثالثة: أنّ ما ذهبَ إليه الدكتور ابراهيم عَبد الرحمن من “أنه لم يحدث ولو مرة واحدة، أن قتل الصائد ثوراً في شعر الجاهليّين القَصَصِيّ، إلاّ في شعر صَدْر الإسلام”(19): لا نتّفق معه عليه، هو أيضاً، لجُنوحِنا إلى الاعْتقادِ بنقْصِ الاستقراءِ قبل إصدار هذا الحكم.

وعلى أنّا لا ندري ماذا كان يعني الدكتور ابراهيم عبد الرحمن بقوله “في شعر الجاهلييّن القصصيّ”، على وجه الدّقّة؟ فهل كان يريد به إلى الشعر الذي يحكي فيه صاحبُه مغامرةَ صَيدٍ، أو نزهة طَرَدٍ، أم كان يريدُ إلى غير ذلك؟ ونحن ألفينا كثيرا من الأشعار الجاهليّة تتحدّث عن قتل الثور، أو العَيْر، وعن أكله -وهي مندرجة بشكل أو بآخر في مجال القصّ -ومن ذلكم قولُ امرئِ القيس:

فعادَى عِدَاءً بين ثورٍ ونَعْجةٍ

دراكاً، ولم يَنْضَحْ بماءٍ فَيُغْسَلِِ

فظّلُّ طُهاةُُ اللَّحِمْ مِنْ بين مُنْضِجٍ

صَفِيفَ شِوَاءٍ، أو قَديرٍ مُعَجَّلِ

ولعلّ ما يذكره الدكتور إبراهيم عبد الرحمن لم يرد إلاّ في أشعار قليلة منها معلّقة لبيد التي نلفي في بعضها البقرة تنتصر على الصّياد وكلابهِ معاً:

لِتَذُودهُنَّ وأيْقَنَتْ إنْ لَمْ تَذُدْ

أنْ قدْ أحمّ مِنَ الحُتوفِ حِمَامُها

فتقَصَّدَتْ منها كَسَابِ فضُرِجَتْ

بِدَم، وغُودرَ في المَكِرّ سُخامُها

لكنّ هذه البقرة لم تأتِ ذلكَ إلا بعد أن كانت، في الحقيقة، ابْتُلِيَتْ بعدوان الصيّاد وكلابِه على جُؤْذُرها، وبعد أن كانت أيقنت، بعد سبعِ ليالٍ مَضَّتْها تنتظره لعلّه أن يَؤُوبَ إليها، أنَّ ابنَها قد اُصْطِيدَ:

صادَفْنَ مِنْها غِرَّةٌ فأصَبْنَها

إنّ المنايَا لا تَطِشُ سِهامُها

فكأنّ سلوكَ البقرة وغضَبَها كان ضَرْباً من التعبير عن الحُزْن الذي أصابَها بعد أن فَقَدَتْ جُؤذَرَها.

وعلى أنّ المعركَةَ الضارَيَة التي تَحْدُثُ بين الصّيّادِ وبقرةِ الوَحْشِ، في معلّقة لبيد، لا تدلّ على أنّ هذه البقرة كانت مقدّسةً معبودةً لديهم على نحو صريح، بمقدار ما نلفي تصويراً دقيقاً وأميناً لها، قائماً على المُعايشة والمُخالطة والمُعاينة والمُمارسة، نابِعاً من التجربة والمُشاهدة: لِمَا كانَ الصَّيّادُ يكابده لدى اصطياده بَقَرَةً أو ثَوْراً. ولعلَّ مثل ذلك هو الذي حمل امرَأَ القيس على أن يفتخر بفرسه فيجعلَها سابقة إلى درجة خروجها عن مألوف العادة ممّا يعرف الناس من سرعة الخيل، فإذا جوادُه قَيْد الأوابِدِ، ولذلك استطاع أن يعادِيَ بين ثور وبقرة في طلْقٍ واحد دون أن يُلِمَّ عليه العَرَقُ، أو يصيبَه شيء من البُهْر والنَّصَب: فقد استطاع الصيّادُ بفضل هذا الحِصَان السابق أن يجارِيَ ثَوْرَاً ونعْجَةً في وقت واحد، فيتيح لصاحبه أن يقتلهما معاً، ليقدّمهما من بعد ذلك طعاماً شهيّاً لأهلْ الحيّ، فيشوِيَ منهم مَن شاءَ ما يشاء، ويطبخَ منهم مَنْ شاء ما يشاء، مِنْ لحومهما.

ثالثاً: أصناف الحيوانات والطير والحشرات
في المعلّقات

لقد رصدنا من خلال قراءاتنا المعلّقاتِ السبعَ ما لا يقلّ عن ثلاثة وعشرين صِنْفاً من الحيوانات والطير والحشرات مثل الناقة وما في حكمها (البعير -المطيّة الخ)، والأرآم وما في حكمها (الرشأ- الغزال- الظبْي -الخ) والحصان، والنَّعام، والذئب، والثعلب، والبقر، والثور، والأَتان، والعَيْر، والأسارِيع، والمَكاكِيّ، والسباع، والأوْعَال، والحَمام، والحَيّة، والعُقَاب، والذُّباب.. وألفينا امرأ القيس أكثرَهم ذِكْراً لأصنافِها حيث ذكر في معلّقته ما لا يدنو عن أربعةََ عشَرَ صِنْفاً، ثمّ يأتي بعده لبيد وطرفة بذكر تسعةِ أصنافٍ من الحيوانات، ثم عنترة بذكر ثمانية أصْنَافٍ، ثم الحارث بن حلّزة بذكر سبعة، ثمّ زهير بذكر ثلاثةٍ فقط: وهي الناقة، والآرام، والأسَد، ومثله عمرو بن كُلثوم بذكر ثلاثة هي الناقة، والكِلاب، والخيل.

وعلى أنّ كثيراً من هذه الحيوانات وَردَ مكرَّراً، وقد بلغ التكرارُ لدى طرفة إحدى عشرة مرّة على الأقلّ للناقة وما في حكمها، وبلغت درجة التكرار لدى عنترة سبع مرات، ولدى لبيد خمساً، ولدى امرئ القيس وعمرو بن كلثوم أرْبعاً، ولدى زهير ثلاثاً، ولَمْ يقع التكرار لدى الحارث بن حلزّة.

وربما يأتي ذِكْرُ الخيلِ في المرتبة الثانية، ولكنْ بعيداً عن الناقة التي استأثر ذِكْرها بخمس وثلاثين مرة في المعلّقات السبع، حيث لم نُلْفِ ذِكْرَها يعلو إلاّ لدى عنترة وعمرو بن كلثوم بستّ مرّات، ثمّ لدى امرئِ القيس وزهير بزهاء ثلاثِ مرات. ولم يرد ذكر الخيل في معلّقات لبيد، وطرفة، وزهير، إطلاقاً.

ثم يأتي ذِكْرُ الظبي وما في حكمه بتواتُرٍ بلغ سِتَّ عَشْرَةَ مرّةً: أربع مرّات لدى كلٍّ من امرئ القيس، ولبيد، والحارث بن حلزّة وثلاثاً لدى عنترة، ومرّةً واحدةً فقطْ لَدى طرفة.

ثم يأتي ذِكْرُ النّعام بتسع مرّاتٍ: ثلاثِ مرّاتٍ لدى كُلٍ من زُهير، والحارث بن حلّزة، ومرّة واحدة لدى كلّ من امرئِ القيس، وطرفة، ولبيد…

ولعل قائلاً أنْ يقولَ، ولا نحسبه إلاّ مكابراً مُناوئاً: وما بَالُ هذه الإحصاءات(20)؟ وما قيمتها ما دامت تنهض على جَهْدٍ عَضَليٍّ بَحْتٍ، وما دامت، بحكم يدويّتها، لا تستطيع أن تَبْرأَ من بعض الأخطاء لدى القيام بالإحصاء: إمّا زيادةً، وإمّا نقصاً؟ ولَوْلاَ عَدَلنَا عَنْها إلى إجراءٍ آخرَ أجدى نَفْعاً للقارئ والباحث معاً؟

ونحن مع اقتناعنا بأنّ الإحصاء لم يَكُ قطُّ لدينا غايةً في ذاته، ومع تسليمنا بأنّ نتائج الإحصاء لا تكون مسلّمة على سبيل القطع واليقين، فإننا، مع ذلك، نريد أن نُبْهِتَ هذا المعارضَ المُكابر، ونبْكّتَ هذا المُشاكِسَ المُناوِئَ، بأن نلقي عليه أسئلة أخراةً، وهي: بل ماذا كان يمكن أن نأتي، ونحن نتحدّث عن هذه الحيوانات في نصوص المعلّقات لَوْ لَمْ نَعْمدْ إلى هذا الإحصاء؟ وما الوسيلة الإجرائيّة التي كان يمكن بواسطتها أن نهتدِيّ السبيلَ إلى أنّ الناقة، مثلاً، هي التي استأثَرَتْ بالتواتُرِ لدى المعلّقاتيّين، وأنّها الحيوان الوحيد الذي ألفينا ذِكْرَهُ يَرِدُ في جميع المعلّقات؟ وما ضُرّ هذا الإحصاءِ، في هذه الاِستنتاجات، وقد أتاح لنا، كما أسلْفنا الْقَال، أن نعرف الحيوانَ الذي كان مستْبِدّاً، لدى المعلّقاتيّين، بالاهتمام، مستأثراً بالعناية، حاضراً في الأذهان، عالِقاً بالقلوب: وهو البعير الذي كان يُتّخَذَ رَكوبَةً، وطَعَاماً، كما كان يُتخّذُ لِمَنَافِعَ أخراةٍ كثيرةٍ كالاتّئِادِ والإمْهْار؟

وإذا كُنّا لَمْ نُلْفِ حيواناً، كان أكثرَ استبداداً بالحضورِ في نصوص هذه المعلّقات من البعير، فَبِمَا اتّصاله اتّصالاً وثيقاً بحياة أهل الجاهليّة.

والحقُّ أنّ للإبل مكانةً مكينةً في المجتمع العربيّ البدويّ بعامة، والمجتمع الجاهليّ بخاصّة. ولعل من حقّنا،  ونحن نحاول التركيز على موضوع الإبل، أن ننصرف بوهمنا إلى دَوْرِها الاقتصادّي في ذلك المجتمع بحيث كانت تُمَثّلُ أساسَ الحياة، بعد الماء، حتّى قالت إحدى بناتِ ذي الإصبع العُدْوانيّ: “الإِبل (…) نأكل لُحمانَها مُزَعاً، ونشْرَبُ ألبْانها جُرَعاً، وتَحْمِلُنا وضَعَفَتَنا مَعاً”(21) فكانت الإبل بالقياس إلى العرب طعاماً يقتاتونَه، وشراباً يتجرَّعونه، ومْركَباً يمتطونه:

1-كانت الإبلُ تُتَّخَذُ غِذَاءً إذْ لَحْمُها مِمّا يُؤكَلُ، في المجتمعات البدوية والصحراوية، إلى يومنا هذا. ويبدو أنّ أهل البادية كانوا يجدون في طَعمه نَكهة خاصّةً كانت تجعلهم يتلذّذون بطعمه تلذُّذاً، وربما كانوا يشوونه كما نفهم ذلك من حكاية امرئ القيس مع النساء يوم دارة جُلْجُل، حيث اقترح الشاعر على العذارى أن يعقر لهنّ ناقتَه، فرحبّن بالفكرة، وتقبّلن الدعوة، فجمع الإماءُ الحطب، وضرَّموا النار فيه، ثمّ أخذوا في شَيِّ لَحِمْ ناقة امرئ القيس:

ويوم عَقْرتُ للِعَذارَى مَطيّتي

فيَا عَجَباً مِنْ كُورِها المُتَحَمُّلِ

فظلَّ العَذارى يَرْتَمينَ بلَحْمِها

وشَحْم كَهُدَّاب الدَمقْس المُفَتَّل(22).

2-كانت الإبل تُتّخَذُ للنقل، وتُصْطَنَعُ في الأسفار، فكان يُرْتَفَقُ بها في مُرْتَفَقاتٍ اجتماعيّة كثيرة، لعلّ أعْرَفَها لدينا:

أ-إنهم كانوا ينقلون عليها بضائعهم في الأسفار التجاريّة (رحْلَتَا الشتاءِ والصيف لدى قريش)، ويحتملون عليها أمتعتهم في الارتحالات العاديّة التي كانت تقع لهم حين كانوا يتحمّلُونَ من حَيٍّ إلى حَيٍّ، ومن مَرْعى إلى مَرْعى، ومن ماء إلى ماء، ومن صُقع إلى صقع آخر.

ب-إنهم كانوا يحتملون على مُتونها نساءَهم في الأسفار التي كانوا يتّخذون هوادج يُركِبون فيها نساءَهم على ظهورهم. ويبدو أنّ هذه الهوادج كانت تتّخذ للحرائر والعقيلات، ولم تَكُ تُتّخَذُ لعامّة النساء، ولطبقة الإماء. وكانت العرب تطلق على الرجل المديدِ القامةِ، الفارِعِها “مُقبّل الظُّعُن”(23).

وشاهُد استعمال الهوادج للنساء واحتمالها فوق المطايا، قولُ امرئ القيس مثلاً:

ويوْم دخَلْتُ الخِدْرَ: خِدْر عُنَيْزَةٍ

فقالَتْ: لكَ الويلاتُ إنّك مُرْجلي

تقول وقد مال الغَبِيطُ بنا مَعاً

عَقَرْتَ بعيري يا اُمْرأ الْقَيْسِ، فأنْزِلِ

3-كان يُنْتَفَعُ بوبرها انتفاعاً لطيفاً بحيث كانوا يرتفقون به في جملة من المرافق لعلّ أهمّها:

أ-كانوا يصطنعونها في نَسْج المَلابس بحيث كان نساؤُهم ينْسُجْنَ وَبَرَها لاتّخاذِها أثواباً يرتدونها. ولا يبرح الناس، إلى يومنا هذا، في جَنوب الجزائر مثلاً، ينسُجون، من هذا الوَبَر، بَرانِسَ. وهِيَ من أغلى الأثوابِ التقليديّة ثمَناً، وأجْملها لباساً عربيّاً، وأبهاها مَرْآةً للرجال، وأجلّها في المجالس والمَآقط.

ونحن وإن كنّا لا نمتلك من المعلومات التاريخيّة ما يتيح لنا أن نحكم بِغَلاءِ سِعْرِ الملابس الوَبريّة قديماً، في المُجتمعِ الجاهليّ، إلاّ أننّا وقياساً على ما نعيشه إلى يومنا هذا في المجتمعات البدَويّة، نعرف أنَّ  الوبر هو الأغلى، ثمّ يأتي من بعده الصوف، ثم الشَّعَر.

وإنما كان الوبر أغلى ثمَناً لأنّه أندرُ وجوداً في الأسواق، وأعزّ مادّةً في الإنتاج، على حين أنّ الصوف أكثرُ كثرةً في هذه الأسواق، وأيسر إنتاجاً لدى مُرَبيّ المواشي. أمَّا الشعر فلِرداءة مادّته، وخُشونتها، وعُسْرَ غَزَلِها ونسْجِها، وتساقُطِ أَسْقاطِ الشعَر منها أثناء الغزْل- وقد يتطاير الشعرَ على الطعام إذا كان منه قريباً، وربما صادف الطاعِمُ شيئاً من ذلك في أصل الطعام الذي يطْهوه النساءُ اللواتي لا يتشدّدن في التزام النظافة- فإنَّ زُهْدَ الناسِ فيه كثيرٌ، ورغبتهم عنْه شديدةٌ على الرغم من أنّ هناك مُرتَفَقاتٍ لا تليق إلاّ به، ولا يليق إلاّ لها، ومن ذلكم نسْجُ الخيام التي تُنْسَجُ أيضاً من الصوف والوبر(24)- بيد أنّ نوعيّة الخِيام الشّعَريّة هي الأردأ والأسوأ بالقياس إلى مادّتِيَ الوبر والصوف.

ب-كما كان العرب ينتفعون بالوَبَر في نسْج الأخبية، والبُجُد(25)، خصوصاً. وإنما سُمِّيَ سكّانُ الباديَة أهْلَ الوبر “لأنّ بيوتهم (كانوا) يتّخذونها منه”(26).

فوظيفة الوبر حين تربط بهذه الارتفاقات تبيّن لنا أنّ أهميّتّها الاقتصاديّة والعُمْرانيّة والغذائيّة عظيمةُ الشأن، شريفة المكانة، ذلك بأنّه كان يَقِي الناس حَرّ الشمس وَصَبَارَّة الشتاء، كما كان هذا الوبر زينةً في المجالس، وَجلالاً في المَحافل بحيث يُضْفي شيْئاً من البَهاء والسكينة على مُرتديه. بل كان أيْضاً ضرْباً من الطعام يُضْطَرُّ الناس إلى الاقتيات به أيّام المجاعات. ذلك بأنّ الأعراب البادين المحرومين، كانوا في أيّام المحَن والضُّرِّ، يُضطرّون إلى شَيّ هذا الوبر بعد أن يصبّوا عليه شيئاً من الدَّم ابتغاءَ الاقتياتِ به، وذلك هو العِلْهزُ(27).

4-وْديُ القَتْلى:

كان من دأب العرب إذا وقعتْ حادثةُ قَتْلٍ بين شخص وشخص آخر، من قبيلتين مختلفتين، خارج إطار حرب معلنة، أو عَداوة مبيّتة: أن يحتكموا إلى حكمائهم لِوَدْي القَتيل، والاّ أُخِذَ بثأره دَمَاً. وكانت دِيَةُ القتيل، في حال الاتّدَاءِ، غالباً ما تتوقّف لدى مائةٍ بعيرٍ للقتيل الواحد، أو لافتكاك الأسير الواحد، فإن أسَرَ أسيراً رجلان اثنان، كان لكلّ منهما مائةٌ مِن البُعْران. فإن كان الأسيرُ سيّداً من سَراةِ القوم وأشْرافهم كانت الدِّية أكثرَ من ذلك كما وقع في افتداء معبد بن زُرارة الذي أسَرَه عامِرٌ والطُّفَيْل، ابنا مالك بن جعفر بن كلاب، فلمّا جاءهما لَقِيط ابْنُ زُرارة، أخو معْبَد، ليفتدِيَه منهما بمائَتَيْ بعير استَقَلاّ الدّيَة، وَقَالا: “أنت سيّد الناس” وأخوك معبد سيّد مضر، فلا نقبل فيه إلاّ دِيَةَ مَلكٍ(28)!

وقد نَهَى النبي عليه الصلاة والسلام عن أن يزيد وَدْيُ القتيل عن أكثر من مائة بعيرٍ، وعَدّ ذلك من فعل أهل الجاهليّة(29).

5-مهْرُ النِساء:

وكان الرجل الكريمُ رُبَّما مَهَرَ العقيلةَ العربيّة مائةَ بعيرٍ، بل كان ذلك هو الأغلب، وقد ظَلّ قائماً إلى أن جاء الله بالإسلام(30).

ويبدو أنّ العرب بدأت تستعيض عن الإبل بالدراهم حين شاع التداول بين الناس بالعملة المسكوكة بعد ظهور الإسلام، وبعد تدفّق الثروات، وتكاثر الأرزاق(31).

كما كانت الإبل تمثّل أساسَ الاقتصاد في المجتمع الجاهليّ فكانت هي مصدرَ أموالِهم، ومآل أرزاقهم، فكانوا إمّا أنْ يُرَبّوها فَتُنْتَجَ لهم فَيَبِيعُوا ما يفيض منها عن لُباناتِهم في الأسواق، وإِمَّا أن يُتاجِروا فيها فيتموَّلوا من ذلك أموالاً، ويُحرزوا أرْباحاً، فكان ذلك يحصل لهم، إذن، إمّا بالابتياع، وإمّا بالإنتاج، وإمّا بالاتّداء، وإمّا بالامتهار، وإمّا بالاتِّهاب..

لم يكن البعير سفينةَ الصحراءِ فحسْب، ولكنه كان مصدرَ الحياة والبقاء، ولم يكن أحدٌ يستغني عنه من العرب على ذلك العهد، فالذي كان يُبْدَعُ به في تَظعانِه، من فقراءِ الأعراب ومَحْروميهم، كان ربّما اسْتحْمَلَ السّراة والأكارِمَ من الناس، كما حَدَثَ للأعرابي الذي استحمل الرسولَ عليه السلام قائلاً: “إنّي أُبْدعَ بي فأُحْمِلْنِي”(32) ولعلّ هذا الاهتمام الفائق بالبعير هو الذي أفضى إلى نشوء طائفةٍ من الطقوس والمعتقدات والوثنيّات حَوَالَهُما، فإذا نحن نصادف في هذه الطقوس الفولكلوريّة لُعبةَ الميْسرِ القائمة على نَحْر الإبل، ثم توزيع لُحمانِها على الفقراء والغرباء والضِّيفانِ، كما نصادف معتقدات ووثنيّاتٍ أخراةً تنهض من حولها مثل معتَقَدِيِ البليَّة والعَتيرة وسَوائِهِما. ولنبدأْ في تحليلها بما انتهَيْنا منه.

1-العتيرة:

وردت هذه المُعْتَقَدةُ المرتبطةُ بعادات أهل الجاهليّة، الوثنيّة، في معلّقة الحارث بن حلّزة، لدى قوله:

عَنَتا باطلاً وظُلْماً كما تُعْـ

تُر، عن حَجْرَةِ الربيض(33)، الظّبَاءُ

فقوله:/ كما تُعْتَرُ/ إيماءةٌ إلى طقوس وثنيّة قديمة كانت تُمارَسُ في معتقدات الجاهليّين، وظلّت قائمةً إلى أن جاء الله بالإسلام فأبطلَها. وينصرف معنى “العَتْر”، و”العَتيَرِة” إلى جملة من الطقوس المعتقداتيّة، لعلّ أهمّها:

أ- أنّ العَتْرَ كان عبارة عن “شاةٍ كانوا يذبحونها في رَجَبٍ لآلهتهم”(34) وكانوا يدَمُّونَ رأس صَنَمِهم الذي كانوا يقَرِّبون له عَتْراً، في هذا الشهر المحرّم: بِدَم العتيرة. وكانوا يطلقون على تلك الطقوس الوثنيّة العجيبة “أيّام ترْجيبٍ وتعْتَارٍ”(35).

ب- كانوا يذْبَحون أوّل ما يُنْتَجُ لهم لآلهتهم على سبيل التبرُّك، والتماس الأزدِلاف منها.

ج- وهناك المُعْتقدةُ (التي أومأ إليها الحارث بن حلّزة والتي كانت متمِثّلة في أنّ الرجل منهم “كان يقول في الجاهلية: إن بلغت إبلي مائةً، عَتْرتُ عنها عَتِيرةً، فإذا بلغت مائةً ضَنَّ بالغنم فصادَ ظَبْياً فذبَحه”(36).

وكانوا في كلّ الأطوار، إذا ذبحوا عتائرهم، يَصُبُّونَ دمها على رؤوس الأصنام المقرّب إليها. وكانت طقوس الذّبْحِ تَتِمُّ، فيما يبدو، في كلّ الأطوار، في شهر رجب. ولعلّ من أجل ذلك كانوا يطلقون على هذه المُعْتقَدةِ الوثنيّةِ: الرجبيّة(37).

د- وكان العَتْر بمثابة النَّذْر، في الشؤون العامّة، بحيث كان الرجل، على عهد الجاهليّة، إذا طلب “أمراً: نذَرَ لئِنْ ظَفرَ به ليذْبَحَنّ من غنمه في رجب: كذا وكذا. وهي العتائر أيضاً. فإذا ظفَرَ، فربما ضاقت نفسُه عن ذلك وَضَنَّ بغَنَمِه، وهي الربيض، فيأخذَ عدَدَها ظِباءً فيذبحها في رجب مكان تلك الغنم”(38).

وقد شرح ابن منظور بيت الحارث بن حلّزة الذي نحن بصدد تحليل بعض الطقوس الفولكلوريّة فيه، فذهب إلى أنّ “معناه: أنّ الرجل كان يقول في الجاهليّة: إن بلغت إبلي مائةً عتْرتُ عنها عتيرةً، فإذا بلغت مائةً ضَنَّ بالغنم فصاد ظَبْياً فذبحه. يقول: فهذا الذي تَسَلُونَنا اعتراضٌ وباطلٌ وظُلْمٌ، كما يُعْتَرُ الظَّبْيُ عن ربيض الغنم”(39).

فالعتيرة، إذن ذبيحةٌ كان أهل الجاهليّة يتقرّبون بها لآلهتهم كلّما ألمّ عليهم رجَبٌ في طقوس وثنيّة عجيبة إلى أن جاء الإسلام “فكان على ذلك حتّى نسخ بعد”(40)، وذلك بنهْي النبيّ عليه السلام عن ذلك في الحديث المعروف: “لا فرْعَ ولا عَتِيْرَةَ”(41).

ولقائِل أن يعترض علينا فيقرّر أنّ أمر هذه العتيرة خالصٌ للغنم، ومتحوّل عنها إلى الظِباء، فما بالُ الإبلِ وهي هنا منشودَةٍ للْعَتْر، ولا مطلوبةٍ للنّحر، ونحن نُجيبه مبكّتين إيّاه: إنّ كلّ هذه الطقوس لم تكن إلاّ من أجل أن يبلُغَ تعدادُ إبل الرجل مائة، فلمّا كانت هذه الإبل هي موضوع هذه الطقوس، وهي الغاية التي كانت من أجلها تتّخذ هذه الوسيلة، فقد اقتضى الأمر أن تكون هي مركزَ الاهتمام، ومِحْوَرَ العنايةِ في هذه المقالة التي انزلقنا فيها من العناية بالإبل، والارتفاق بها، والانتفاع من بَيْعِها إلى حُبّها، والحرص على امتلاكها، إلى درجة إيرادِ شأنها ضمن طقوس كَهْنوِتيَّةٍ كانت تُقامُ كُلّ شهرِ رجب من العام.

2-البَلِيَّة:

ورد ذكر البليّة في بيت واحد من معلّقة لبيد، وهو:

تأْوي إلى الأطْنَابِ كُلُّ رديَّةٍ

مِثْلِ البليَّةِ قالِصٍ أَهْدامُها

وكانت البَليّةُ تُطْلَقُ على الناقة التي كانت تُشَدُّ إلى قَبْر صاحبها: فلا تبرح هنالك، جوعا وظمأ، حتّى تَهْلِكَ. وكانت هذه العادة الوثنيّة مرتبطةً بفقدان عزيز عليهم، وأثيرٍ لديهم، فكانوا إذن “في الجاهليّة يَعْقِرون عند القبر بقرةً أو ناقةً أو شاةً، ويسمّون العقيرة: البليّة”(42).

ولكنهم لم يكونوا يجتزئون بنحر ناقة أو بقرة على قبر الفقيد العزيز، فكانوا يتّخذون عادة وثنيّة أخراةً كانت تَمْثلُ في عَقْلِ ناقةِ عند قبره: فلا تُعْلَفُ ولا تُسْقَى إلى أن تموت. وربما حفروا لها حفيرةً، وتركوها فيها إلى أن تموت”(43).

فالناقة، كما رأينا، كانت مَظِنّةً للضَّنِّ بها لدى تكاثُرها، لِشِدَّةِ حِرْصِهم على اكتساب أعداد كثيرة منها. كما كانت، في الوقت ذاته، جزءاً من حياتهم الروحيّة، في حدودها الجاهليّة: فكانوا يعتقدون أنّهم إذا نحروها على قبر العزيز عليهم انتفع بذلك وناله منها ما يحبّ. ولم يجتزئوا بذلك حتى قاسوا على العادة الوثنيّة عادةً أخراة هي عقلُ ناقةٍ من حول قبر الميت واتِّرَاكها هنالك جوعاً وظمأً حتى تهلك بالموت البطيء. وهي عادة سيئة، بل شنيعة في حقّ الحيوان. إنّ إهلاكَ هذا الحيوان المسكين، بممارسة هذه العادة الوثنيّة الفظيعة، كان سلوكاً غيرَ متحضِّرٍ، ولا يليق إلاّ بأهلِ الجاهليّة الأولى.

3-المَيْسِر:

وورد ذِكْرُ لفظ الميسر، هو أيضاً، في بيت واحد للبيد، وهو:

وجزُورِ أيْسارٍ دَعَوْتُ لِحَتفها

بمَغالقٍ مُتَشابِهٍ أجْسَامُها

وبيت واحد لعنترة، وهو:

رَبذٍ يَداهُ بالقِدَاحِ إذا شتَا

هَتّاكِ غاباتِ التّجارِ مُلَوِّم

فلقد كانت الجَزورُ التي لم يكن يستطيع القمارَ بها غيرُ الأغنياء، في حال الرّبح، تُبْذَلُ لفقراء الحيّ وغُربائهم. وكانت هذه اللّعبة الوثنيّةُ التي لا تخلو من طقوس معتقداتيّة، يُلْعَبُ بها في فصل الشتاء، بل في كَلَبِهِ، كما يُفْهم ذلك من بيت عنترة(44). وكانوا يأبَونَ أن يَطْعَمُوا منها، كما كانوا يأبَوْنَ بيعَ لِحَامِها. ولذلك قال لبيد بعد البيت الذي اثبتناه له منذ حين:

فالضيْفُ والجْارُ الجَنيُب كأنّما

هبطا تبالَةَ مُخْصباً أَهْضَامُها

وذلك على أساس أنّ لحُمانَ هذهِ الجزور كانت تُقدّمُ للغرباء، والضِّيفَانِ، والجيرانِ، وعامّة الفقراء في الرّبْع، فكانوا يُمْسون في رغدٍ من العيش بَعْدَ شظَفٍ، وفي سَعَةٍ من الأمر بعد ضِيقٍ.

ولعلّ الأهمّ في لُعبة الميْسِرِ تلك الطقوس المعتقداتيّة التي كانت تصطحب ممارستها: من إِحضار الأقداح، وتحَفّز الياسرين، واختيار الحَكَمَ الذي كان يُجَلْجِلُ تلك الأقداح في الرّبابة، ثمّ يخرجها، فيخرج باسم كلّ لاعبٍ قدْحاً معيّناً..

وقد ذكر ابن سيده أسماء الأقداح العَشْرَةِ، ولكنّه لم يحدّد مقاديرَ أجْزائِها، وهي لديه: “الفَذّ، والتَّوْأَمُ، والرْقِيب، والحِلْسُ، والنافِسُ، والمُصْفَحُ، والمُعَلّى. فهذه التي كانت لها أنْصِبَاءُ وهي سبعة(…) والسِّهامُ التي لا أَنْصِبَاءَ لها: السَفيحُ، والمنيحُ، والوَغْدُ”(45).

ويبدو أنّ اختلاف اللغويّين والرّواة حول وَصْفِ هذه اللعبة الوثنيّة التي كانت تنهض، أساساً، على التفاخُر والتباهي بإظهار الثّراء، والمقدرة على الإنفاق: كان يعود إلى أنّ الأعرابَ أنفسهُم الذين رُويَتْ عنهم مواصفاتُ هذه اللعبة كانوا ربما عجزوا عن معرفة تفاصيلِها، فقد زعم أبو عُبيْد أنّهُ سَأَلَ “الأعراب عن أسماءِ القِداح فلم يعرفوا منها غيرَ المَنيح، ولم يعرفوا كيف يفعلون في الميسر”(46).

أمّا الاختلافُ في مقادير أجزاء الجَزور، أو الأنْصِبَارْ، بين عشرة وثمانيَة وعشرين، فقد يعود إلى الاختلاف بين أبي عُبَيدَةَ الذي ذهب إلى أنّهم كانوا يجعلون الجَزوَر عشْرةَ أجزاءٍ، ثمّ يتقامرون عليها”(47)، من حيث زعم الأصمعي أنهم “كانوا يجعلونها ثمانيةً وعشرين جُزْءاً، ثمّ يقتسمونها على القمار(48)”.

ونحن نفترض أنّ علة هذا التباعد في وصف هذه اللعبة بين الروايتين قد يعود إلى أنّه، ربما، كان هناك ضَرْبَانِ من المَيْسِر: أحدهما ينهَض على تقسيم ثمانيةٍ وعشرين، وأحدهما الآخر يقوم على تقسيم عشرة فحسب، تبعاً لعاداتٍ قبليّة، وخصوصيّات ظرفيّة.

وقد فصّل الزمخشريّ، تفصيلاً تفرّد به وحده، فيما ألْمَمْنا عليه من مصادر، أنصباءَ الأقداح، وكيفيّة اللِّعِبِ بالجَزور، ولكنه هو بلَغَ بها إلى تسعة وعشرين نصيباً، كما سَنرى من النص الذي سنثبته، والذي يقول فيه الشيخ: “وكانت لهم عَشْرَةُ أقداحٍ، وهي الأزْلامُ، والأقْلامُ والفَذّ، والتوْأمُ، والرّقيبُ، والحِلْسُ، والنّافِس، والمُسْبِلُ، والمُعَلَّى، والمُنيفُ، والسَّفيحُ،، والوَغْدُ. لكلّ منها نصيب معلوم من جَزورٍ ينحرونها، ويُجَزِّئونها عشرةَ أجزاء. للْفذِّ سَهمان، وللتوأم سهمان، وللرقيب ثلاثة، وللحِلْسِ أربعة، وللنافس خمسة، وللمُسْبِل سِتّة، وللْمُعَلّى سبْعَة: يجعلونها في الرّبابة -وهي خريطة- ويضعونها على يَدِيْ عدْلٍ. ثم يُجَلْجِلُها، ويدخل يده فيخرج باسم رجُلٍ رَجُلٍ قِدْحاً منها. فمَنْ خرج له قِدْحٌ من ذَواتِ الأنصباءِ أخَذَ النصيَب الموسومَ به ذلك القِدْحُ. ومَنْ خرج له قدحٌ مِمّا لا نصيبَ له لَمْ يأخُذْ شَيْئاً، وغَرِمَ ثَمَنَ الجَزورِ كُلّه.

وكانوا يدفعون تلك الأنصباءَ إلى الفقراء ولا يأكلون منها. ويفتخرون بذلك، ويذمّون من لم يدخل فيه، ويسمّونه البَرّم…”(50).

ويمكن أن نستخلص من نصّ الزمخشري أموراً لعلّ أهمّها:

1-أنّ الزمخشري يذكر في الحقيقة في هذا النص اثنيْ عشرَ قدْحاً لا عشرةَ أقداحٍ، فيضيف على ما ذكره ابنُ سيده اثنيْن وهما: الأزلام، والأقْلام.

2-يختلف الزّمخشري مع ابن سيده في مستوَى تحديدِ أسامِي بعض الأقداح فيجعل الزمخشري المُصفح مسبلا، وهما بمعنى واحد في قول(51)، وبمعنيين مختلفين في قول آخر إذ يجعل ابن منظور المسبل خامس الأقداح(52)، والمصفح سادساً فيقرر: “المُصْفَح من سهام الميْسر: السادس. ويقال له: المُسْبِل أيضاً”(35). فابن منظور نفسه يضطرب في تحديد معنيَيْ هذين القِدْحيْن، فإذا كانا بمعنّىً واحدٍ في القول الثاني، فكيف يكون المُصْفَحُ خامِساً في القَوْل الأول: فالمُسْبِلُ خامسُ الأقداح في مادة (سبل)، فهو إذن يختلف مع المُصْفح الذي هو سادس الأقداح (صفح) لكنّ الذي أرْبكَ هذه التحديدات ذهابُ ابن منظور إلى أنهما بمعنىً واحدٍ (صفح)؟

3-إنّ الناسخ حرّف لفظ “المَنيح” فجعله في تفسير الكشّاف، كما رأينا ذلك في النص المثبت، “منيفاً”. ونَحْنُ لا نعرف المنيف على أنّه مرادِفٌ للمَنِيح.

4-إنّ الزمخشري لا يجعل للأزلام والأقلام أيَّ سهْمِ، ويشرع في تحديد أنصباءِ الأقداحِ ابتداءَ من قدْحِ “الفّذّ”.

5-يذكر الزمخشري لقدح الفَذّ سهمْين اثنيْن، مَثَلُهُ مَثُل قدْح “التوأم” ممّا يجعل، في هذه الحال، عددَ الأسهم تسعةً وعشرينَ، لا ثمانيةً وعشرين. ونحن نعتقد أنّه وقع سهوٌ للمؤلّف، أو لأحد نسّاخ تفسيره، إذْ جعل للفَذّ سهمْين اثنيْن، وهو مذهب غيرُ صحيح، إذ الفذّ، بحكم منطوقه لا يدلّ إلاّ على سَهْمٍ واحد. وقد قررت ذلك معاجم اللغة العربيّة القديمة الموثوقة(45) وممّا يدلّ على ذلك أنّ تحديد الانْصِبَاءِ يبتدئُ بالواحِدِ المعيّن للقِدْح الأوّلِ الذي هو الفَذّ، ثمّ بالاثنين المعيّنيّن للقِدْح الثاني الذي هو التوأم -الذي يدلّ لفظه على معناه هنا-، وبالثلاثةِ الأسْهُمِ لِقدْح الرقيب الذي هو الثالث في ترتيب أقداح الميسر، وهلمّ جرّا..

6-ونلاحظ أنّ عدد سبعة يلعب دوره في هذه اللعبة الفولكلوريّة الوثنيّة حيث تبتدئ الأقداح بنصب واحد وتنتهي بسبعة أنصباءَ لدى القِدْح السابع -من ذوات الأنصباء- الذي هو المُعَلّى. بينما لا يغيب العدد الفولكلوريُّ الثاني الذي هو ثلاثة حيث يشمل ثلاثة أقداحٍ لا أنصباء لها. كما لا يغيب العدد الفولكلوريّ الثالث الذي هو عشرة حيث جعلت هذه الأقداح، في أصلها عشرة، ثم صنّفت سبعة منها لوظائف معيّنة، كما صنّف منها ثلاث لوظائف معيّنة. ونلاحظ أنّ عدد سبعة، وهو العدد الفولكلوريّ بامتياز في جميع الثقافات الإنسانية البدائيّة، ينهض بوظيفتين: الوظيفة الأولى أنه يكون خاتمة لأقداح الميسر ذوات الأنصباء. والوظيفة الأخراة أنّ القدح السابع في الترتيب يستبدّ بسبعة أنصباء.

وكان الحَكَم الْتُرضَى حُكومَتُه بينهم يُخرِجُ الأقداح من الرَّبَابة، بعد جَلْجَلتها، فيَخْرج إمّا القدح الرابح، وإمّا القِدْح الغُفل. فمن خرج له قِدْحٌ رابح فاز وأخذَ نصيبه من الجَزور ثمّ وزّعها على فقراء الحيّ ومساكينه وغُربائه، ومَن خرج له القِدْحُ الغُفْل غُرّمَ ثمن الجزور كلّها.

والذي يتولى قِسْمَةَ الجزور يسمّى اليَاسِر، والذين يتولّون الضْرب بالقِداح -وهم المتقامرون على الجَزور- يسمّون الياسِريَن(55). وأمّا الذي يرفض الدخول، مع المتقامرين، في هذه اللعبة التي لا تخلو من طقوس معتقداتيّة فيُسَمّى، كما سبقت الإيماءةُ إلى ذلك، البَرَم. ويبدو أنّ اشتقاق لُعبَة المَيْسِر جاءَ من اليُسْر، وذلك على أساس أنّ الربح فيها يأتي من غير كدٍّ ولا تعب.

بيد أنّ هذا الوجه من الاشتقاق لا ينهض على منطِق الأشياء، إذ ليس الربح، في هذه اللعبة، إلاّ شَكلياً، إذ الرابحُ لا يجوز له، في طقوسهم، أن يُفيدَ من الأنصباءِ التي رَبِحَها من الجذور والا اغتدى ذلك عليه عاراً. فكأنّ هذه اللعبة، من الوجهة العمليّة، لا رِبْحَ فيها: فالياسر إمّا خَاسِرٌ فيغْرَم ثمن الجزور، وإمّا لا خَاسِرٌ ولا رابح!

وتشتمل هذه اللعبة على طقوس فولكلوريّة مُثيرة، منها:

1-اجتماع الياسرين في صعيد واحد نفترض أنّه ساحةٌ من سَاحِ الحيّ، وتَجَمْهُر الفقراء والمتفرجين والفُضوليّين من أطفال ورجالّ، وانتظار نتائج اللعبة الفولكلوريّة.

2-جمْع الأقداح وإدخالها في رَبابَتِها، والتحقُّق من عَدَدها وصفاتها.

3-التشاوُر والتفاوض حول اختيار العَدْل الذي يحكم بينهم.

4-جمع الإبل التي تنحر في وجْهٍ من ساحة الحيّ والأطفال ينظرون ويعجبون، والفقراء ينتظرون ويأملون، والقرِمون إلى اللّحم يتلمَّظون.

وواضح أنّ هذه اللعبة لم تكن تُلْعَبُ لوجه الله، ولا رغبةً في إطعام الفقراء والمساكين، ولا تطلّعا إلى التخفيف من عناء المُعْوزين، ولكنها كانت قِماراً كان أغنياءُ أهل الجاهلية يأتونه تَبَاهياً وتفاخراً، وتَعَالياً وتكابُراً، لا كرَماً ولا سخاء. وإلاّ فما كان يمنعهم من أن يتصدّقوا على المُحْتاجين دون هذا التهويل الإعلاميّ حيث كانت أخبارُ هذه المجالس، حتماً، تسير بذكرْها الرُّكبان، ويَسمُرُ بتًردادِها الشيوخ والوِلْدان.

وأيْاً كان الشأن، فذكر هذه اللعبة، بصرف النظر عن كونه يحتمل معتقداتٍ أو لا يحتمل، فإنها تنهض على نحر الإبل والتفاخر بنحرها، للتقامر بلحومها.

وأمّا إيلاعهم بذكر الخيل، وَكَلَّفهم بوصْفها، بل ذهاب بعضهم في ذلك، ونبغي به عنترة، إلى حدّ محاورَتِها ومُحادثتها باللغة السماءَوِيَّةِ، فلأنّها حقّاً كانت أثيرةً لديهم، عزيزة إلى قلوبهم، جليلةَ القدر في عيونهم، فكان الفارس ربما تغنّى بجواده، وافتخر بكَرَمَه، وانتقى له اُسماً يُناديه به(56) بل ربما كان الفارس العربيّ يؤثره على أبنائه الصغار(57)، فقد كانت “الخيل حصون العرب، ومنبت العزّ، وسلّم المجد، وثمال العيال، وبها تدرك الثأر، وعليها تصيد الوحش، وكانوا يؤثرونها على الأولاد باللبن، ويشدّونها بالأقنية للطلّب والهرَب”(58).

وقد برع في وصف الخيل من أصحاب المعلّقات امرؤ القيس وعنترة خصوصاً، على حين أنّ الذي عُني بإِظهار منافِعها، وتوصيف مكانتها أيّام الحرب، وأنّ النساء هنّ اللواتي كنّ يَقُتْنَها ويَعْلِفْنها: إنما هو عمرو بن كلثوم.

بيد أنّ الذي وصف الفرس، وصال وجال في الأطوار التي يتّخذها حين يسابق، وحين يعادي الثوّرَ والبقَرة، وحين يغتدي مِكَرّاً مِفرّاً، وحين يكون مُقْبلاً مُدبراً معاً، وحين يُمْسي قَيْدَ أوابد:

شديدَ الاقتدار على المُسابقة والمُلاحقة، وقويّاً على المُعاداة والمُطارَدة، إنما هو امرؤ القيس ابن حجر. فكأنّه الشاعر الذي أسّس أصول الوصْف، في معلّقته، لأطوار هذا الحيوان الجميل، وخلّد بعض النعوت التي تُحْمَدُ فيه، والتي إذا وفرَتْ في صفاته كان سابقاً لاحقاً، لا مُصَلّياً ولا سُكَّيْتاً(59).

ولقد أحبّ العرب الفرسَ وأصَّلُوها، وعتَّروا نسَبَها، وغالَوْا في التماس أوصافها على النحو الأكمل، والوجه الأمثل، لأنّ هذه الفرسَ هي التي كان الفارس يمتطيها يومَ الزينة، ويظهر عليها في المآقط، ويقاتل عليها يوم الهيجاء، ويعادي بها الوحْش يوم الصّيدِ، ويتظاهر بها على التّظعان، كما يتباهى بها في الرياضة يوم الاسْتباق.

فلا عجب أنْ أَلْفَيْنَا ذِكْرَ الفَرَسِ يأتي في المعلّقّات بعد البعير والناقة، ولا عجب أن ألفينا كُلاً من امرئ القيس وعنترة وعمرو بن كلثوم يختصَّه بَمكانه مَكينة في معلّقته، على تفاوت في الوصف، وعلى اختلاف في التعامل، ولكنْ على اتفاق في حبّ الفرس، والافتخار بكرمه وعِتْقِه.

وقد لا يقال إلاّ بعضُ ذلك عن الظبي وما يرادفه، أو يقترب من معناه، من رِئْم، وَرَشَإِ، وجَدَايةٍ.. حيث لم يذكر في المعلّقات بخاصّة، وفي الشعر الجاهليّ بعامّة، إلاّ في معارض تشبيهِ الحبيبةِ، أو استعارتِه لها. وقد استرعى الشاعرَ الجاهليّ ما في هذا الحيوان الجميل من صفات الرشاقة حين يعدو، ثمّ ما فيه من طول الجِيْدِ حين يَنُصُّه، وما له من سَواد المُقلتين حين يرْنو، ثمّ ما استَأْثَرَ به من الضعف حين يُصاد. وقد ظلّت هذه الصفات الأربعُ- على وجه الدهر، وفي جميع الثقافات، ولدى عامّة الأذواق- منشودةً في المرأة الجميلة، مطلوبة في الفتاة الرشيقة.

ولم يَكْلَفِ الشعراء حبيباتهم بالآرام لمجرّد أنَّهنَّ كنّ يُشْبِهْنَهَا، ولكنّ ذلك شاع في أشعارهم لأنهم كانوا يعايشون هذا الحيوان، ويصطادونه يوم الطَرَّدِ، ويشاهدونه في تَظعاناتهم وتنزُّهاتهم، فلم يكن ذِكْرُه، إذن، إلاّ من باب رسْم البيئة التي كانوا فيها يَحْيَوْن، ووصف المحيط الذي كانوا فيه يضطربون.

وقد ظلّ الظبي (أو الغزال في اللغة الأشيع بين الناس في هذا العصر مجسِّداً للصورة الجميلة التي توضع فيها المرأة حين يراد نعْتُها بخِفَة اللحم، وهَضْمِ الكشح، وطول الجِيد، وسواد المُقلتين، ورشاقة الحركة، وضعف المقاومة، على المقاومة..

وقد عَرضَ لذكر الظّبي وما في معناه مثل الرئم، أو الرشإِ، أو الشادِنِ، أو ما في حكم هذه الأسماء المتقارِبَةِ المعانِي والتي كانت تطلق كلّها على الغزال، أو على أنواعٍ منه، كالجِداية، والرَّبْرَب: خمسة من المعلّقاتيين هم امرؤ القيس، ولبيد، وعنترة، وطرفة، وزهير بتواتُرٍ لديهم مجتمِعين اثنتَيْ عشرة مرةً استَبدَّ منها امرؤ القيس ولبيد، وحدهما، بثَمانٍ.

وعلى أنّ زُهيراً لم يذكر الأطلاءَ (ويطلق الطّلاَ في العربيّة على ابن الظبية، وابن البقرة الوحشيّة، وربما على الصبيّ نفسِه، في الشهر الأول من الميلاد) إلاّ في معرِض وصف جمال الحيز الذي كان يَبْكِيه، ونَعْتِ الطَّللِ الذي كان يَعُوجُ عليه فيَسْتَهْوِيه.

رابعاً: الثور والحمار والمعتقدات القديمة.

قد لا تكتمل بنية هذه المقالة إلاّ بالتعرّض لزوجيْن اثنيْن، آخريْن، من الحيوانات الوحشيّة، لمعالجتهما، وهما: الثور وبقرتُه، وحمار الوحش وأتَانُه.

وقد اغتدت صورة هذين الحيوانين: الثور والحمار، مثيرةً في الدراسات المعاصرة بحيث يجتهد، في هذه الأيام طائفةٌ من الباحثين، في تأويل إيلاعِ الشعراءِ بذِكْرِهما، ورصْد حركتهما، ومتابعة سلوكهما إزاء الصيّادين، ووصْف تصرفّهما إزاء أُنْثَيَيْهِما، فتراهم يعيدون ذلك، في الغالب، إلى أنّ الثور، خصوصاً، له في الثقافة الجاهليّة دلالاتٌ أعمقُ مِمّا كان يعتقد القدامى من شرّاح النصوص الجاهليّة، وأنّ ظاهر القراءة لم يكن بذى بال.

والْحَقُّ أنّ القدماء أنفسَهم، كأنّهم كانوا يَرَوْنَ في شيءٍ من التقيّة والاستحيْاء، أنّه كان لمثل هذه الحيوانات مكانُةُ ما، وشأنٌ ما من القداسة.. ولعلّ ذلك هو الذي ضَرَبَ على صائديها أن لا يزالوا فُقراءَ محرومين(60) أُخْرَى اللّيَالِي ولهم في هذه المعتقدات أشعار كانوا يُنْشِدونها، ومنها أبياتٌ لِذِي الرُّمّةِ، وأبيات أخراةٌٍ لمجهولِ(61). فَكَأَنّ الذين كانوا يعْرضون لهذه الحيوانات من القُنَّاصِ لا يزالون فقراءَ عِقاباً لهم على ما يجترمون..

وعلى الرغم من أنّ أبا عثمان الجاحظ يستشهد بأبياتٍ لذي الرُّمَّةِ يذكر فيها الثور الوحشيّ، فإنّ المعتقد العامّ، لدى العوِامّ، أنّ هناك مِهَناً وتجاراتٍ ومرتفعاتٍ لا يُفلح ممارسُها في الدنيا أبداً، مثل ما تراهم إلى يومنا هذا، يعتقدون في البنّائِين الذين هم على الرغم من الأموال الكثيرة التي ينالونها مقابل ما يبطشون ويكْدَحون، فإنك لا تكاد ترى واحداً منهم أَنْيَقَ الثياب، سليم الإهاب، عامِرَ الجيب، ناضر الوجه.. وتزعم عامّة هذا الزمان أنّ ذلك عائد، في الغالب إلى أنهم مجبُولون على الغِشِّ حين يَبْنُون، فلم يكن الله لِيَجْزَيَهُمْ إلاّ فَقْراً وضُرّاً، وكَدْحاً وَنَصْباً، إلى يوم الممات..

ونحن نعلم، بعدُ، أنّ القانِصَ لا يصطاد الثورَ والحمار وحْدَهما، ولكنه يجاوز ذلك إلى الظباء، والنِّعام والوُعول، فما بالُ ربْطِ لعنةِ الفقر بالقانصين الذين يصطادون هذيْن الحيوانيْن وحْدَهُما، وقل هذا الحيوان وحده، وهو الثور؟ ألأنّ هذيْن الحيوانيْن كانا، حَقاً، لديهم، مقدَّسيْنِ فيما كانوا وَرِثوه من معتقداتِهم الوثنيّة القديمة، وديانتهم الصنميّة الغابرة؟ أم لأنّ هذا المعتقد نَشَأَ من باب السخريّة بهؤلاء القانصين الذين كنتَ تراهم ربما قَضّوا اللّيالي المُتطاولةَ، عُفْراً كُنّ أَمْ ذآدِيَ، في انتظار سُنوح هذا الحيوان لهم من أجلِ اصطيادِه، حتى إذا سَنَحَ فإنْ كانوا لا يكادون يُفلحون في سعْيهم، ويُصيبون في رَمْيهم؟ إنّ السرعة التي وهبَها هذا الحيوانُ حين يَشُدُّ عادِياً، بَلْهَ هارِباً من سِهام الرُّماةِ، ثمّ إنّ بُطْءِ انطلاقِ السّهم البِدَائِيّ الذي كانت تصنعه الأعرابُ من شجر النّبع، وتعرّض مثل هذا السهم لدى مُروقه عن القوس لبعض الريح، وقد يضاف إلى ذلك هَوْلُ المفاجَأة الذي قد يَجْعَلُ الأعرابيَّ حين يَرمي: يضطرِب ويرتَعِش.. كلّ أولئك عواملُ كانت تجعل مسعَى الصيّاد يَخيب، وحظّه ينكد، وأملَه يضيع. فكان، إذن، ما يعاني الصيَّاد من طول الانتظار، ومن البُعْد عن الدَّيار، ومن سهَرِ الليالي الطّوال الدّآدِ، بالقياس إلى ما كان يَجْنِيه من وراء كلّ ذلك العَنَاءِ: لا يُمثّلُ، في حقيقته، إلاّ شأناً يسيراً، وَنَيْلاً قليلاً، فكأنّ أمرَ أولئك القُنّاصِ المحرومين كان يُشْبِه، على عهدنا هذا، صادَةَ السَّمْكِ حيث لم نَرَ واحِداً منهم أفلح قطّ، ولا أثْرَى قَطّ من وراء سعْيه، وذلك على الرغم من تقضَيتِه الليالي الطوال، والأيّام الثّقالِ، في انتظار ما تجود به سنّارتُه الشحيحةُ التي لا تكاد تجود عليه، في الغالب، إلاّ بسمكات صغيرات قليلاتٍ لا يُسْمِنّ ولا يُغنينَ. ولكنْ لا دَيَّارَ من هؤلاء السَّمَّاكِينَ يُفكّر، أو يحاول أن يفكّر، في الإقلاع عن هذا الدأب الذي لدى فشله في تحقيق الجانب النفعيِّ منه، وهو الذي كان، في الحقيقة، الأصلَّ في ممارسة هذه الهواية التي تزعج ولا تربح: ربما الفيْتَه يفلسِفُ الأمور فيزعم لك أنّ صيد السّمك، بالسّنّارة التقليديّة، ثقافة، وتسْلِيَة، وتأَمّل، ورياضة ذهنيّة، وتعودّ على المصابرة، وابتعاد عن ضجيج المدينة، ومزعجات الناس..

حقاً، لم يكن القُنّاصُ يفلحون، ولكن لاَ لأنَّ الثّورَ كان مقدَّسَاً مبارَكاً لدى قدماء العرب، على وجه التوكيد، فكانت عناية البركة، أو قل إن شئت لعنة القداسة، تصيب الذين كانوا يمارسون صيده: ولكن لأنَّ ذلك الحيوان -ومعه بقيّة الحيوانات التي وقع الْكَلَفُ بذِكْرِها في الشعر الجاهلي- كان أقلَّ مِمَّا نظن عَدداً، في أرجاء شبه الجزيرة العربية (وقد كان عائداً ذلك إلى قلّة نَبَاتِها، وصِغَرِ أشجارِها، وشُحّ أنوائها) فكان سُنوحُه للصّيادين نادراً من وِجْهَة، ثمّ لأنّ الوسائل البدائية التي كان الأعراب البادون يَصطادون بها -ولم تكن تجاوز، في الغالب، كِلاباً هزيلة، وسِهاما طائِشة -لم تكن تسمح لهم بالتمكّن من هذا الحيوان القويّ الذي كان يصول ويجول في الصحراء العربيّة الشاسعة الأرجاءِ، المتراميَةِ الأطرافِ.

وربما كانوا يُعيدون هذا الفشل في سعيهم إلى العَدْوِ الخارق الذي وُهِبْتَه الحُمُر والبَقَر، وإلى لعنةٍ من القوة الغيبيّة، والتي إن كانَتْ لَتُفْضِي إلى طيش السِّهام فإذا هي لا تُصيب، وإقْصارِ الكلابِ التي إن كانَتْ لَتَعْدُوا فتُبْهَرُ وتَخِيب.

كان قنّاصو الثيران والحُمُر كثيراً ما يَخيبون، إذن، في مساعيهم للْعلل التي ذكرنا، والأسباب التي بيّنّا.

وأيْما ما يُعَلّلُ بعض الباحثين المعاصرين بأنّ ذلك كان يعود إلى اعتقادهم بقُدْسِيَّة الثور الوحشيّ، فلا نحسبه إلاّ تبريراً من أولئك الباحثين لعَجْزِ أولئك الصيّادين، وقلّة حيلتهم: أمام قوّة هذا الحيوان وقدرته الهائلة على العّدْوِ والرَّكْضِ، والشَّدِّ والفَرِّ. إذْ ما أكثر ما يعجز المرء عن قتل ذُبابة حقيرة وهو في بيته، وفي مُتّسَّعِ من أمره، وفي رَخاءٍ من عيشه، وفي كاملٍ من وعيه، فما بالُه وقد كان ربما قضَّى طويلاتِ الليالِي منتظِراً سُنوحَ هذا الحيوان، قُرْبَ غدير ماء، ليَرْمِيَهُ بِسَهْم طائشِ التصويب، ويُرسل عليه كِلاباً هِزالاً تَخِيب، هي أيضاً في الغالب، ولا تُصيب؟ وما بالُه وربما سَنَحَ له بعض هذه الحيوانات وقد بلغ منه الجهْد مبلَغه، ونال منه الضّرُّ مناله، فاغتدى ضعيف التركيز، خائر القوى، قليل الحيلة؟

إنّا لو أدرنا الزمن خمسةَ عشر قرناً إلى الأمام، انطلاقاً من ذلك العهد، فكان أولئك الصيّادون يصطنعون البنادِقَ المكِبِّرَةَ للرؤيةِ، وذات المرمَى البعيد: أكان يُعْجِزُهم في هذه الحال قتل تلك الثيران، ورميْها من بعيد رَمَياتٍ مصيبةًٍ قاتلة؟ إنْ العجْز إذن، في إِصابة ذلك الحيوان، وفي أطوار قليلة لا يعود إلى ما كان مُتَرسِّباً في أنفسهم من معتقدات يقدّسون بها هذا الحيوان بمقدار ما كان  ضرْباً من التبرير لعَجْزِهم أمام قوّتِه وهو يَعْدو، و وإخفاقهم أمام سرعته وهو يركض: لبدائيّة السِّلاح الذي به كانوا يصطادونه.

وقد كان “الأعراب لا يصيدون يرْبُوعاً، ولا قُنفُذاً، ولا وَرَلاً، مِنْ أوّل الليل. وكذلك كلّ شيء يكون عندهم من مطايا الجنّ كالنّعام والظِّباء(…) فإن قَتَل أعرابيّ قُنفذاً أو رَوَلاً، من أوّل الليل، أو بعض هذه المراكب، لم يأمَنْ على فحل إبله…(62).

وعلى الرغم من تحكّم كثير من المعتقدات في ذهنيّات أولئك الأعراب(63) المحرومين، فإنّا لم نعثر، مع ذلك، على نصّ موثوقٍ يَقْطَعُ بُمعتقداتِيَّةِ الأعرابِ في قُدْسِيَّةِ الثور وَبَرَكته، أو في جِنِّيَّتِهِ وشَيْطانِيّتِهِ، أو في استئثاره بَبَرّكةٍ روحيّة ما، ولكنهم كانوا يعتقدون بحُلوليّة الجِّنّ في بعض الحيوانات المُصطادة كالقُنفِذ والوَرَلِ والنّعامة والظّبْي.. فكانوا يتحرّجون في اصطيادها لَيْلاً، لخَشيتهم الظلامَ المظنونَ بخروج الكائناتِ الشريرة تحت جُنْحِهِ..

وعلى أنه، وبصرْف النظر عن المعتقَد الذي يُومِئ إليه أبو عثمان، لم يكن يسيراً عليهم اصطيادُ أيّ حيوان بليلٍ والظلامُ مطِبقٌ، والدُّجى مُحْدِق. فكأنْ تقريرَ بعض هذه المعتقدات، في سلوكهم، كان جِنْساً من الإذعان للأمر الواقع. وكأنّهم كانوا كلّما عَسُرَ عليهم تحقيقُ شيءٍ في واقع الأمر، فأصيبوا بهزيمة معنويّة، اجتهدوا في تعليله بمعتقدٍ ما، أو بقوّة غيبيّة خارقة، مثل ما عللّ بعض الدارسين المعاصرين تعليل اعْتِيَاصِ وقوع الثور في حبائِلِ صيْد الأعرابِ بقدسيّة ذلك الحيوان في معتقداتهم القديمة(64).

وما يذهب إليه الدكتور ابراهيم عبد الرحمن من حتميَّة انهزامِ الصيَّاد وانتصار الثور “الذي يظهر دائماً على مسرح الأحداث وحيداً قلِقاً، ضامراً، جائعاً، وهو لذلك يطلق عليه كلابه في موعد بزوغ الشمس في مطاردة عنيفة(…) محكومة في كلّ القصائد بنهاية محتومة هي قتل الكلاب ونجاة الثور قبل مغيب الشمس(…). إنه لم يحدث ولو مرّة واحدة أن قتل الصائد ثورا في شعر الجاهليين(65): قد لا ينبغي له أن يكون سليماً مقبولاً. ونحن لا نسلّم للصديق الدكتور إبراهيم عبد الرحمن، خصوصاً، هذا التعميم في إقامة أحكامه التي يركّزها على أنَّ هذا الثور:

1-يظهر دائماً وحيداً على مسرح الأحداث.

2-أنه يُطارَد مطارَدة عنيفة محكومة في كلّ القصائد بنهاية محتومة هي تعرّض الكِلاب المرسَلّة عليه للقتل، ونجاته هو متغطرِساً عِمْلاقاً.

3-أنه لم يحدث ولو مرة واحدة أن قَتَل الصائِدُ ثوراً في شعر الجاهليّين.

إنّ عامّة الشعر الجاهليّ المتمحّض لاصطياد الثور وصِراعه مع الصائد تمثُلُ في ثلاثة أطوار:

الطور الأول: ينتصر فيه الصيّاد على الثور (ولا يقتصر ذلك على قصائد المراثِي كما يذهب إلى ذلك الدكتور عليّ البطل(66): إذْ ما أكثر ما ألفيْنا الصيّاد ينتصر على الثور والبقرة الوحشيّة، خارج إطار قصائد الرثاء، كما سَنَرى حين نَعْرِضُ لبعض معلَّقَتَيِ امرئِ القيس ولبيد..) وقد صادفتْنا، حول ذلك، قصائدُ جاهليّة كثيرةٌ نُحيل على بعضها في هذا المجاز(67).

والطور الثاني: ينتصر فيه الثور على الصيّاد، وقد كان ذهب إلى هذا الحكم الأستاذ إبراهيم عبد الرحمن وعليّ البطل جميعاً، ولا اختلافَ فيه بين الناس..

والطور الثالث: ولم نَرَ أحداً أومأ إليه، وكأنّه لُطْفٌ خَفِيٌ، هو ذلك الوضع المحايد الذي يقع للثور والصيّاد معاً بحيث يسكت الشاعر عن تقرير الأمِر في مصير الصِراع بين الاثنيْن: مثل ما نلاحظ ذلك في قصيدة للأعشى الذي ذكر فيها ناقته ليشبّهها في قُوَّتِها وسرعتها بالثور الوحشيّ(68)، ومثل الذي نلاحظ في قصيدة أخراةٍ للأعشى أيضاً حيث ذكر، هذه المرة، الحمارَ الوحشِيّ لا الثورَ: ليشبّه به ناقته أساساً(69): إذ يسكت الأعشى عن وصْف “سيناريو” الصيد والمطاردة ورمْي الصيّاد، وامكان طَيْشِ سهامِه، وإمكان تمكُّن العير، أيضاً، من الفِرار عدْواً..

وعلى الرغم من ثبوت بعض الحفريّات والآثار القديمة التي قد تومئ، على نحو أو على آخر، إلى تعامُل الإنسان القديم في شبه الجزيرة العربيّة والشام مع الثور تعامُلاً لا يخلو من بعض التقديس(70) فإننا نعتقد مع ذلك، بضعف صحّة هذه النصوص، وغُموضها، وتناقُضِها، وقِلّتها، وكلّ أولئك عواملُ تَحْمِلُنا على أن لا ننظر إليها بمثل تلك الحَماسة المثيرة التي ينظر بها إليها مَنْ سَبَقَنا مِنَ الدارسين، في مصر وفي غير مصر، وتجعلنا، نحن إذن، نحتاط أشدّ الاحتياط في إصدار أحكامٍ صارمة، قطعيَّة، حَوَالَها، لأنّنا نَعُدُّها، في الزمن الراهن، لا تبرح تَدْرُجُ في مدارج الإشكاليّة التي يعْسُرُ معها الانْتِهاءُ إلى حكم لا يختلف من حوله اثنان.

وإذن، فصورةُ الثّور المنتصر على الصيّاد ليست قاعدةً مطّردة، فهناك استثناءات كثيرة، تصادفنا هنا وهناك (امرؤ القيس- لبيد (العير)- حُمَيْد بن ثور..).

ويبدو أنّ صورة الوحش المنتصر على الكلاب والرماة، ولو كانوا محترِفين بارعين، مظهرٌ موروث في القصيدة العربيّة كانوا يقصدون به إلى وصف الأَعْرابِيَّ بالعُنْجِهيَّة، ووحشيّة البَّداوة، وشدَّة احتماله للانتظار أيّاماً بلَياليها، في الفضاءِ الْخالِ، والحيز القَفْرِ. ومَن كان كذلك كان شُجاعاً لا يخاف، وشديداً لا يلين، وقويّاً لا يضْعُف، ومغامِراً لا يَهاب. ويشبه إيلاع كثير من الشعراء في الجاهلية، وصدر من الإسلام، بذِكرْ بعض هذه الحيوانات الوحشيّة بالبُكاء على الدِّيار، والوقوف على الأطلال، حتّى لو لم يكن الشاعر، فِعْلاً وَحقاً، فَقَدَ حبيبتَه، أو كان له على الحقيقة حبيبةٌ بالطلل الذي يصف، والرّبْع الذي يَرْسُم.. وإذا كان البكاء على الديار أوْمَأ إليه امرؤ القيس في بيتهِ الشهير، فإنّ صيد الثور وانتصاره على الصائد ضاعت آثارُه فيما ضاع من شعر وأخبار، وَتَلِفَ من أيّام وأحداث: في غياب التاريخ، وأمام صمْته، وبحكم أمّيّته البَيّنَة التي شانَتْه فلم يكتب لنا شيئاً ذا بالٍ ممَّا وقع في غابر الأزمان، واجتزأَ ببعض الروايات الشفويّة التي تقترب من عهد الإسلام. وللذين حاولوا إقامّة دراسةٍ كاملةٍ على مسألة انتصار الثور على الصائد، وأنّ الثور كان متبرّكاً به لديهم فكان اصطيادُه كالمستحيل الذي لا يُدْرَكُ، والمحال الذي لا يتحقَّق، نقول:

1-هل يُعْقَلُ أن يكمُنُ للثور الوحشيّ، أو الحمار الوحشيّ، أبرعُ الرُّماةِ وأشدّهم تجربةٌ فلا يبلغوا من أمره شيئاً، لو كان هذا الشأن وارداً على الحقيقة؟

2-كنّا قرأنا إشارة ذكيّة للشّيخيْن: أحمد محمد شاكر، وعبد السلام هارون(71)، وهي أنّ الشاعر العربيّ إنما كان يذكر أنّ العير تستطيع النجاة من رمية الرامي الصائد، لأنّه لم يكن يذكر هذه العير إلاّ في معرض الحديث عن ناقته التي كان يتطلّع إلى وصفها بالسرعة الفائقة، فهو إذن إنما كان يأتي ذلك ليجعله “شبها لسرعة ناقته”(72).

فالأمر، إذن، ينصرف إلى تفسير سرعة ناقة الشاعر، لا إلى مقدَّسات مزعومة ليس على ورودها من برهان مبين. فرَأْيُ الشيخيْن، هنا، فيه براءةٌ، ولذلك نأخذ به في معرِض الرَّدِّ على مَن يزعمون بقدسيّة الثور والعير في الشعر الجاهليّ.

3-وعلى افتراض أنّ الصيّاد كان، يخيب في رمْي الثور، في بعض النصوص الشعريّة التي وصلتنا حكايةً عن صيد العير والثيران الوحشيّة: فهل يَعتقد عاقلٌ أنّ سهماً مصنوعاً من شجر النَّبْع، في رأسه نَصْلَةُ بدائيّة حافِيَة يُمكنه أنّ يقْتُل ثوراً وحشِياً جبّاراً: مِنْ على مكمَن مسافةٍ ليست قريبةً؟ ألا يكون بُعْدُ المسافة المَرّمّي منها، وقوةُُ جَلَدِ الثور، وسرعَتُه الهائلة، وبدائِيَّة السَّهْم المتَّخَذِ في الرمّي، من العلل الموضوعيّة التي لا تجعل الصائد قادراً، في كلّ الأطوار، على اصطياد الثور والحمار بنجاعة ونجاح؟

4-أنّا نفترض أنّ الشعراء الذين كانوا يتعاطفون مع البقر الوحشيّ، فإنما كانوا يأتون ذلك على أساس أنّ عيونه تشبه عَيْنَي الحبيبة.. أرأيت أنْه لا يكاد يُخطئ قصيدة، يعرض فيها صاحبها لرسم هذه الصورة الجميلة، فالمَهارةُ، إَيَما أنَ تُشَبِهَ الحبيبةَ، وإيما أنْ تْشُبِهَ الناقةَ، وفي كلتا الحاليْن تذكر الوحوش البريْة بادعاء السرعة والقوّة، وبعد ذكر الحبيبة التي يربطونها ببعض تلك الصفات الجميلة بادّعاء العُذْْرِيَّة والطُّهْر والنّقاء، والعيون النّجلاء السوداء.

وقد نَبِهَ الدكتور البطل إلى أنّ الثور لم يكن يهْلك “إذا اقترنت صورته بصورة الناقة”(73)، بيد أنه فاته أن يَنْبَهَ إلى أنّ ذِكْرَ الثور، بجوار الناقة، إنّما يأتي، في الغالب، لغرض تشبيهها به، لا على أنه صيْدٌ سانح.

5-وعلى عكس ما يذهب إليه الدكتور البطل من أنّ الثور ينهزم في الشعر الرثائيّ (ولعله كان يلمح إلى مرثية أبي ذُؤَيْب لأبنائه) فإننا ألفينا الحمار وأتانَه ينتصران على الصيّاد في مرثيّة صَخْر الغَيِّ لابنه، مثلاً:

فراغا ناجييْن وقام يرْمي

فآبَتْ نَبْلُه قَصْداً حُطاماً(74).

ولنكرّرْ، تارةً أخراةً، وعلى الرغم من زَعْم الزاعمين أنّ الثور كان مقدّساً لدى الإله أيل في الميثولوجيا الكنعانيّة، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع الكنعانيين أنفسَهم من ذَبْحِهِ(75)، وأَكْلِ لحمِهِ مِشْويّاً مثل أيّ حيوان آخر غير مقدّس. وإذن، فما ذا كانت الحكمة من تقديس الثور إذا كان التعامل غير مقدّس؟ وماذا كانت الفائدة من وراء الاعتقاد بالتقديس إذا كان ذلك لا يمنع من ذبح الثور وأكله؟

أنّا نحسب أنّ تلك المعتقدات المتمحّضة لتقديس الثور، على نحو ما، ربما لم تنضج روحياً في نفوس قدماء العرب قطّ، وربّما كانت تسرّبت إليهم من بعض الثقافة الوثنيّة الهندوسيّة فكانوا يتمثّلونها تمثّلاً غامِضاً شاحِباً، لم يتبلوْر تبلوُراً واضحاً ولا دقيقاً في نصوص الشعر التي ورثناها، وفي وثائق التاريخ التي تلقّيناها…

ويبدو أنّ كثيراً من المعتقدات والطقوس الوثنيّة لم تكن واضحةً في أذهان الأعراب الذين كانوا يتجانفون عن التعقيد والتشديد. وقد كنّا رأينا أنّ الأعراب لم يكونوا يَفْهَمون لُعبةَ الميسِر التي كانوا يشْهَدونها، وربما كانوا يُمارِسونها أيْضاً، فما القول في معتقدات شاحبة غامضة ترتبط بحيوان ظلّوا أشدّ الناس حِرْصاً على صَيْدِه، وأقْرَمَهُ إلى أَكِلْ لَحْمِهِ؟…

ويضاف إلى ذلك أنّ وسائل الصيد، إذا حقّ لنا إعادةُ الإشارة إلى ما كنّا قررناه منذ حين، كانت بدائيّة، بينما كانت الثيران من القوة والقدرة الهائلة على الركض ما كان يجعل اللحاق بها عسيراً على الكلاب، يضاف إلى ذلك أنها كانت تدافع عن نفسها بقُرونها الحِدَادِ، فلم يكن ممكناً للكلاب الوصولُ إليها إلاّ إذا جُرِحَت أو نَصِبَتْ. على حين أنّ النِبالَ التي كان الأعراب يرمونها بها كانت حافِيَةً النّصْل، بسيطةَ الصنع، ضعيفةَ الوَقْع، فكان الصيد بها لا يُغني الاّ إذا سنح الحيوانُ قريباً جِداً من الصَّيَّاد، واستطاع أن يصيبه في بعض مَقْتَلِه..

والذي يعنينا، خصوصاً، هنا والآن، هو صورة الثور والحمار في المعلّقات السبع، من بين الشعر الجاهليّ بعامّة.

1-الثور والبقر في معلّقة امرئ القيس:

نصادف في معلّقة امرئ القيس بيتيْن اثنيْن يصف فيهما معركةً وقعت بين فرسه، وبين ثور وبقرته، ولم تُلْفِ فرَسَه أيّ عناءٍ في مُعاداتهما، وإدراكهما بدون جهد، وتمكين الفارس من رَمْيهما، ليظلّ النُّدماء، وعامَّةُ أَهْلِ الحيّ، يطْعَمون من لَحْمها: طوراً قديراً مُعَجّلاً، وطوراً آَخَرَ صَفِيفاً مَشْوِيّاً:

فعادى عِدَاءً بَيْنَ ثَوِرْ ونَعْجَةٍ

دَراكاً: ولَمْ يَنْضَحْ بماءٍ فَيُغْسَلِ

فَظَلّ طُهاةُ الحَيِّ مِنْ بَيْنِ مُنْضِجٍ

صَفيفً شِوَاءُ، أو قَدِيرٍ مُعَجْلِ

فأين أثَرُ المعتقداتِ في صيْدِ هذا الثور، عبر هذا النصّ؟ ثمّ ما بالُ شعر الرثاء الذي كان الدكتور البطل زعم أنّه هو وحده الذي يرتبط بصرْع البقرة الوحشيّة حيث إنّ “الحمار الوحشيّ، مثله في ذلك مثل ثور الوحش، ينجو مع أُُتنه من أسهم الصيّاد الذي لا يصحب كلابه في صيده، ذلك إذا اقترنت صورته بصورة الناقة، أمّا إذا اقترنت بالإنسان، في الرثاء، فإنه يهلك مثل سابقه”(76)؟

وأنّا نلاحظ، إذن، أنّ الثور لدى امرئ القيس:

1-لا ينتصر على الصيّاد، ولكنّ الصيّاد هو الذي ينتصر عليه.

2-أنّ الثور وبقرتَه إنما ذُكِرَا من باب توكيد سبْقِ هذا الحصان العجيب.

3-إنْ صرع الثور وبقرتَه لم يُذْكَرْ في إطار شعرٍ رثائيّ، ولا حتّى سرديّ صريح.

4-إنّ مصير لحم الثور، في كلّ الأطوار كما نصادفه في الميثولوجيا الكنعانيّة(77) لم يتغيّر شأنه بحيث لم يبرحُ يُشْوَّى ويُطْهَى، ويُقَدّرُ ويَصفَّفُ، على حدّ تعبير امرئ القيس، فلا شيءَ، إذن، بناء على منطوق هذه النصوص ومضمونها، يُثبت أنّ العرَب كانوا يعتقدون في الثور، وأنّهم كانوا يقدّسونه في عبادتهم على نحو ما. وعلى أنا لم نعْثُرْ على نصّ يومئ، أو يصرّح، بوجود صنم كانت العرب تعبده في شكل ثور.

ذلك، وقد ورد ذِكْرُ بَقَرِ الوحش، أو النعاج، في بيت آخر من معلّقة امرئ القيس، وهو قوله:

فَعَنّ لَنا سِرْبٌ كأنَّ نِعاجَه

عذارَى في مُلاءِ مُذَيَّلِ

وتتجسّد في هذا البيت الطافِحِ بالجَمال الشعرِيَّ صورةٌ أدبيّةٌ ساحرةُ النسج، بديعةُ التصوير، لا ينبغي أن نصادفها إلاّ في شعر المِلك الضلّيل. فقد جمع هذا التشبيه العذريّ بين جمال العذارى ومُلائِهِنّ الملوَّنة المذيَّلة، وحركتهنّ الفاتنة الآسِرة، وبين صورة هذه الْعانَة البديعة وهي تتحرّك، وتتحرّك، وتتحرّك: حتّى كأنّها تدور من حول نفسها، أو تضطرب وهي مربوطة إلى بعضها. ولعلّ الأروعَ في كلّ ذلك، لدينا على الأقلّ، هو ربط الناصّ صورةً محسوسةً بصورة محسوسة أخراةٍ تُفضي إلى صورة ذهنيّةٍ تَمْثُلُ في اعتقاد أُوْلاءِ العَذَارَى في بَرَكَة هذا الضم الذي لم يَبْرَحْن يُطَوِفّنَ حَوالَه، فيُضْفينَ على هذه القدسيّة الوثنية من سِحْر الجمال، وفتنة الخيال، وغُنْجِ الدَّلال، ورشاقة الحركة، وبَداعة التَّرَهْيُؤِ والتكَسّر، والتثني والتبخْتُر: ما يجعل هذه الصورةَ الشعريّة المركّبة قليلةَ النظير، في الشعر القديم والجديد.

2-البقرة والثور في معلّقة لبيد:

ربما يكون لبيد المعلّقاتيّ الثاني، والأخير، الذي تعامل مع الثور في إطار فنّيّ ينهض على التماس وصْفِ سلوكه، وذكر صراعه مع القنّاص، ونضاله من أجل البقاء، إذْ لم يَذْكُر هذا الحيوانَ، أو أُنُثاهُ، أو ولَدَه: طرفة (الفرْقَد: ولَد البقرة الوحشيّة) إلاّ عَرَضَاً، بينما لم يَذْكُرُه الحارث بن حلزّة إلاّ على سبيل تأويل قراءة العير الذي يَعْنِي في المعاجم العربيّة: سَيِدَ القوم، والوَتَدَ، والقَذَى: على أنّه الحمارُ الوحشيّ أيضاً.

والحقّ أنّ لبيداً هو المعلّقاتي الوحيد، من بين السبعة، الذي ألفيناه يصوّر البقرة الوحشيّة وهي تصارع من أجل البقاء، وهي تجتهد في أن تحافظ على جُؤذرِها الذي تصطاده كِلابُ الصيّاد بعد أن ذهبت هي إلى بعض رَعِيْها، وغفلَتْ بعض الغفلة عن الرَّمحْ عنه:

صادَفْنَ مِنْها غِرَّة فأَصَبْنَها

إنّ المُنايا لا تَطِيشُ سِهامُها

وقد لاحظْنا أنّ لبيداً يُشْبّه ناقتَه، أوْلَ الأمرِ، في معلّقته، بالأتانِ المسِرَعَةٍ القويّة: من البيت الخامس والعشرين إلى البيت الخامس والثلاثين، ثمّ يسرد قصّتها مع عيرها، وكيف كَانا متلازمين لا يفترقان، ومتقارفيْن لا يتزايَلان.. بيد أنّ لبيداً ظلّ محايِداً، في هذا الموقف، بحيث لا هو انتصر للصياد فجعلَه يصرع هذه الأتانَ وعيرَها، ولا هو انتصر لهذه الأتان وعيرها فجعلهما يُفلتان من سَطْوة ذلك الصيّاد الشرِهِ القَرْمانِ، ذلك بأنّه ذكرهما دون قطع بنتيجة رمْي سهم الصيّاد، وهل كان طائشاً أو صائباً؟

فلها هِبابٌ في الزِّمام كَأََنّها

صهبّاءُ خَفّ مَع الجنوبِ جَهامُهَا

أو مُلْمِعٌ وسْقَتْ لأحْقَبَ لاحَهُ

طَرْدُ الفُحولِ، وضَرْبُها وكِدَامُهَا

فالصورة، هنا، بريئةٌ، أو غافلةٌ، أو متغافلة على سبيل البتِ المفتوح للمتلقّي، فالحمار وأتانُه يُطَوِفّان بين الأشجارِ والأعشاب، ويرتعان في المراعي ويَمْرَحان، ويرتَوِيَان ما شاءَ لهما الارتواءُ من ماءِ الغدران: حتّى إذا بلغَا بعض ما كانا يريدانِهِ من هذا الرَّتْعِ وهذا الارتواءِ، مَضَيّا لشأنهما دون أن يَعْرِضَ لهما أحدٌ بسوء أو ضيْرٍ، فكأنّها صورة شعريّة بيضاءُ لحركة الحمار واتانه بمعزل عن لُؤْمِ الصيّاد واحتياله ومكره.

ويعمِدُ لبيد، انطلاقاً من البيت الخامس والثلاثين إلى الثاني والخمسين مِنْ معلّقته، إلى وصف البَقَرِ الوحشيّة التي تَثْكَلُ، هذه المرّة جُؤْذُرَها الرَضيع، حيث تنتصر عليه الكلابُ وتفترسه شَرّ افتراسٍ لضعفه، وقلّة حيلته على الهَرب، وضعف قوته لدى الفرار.. بيد أنّ هذه البقرة، لدى نهاية الأمر، تستطيع، هي، النجاة بجِلْدِها من سِهام الرُّماة وكلابِهم، بعد أن تستطيع أنْ تَتَقَصَّدَ منها كَسَابَها وسُخامها- وكأنّها ببعض ذلك تَثْأرُ لجُؤذرِها الفقيد- وكيف لا تنجو وقد كانت الأسرعَ والأقوى، والأحذَرَ والأعدى، وإلاّ فلمَ إذن شبّه لبيدٌ بها ناقته العجيبة:

أفتلْكَ أمْ وحْشِيّةٌ مسْبوعَةٌ

خَذَلَتْ وهادِيَة الصّوارِ قِوَامُها؟

ويُنهِي لبيدٌ هذا السْردَ بربط البقرة الوحشيّة، تارةً أخراةً، بناقته، وذلك بعد أن تتقصّد البقرة كلبتين اثنتْين هما كَسَاب وسُخام:

فتقصّدَتْ منها كَسابِ فَضُرّجَتْ

بدمٍ، وغُودِر في المَكِرّ سُخامُها

فَبِتلْك إذْ رقَصَ اللوامعُ في الضّحَى

واجْتابَ أرديَةَ السرابِ إكَامُها

ويمكن أن نستخلص طائفة من الأحكام من بعض التحليلات السابقة، منها:

1-إنّ لبيدا هو المعلّقاتيّ الوحيد الذي وصف البقرة والأتان من بين السبعةِ المعلّقاتيّينَ.

2-إنه، وعلى الرغم من الوصف الطويل لهذيْن الحيوانْين الوحشيَّيْن، لم يذكرهما إلاّّ من أجل تشبيه سرعة ناقتهِ بهما، وأنهما، على السرعة الفائقة، تظلّ ناقتُه أعدى منهما إذا عدت، وأسرع منهما إذا مشت.

3-إنّ لبيدا سكت عن مصير الأتان، وانتصر للبقرة التي تُفْلِتُ من قَبْضة كلاب الصيادين بمحاولتها قتل اثنيْن، أو اثننتيْن، منها، فتثأر ببعض ذلك لجُؤذُرِها الذي أكلتْه أثناء تغيُّبِها عنه، أو أنها ظاهرت أصَاحِيبَها على أصطيادِه.

4-أنه يعدّ في هذا الوصف الدقيق البديع أحدَ أكبرِ الوصّافينَ للبقرة والأتان في الشعر العربي، ولم نعثر على شاعر واحد استطاع أن يتولَّج إلى نفْسِ هذين الحيوانيْن فيصوّرَ ما يجري بداخلهما، من داخلهما، ويرسم الحال التي تعتورهما حين يُحسّان بخطر الصيّادين، ومداهمة كلابهم إيّاها.

5-إنّ نجاة البقرة الوحشيّة بنفسها قد لا يكون انتصاراً لها طالَما أبَتْ وهي ثَكْلَى بفُقدانها جُؤْذُرَها الفتيَّ الذي ظلْت سبْعَ ليالٍ بأيّامها تختلف إلى بعضِ هذا المكان الذي كانت وذَرَتْ طلاَها فيه.. فإفْلاتُها لم يكن، في الحقيقة، إلاّ هزيمةً معنويّة منكَرةًً لها، إذْْ لم تغادر هذا المكانَ على ما كان فيه من خصب وعشب وماءِ إلا مُكْرَهَةً مُرْغمَةً، فهي بمُغادرتها هذا الحيزَ الجميلَ أصِيبَتْ برزيّتيْن اثنتَيْن لا بواحَدةٍ: الأولى فقدانها اُبْنَها، والأخراةِ مغادرتها مَوْطِنَها الذي ألِفَتِ العيشَ فيه، والارتعاءَ في ريَاضهِ..

****

وهناك بعض المعتقدات الأخراة الواردة في نصوص المعلّقات السبع لم نشأ أن نختصّها بالتفصيل ولا أن نُفْرِدَها بالتحليل، لأنّها ذُكِرَتْ في بعض هذه المعلّقات عَرَضَاً مثل إيماءة امرئِ القيسِ إلى تمائم صَبِيْ الأمِّ التي كان يضاجعها:

*عن ذي تَمائم مُحْول

فلا يعني ذِكْرُ تعليق التمائِم على الصَّبيّ الماجِدِ إلاّ أنّ العرب كانوا يعتقدون بالعَيْن، وِبِشّرِّ الجِنِّ، وسَطْوة العفاريت، وغَضَب الآلهة، فكانوا، إذن، يعلّقون التمائم في أعناق الصبيان حتّى تَحَفُظَهم، في معتقداتهم التي كانوا يعتقدون، من شرّ العين، ومكر الشياطين.

و”التميمة خرزة رقْطَاء تنظم في السِّير ثم يُعْقَدُ في العنق. وقيل هي قلادة يُجْعُل فيها سُيورٌ وعُوَذٌ”(78).

فالتميمة إذن قلادة من سُيور كانت تُعَلِّقُ في أعناق صِبْيَةِ الأَعراب لينفوا بها النفْسْ والعيْن فيما كانوا يزعمون(79). وقد أبطل الإسلام هذا المعتَقَد الوثنيّ وعدّهُ من الشرْك الذي هو من الكبائر(80).

وألفينا ابن خلدون يصطنع لفظ هذا المعتقد في نصّ مقدّمةِ مقدّمِتِهِ فقال: “(…) المتحلّى منذ خَلْعِ التّمائم، وَلَوثِ العَمائم(81).

ولعلّ ذلك يعني أنَّ مُعتقَدَ تعليقِ التمائم، على الرغم من أنّ الإسلامِ حَرَّمه، وعدّه من رَبَائِبِ الكبائر، إلاّ أنّه كان لا يبرح قائماً شائِعاً على عهد ابن خلدون، بل لا يبرح قائماً شائعا إلى بعض أيّامِنا هذه حيث تَحَوَّلت التمائِمُ التي كانتْ تُعَلّقُ في الرِقابِ إلى حُروز تُجْتَعَلُ في الأعناقِ(82).

q إحالات وتعليقات

1-يراجع محمد بن السائب الكلبيّ، كتاب الأصنام، تحقيق أحمد زكي، نسخة مصورة عن طبعة دار الكتب 1924.

2-الصحيح أنه عمرو بن لُحيٍّ، وليس عمرو بن قمعة. انظر ابن هشام، السيرة النبوية،1،76: حيث ذكر في حديث نبويّ نصّه: “رأيت عمرو بْنَ لُحيّ يُجرُّ قُصْبَهُ (أمعاءَه) في النّارِ”، وابن كثير، السيرة النبوية،1،63، وانظر أيضاً كتاب التيجان في ملوك حمير، ص217.

3-كتاب التيجان، 213.

4-يقول الله تعالى: (وجَدْتُها وقومَها يسْجُدون للشمسِ من دون اللهِ)، النمل، 24، ويقول أيضاً: (لا تَسْجُدوا للشمسِ ولا لِلْقَمَرِ، واسجدوا لِلّه الذي خَلَقَهُنّ)، فُصّلَتْ، 37.

5-التيجان، 56.

6-م.س، ص58.

7-ابن منظور، لسان العرب، قمر.

8-م.س.

9-م.س.

10-النمل، 24، فصّلت، 37.

11-أبو العباس المبّرد، الكامل في اللغة والأدب، 1،359-360.

12-المسعودي، مروج الذهب، ومعادن الجوهر،1،137. وفي بعض الطبعات: “والتخييل”، وهو وجيه أيضاً.

13-ابن كثير، م.م.س، 1،22-23، ابن هشام، م.م.س، 1،26-27، التيجان، ص307-308.

14-م.س

15-أبو عثمان الجاحظ، كتاب الحيوان، 202.4-205-206

16-عبد الملك مرتاض، الميثولوجيا عند العرب، الجزائر، المؤسسة الوطنية للكتاب 1989.

17-القرشي، جمهرة أشعار العرب، ص23-24

18-عليّ البطل، الصورة في الشعر العربيّ حتى آخر القرن الثاني الهجري، ص10-11

19-ابراهيم عبد الرحمن، بين القديم والجديد، 58

20-نهض الأستاذ طلال حرب بجهد محمود في كتابه: “الوافي بالمعلّقات”، في متابعة هذه الأمور ومعالجتها بالإحصاء.

وقد خَشِينَا لدى أطلاعنا على هذا الكتاب في آخر سنة 1996 حيث وقع لنا من معرض الكتاب بصنعاء، أن يكون ما قاله هو، حول المعلّقات، هو الذي نريد نحن قوله، فيضيع جهدّنا بعد أن ظلْنا نبحث في شأن هذا الموضوع قريباً من ثلاثِ سنوات، وقد أطلعْنا عليه ونحن نهُمُّ بالقَذْف بعملنا هذا إلى المطبعة، لكنّنا لاحظنا أنّ الأستاذ حرب اشتدّت عنايتُه خصوصا بالمتابعات الإحصائيّة، وقلّتْ لدى التحليل. كما فاته أن يورد الألفاظ المُحصاة في سياقها النّصِّيِّ…

وأيّاً كان الشأن، فإنّ حَقْلاً أدبيّاً كبيراً كنصوص المعلّقات العربيّة سيظّل، أبدَ الدهِر، وأُخْرى الليالِي أيْضاً، مثارَ عِنايَةِ الباحثين والدارسين ومُحَلّلي النصوص الأدبيّة. ولا يجوز لأيّ من الناس إن كَتَبَ شيئاً عنها أن يعتقد أنّهُ قال الكلمَةَ الأخيرة. بل إنْ كلْ دراسة ستفتح أبواباً جديدة، لدراسة أخراة جديدةٍ، وهكذا إلى يوم القيامة.

21-المبرد، م.م.س، 329.1

22-القرشيّ، م.م.س، 38-39

23-المبرد، م.م.س، 309.1، وواضح أنّ في هذا الكلام مبالغةً وكذباً، إذ سينشأ عن هذا أنّ قامة الرجل لا ينبغي لها أن تقلّ عن مترين ونصف، ولا نحسب ذلك ممكناً إلاّ إذا ما انحنت المرأة برأسها إلى أسفل لَطِيَّ المسافة الفاصلة بين الراجل، وراكبة الظعن..

24-أبو الفرج، الأغاني، 82.3

25-ابن سيدة، المخصّص، 306

26-ابن منظور، م.م.س، وبر.

27-م.س، علهز.

28-ابن عبدريه، العقد الفريد، 140.5 هذا، وكانت دِيَةُ المِلك ومَنْ في حُكمه ألفَ بعير.

29-ونصّ الحديث النبويّ: “والعمد قود، وشبه العمد ما قُتِل بالعصيّ والحَجَر، وفيه مائةُ بعير. فمن زاد، فهو من أهل الجاهليّة”، ينظر الجاحظ، البيان والتبيين، 28.2.

30-ابن عبد ربه، م.م.س، 100.6

31-المبرد، م.م.س، 28101. وكان مهر السيّدات الكريمات ربما بلغ عشرين ألفَ درهم (مهر ابنة ابراهيم بن النعمان بن بشير الأنصاريّ).

32-ابن منظور، م.م.س بدع.

33-الرّبيض: الغَنَم بُرعاتِها المجتمعة في مَرْبضِها، الجوهري، صحاح العربيّة، ربض.

34-ابن منظور، م.م.س، عتر.

35-الجوهري، م.م.س، عتر.

36-ابن منظور، م.م.س.

37-م.س

38-م.س.

39-م.س، ذلك، وقد كان الجوهريّ استشهد، هو أيضاً، بهذا البيت في صِحاحه، وشَرَحَه.

40-م.س

41-صحيح مسلم، 453.5 وابن منظور، م.م.س

42-م.س، بلا

43-م.س

44-وكما يستخلص بعض ذلك من قول متمّم بن نويرة في رثاء أخيه مالك:

ولا بَرّماً تُهدي النساءُ لعرْسِهِ

إذا القَشْعُ من حِسِّ الشِتاء تَقَعْقَعا

45-ابن سيده، م.م.س، 20.13

46-م.س

47-م.س

48-م.س

49-الزمخشري، تفسير الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل، وعيون الأقاويل، في وجوه التأويل، 261.1-262

50-م.س وراجع الإحالة: 44 من هذا الفصل.

51-ابن منظور م.م.س، صفح.

52-م.س، سبل.

53-م.س، صفح.

54-م.س فذذ. وقد ذكر ابن منظور أنّ سهام الميسر عشرة، وهي: الفذّ ثمّ التوأم، ثمّ الرقيب، ثمّ الحِلْس، ثمّ النافس، ثمّ المُسْبل، ثمّ المُعَلّى، والثلاثةُ السِهامُ التي لا انصِباءَ لها، هي: السّفيح، والمَنِيح، والوَغْد.

55-م.س. يسر.

56-يراجع ابن الكلبيّ، أنساب الخيل في الجاهليّة والإسلام وأخبارها.

57-المبرد، م.م.س، 242.2

58-ابن قتيبة، كتاب العرب، في رسائل البلغاء، ص349

59-يبتدئ وصف الفرس من معلّقة امرئ القيس من قوله:

وقد أغتدي والطيرُ في وكُنَاتِها

بمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأوابِدِ هَيْكَلِ

إلى قوله:

فبات عليه سرْجهُ ولجامُهُ

وبات بعيني قائِماً غَيْرَ مُرْسلِ

60-الجاحظ، كتاب الحيوان، 436.4

61-م.س، 437.4-440

62-م.س، 46.6-47

63-م.س، 357.6-358

64-علي البطل، م.م.س، 135 وما بعدها

65-ابراهيم عبد الرحمن، م.م.س، 57-58

66-علي البطل، م.م.س، ص138. وانظر، مثلاً، ديوان الهذليّين، 3،2-4: حيث ينتصر الصيّاد على الثور خارج إطار الرثاء في قصيدة تُعْزَى، على الشَّكِ، وإمّا إلى الخناعي، وإمّا إلى أبي ذؤيب الهذليّ.

67-قصيدة لمالك بن خالد الخناعيّ، الهذليّ: ديوان الهذليّين، 2.3-4، وقصيدة لزهير بن حرام أحد بني سَهّم بن معاوية (وصف مشهد الصراع الذي ينتهي بانتصار الصيّاد في سبعة عشر بيتا)، وديوان الهذليّين، 99.3-104 وقصيدة لخفاف بن ندبة (مخضرم، ونفترض أنّ قصيدة وصف الثور قالها في الجاهليّة): الأصمعيات، 30 وقصيدة لعقبة بن سابق، الأصمعيّات، 42، وقصيدة لعمرو بن مَعْدِ يكرِبَ الزبيدي، الأصمعيّات (أبيات: 13-19)، ص174-175. وقصيدة لضابئ بن الحارث بن أرطاة البرجميّ، الأصمعيّات أيضاً، 191..

68-الأعشى، ديوانه، 128

69-م.س، 160

70-حسن الباش، الميثولوجيا الكنعانيّة والاغتصاب التوراتيّ، ص57

71-المفضّليّات، شرح عبد السلام هارون، وأحمد شاكر، ص180

72-م.س

73-البطل، م.م.س 138

74-ديوان الهذليّين 64.2

75-حسن الباش، م.م.س، 60

76-البطل م.م.س ذلك، وقد ذهب الدكتور البطل إلى أنّ الثور يظْهَرُ في الليل، بينما الحمار الوحشيّ يظهر نهاراً في الغالِب.. ولا نعتقد أنّ هذا المذهبَ مُسَلَّمٌ له ما دامت الأشعار تدلّ على غيره، يُنْظَرُ شرح المفضّليات، إحالة رقم 37، تعليق الشيخين شاكر وهارون، ص87. وينظر أيضاً م.س، ص335

77-حسن الباش، م.م.س، ص57

78-ابن سيدة، م.م.س، 28.13

79-ابن منظور، م.م.س، تمم

80-ذهب ابن مسعود إلى أن تعليق التمائم من الشّرْك: “التمائمُ والرُّقي والتّوَلة من الشرك”، م.س (تمم). وفي أين منظور تفصيل عن تحريم تعليق التمائم.

81-ابن خلدون، المقدّمة، ص91

82-هناك مظاهر اعتقاديّة أخراةٌ كثيرة يمكن إدراجُها في هذا الحقل لو تكلّفنا لها إجراءَ لتأويل مثل الوشم الذي هو مظهر من مظاهر المعتقدات لدفع العين، قبل أن يكون مظهراً من مظاهر الزينة والجمال، ومثل اصطناع النار وتوظيفها لأغراض معتقداتيّة: ينظر التيجان، 137-305-308، وابن هشام، م.م.س، 26.1-28-104-105، وابن كثير، م.م.س، 22.1، والجاحظ، م.م.س 202.4-466-468-470-472-478-471 -481-483-489-491-492.

ومثل ذلك يقال في مصباح الراهب، ولمْع اليدين، وقدْح المِكَبّ على الزّناد الأجذم. ثمّ علاقة المعتقدات القديمة بأسامِي العرب (وقد كتبنا مقالة على حدة حول هذه المسألة اللطيفة).

وقد عفَفْنا عن التعرُّض لكلْ هذه المعتقدات، في هذه المقالة، لأمرين:

1-لأهمّيْتها الثانويّة، في تقديرنا الخاصّ، على الأقلّ.

2-لِخَشْيتِنا أن تَعْدُو هذه المقالةُ طوَرَها من تقدير الطُّولِ.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий