Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > السبع المعلقات (دراسة سيميائية وأنثروبولوجية) 3- جماليّة الحيز في المعلّقات – د. عبد المالك مرتاض

السبع المعلقات (دراسة سيميائية وأنثروبولوجية) 3- جماليّة الحيز في المعلّقات – د. عبد المالك مرتاض

3- جماليّة الحيز في المعلّقات

لقد خالفنا جماعة النقاد العرب المعاصرين في أنهم يصطنعون “الفضاء”، وفي أننا نصطنع “الحيز”.

فلماذا إذاً الحيز، وليس الفضاء؟

إننا نعتقد أنّ الفضاء أوسع من أن يشمل الحيز شمولاً تفصيلياً، وأشسع دلالة من أن يحتوي هذه المساحة الضيقة، أو المحدودة الأطراف، التي نودّ إطلاقها على مكان جغرافيّ ما، أو على ما له صلة بالمكان الجغرافيّ، على نحو أو على آخر. فالفضاء كلُّ هذا الفراغ الشاسع الذي يحيط بنا من الكون الخارجيّ. وهو أيضاً كلّ هذا الفراغ الهائل الذي يمتدّ من حولنا مع امتداد مدى أبصارنا. أمّا أن نطلق الفضاء على مكان محدود بالمساحة والمسافة تركض فيه أحداث رواية، أو تضطرب حَوالَه حركةٌ حيزيّة حيّة في قصيدة شعرية؛ فإننا لا نرى إتيان ذلك إلاّ من الحرمان، وقصور الذوق اللغويّ.

إن الفضاء، في تصوّرنا، نحن على الأقلّ لمدلول هذا اللفظ، أوسع من مدلول لفظ الحيز الذي نتصرف فيه، نحن، تبعاً لورود أطواره، وتعرض أحواله في النصّ الأدبيّ شعراً كان أم سرداً. ذلك بأننا نعدُّ كلّ جسم ناتئٍ، كأن يكون شجرة، أو نبتة، أو كرسياً، أو سيارة، أو حيواناً متحركاً، أو إنساناً ماشياً، أو هيئة للحركة في أيّ من مظاهرها، أو نهراً جارياً، أو وادياً متخدّداً، أو ربوة عالية، أو كثيباً بادياً، أو نخلة باسقة، أو خيوط مطرٍ هاتنة، أو حبّات ثلجٍ هاطلة، أو طريقاً مستقيماً أو ملتوياً: حيزاً.

ثم لا نزال نتصرف في ذلك ونتوسع حتى نُنْشِئَ من النخلة العَيْدَانَةِ المَتَرَهْيئَةِ حيزاً، ومن امتداد القامة واهتزاز هيئتها حيزاً، ومن الفَيْءِ الذي تحدثه الشجرة الوارفة الظّلال، تحت أشعة الشمس المتوهجة، حيزاً، ومن تلاطم أمواج البحر وتصاخبها حيزاً، ومن كلّ شيء يمكن أن يتحرك، فيُمَسَّ، أو يُلْمَسَ، حيزاً.

وإننا، وانطلاقاً من هذا التصور، نَمِيزُ المكان من الفضاء، كما نَمِيزُ الفضاء من الحيز، كما نميز الحيز من المجال، كما نميز المجال من المحلّ، وهلّم جرا…. فنطلق، في العادة، المكانَ على كلّ حيز جغرافي معروف (ولعلّ التعريفات الفلسفية تجنح لهذا أيضاً، ولكن في سياق آخر) على حين أننا نطلق الحيز على الأحياز الخيالية والخرافية والأسطورية، وما لا يمكن أن يقع تحت حكم الاحتواء الجغرافيّ بشكل واضح دقيق…..

ولقد كان لنا في ذلك تطبيقاتٌ كثيرة على النصوص الأدبيّة التي حلّلناها في كتاباتنا الأخيرة (1).

وللمكان، وللحيز بعامة، على الإنسان فضل الاحتواء، وشرف الاشتمال، فالحيز شامل والإنسان مشمول. وقل إن شئت، كما ورد في بعض التعريفات الإسلامية القديمة، فالحيز شاغل والإنسان به مشغول. فلا يمكن لأيّ كائنٍ حيّ، كما لايمكن لأيّ آلة أيضاً، أن تكون، أو تتحرك، إلاّ في إطار الحيز الذي استهوى تفكير الفلاسفة منذ القديم فحاولوا فلسفته، وتحديده، ومفْهَمته(2).

وإذا كان المكان بالمفهوم الماديّ المحسوس لا يكاد يعنى به إلاّ الجغرافيّون؛ وإذا كان المكان بالمفهوم العامّ المجرد لا يعنى به إلاّ الفلاسفة؛ فإن الحيز، كما نتصوّره نحن، عالم شديد التعقيد، متناهي التركيب، يتشكّل بلا حدود، ويتنوع في أفق مفتوح…. ومن العسير الانتهاءُ فيه، نتيجةً لذلك، إلى تعريف صارم، وحكم قائم. ولعلّ سعة مفهوم الحيز وامتداد أبعاد مدلولاته هما اللذان جعلانا نُعْنَى به من الوجهة الأدبية الخالصة فنجتهد في بلورة مفهومه ضمن إطار الأدب البحث، لا ضمن إطار الفلسفة المجرد؛ وضمن إطار الخيال المجنّح، لا ضمن إطار الواقع المحدَّد.

ولقد كان للحيز شأنٌ شريف في أخيلة قدماء الشعراء العرب حيث استرعى أخيلة شعراء أهل الجاهلية فكان له لديهم أهمَّيةٌ فبكَوْهُ من خلال بكاء آهِلِه، وأحبّوه ضمن حُبِّ قاطنه، وحزِنوا عليه عبر الحزن على مُزايله؛ فإذا الشعر الجاهليّ بعامة، والمعلّقات بخاصة؛ تعجّ بذكر الأحياز عجيجاً، وتلهج بسردها ومَوْقَعَتِها لهجاً. ولعلّ أشهر بيت في الأدب العربي على وجه الإطلاق وهو:

قفا نبْكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزِلِ

بِسقْطِ اللِّوى بين الدّخول فَحَومَلِ

قائمٌ نسْجُه على ذكر الأمكنة، والحنين إليها، والازدلاف منها، والبكاء عليها، وبالتلذّذ بتردادها: فقرِنَتْ الحبيبة الذاهبة بالحيز الباقي، وبُكِيَتْ الراحلة بالمكان الدارس، والرسم البالي. ففي هذا البيت الذي يكمّله صِنْوُهُ الذي يليه، تصادفنا سلسلة من الأحياز الشعرية كأنّ النّاصّ كان يحرص أشدّ الحرص على أن يحدّد لنا من خلالها دار حبيبته، وموطن حبه، ومَسْقَطَ ذكرياته -أو لم نجده يُمَوقِعُ دار هذه الحبيبة بهذا المكان الذي لاتعرف الجغرافيا عنه شيئاً يذكر- وهو سِقْط اللِّوى- وإن كان الشعر قد يعرف عنه شيئاً يذكر…؟ ثم ألم تَمَوْقَعْ هذه الدار بين أربعة أمكنةٍ أخراةٍ كيما تكون هي واسطة عِقْدِها، ومركَزَ مَواقِعِها…؟

إنّ الشاعر العربيّ القديم لم يكن قادراً على قيل الشعر خارج المكان الذي كان يملأ عليه نفسه وروحه، ولا بالتخيّل خارج حبل الحنين العارم الذي كان يشدّه إلى هذا المكان شدّاً؛ فكان المكان، بالقياس إليه، بمثابة المادّة الكريمة التي يستمدّ منها إلهامه؛ بينما كانت الحبيبة، التي تقطنه، ثم تحمّلت عنه وزايلته إلى غير إياب، هي ينبوع الإلهام الثّرّ الذي  كان يستلهمه: فيجهش بالبكاء، وتتبجّس نفسه بالحنين، ويطلق لسانه في الوصف، ويرسل ذاكرته مع الزمن الذاهب، والعهد الغابر، ثم لا يزال ينسج على الذكرى، والبكى، والحنين، نسوجاً متفرّعة عنها تقوم في وصف الناقة التي بفضلها استطاع أن يَعُوجَ على حيز الذكرى، ويَمرَّ دار الحبيبة المتحمّلة. كما تقوم في وصف البقرة الوحشية التي كانت تذكّره عيناها بعينيها؛ وفي وصف الرئم الذي كان يذكّره بياضه ببياضها، وجيدُه بجيدها، ورشاقته برشاقتها…. فحتى ما قد يَبدو، لأول وهلة، منفصلاً عن ملحمة المكان، بعيداً عن مناسبته، هو في حقيقته مُنْطَلقٌ منه، صابٌّ فيه، مُفْضٍ إليه. فلولا الناقةُ لما استطاع الشاعر الجاهليّ أن يعوج على طلل الديار المُقْفِرَةِ. ولكن ما كان ليكون لهذه الناقة شأنٌ لو ضربت به في أقاصي الأرض الشاسعة دون المَعاجِ على ذلك المكان الذي لم يكن يتجانَفُ عنه؛ وإنه كان، فيما يبدو، يتعّمد الجنوح له، والمَيْل عليه.

ذلك، وقد ذهب جميل صليبا إلى أنه لا تمييز في المعنى بين المكان والحيز(3). والأسوأ من ذلك أنه ذكر لفظ (espace) مرادفاً للمكان في عنوان مقالته، ثم لم يلبث، من بعد ذلك، أن أطْلَقَ عليه “المحل” أيضاً، وكتب مُقابِلَه الفرنسيّ بين قوسين وهو (lieu): ليتضح المعنى في الذهن، وليتبدّد الغموض من العقل. ونحن لا نوافقه على ذلك:

1- لأننا نرى أن المكان لا ينبغي أن يكون مرادفاً للفظ الفرنسي (espace) والانجليزيّ (space) والإيطاليّ (spazio)؛ إذ لا أحد من عقلاء الأمم الغريبة يطلق (le lieu) على (L’espace) ولا ( L’espace) على المكان إن ( Lelieu ) ليس المحلّ بالمفهوم الضيق، وإنما هو المكان.

وقد ألفينا الشيخ يعقد مادة أخراة في معجمه، تماشياً مع معجمات الفلسفة العالمية، تحت عنوان: “الأين” ويترجمها أيضاً بـ (lieu)(4). بيد أنه يلْبِسُه، تارة أخراة، بالحيز. ولم نجده خصّ هذا المصطلح بمادة على حدةٍ، كما كنا رأينا، حيث تناوله تحت مصطلح “المكان” الذي يبدو أنّ مفهومه ظلّ يلتبس، في المقررات الفلسفية العربية، بالمحلّ والحيز التباساً شديداً على الرغم من وجود بعض الإشارات التي توحي، في مقررات الفلاسفة المسلمين، بجزئيّة الأين، وكلية المكان.

وكنّا نودّ لو أنّ مصطلح (espace) ترجم تحت مصطلح الحيز الذي نتعصب له وننضح عنه، ومصطلح (lieu) تحت مصطلح المكان. وكنّا نودّ لو أنهم دقّقوا في شأنه تدقيقاً صارماً في ضوء المفاهيم الفلسفية المعاصرة التي بلورت إلى حدّ بعيد. وبدون ذلك، وفي انتظار ذلك أيضاً، سيظلّ الالتباس شأننا، والخلط سيرتنا، في اصطناع هذه المفاهيم التي هي موجودة، أصلاً، في التراث الفكري العربي الإسلاميّ؛ وإنما الذي ينقصها هو التطوير والتدقيق، والتوسعة والبلورة.

وإذن، فإننا نعتقد بسوء الترجمة التي اجتهد فيها جميل صليبا فاتخذها مقابلاً للمصطلح الغربي (Espase).وقد نشأ عن هذا المنطلق الذي نعتقد أنه خاطئ، تصوّر خاطئ، والشيخ يعرف هذا حقّ المعرفة.

وفي هذه الحال، قد يكون مصطلح “الفضاء” حين يتخذه النقاد العرب المعاصرون مرادفاً لـ (l’espace): أهون شرّاً، وأخفّ ضرّاً، وإنما تردّدنا، نحن، في متابعة أولاء النقاد في اصطناع هذا المصطلح لما أحسسناه، من الوجهة الدلالية، من سعة معناه؛ فهو عامّ جداً. وإذا كان النقاد الغربيون يصطنعون مصطلح (l’espasce)، فلأنهم لا يريدون به حتماً إلى المكان، ولا إلى الفضاء بمعناه الشامل أيضاً؛ حيث كيّفوه فصرفوه في مصارف ضيقة فأفادوا من هذا الصرف. من أجل كلّ ذلك ترجمناه نحن بـ “الحيز” (5) لاعتقادنا بأنه بمقدار ما هو ضيّق الدلالة أو دقيقها حين ينصرف الشأن إلى معنى المكان؛ بمقدار ما هو أشدّ تسلطاً، وأقدر قدرة على التنّوع الدلاليّ الذي وضع له بحيث لا يمتنع في الغرب، كما لا يمتنع في دلالة الحيز، بالمعنى الذي نريده له، أن يتمطّط ويتمدّد، ويتشعّب ويتبدّد، ويتحرك نحو الوراء كما يمكنه أن يتحرك نحو الأمام، ويَصَّاعَدَ إزاء الأعلى كما يهوي إزاء الأدنى: ينكمش كما ينطلق، ويتقلّص كما يتطالل.

وقد تعامل الفلاسفة المسلمون، ولكن بشيء من الغموض الذي لايُنْكَر؛ فهو لدى ابن سينا مثلاً: “السطح الباطن من الجرْم الحاوي المماسّ للسطح الظاهر للجسم المَحّوِيّ” (6). فالمكان لدى ابن سينا إذاً: سطح يتفرع عن السطح الأصليّ (الظاهر) الذي يَظْرِفُ الجسم (ولعل الجسم هنا بالمفهوم الفيزيائي، لا بالمفهوم المعجميّ البسيط). فكأنّ المكان لديه جزء مِمَّنْ، أو ممّا، يتجزّأ في المكان. أو قل: هو بعضٌ أدنى، لكلّ أعلى؛ أو جزء باطن، لكلّ ظاهر. فالحيز لديه (وذلك إذا حقّ أن نمرق به عن المتصوّر في ذهن ابن سينا أصلاً) كأنه مجرد هيئة محدودة في المكان؛ فالمكان أعمّ منها وأشمل؛ فما قولك في الفضاء الذي زعمنا أنه أوسع سعةً في الدلالة من المكان. ولو ذهبنا نتلطّف في قراءة تعريف ابن سينا للمكان لألفيناه يدنو به إلى أدنى مستواه الدلاليّ. وكأنه كان يريد به، في منظورنا، إلى الحيز فطفر في تعبيره المكان.

وأيّاً كان الشأن، فإنّ المكان لدى جميل صليبا هو الحيز نفسه بصريح عبارته (7). لا فرق بينهما و لاتمييز. ولا اختلاف في معناها ولا ابتعاد. هذا ذلك، وذلك هذا. فأيّما مفكّرٍ اصطنع الحيز فهو إنما يريد، أو يجب أن يريد، إلى معنى المكان. وأيّما ناقد استعمل المكان في كتابته، أو تفكيره، فهو إنما يريد غالباً إلى الحيز. وهذا أمر لانتفق معه عليه.

وإذا كان علماء الكلام كانوا يرون أنّ الحيز، أو المكان (ما دام الفلاسفة العرب المسلمون، فيما يبدو، لم يميزوا المكان من الحيز، ولا الحيز من المكان بدقّة معرفية صارمة) هو “الفراغ” المتوهّم الذي يشغله الجسم، وينفذ فيه أبعاده”(8)؛ فإننا نلاحظ على هذا التعريف:

1-أنهم يصطنعون “الفراغ المتوهم”، وكأنهم كانوا يؤمنون ببعض ذلك إلى أنّ الحيز لا يَرِدُ على الحقيقة؛ وإنما يَرِدُ على التخيّل والتوهُّم. وكأنه ينشأ عن هذا أنّ هذا التعريف أليق بالحيز كما نتمثله نحن في الأدب، منه بالفلسفة التي تنشد الدقة والإحاطة والصرامة والشمول الذي لا يغادر شيئاً ولا يتّركه إلاّ قرّره وناقشه.

2-إنّ هذا “الفراغ المتوهّم” يجب أن يضادّه “الفراغ المدرَك”. فكان الأولى، في تصورنا، اصطناع هذا المصطلح الموصوف؛ إذ كان لفظ التوهّم، في اللغة العربية، منصرفاً لمعاني الغلط، وسوء الإدراك، والإغراق في السهو، والوقوع في التخيّل الشاحب أكثر مما هو منصرف إلى الدلالة والإدراك الدقيق (9).ولعلّ الآية على ذلك قول زهير:

فلأياً عرفْتُ الدارَ بعد تَوَهُّمِ*

حيث إن المعرفة والإدراك جاءا بعد معاناة التوهّم، ومكابدة التخيّل. وإذاً، فإنّا لا ندري كيف يَلْبِسُ هؤلاء المتكلمون التوهّم بالتحقّق، ومجرّد التخيّل بالإدراك الصارم؟

3-أنهم يربطون هيئة هذا الفراغ، وهو غير الحيز لدينا (إذ ما أكثر من يكون الحيز في تمثّلنا عامراً لا خاوياً، وممتلئاً لا فارغاً) بوجود جسم ما يشغله ويملؤه. فكأنّ المكان لديهم كلّ حيز مشغول بجسم متشِكّل فيه، ماثلٍ فوق سطحه.

على حين أنّ المكان لدى الحكماء الإشراقيين يتمثلونه “بعداً منقسماً في جميع الجهات، مساوياً للبعد الذي في الجسم، بحيث ينطبق أحدهما على الآخر، سارياً فيه بكلّيّته”(10).

ولا نحسب أنّ هذا التعريف يبتعد كثيراً في إجماله عن تعريف المتكلّمين؛ وإنما يختلف عن تعريفهم في تفصيله؛ إذ تصوّر الإشراقيين للمكان أنه يتساوى، ضرورة، بَعْدُهُ بالبُعْد الذي في الجسم. فكأنّ المكان لا تتجسّد كينونته إلاّ بالكائن فيه؛ فتساوي بُعْد المكان بالبعد الكائن فيه لا يعني إلاّ بعض ذلك.

والحق أَنّ هَذا التعريف لا يكاد يختلف عن التعريف الشائع في الفلسفة العامة (11)؛ وإنما المزعج في تمثّل الفلاسفة المسلمين هو عدم مَيْزِهِمُ المكان (lieu) من الحيز (espace) والحيز من المكان؛ مع أنهما مفهومان مختلفان في مقررات الفلسفة العامة؛ إذ كلّ منهما يذكر في بابه، لا في باب الآخر (12).

من أجل ذلك لا نحسبنا مغالطين حين كنا زعمنا أنّ المفكرين العرب بعامة، والمحدثين منهم بخاصة، لا يكادون يَميزون المكان من الحيز، ولا الحيز من المكان، ولا المكان من المحل، الذي قرر فيه جميل صليبا ما قرر حين كتب: “المكان الموضع، وجمعه أمكنة، وهو المحل (lieu) المحدد الذي يشغله الجسم” (13). بينما نلفيه يطلق لفظ “lieu” الفرنسي، في موطن آخر، على الأين، في معجمه (14): فبأيّ القولين أو الأقوال نعمل؟ وما هذا الخلط المبين؟

إنّ الحيز، لدينا، لا يرتبط وجوده ولا مثوله، ضرورة، بالجسم الذي يشغله؛ لأننا نعدّ هذا الجسم الذي يشغله في حد ذاته حيزاً قائماً بنفسه فيه؛ فالشجرة لدينا من حيث هي هيئة نباتيّة تتكوّن من جذع وأغصان وفروع وأوراق: حيز يشغل مكاناً (وهذا المكان يشغل فضاء، وهذا الفضاء يشغل كوناً) إلاّ أنّ المكان لايكون إلاّ  بهذا الحيز. فالحيز متفرّع، في تصوّرنا، عن المكان. فالمكان أصل ثابت، قائمٌ، باقٍ، لأنه مستقرّ الكينونة ذاتها، ولأنه موئل للكائنات من حيث هي لا تستطيع أن تُفْلِتَ من قبضته: صغيرة أو كبيرة، عاقلة أو غير عاقلة. فكما أن المَقام (بفتح الميم) مستقرّ للقيام من حيث هو هيئة حيزية، فإنّ المكان مستقرّ للكيان من حيث هو؛ فلا كينونة إلا بمكان. ولا مكان إلاّ بكينونة. فهما متلازمان لا يفترقان. بينما الحيز مجرد هيئة تعرض عبر المكان ذاته. من أجل ذلك ألفينا أرسطوطاليس يقرر، منذ القدم، أنّ المكان لا يتحرك، وأنه محيط بالشيء الذي فيه، وأنه ليس بجزء مما يحتويه (15). وإذا كان المكان ثابتاً باقياً، فإنّ الحيز عارض ناشئ طارئٌ فانٍ؛ وهو قابل للتغير والتبدل، والتمظهر والتشكّل.

خذ لذلك مثلاً آخر الشخصية الروائية حين تتنقّل في حيزها من نقطة (1)، ثم تتوقف إما للاضطرار، وإما على سبيل الاختيار في نقطة (ب)، لتنتهي إلى نقطة (ج) حيث تقضي حاجتها، ثم تعود إلى نقطة (ا)، ولكن عن طريق نقطة(د)، لا عن طريق نقطة (ب): فإننا نعدّ حركتها هذه حيزاً متحركاً عبر المكان.

فنحن إذاً، وبنعمة الله، نختلف مع الفلاسفة المسلمين الذين يربطون وجود المكان بالجسم الذي يشغله، فالمكان لديهم غائب ومنعدم خارج شغل الجسم إياه. ذلك ما فهمناه من مضمون تعريفهم ومنطوقه أيضاً. كما نختلف مع النقاد العرب المعاصرين الذي لا نراهم يتعاملون، في الغالب، إلاّ مع المكان الجغرافيّ (في التحليلات المُنْجَزَةِ حول السرديات مثلاً). أما حين يَمْرُقون به عن هذا الإطار، ويتناولون به الشعر تحت مصطلح “الفضاء”، فإننا لم نُلْفِهِمِ، وذلك في حدود إلمامنا بكتاباتهم التي يكتبون، تناولوا مفهوم الفضاء، من حيث هو مصطلح كما أرادوه أن يكون، فعرّفوه، وبلوروا دلالته انطلاقاً من الدلالة المعجمية إلى الدلالة المُصْطلحاتيّة.

إن الحيز، كما نتصوره نحن، هو هيئة تتخذ لها أشكالاً مختلفة لا نهاية لتمثّلها: فتعرض لنا ناتئة ومقَعَّرةً، ومسطّحة، ومستقيمة، ومعوّجة، وعريضة، وطويلة؛ كما تمْثُلُ لنا في صورة خطوط، وأبعاد، وأحجام، وأوزان، دون أن ترتبط، بالضرورة، بما، أو بِمَنْ، فيها.

ذلك، وأنّ في البادية العربيّة، أو في الحيز العاري، أو في الحيز المفترض كذلك: قد نلفي كلّ شجرة ذات دلالة، وكلّ نبتة ذا معنى، وكلّ صخرة ذات شأن، وكلّ منعطف طريق ذا مغزى، وكلّ عين ماء ذات خبر، وكلّ كثيب رمل ذا خطر…. حيث الحيز، ضمن ذلك الفضاء المنساح، هناك، أساس العلاقات بين الناس، وأساس التفكير في معنى الوجود، بل أساس العبادات والازدلاف إلى الله…

ذلك بأنّ العرب كانوا يثوون بأرض براح، فلم يكن يحول بينهم وبين تلك الأحياز العارية في كثير منها، حائل، ولم يكن يحجز بينهم وبين تلك الأمكنة المتنوعة المناظر حاجز: فكانت ألصق بقلوبهم وأعلق بنفوسهم، وأمثل في أبصارهم وبصائرهم فلا تكاد تمحّي منها أو تزول. ذلك إلى ما كانوا يحيونه فيها، أو في بعضها على الأقلّ، من جميل الذكريات، وما كانوا يقضّونه فيها من معسول اللحظات…

وللأحياز في هذه المعلّقات السبع حقّ علينا أن نصنّفها، انطلاقاً من قراءتها، لنرى ما كان يربطها، وما كان يناسب بينها: إذ هناك أحياز دالّة على المياه، وأخراة دالّة على الطرقات والمسالك، كما نلفي أحيازاً دالّة على الروابي والجبال، وأخراة دالّة على التلدات وكثبان الرمال….

وليس غريباً أن يكون للحيز شأن أهمّ في حياة أولئك الأعراب البادين من الحيز لدينا نحن اليوم الذي أصبحوا يتنقّلون في المدن الكبرى بباطن الأرض، ويسافرون بين القارات، وربما بين المدن المتقاربة أو المتباعدة، في الجوّ….. فلم يعد للحيز، كما نرى، في حياتنا الروحية والعاطفية والاجتماعية ما كان له في أخيلة أولئك الشعراء وعواطفهم الجياشة، ومشاعرهم الفياضة.

وعلى الرغم من أنّ شعراء المعلّقات كثيراً ماكانوا يذكرون أماكن جغرافيّة لا تبرح معروفة إلى يومنا هذا مثل الحجاز، والعراق، ودمشق وقاصرين، واليمامة، وبعلبكّ، ونجد…..، وأماكن مقدّسة في الجاهليّة والإسلام مثل البيت الحرام، وأماكن مقدّسة في الجاهلية فقط إذ ترتبط بالطقوس الوثنيّة مثل صنم دوار: فإنّ الأغلبيّة الغالبة من الأمكنة الأخراة تنضوي تحت الحيز الشعريّ المحض.

ولقد بلغ عدد هذه الأمكنة في المعلّقات زهاء ثلاثة ومائة موزّعة خمسة وعشرين حيزاً في معلّقة امرئ القيس وحدها، وثلاثة وعشرين في معلّقة الحارث بن حلّزة، وتسعة عشر لدى لبيد، واثني عشر لدى زهير، وعشرة لدى عنترة وعمرو بن كلثوم، بينما لم يرد في معلّقة طرفة إلاّ أربعة أحياز فحسب.

ذلك، وأنّا لاحظنا أنّ هناك أحيازاً يشترك في ذكرها أكثر من معلقاتيّ واحد، مثل: وجرة: التي يشترك في ذكرها امرؤ القيس ولبيد،

وتوضح: الذي يشترك في ذكره امرؤ القيس ولبيد أيضاً.

والقنان: الذي يشترك في ذكره امرؤ القيس وزهير بن أبي سلمى (وورد لدى زهير مرتين اثنتين).

والمتثلّم: الذي ورد ذكره لدى زهير وعنترة.

وبرقة: التي وردت في معلّقتي الحارث بن حلّزة وطرفة بن العبد.

وخزازى: الذي اشترك في ذكرها، أو ذكره، الحارث بن حلّزة وعمرو بن كلثوم.

فهؤلاء المعلّقاتيّون يشتركون في ذكر أمكنة بأعيانها؛ ممّا يدلّ على وحدة الثقافة، ووحدة الخيال؛ كما يشتركون في ذكر أحياز كثيرة تختلف من معلّقاتيٍّ إلى آخر، إلاّ أنّ الاشتراك في ذكرها، والحرص على سردها: قد لايعني إلاّ شيئاً واحداً، من منظورنا الخاصّ على الأقلّ؛ وهو وحدة الخيال -كما أسلفنا القال- لديهم، ووحدة التقاليد الشعرية في ممارساتهم؛ وإلاّ فَلِمَ لم يَشُذَّ واحدٌ منهم عن البكاء على الديار، وعن النسيب بالنساء؟ وإذا كان عالي سرحان القرشي يذهب إلى انعدام وحدة الرؤية الفنيّة في المعلّقات السبع (16)؛ فإننا لا نذهب مذهبة، ولا نتقبّل رأيه الذي تدلّ بعض مقررات مقالته على ضده، وذلك حين يقرر، ضمنيّاً، وحدة الرؤية الفنية في المعلّقات السبع من حيث يقرر منطوقاً مغايرتها واختلافها إذ يقول:

“ولو نظرنا إلى كلّ قصيدة من المعلّقات على حدة، لوجدنا لكلّ معلّقة بناء مغايراً لبناء المعلّقة الأخرى، حتى وأن تشابهت في بعض الجزئيّات مع المعلّقات الأخرى” (17).

وإنّا لنختلف معه، لأنّنا كنّا حاولنا إثبات الوحدة الفنيّة والبنوية (ولا نقول البنائيّة لأنّ البناء عامّ، والبنية خاصة. والغربيّون يَمِيزُونَ هذا من ذلك مَيْزاً كبيراً….) في المقالة التي وقفناها، ضمن هذا البحث، على بنية الطلليّات المعلّقاتيّة….

ولا ينبغي أن يُنْظَرَ إلى مسألة اختلاف بنية المعلّقات نظرة سطحيّة، أو عجلى؛ إذ لو جئنا نتابع اللغة الفنيّة، أو حتى اللغة في مستواها المعجميّ البَحْت؛ لألفينا أولاء المعلقاتيين يلتقون التقاء عجيباً في اصطناع اللغة الشعرية (18)، وفي لغة الوصف، وفي لغة الألوان، وفي الإيلاع الشديد بذكر مواطن الماء
(وقد أومأ إلى بعض الأستاذ سرحان نفسه، وإن لم يذكره في السياق الذي نودّ نحن ذكره فيه)، وفي الكَلَف الشديد بذكر الأحياز المتفِقَةِ الأسامي، أو المتشابهتها، وفي الإيقاع الشعريّ (أربع معلّقات وردت على إيقاع الطويل مثلاً)(19). يضاف إلى كلّ ذلك المضمون الحضاريّ العامّ: الطلل -المرأة -الناقة- الفرس- البقرة الوحشيّة- الظبي والرئم- النعامة….

فلا معلّقاتيّ يختلف عن الآخر إلاّ بما حبته به الطبيعة من تفرّد ذاتيّ ضيّق، أمّا البناء الفنيّ العامّ للقصيدة الجاهليّة بعامة، والقصيدة المعلّقة بخاصة؛ فإنه كان متشابهاً متقارباً، يكاد يغترف من ثقافة شعريّة واحدة، ويكاد يصف بيئة اجتماعية، وجغرافية أيضاً، واحدة. فقد كانت، إذن، مواقفهم، وأحداثهم، ومشاهدهم، وصورهم، ومعانيهم، وتعابيرهم، وتجاربهم، وتقاليدهم، ورؤيتهم إلى العالم، وإدراكهم للكون: تَتَشاكَهُ تشَاكُهاً يوحي بصدور هذا الأدب عن عقل متّحد، وفكر جماعيّ ذي مصدر متشابه. ذلك بأنّ المعاني والصور والتعابير والتراكيب تبدو أناشيد جماعيّة “أبدعها عقل الأمة، ونظمها ضميرها” (20).

إنّ المعلّقات تنهض على بنية ثلاثيّة، كما كنّا عالجنا ذلك بتفصيل في المقالة السابقة، تتمثّل خصوصاً في الطلل، والمرأة، ثم: إمّا في الناقة، وأما في الفرس، وأما في مضمون آخر: فهناك إذن: ا+ب: وهما عنصران -ربما- لايخطئان حتّى معلّقة عمرو بن كلثوم التي استثناها الأستاذ القرشي…. فهما إذن عنصران ثابتان، ثم ترى الشاعر المعلقاتي يثّلث بمضون قد يتفق فيه مع سَوائِهِ (الناقة: طرفة- لبيد- عنترة، والفرس: امرؤ القيس- عنترة- وربما عمرو بن كلثوم، والحرب: زهير- الحارث بن حلّزة- عمرو بن كلثوم)….

وأمّا مسألة شذوذ عمرو بن كلثوم في أنه لم يذكر الطلل، فإننا نعتقد أنّ هذا الاستثناء يقوم إذا تابعنا الترتيب الوارد لدى الزوزنيّ لهذه المعلّقة التي نعتقد أنّ ترتيبها يحتاج إلى إعادة ترتيب…. ذلك بأنّا نعتقد أن المطلع الحقيقيّ لهذه المعلّقة هو:

قفي قبل التفرق يا ظعينا

نُخَبِّرْك الِيقينا وتُخْبِرينَا

قفي نسألْكِ هل أحدثْتِ صَرْماً

لِوَشْكِ البَيْنِ أم خُنْتِ الأَمينا؟

ليأتي من بعد ذلك:

ألا هُبّي بصحنِكِ فاصْبَحينا

ولا تُبْقي خُمور الأندرينا

ليأتي:

وأنّا سوف تدركنا المَنايا

مقدّرةً لنا ومُقَدَّرينَا

قبل:

بيوم كريهة ضربا وطعنا

أقَرَّ به مواليك العيونا

فتكون بنيةُ هذه المعلّقة قائمةً على التزام الوقوف على الطلل مضموناً يدلّ عليه منطوقه:

قفي قبل التفرّق يا ظعينا

نُخَبِّركِ اليقينا وتُخبْرِينا

فهذه المرأة كانت ظاعنة لا مستقرّة، أزمعت الفراق، وآذنته بالبين، فتحمّلت في خدرها، عن حيّها…. فامرؤ القيس يتحدث عن البين:

كأنّي غداة البين يوم تحملّوا

لدى سَمُراتِ الحيّ ناقفُ حنظل

وعمرو بن كلثوم يتحدث عن وشك هذا البين:

لو شك البين أم خنتِ الأمينا؟

يوم ركبت الحبيبة ناقتها، وأزمعت التّظعان، وهمّت بالتَّزيالِ: فأين البَوْنُ، في هذا البين؟ شاعر جعل البين في الماضي فسرد وحكى، وشاعر آخر جعله في الحاضر فتساءل واستخبر أحدهما يقول:

قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل

وأحدهما الآخر يقول:

قفي قبل التفرق يا ظعينا:

الوقوف، والبين، والكشح، والمتن، وطول القامة، والساقان… فأين البَوْنُ، تارة أخراة؟ وعلى الرغم من أنّ الناس سيعترضون على هذا الترتيب الجديد الذي اقترحنا إجراءه على معلّقة عمرو بن كلثوم، وأن المطلع الذي جاءت عليه لدى الأقدمين هو المطلع الصحيح؛ فإننا لا نرى حلاًّ لهذه المسألة الفنية -إلحاق معلّقة عمرو بن كلثوم بمجموعة المعلّقات- غير إجراء هذا التغيير على ترتيبها… ولعلّ حجتنا في ذلك أنّ كافّة المعلّقاتيّين ممّن تحدثوا عن الخمر، مثل عنترة وطرفة، لم يبدأوا معلّقاتهم بالحديث عن الخمر، وإنما بدأوها بالحديث عن الطلل والمرأة، فكيف يشذّ عنهم عمرو بن كلثوم، والحال أنّ شعره الذي اقترحناه مطلعاً لمعلّقته وارد فيها؟ ألا يكون ذلك مجرد اضطراب وقع في الترتيب؟ وإلاّ فإنّ هذا الشعر أسهل ألفاظاً من أن يكون جاهليّاً!….

وأيّاً كان الشأن، فإنّ الثقافة الشعريّة واحدة لدى المعلّقاتين، حتى فيما قد يبدو لنا مختلفاً، فلا يمكن فهم معلقّة امرئ القيس إِلاّ في صَبِّهَا في الخضمّ الشعريّ المعلّقاتيّ العامّ؛ كما لا يمكن فهم زهير في تأملاته إلاّ بقرن شعره ببعض شعر طرفة، ولا فهم معلّقة الحارث بن حلّزة إلاّ في الإطار التاريخي والقَبَليّ للسياق الذي وردتْ فيه معلقة عمرو بن كلثوم، وهلمّ جرا…

فالمعلّقات مدرسة شعريّة، ولا ينبغي أن تُدْرَسَ إلاّ ضمن هذا المنظور الفنيّ، وضمن وحدة التصور لدى المعلقّاتيّين؛ إذ كانت تضطرب في مُضْطَربٍ حيزيّ واحد، وتَدْرُجُ ضِمْنَ وحدةٍ زمنيةٍ واحدة أيضاً. فمعظم هذه المعلّقات قيل في قرن واحد، وفي بلاد العرب، فكيف يمكنُ مدارَسَتُها منفصلة عن بعضها بعض، والتماس مواطن الاختلاف بينها على أساس تفرّدٍ غير واردٍ، وتميّز غيرِ ماثلٍ. إنّ كلّ ما في الأمر أنّ المعلّقاتيّ قد يختلف عن الآخر في تفاصيل بعض المضامين المتناولة كتفرّد امرئ القيس بوصف الليل، وتفرّد لبيد بوصف البقرة الوحشية… ولكنّ الاختلاف الفنيّ لا ينبغي أن يُلْتَمَسَ في مثل هذه التفاصيل المضمونيّة، ولكن يلتمس في مستوى البنية العامة للمعلّقة التي تظلّ، في رأينا، هي هي: لدى هؤلاء مثل لدى أولئك، في معظم تماثلاتها الفنية…. وفيما يلي نحاول متابعة الأحياز وأنواعها التي وردت في المعلقات.

أولاً: الحيز المائل:

لقد صادفتْنا أحياز كثيرة تضطرب في الماء- كما سيستبين ذلك بالتفصيل في المقالة التالية من هذا البحث- أو تحيل على ماء، وتركض في سائل، أو توحي بمثولها فيما له دلالة على هذا السائل. ونحن حين ندارس الحيز لا نريد أن نحلّله على ظاهره، ونمضي عنه عِجَالاً؛ ولكننا نريد أن نتوقف لديه توقّفا، ونسائله مُساءَلَةً، ونَلوُصه على ما رَسَمْنا نحن في ذهننا من تأويليّة القراءة الأدبيّة التي هي حقّ أدبيّ مشروع للناقد إلى يوم القيامة.

فنحن حين نقرأ، كما يذهب إلى بعض ذلك امبرتوايكو(21)، لا ينبغي، وبالضرورة الحتميّة، أن نهتدي السبيلَ إلى ما كان يريد إليه الناصّ من نصّه؛ فإنما الذي يزعم شيئاً من ذلك هو، حتماً، مكابِرٌ أو مغالط؛ ولكننا، إذن، نقرأ النص على أساس ما نريده له نَحْن… بيد أنّ ذلك لا ينبغي له أن يكون خارج سياقه، ولا بعيداً عن إطار مضمونه…

ولولا أن لكلّ شيء حدّاً، وما جاوز الحدّ انقلب إلى سوء الضدّ؛ لَكُنَّا أَقدمنا على إِملاء مجلّد كامل في أنواع الحيز في المعلّقات… ومن أجل أن لا نقع في بعض ذلك، سنجتزئ بالتوقّف لدى نَماذِجَ قليلةٍ من أصناف هذا الحيز لِنَذَرَ لِمَنْ شاء أن ينسج على نهجنا المجال مفتوحاً…

* ولا سيّما يوم بدارة جلجل:

لقد ذهب الأقدمون، ومنهم ابن قتيبة(22)، والقرشي(23) إلى أنّ دارة جلجل غدير ماء كان يقع”بين شعبى وبين حسلات، وبين وادي المياه، وبين البردان -وهي دار الضباب- ممّا يواجه نخيل بني فزارة… وفي كتاب جزيرة العرب للأصمعي: دارة جلجل من منازل حجر الكندي بنجد” (24). ويبدو أنّ الناس كانوا يستحمّون فيه، وكانوا، فيما يبدو، يوردون إبلهم وأنعامهم فيه. وربما كانت العذارى يُيَمِمّنَه لينغمسن فيه، ويستمتعن بمائه تحت وهج شمس نجد، وَكُلْبة حرارتها، وأوج حمارتّها.

ونحن لم نر حكاية أدنى إلى المشاهد السينمائيّة منها بالحقيقة من حكاية دارة جلجل. فهي كما رواها الفرزدق عن جده -وهي الرواية الوحيدة التي ترددت في المصادر القديمة(25)- لا تخلو من تناقض:

فالأولى: كيف يحقّ لامرئ القيس، هذا الفتى الذي كان موصوفاً، أو كان يصف نفسه، بالإباحيّة والمجون أن يفضح سرباً من حسناوات الحيّ فيهِنَّ ابنةُ عمه فاطمة؟ وهل كان العربيّ يسمح بأن يهان شرفه إلى هذا الحدّ؟ وهل قتل عمرو بن كلثوم عمرو بن هند إِلاّ لأَنَّ أمه أرادَتْ أن تصطنع ليلى-أم عمرو بن كلثوم- حين التمست منها مناولتها الطبق(26)؟ فكيف يجرؤ العربيّ على قتل ملك همام من أجل هذه الحادثة، ولا يقتل حين تعرّى أخته أو حليلته أو ابنته اغتصاباً، وتهان في شرفها، والشمس متوهّجة، والنهار في ضحاه!؟

أَيْما ما قد يعترض به علينا مُعْتَرِضٌ -ولو على وجه الافتراض والتوقع- من أنّ امرأ القيس كان أميراً، ولم يكن أحد بقادر على أن يعرض له بسوء؛ فإننا نعترض عليه، كما اعْتُرِضَ علينا على سبيل الافتراض على الأقلّ، بأنّ إمارته لم تكن بقادرة على أن تشفع له في أن يفعل ذلك؛ وأنّ إمارته، على كلّ حال، كانت نسبيّة، كما كانت ملكيّة أبيه على بني أسد نسبية أيضاً؛ إذ لم يكن أبوه، في تمثّلنا، أكثر من شيخ قبيلة في حقيقة الأمر؛ وإلاّ فأين آثار مملكته، ومخلّفات حضارته؟ ثم من كان أعزّ نفراً، وأحدُّ شوْكاً، وأرفع قدراً: عمرو بن هند ملك الحيرة أم الملك الضلّيل؟

وإذن، فالضعف الأوّل يأتي إلى هذه الحكاية من هذه الناحية.

والثانية: كيف يتفرّد النساء هذا التفرّد بالمسير فلا يخبر بشأنهنّ عبد، ولا تشي بأمرهنّ أمة:

يتخلّفن وجهاً كاملاً من النهار دون أن يقلق على مصيرهنّ رجالهنّ فيسألوا عنهنّ…؟

والثالثة: كيف تتحدث حكاية دارة جلجل عن العبيد الذين جمعوا الحطب، وأجّجوا النار، فكان امرؤ القيس”ينبذ إلى الخدم من ذلك الكباب(المتّخذ من لحم المطيّة المذبوحة للعذارى) حتى شبعوا”(27)؟ وهل كان الشَّيءُّ للحِسَانِ، أم للإماء والغلمان؟ ثمّ كيف تسكت الحكاية و عن ذكر أيّ أنيس من الرجال، لدى إِرادة انغماس الفتيات في ماء الغدير، ولدى إصرار امرئ القيس على أن لا يسلّم أياً منهنّ ملابسها إِلاّ إذا ما خرجت من ماء الغدير عارية، واستعرضت جسدها أمامه مقبلة ومدبرة، وكما ولدتها أمها!.. ثمّ فجأة يظهر العبيد حين يقرر الشاعر نحر مطيّته للنساء؟ ألم يكن ظهور هؤلاء العبيد لمجرد غاية فنيّة، لا من أجل غاية واقعيّة حتّى تجنّب الحكاية امرأ القيس تكلّف جمع الحطب على أساس أنه سيّد أمير، وتجنّب، في الوقت ذاته، أولئك النساء اللواتي كنّ يصطحبن فاطمة ابنة عمّ امرئ القيس على أساس أنهنّ سيدات عقيلات، لأنهنّ رفيقات ابنة عمّ الأمير المزعوم؟ (وإن كنّا ألفينا رواية ابن قتيبة تومئ إلى وجود عبيد كانوا مع النساء، ولكن كيف ظلّ دور العبيد منعدماً على هذا النحو….؟)

والرابعة:إنّ مطلع الحكاية يوحي بأنّ أولئك النساء كنّ مسافرات إلى حيّ آخر من ذلك الوجه من الأرض، على حين أنّ آخرها يوحي بأنهنّ أُبْنَ إلى حيّهنّ، وأن سفرهنّ لم يتمّ، وأن الرحلة لم تحدث، وأنهنّ لم يعدن إلى حيّهنّ حتى جَنَّهُنَّ، والشاعِرَ، الليلَ(27): فما هذا الخلط العجيب، والتناقض المريب؟

والأخراة، إنّ أبا زيد محمد بن أبي الخطاب القرشيّ يذهب إلى أنّ صاحبة دارة جلجل هي فاطمة ابنة عمّ امرئ القيس(28)، بينما يذهب ابن قتيبة إلى أنها فاطمة بنت العبيد بن ثعلبة ابن عامر العذرية(29)، على حين أنه كان يعدّ عنيزة”هي صاحبة دارة جلجل” (30). وإنما يدلّ هذا الخلط، وسوء الضبط، على شكّ في الصحّة، وريبة في الرواية: لذهاب الرجال، وانقطاع الزمان، وخيانة الذاكرة، وفساد الرواية.

وعلى أننا لا نريد أن نذهب إلى أبعد الحدود في البرهنة على أدبيّة هذه الحكاية وخياليّتها، وأنّ مسألة دارة جلجل مجرد حكاية جميلة إن وقع بعضها على نحو ما، فإنّ باقي ما ذكر من تفاصيلها لا يمكن لعاقل أن يصدّقه بِجَذاميره، ولا أن يتقبّله بحذافيره.

ونعمد الآن إلى تحليل بعض هذا الحيز المائيّ، ليس على أساس ما نعتقد من أسطوريتّه، ولكن على أساس ما اعتقد الناس من صدق واقعيّته. والحق أننا، بعدُ، شَرَعْنَا في بعض هذا التحليل حين حاولنا تناول الخلفيّة التاريخيّة، والأسس التاريخانِيّة، لا التاريخيّة، لهذه الحكاية الجميلة وحيزها البديع.

1. إننا نلاحظ أنّ النساء اللائي تعاملن مع هذا الحيز المائيّ الجميل لم يكنّ عجاِئَز شُمْطاً، ولا هِرَماتٍ شُعْثاً؛ ولكنّهنّ كنّ حِساناً رائعاتِ الجمال، باديات الدلال، نحيلات الخصور، طويلات القدود، سوداوات العيون، مشرقات الثغور، منسدلات الشعور.

2. إنهنّ كنّ مخدومات منعَّماتٍ، وثريّات مُوسِرَاتٍ، وإلى بعض ذلك أومأتْ رواية ابن قتيبة إِذْ ذكرت أنّ أولاء الفتيات”نزلن في الغدير، ونحّين العبيد، ثم تجردّن فوقعن فيه”(31).

3. لعل من الحقّ لنا أن نتمثّل هذا الغدير فنتصوره بمثابة مسبح صافٍ ماؤُه، أزرق لونه، وأنه، من أجل ذلك، لم يك حِمْئاً ولا مَوْحَلاً: تسوخ فيه الأقدام، ويتحرّك الماءُ والطين فيه فتتّسخ له الأجساد إذا غطست… بل كان إذن حيزاً مائِياً غيرَ ذلك شأناً؛ وإلاّ لَمَا أمكن للنساء السَّبْحُ فيه، والاستمتاع بمائه.

4. ولنا أن نتمثل ما كان يحيط بهذا الحيز المائيّ من أشجار، ونباتات؛ وما كان يكيّف به الهواء الصادر عنه، والذي يفترض أنه كان رطيباً. ولنا أن نتمثّل ما كان يجاور هذا الغدير أيضاً، وهو حيز مقعّر حتماً؛ وأنه كان مرتفعاً عنه قليلاً أو كثيراً. ولنا أن نتمثّل الطرقات والثَّنِيَّاتِ التي كانت تُفضي إليه، أو تُفْضي منه. ولنا أن نتمثّل أسراب النساء الأخريات، في غير ذلك اليوم الذي حدث فيه للشاعر ما حدث مع العذارى، واللائي كنّ ييمّمنه للتنزه والاستحمام؛ ولنا أن نتمثّل الإماء اللواتي كنّ يقصدنه ليغسلن على ضفافه الملابس والفرش، وكل ما يغسل وينظّف…

5. إنّ أيُّ مدفع للماء، غديراً كان أمْ بِئْراً، أم نَهْراً، أم عَيْناً، أم ساقية، أم سربّا: يكون مَظَنَّةً للحياة الناعمة، والخصب الضافي، والعمران القائم. فكأنّ دارة جلجل كانت هي الغدير الذي كان يستقي منه الحَيُّ لإِرْواءِ الأنعام، وغالباً ما كانوا يشربون هم أيضاً منه؛ وكلّ ما في الأمر أنهم كانوا يُمْهِلُوَن الجِرارَ حتى ترْسُب حَمْأَتُها، ويَقَرُّ في القَعْرَةِ طِينُها، ليصْفُوَ الماءُ وبَرِقَّ؛ فيشرَبوه مَرِيئاً.

فلم يكن هذا الحيز، إذن، منقطعاً عن الحياة الاجتماعية والحضاريّة للحيّ الذي كانت العذارى تَقْطُنُهُ؛ وإِنما كانت حكاية العُرْي مجرَّدَ مظهرٍ شعريّ غذاه الخيال الشعبيّ المكبوت فسار بين الناس على ما أراد ذلك الخيال؛ فأضاف إليه ما لم يكن فيه، حتى يتلاءم مع ما كانوا يودّون أن يكون الأمر عليه: فتسير به ركبانهم، وتتحدث به وِلْدانُهم. ولنلاحظْ أن حكاية العُرْي تفرّد بذكرها الفرزدق رواية عن جده، وأنها دوّنت، لأول مرة، بعد منتصف القرن الثاني الهجري؛ فكأنها دوّنت بعد عهد امرئ القيس بأكثر من قرنين اثنين.

ولا يذر امرؤ القيس، في حقيقة الأمر، شيئاً عن هذا المشهد الذي لم يكن يمنعه من ذكره لادين وقد كان وثنيّاً، ولا خوف وقد كان أميراً عزيزاً، ولا مروءة وقد كان، فيما تزعم الرواة، عاهراً زانياً(32). فما منعه من أن يفصّل القول في حادثة في هذا الحيز المائيّ الجميل، فيذكر هو ما ذكرت الرواة؟ وهل كان عَييّاً بَكِيّاً غيرَ مبينٍ،. وهو الشاعر العملاق، والفصيح المِهْذَار، واللسِنُ المِكْثار؟ وإِنما اجتزأ هو بذكر عقره مطّيته للعذارى، ولم يقل أكثر من ذلك، ولم يتحدّث عن العُرْي لا تَكْنيَةً ولا تصريحاً… أفلا تكون مسألة العُرْي حكايةً لفقها الرواة؟

6. وإذا سلّمنا بصحّة هذه الحكاية، وما علينا أن نكون سذَّجاً؛ فإنّ هذا الحيّز يغتدى عجيباً مثيراً: غديرَ ماءٍ مكتظّ بأجسام الفتيات العاريات، وفتىً قريباً منهنّ في اليابسة، جاثِماً على ملابسهنّ وهو ينظر إلى عوراتهنّ المغلّظة في شَبَقٍ شديد، ثمّ يستحيل المشهد العاري العامّ إلى مشاهِدِ عُرْيٍ جُزْئِيَّةٍ تمثل في ثُنائِيَّةِ الحركة التي تُحْدثها الفتاة وهي تخرج من الغدير عارية وحركة الرجل وهو يسلّمها ثيابّها، أو أنها هي نفسها تنحني على ثيابها لتأخذها لتستر بها جسدها والفتى ينظر ويتلّهّى: لا هو يخاف، ولا هو يستحي، ولا هو يرعوي!.. إنه مشهد على ما فيه مِنْ فعل الاغتفاص والاغتصاب- من الوجهة الأخلاقية والوجهة القانونيّة أيضاً؛ فإِنه من الوجهة الخياليّة لو وقع في أدب الغرْب لكانوا ملأوا به الدنيا وأقعدوها، ولكانوا صوّروه ألف تصوير، ولكانوا أخرجوه في تمثيلهم ألف إِخراج…

7. من غير الممكن أن لا نتمثّل في وهمنا حيز هذا الغدير الذي كان مسبحاً لأولئك العذارى… ونحن، مع ذلك، لا نستطيع، ولو أردنا وأصرَرْنا، أن نتمثّل حيّزه على وجه الدقّة: لغياب النصوص، وانعدام الوثائق، وغفلة الرجال، وشحّ الأخبار. بيد أنّ ذلك ما كان ليحظرنا من أن نساءل ولكن على أن لا نجيب، وقد يُلْتَمَسُ الجواب في إحدى المساءلات نفسها: فكيف كان، إِذن، شكل هذا الغدير(33)؟ وكم كان حجم مساحته؟ وهل كان مستطيلاً، أو مربّعاً، أو دائرياً، أو على شكل آخر من الأشكال الهندسيّة؟ وهل يمكن أن نفترض أنه لم يكن صغيراً جداً فلا يجاوز حجم شكل العين، ولا كبيراً جداً فيبلغ حجم البحيرة؟ ولكنّ ذلك كلّه لا يظاهرنا على أن نحدّد شكل هذا الغدير/ الأسطورة، ولا مساحته؛ وإنما تُتْرَكُ ملكة الإدراك، وطاقة التخيّل، مفتوحتين على كلّ احتمال، وتحت كل تأويل. فالقراءة الحيزيّة، من هذا المنظور بالذات، يجب أن تظلّ مفتوحة…

8. وعلينا أن نتمثل وجهاً آخر لهذا الحيز المائيّ: وهو سطحه حين تشرق عليه الشمس صباحاً، وسطحه حين توشك أن تغرب عنه مساء، وحين يداعبه النسيم الرُّخاءُ، وحين تعصف عليه السافِيَات… فسطحه تراه يتغير ويتشكل ويتبدل تبعاً لطبيعة الشمس، وشكل مائه يتغيّر تبعاً لحركة النسيم العليل فيتحرك السطح قليلاً قليلاً، أو لعصف السوافي فيتحرك السطح بعنف واغتفاص شديدين؛ فتراه متخذاً له تموّجات تحددها الاتجاهات الأربعة-المفترضة- للرياح العاصفة. فإن كانت الريح إنما تهبّ من جهات مختلفة، وهي التي تسميّها العرب المتناوِحَة، اتّخذ هذا الحيز المائيّ له شكلاً آخر…

9. ومن حقّنا أن نتساءل-وما لنا لا نتساءل؟- عن أشكال ضفاف هذا الغدير، فتبعاً لهذه الأشكال، تتحدّد الأحياز التي تحيط به. ونحن نفترض أن تكون جهة واحدة من هذه الضفاف، على الأقلّ، أعلى من الجهات الأخرى، وإلاّ فمن أين كانت هذه الأمواه تتجمع حتى تشكّل غديراً صالحاً لأن يسبح فيه الناس؟

وقد كِلفَتْ معلقة امرئ القيس بذكر الأحياز المائيّة كما نلاحظ ذلك في المجازات التالية:

– على قطن بالشيم أيمن صَوْبِهِ(أي مطره)

– كأنّ مكاكيّ الجِوَاءِ غُدّيَّةً(لا يمكن أن تتجمّع الطيْرُ إلاّ في جِوَاءٍ، أي وَادٍ، فيه ماء وخضرة…)

– ومرّ على القَنانِ من نَفَيَانِه(ممّا تطاير من قَطْرِ مائه)

– فأضحى يَسُحُّ الماءَ حول كُتَيْفَةٍ

– يكبّ على الأذقانِ دَوْحَ الكَنَهْبِلِ(استطاع السيل الجارف أن يجتثَّ الدوح)

– كأنّ السِبْاع فيه غَرْقَى عَشيَّةً(لا يكون الغرَق إلاّ في الماء، والمقصود هنا: انغمارُها، وغطْسُها)

– كأنّ ثبيراً في عرانينِ وبْلِهِ

كأنّ ذُرَى رِأْسِ المُجَيْمِرِ غُدْوَةً

من السيل والأَغْثَاءِ فلْكَهُ مغْزِلِ

– غذاها نَمِيرُ الماء غير المُحَلَّلِ…

وإذا كانت الخطّة التي رسمناها في هذا العمل لا تسمح لنا بأن نحلّل هذه الأحياز المرقسيّة كلها، بعد أن كنّا توقّفنا، طويلاً، لدى حيز مائيّ واحد وهو غدير دارة جلجل؛ فإِنَّ ذلك، مع ذلك، ما كان ليحول بيننا وبين أن نلاحظ أنّ ما لا يقلّ عن تسعة أحياز أخراة، كما رأينا، تنطلق من ماء، أو تُحيل على ماء. ولكنْ غالباً ما كان الشأن ينصرف إلى أمواه المطر والسيول وما يضطرب حَوالَها…

ولا نحسب أنّ الإيلاعَ بوصف المطر، في معلّقة امرئ القيس، والتلذّذ بذكر الماء، والتبدّع في وصف السيول والأغثاء التي تجترفها: كان وارِداً على سبيل الاتفاق والعفويّة، ولكنّ ذلك كان، في منظورنا؛ لأنّ العرب كانوا يحبّون الماء، فكانوا يَدْعُوَن لِمَنْ يُحِبّون بالسقْيا، وكانوا يتسقّطون مواطن المطر، ويتتبّعون مهاطله، ويرتعون النبات الذي ما كان لينبت إلاّ بوابل المطر، أو طَلِّهِ… من أجل ذلك تصرفّوا في أسامي درجات هذا المطر فإذا هو غيث، ورَذاذ، وجَدىً، ووابِلُ، وطَلٌّ، ووَسْمِيٌّ، وَوَليٌّ(34)، وحَيَا، وسَحاب، وسَمَاء، وشُؤبْوب، وهلمّ جرا…

والآية على العناية الشديدة التي كان يوليها العربيّ للخصب والماء، أنّ الحياة نفسها، في اللغة العربية، وارادة في تركيب الحَيَا والْحَيَاءِ، وهما المطر. فكأنّ الحياء يحيل على الحياة، وكأن الحياة تحيل على الحياء؛ لأن الحياة لا يجوز لها أن تقوم خارج كيان الماء…

******

وتصادفنا ظاهرة العناية بالصور المائية، أي بالصور الشعريّة التي تضطرب أحداثها في الماء، أو حواله، في معلّقة لبيد أيضاً. وقد تردّدت هذه الصور المائيّة، أو المضطربة في الحيز المائيّ أو السائل، سبع مرات على الأقلّ لدى لبيد.

والحقّ أنّنا وقعنا في حيرة من أمرنا حين أزمعنا على تحليل نموذج من الحيز المائيّ لدى لبيد، كما كنّا جئنا ذلك لدى امرئ القيس؛ إذ لولا صرامة متطلّبات المنهج المرسوم لكنّا قرأنا كلّ هذه الصور المائية الفائقة الجمال في هذا الشعر اللبيديّ العذريّ… ولكن لا مناص من الاجتزاء بوقفة واحدة، حول نموذج واحد من الحيز المائيّ لدى لبيد؛ فَأَسَفاً وعُذْراً.

وجلا السُّيولُ عن الطلولِ كأَنها

زُبُرٌ تُجِدُّ مُتُونَها أَقْلاَمُها

لقد كنّا حلّلنا حيز امرئ القيس المتمثل في غدير دارة جلجل، فتوقفنا، طويلاً، لدى شكله وموقعه، وما قد يحيط به، وما قد يتأثر به، وما قد يؤثّر فيه، وما قد كان حَوالَهُ من النعمة والنعيم، والرغد والجمال.

وأمّا هنا، ولدى لبيد، فالحيز المائي لم يعد يرى في هذه الصور الحيزيّة؛ إذْ كان غدير دارة جلجل إنما كان ثمرة من ثمرات تجمّع ماء المطر في حيز مقعّر بعينه؛ فإنّ السيول التي صنعت الحيز لدى لبيد لا نراها، ولكننا نرى آثارَها. لقد أصابت الأمطار هذا الحيز، وهذا الوجه من الأرض فخدّدت سَطْحَه، ووسَمَتْ وَجْهَه فبدا منه ما كان خافياً، وظهر ما كان مستتراً متوارياً؛ ومن ذلكم تلك الطلول التي كانت الرمال نسجت عليها كُثباناً حتى وارَتْها؛ فكان المارُّ ربما مَرَّها فاعتقد أنها كثبانٌ ليس تحتها بقايا حياةٍ، وأنقاض حضارة، وآثار مجتمع… حتى جاءت هذه السيول، فلم تبرح تُلِحّ عليها بالجَرْفِ حتى انجرفت، فبدت خدودٌ هنا، وخدود هناك، وبدا معها بقايا الديار المقفرة: أثافِيّها ونُؤيِها، ومَحَلِّها ومُقَامِها؛ فخَزِنَ لذلك غَوْلُها فِرجَامُها، كما حزن لذلك مَدافِعُ الرَّيَّانِ حين عُرّبَتْ رُسومها، فاغتدت كشكل الكتابة على الصخور…

كانت الطلول مدفونة تحت الرمال، جاثمة تحت التراب، فكانت الذكريات معها مدفونةً، فكانت القلوب من حبّها مشحونة. لقد كانت مغبّرَّة، مُرَمَّلَة، مُتَرّبةً، لا تكاد تبدو للعين؛ فلمّا أصابتْها هذه السيول الجارفة، والناشئة عن هذه الشآبيب الهاطلة؛ لمَّعَتْها فاغتدت كباقي الوشم في ظاهر اليد، وأظهرتها فأمست كلوحة مكتوبة تجدد مَتْنَها أقلامُها بالكتابة فلا تمَّحِى ولا تزول…

1. نلاحظ أنّ لبيداً يصطنع، في هذه اللوحة الحيزيّة، وسيلةً حضاريّة لم تبرح تشعّ بالنور على الإنسانية، وهي الكتابة. فحيزه يمتزج بآثار المطر الهاتن المفضي إلى تمثّل الزَّبْر الماثل. فهل كانت الكتابة شائعةً على النحو الذي يذكره لبيد بحيث كانت الألواح، وكانت المكتوبات عليها، أم إنما كان يومئ إلى مجرد الحفريّات المنقوشة على الصخور والأحجار، والتي يُفَترضُ أن لبيداً، وعامّةَ المستنيرين في عهود ما قبل الإسلام كانوا يلمّون بها فيتمثّلونها في أنفسهم على ما هون ما؟

إنّ منطوق بيت لبيد ومضمونه لا يُبْعِدَان أيّاً من الاحتمالين الاثنين…

2. إنّ الصورة الحيزيّة المائيّة هنا، كما سبقت الإيماءة إلى بعض ذلك، تقوم على خلفيّة حضاريّة لا يكاد التاريخ يعرف عنها إلاّ نُتفَاً قِلاَلاً، ونُبَذاً صِغَاراً. فالإشارة إلى الكتابة، هنا في بيت لبيد، إشارة دقيقة، وفي الوقت ذاته بريئة. فهي إذن توحي بوجود حضارة مكتوبة في الجزيرة قبل الإسلام الذي لم يُبْعَثْ في مجتمع جاهل متخلّف كما قد يتصوّر بعض المؤرخين، ولكنه بُعِثَ في مجتمع مستنير متعلم كانت حضارتُه الفّنية والجماليَّةُ والتقاليديّة تنهض على أسس وقيم مثل تمجيد الفصاحة، وتجويد الكلام، وقرْض الشعر، وارتجال الخُطَب، وارسال الحكم والأمثال وحماية المستجير(35). بل لقد كان في قريش”بقايا من الحنيفيّة يتوارثونها عن إسماعيل صلى الله عليه وسلّم، منها حجُّ البيت الحرام وزيارته، والختان والغسل، والطلاق والعتق، وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والرضاع والصهر” (36).

وقد زعم الزجّاجيّ أن”الحَنِيفَ في الجاهليّة مَنْ كان يَحُجُّ البيت، ويغتسل من الجنابة، ويختتن” (37).

3. إنّ الصورة الشعريّة، في هذا البيت الَّلبِيدِيّ، تنهض على حيز معلَّقّ في كَتِفِ جبل، حيث السيل حرْبٌ للمكان العالي؛ كما يعبّر أبو تمّام. فَلِعُلُوّ هذا الحيز، وحَزْنه، واتسامه بالارتفاع: يَسُرَ على السيل أن يعرِّيَهُ من ترابه، ويجرّده من رماله، فيتخدّد ويتجرّد، ويبدوَ ما كان منه متوارياً؛ فيغتدِيَ ظاهراً بادِياً. فلو كان هذا الحيز مقعَّراً أو مسطّحاً ممتدّاً على وجه من الأرض سهل، لما استطاع السيل أن يعرّيه؛ بل لكانت أغثاؤُه زادته انغماراً فوق انغمار: فلا تبدو الطلول، ولا تتعرّى الرسوم.

4. نؤكّد ما كنّا أومأنا إليه آنفاً من أننا، هنا، إنما نحن بصدد ملاحظة الحيز بعد حدوث فعل السيول؛ فهو حيزٌ مائيٌّ باعتبار العلاقة المفعوليّة التي تعرض لها. فكما أنّ الأحياز المائيّة(البحار- الأنهار- الآبار- العيون- الغدران…) كانت، أو تكون، ثمرةً من ثمرات تَهاتُنِ الأمطار؛ فإنَّ هذه الطلول التي كانت مغمورةً تحت ركام الرمال والتراب والأغثاء لم تغتَدِ كذلك إلاّ بفعل هذه الأمطار.

5. إنّ الحيز الميت الموحي بالحزن، والمفضي إلى القتامة والوجوم، بفعل السيول السائلة، والأمواه الجارفة؛ يستحيل إلى حيز آخر قمين بالجمال والنور، وهو رسوم الكتابة، وأشكال الخطوط. فالأقلام هنا كأنها بمثابة السيل الفاعل الذي لا يبرح ينشط ويتحرّك، ويدْفَع ويحتفر، إلى أن يَتّركَ أُثرَه بادياً على وجه الأرض وسطحها الهشّ؛ بينما المُتونُ تقابلُ سطح الأرض القابل لأنّ تعملَ فيه السيولُ فتخدِّدَه وتَسِمَهُ وسَمْاً. فكأنّ السيول أقلامٌ تَكتْبُ؛ وكأنّ الطلول متون كانت من أجل أن يُكْتَبَ فيها، أو عليها. فاللوحة الحيزيّة هنا مركّبة، ولا تُفْهَمُ إلا بتعويم هذا التركيب وإذابته في بعضه بعضٍ. فكما أنّ الأقلام تزبر بحروفها التي هي علامات تَتِّركُ على المَتْن المزبور؛ فإنّ السيول بحرفها وغشيانها سَطْحَ الأرض تَتَّرِكُ، هي أيضاً، على هذا المتن الأرضيّ علاماتٍ هي تلك الآثار الطليليّة المختلفةِ الأشكالِ التي تبدو من بعيدٍ كالكتابة على متن من المتون، أو وجه من الوجوه.

6. نلاحظ أنّ هذه اللوحة الحيزيّة المركّبة تنهض على مظاهِرَ تشاكليّة مثل تشاكل السيول التي تحفر بسيلانها سطح الأرض فتتّرك عليه علاماتٍ؛ وتطبعه بأماراتٍ؛ مثل الأقلام التي تَزْبُرُ بسيلان حِبْرها على الورق فتذر عليه أيضاً علامات. فالطلول تتشاكل مع الزّبر، والأقلام تتماثل مع السيول، ومتون الوَرق تتجانَسُ مع سطح الأرض الوارد في صدر البيت ضِمْناً، وقد غاب، لمقتضيات التكثيف الشعري، منطوقاً.

7. يجمع هذا الحيز المائيّ-الَّلبِيديّ- بين المظهر الأنتروبولوجيّ المتجسّد في الطلول البالية، وإن شئت في هذه التخديدات التي تذرها السيول على وجه الأرض بما ينشأ عن ذلك من طقوس تعامل الناس مع المطر، وخصوصاً في المناطق الصحراويّة، وبين المظهر السيماءَوِيّ الماثِلِ في سمة الكتابة التي تتركها المزابِرُ على القرطاس فتغتدي سماتٍ دالّةً يتفاهم المتلقّون من خلالها .

فالألفاظ المكتوبة، أو اللغة الخرساء، تغتدى مُمَاثِلاَتٍ(إقُونات) للأصوات الدالّة الغائبة ضمناً. فالألفاظ إذن سمات حاضرة دالّة على سمات غائبة. فالدلالة هنا تقوم على مبدأ المُمَاثِلِيةِ.

8. إنّ هذه الطلول كانت قائمة، ولكنها كانت شديدة البلى، متناهية الشحوب؛ فلما جاءت السيول جَلَتْها، وصقَلت آثارَها، فتجدّدت كفعل الكاتب حين يجدّد حروف كتابته على صفحة ورقة: فتبرُزُ بعد أمِحّاءٍ، ويتوهَّجُ لونُها بعد شحوب.

9. كأنّ النص هنا يصوِّرُ حيزاً حاضراً على سبيل العناية باللوحة الأماميّة. أمّا ما نطلق عليه نحن”الحيز الخلفيّ”، وهو الذي كان علّة في إيجاد الحيز الماثل، فالحديث عنه لم يكُ إلا عَرضاً؛ إذ السيول هي التي كانت علّة في تخديد الأرض، فالأخاديد سمة حاضرة دالّة على سمة غائبة هي السيول، فهي تنضوي تحت الصور السيماءَوِيَّةِ القائمة على مثول القربنة.

ونلفي صوراً لِلَوحاتٍ حيزية أخراة تَمْثُلُ في معلقّة لبيد كقوله:

رُزِقَتْ مرابيعَ النجوم وصابَها

ودْقُ الرَّواعِد: جَوْدُها فَرِهَامُها

يعلو طريقَةَ مَتْنِها مُتواتِرٌ

في ليلةٍ كَفَرَ النجومَ غَمامُها

من كلّ سارية وغادٍ مُدْجِنٍ

وعَشيَّةٍ متجاوبٍ إرزامُها

فَمَدافِعُ الرَّيَّانِ عُرّيَّ رَسْمُها

وأسْبلَ واكِفٌ من دِيَمةٍ

يُرْوي الخمائلَ دائِماً تَسْجامُها

عَلِهَتْ(جزعت) تَرَدَّدُ في نِهَاءِ(غدير) صُعَائِدٍ…

*****

ولعلّ عنترة أن يكون ثالث المعلّقاتيّنين الذين عُنُوا عنايةً شديدة برسم الحيز المائيّ، ووصف الأمكنة الخصيبة التي هي ثمرة من ثمرات تهاتن الأمطار، وتساقط الغيوث.

ونحن لا يسعنا إلاّ أن نتوقّف لدى الصورة الشعريّة المائية التي أبدع فيها، فحلّق وتفرّد… وهي تلك التي تَمْثُلُ في قوله:

أو رَوْضَةً أُنُفاً تضَمَّنَ نَبْتَها

غَيْثٌ قليلُ الدِمْنِ ليس بمُعْلَم

جادَتْ عليها كُلُّ عينٍ ثَرَّةٍ

فتركْنَ كلَّ حديقة كالدِرْهم

سَحّاً وتَسْكاباً فكُلُّ عشيّةٍ

يَجْرى عليها الماءُ لم يَتَصرَّمِ

فهذه اللوحة الحيزيّة بديعةُ المظهر، جميلة المنظر؛ فغيْثُها نظيف شريف؛ فكان نبتُه أنيقاً ناضراً، ومُخضَوْضِراً فاخراً؛ قد تغافص في هذه الحديقة الأُنُفِ فتكاثر واعشوشب، وَرَبَا واخْضَوْضرَ. لقد سقت الغيوث هذه الحديقة سَحّاً وتَسْكاباً، وأمطرتها جَوْداً غَدَقاً، وتَهْتَاناً طَبَقاً؛ حتى اهتزّت وربّتْ، واخْضَرَّتْ وأزهرَّتْ:

1. إنّ أوّل ما يسم هذا الحيز الخصيب البديع هو اخضرار نبْته، وتغافص عشبه متنامِياً متعاليا.

2. لم يكن هذا الحيز مخضرَّاً، أصلاً؛ ولكنه اخضرَّ بفعل تهاتن الأمطار، وتساكب الغيوث الكريمة عليه، فاستحال من مجرد حيز قاحل، إلى روضةٍ أُنُفٍ خَصِيبٍ.

3. إن هذا الحيز الأماميّ البديع، لا يلبث أن يُفضي إلى حيز أبدعَ منه بَدَاعَةً، وأروع منه روعةً؛ وهو الحيز الخلفيّ الناشئ عن الحيز الأماميّ الذي هو، في الأصل، مشهد تهاتن الأمطار خيوطاً بيضاءَ ممتدّة امتداداً عموديّاً من عَلُ إلى تَحْتُ؛ فتلك الخيوط المائيّة(القطر المتهاطل) -وهي حيز مائيّ- هي التي تفضي، بفعل تَسكابها المِلْحاح، وتَسْجامِها المِغْزار، إلى تشكيل حيز آخر هو هذه الِبَركُ المائيّة الصغيرة التي تحتقنها الأرض في أيّ بقعة منقعرة منها؛ حتى إذا ما أصابتها الشمس، وأشرقت عليها بأشعّتها، رأيت هذه العيون كالمرايا المثبتة على وجه الأرض، أو كالدراهم المستديرة الشّكل، الفضيّة اللون، الناصعة المنظر. فالحيزّ الغائب هو هذه الأشعة الشمسيّة التي بفضلها استحالت العيون المائيّة إلى ذات مرآة تُشَاكِهُ مَرْآةَ المرايَا الضخمة اللَّقَى في الفَلْوَاتِ، والعاكسة لأشِعَّةِ الشمس المتوهّجة.

4. ولعلّ من الواضح أنّ حيز العيون/الدراهم، أو العيون/ المرايا: لم يكن ممكِناً مشاهَدَةُ مَرْآتِهِ من مكان مستوٍ، ولكن من مكانٍ عالٍ. فكأنّ هذه الأمطارَ كانت تهاتنَتْ على سهول شاسعة، فتركتها عيوناً، عيوناً؛ ولكنّ مشاهدتها لم تكن ممكنة إلاّ من أَعالِيها، ومن فَوْقِ ذُرَاهَا، لِتَبْلُغَ رَوْعَةُ الجمالِ الطِبيعِيّ غايَتَاهَا…

5. واستخلاصاً من بعض ما حَّلْلنا، يمكن أن نعدّ هذا الحيز المائِيَّ متحوّلاً، أي أنه ليس أصلياً، لأنّ الأصل فيه القُحولَةُ لا الخِصْبُ، واليبس لا الإمراعُ الرَّطْب، ولم يغتِد إلى ما اغتدى إليه إلاّ بفضل الحَيَا النازل، والسماءِ الهاتن. فكأنّ هذا الحيز الخصيب الماثل في هذه اللوحة، يشكّل مُمَاثِلاً(إقونة) ناقصاً لحيز غائب. أو قل إنه على الأقل معلول لعلّة غائبة، فيكون الخصب معلولاً للماء، والماء معلولاً للسحاب؛ فهو إذن إمّا مُماثل ناقص، أو قرينة كاملة. أو ليس الخِصْبُ الماثل في هذا النص المؤلَّف من ثلاثة أبيات، إنما هو سمة حاضرة وقعت بفضل سمة غائبة، وهي المطر النازل؟ (38).

6. وبينما مَرآةُ العيونِ الثّرَّةِ، أو الغُدْران الصغيرة، التي تشكّلت بها الأرض المسقيَّةُ بماء المطر هي أيضاً إمّا مُمَاثل ناقص(غدران الماء الماثلة للعَيْنِ) تماثل مياه الأمطار الغائبة عن العين)؛ فإنّ الغدران لم تَكُ، وهي السِّمةُ الحاضرة، إلا قرينةً للسمة الغائبة التي هي الغيث الهاتن.

7. إنّ هذا الحيز المائيّ، أو الحيز الخصيب، له شبه بحيز لبيد:

وجَلا السيولُ عن الطُّلولِ كأَنها

زُبُرٌ تُجِدُّ مُتونَها أقْلامُها

من حيث تأثيرُ المطرِ في الأرض، غير أن صورة لبيد توحي بالوحشة، وصورة عنترة توحي بالأنس. ولا سواء مطر يُعَرّي الأرض فيذكّر بمدفونات الذكريات، ومطر يسقيها فتغتدي مُخْصِبَةً مخضرّة، ومُمْرِعة مُعْشِبة.

8. ويسْتَمِيزُ هذا الحيز-العَنْتَرَيّ- المسقِيُّ بتحديد علاقته بالزمن بحيث لا يكاد يحدث له ذلك إلاّ في العَشايا والأمساء. والذي يعرف الجزيرة العربيّة وَجَنوبَها خصوصاً يدرك مدى صدق هذا الوصف. ولعلّ من فوائد أمطار الأماسي أنّ الناس في معظمهم يكونون قد قضوا مآربهم اليوميّة فيكونون إمّا آبُّوا إلى بيوتهم، وإما هم بصدد الإيَابِ، كما أنه يتحاين مع حلول الليل ورطوبته التي تسمح للأرض بارتشاف الماء على مهل؛ ممّا يجعل النفع بهذا المطر أكثر. ولو تساكب المطر ضُحىً، ثمّ جاءت عليه الشمس المحرقة لكانت أتَتْ على رطوبة الماء، وجفّفتْ  قشرة الأرض؛ فلا ينتفع النبات، أثناء ذلك، إلاّ قليلا.

*****

وأمّا الحيز المائيّ لدى المعلّقاتيّين الآخرين فإنه شحيح الوجود، وربما يكون طرفة بن العبد أذكرَهم له، وأكثرَهم تعامُلاً معه، وإن ظلّ هذا الحيز المائيّ إمّا بحريّاً ونهريّاً، كما في قوله:

– يجوز بها الملاّحُ طوارا ويَهْتَدِي

– يَشُقُّ حبابَ الماءِ حَيزْومُها بِها

– كَسُكَّانِ(ذَنَبِ السفينة) بُوصِيّ(ضرب من السفن) بِدِجْلَةَ مُصْعدِ؛

وإمَّا صحراويّاً، ولكنه يظلّ مع ذلك خِصْباً مثل قوله:

– (…) تَرْتَعِي

حدائِقَ مَوْليّ الأَسِرَّةِ أَغْيَدِ

ولكن أين ذلك من اللوحات الحيزية المائيّة البديعة التي كنّا صادفناها لدى امرئ القيس، ولبيد، وعنترة بن شداد؟

ولا يقال إلاّ مثلُ ذلك في الحارث بن حلّزة، وعمرو بن كلثوم، وزهير بن أبي سلمى.

****

ثانياً: الحيز الخصيب:

قد لا يختلف الحيز الخصيب عن الحيز المائيّ، فذلك ملحق بهذا، وهذا علّة في ذاك. وليس إِفراد الحيز الخصيب، هنا بالذكر، إِلاّ من باب التفصيل والتجزِيءِ.

فمن ذلك ما جاء في معلقة زهير بن أبي سلمى:

بها العِينُ والآرامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً

وأطلاؤُهُنَّ ينهَضْ من كُلِّ مَجْثَمِ

فهذه الرسوم الدَّوارِسُ، والطُّلولُ البَوالي، والدُّيارُ الخَوالي، أخضارَّ نباتُها، وتغازَر ماؤُها، فاغتدت مَراتِعَ خصيبةً للبقَر والثيران الوحشية؛ كما أمست مغانِيَ لِلأْرْءَامِ  يتراكض فيها، ويطوّفن بين أرجائها. فلولا خِصْبُ هذا الحيز المسكوت عن اخضراره منطوقاً، ولكنه وارد في هذا البيت مضموناً: لما صادفْنا هذه الحيوانات الوحشيّة التي لا تعيش في مألوف العادة إلاّّ في الأماكن الخصيبة، والمغاني الرطيبة. وقد طاب لها المقام فيها إلى أن توالدت فتكاثرت بحيث لا نلفي الأبقار الوحشيّة وحدها هي التي تنعَمُ بهذا الإمراع والسكون؛ فقد يدلّ ذلك على أنّ وجودها هناك كان مجرّد عبور، ولكننا نصادف أَطلاءَها وهنّ ينهضن من كلّ مجثم، ويتواثبن في كلّ مرتع.

وإنما يدلّ قوله”من كلّ مجثم” على التكاثر والتسافد.

ومثل ذلك لا ينشأ إلاّ عن الخصب الذي هو بمثابة الرخاء للإنسان.

وتصادفنا لوحة حيزيّة أخراة خصيبة في بعض معلّقة لبيد، وتتجسّد في قوله:

من كلّ ساريَةٍ وغادٍ مُدْجنٍ

وَعِشيَّةٍ مُتجاوِب أَرْزَامُها

فَعَلا فروع الأيْهقانِ وأطفَلَتْ

بالجَلْهتَيْن ظِباؤُها ونَعامُها

– والعينُ ساكنُةُ على أطْلائِها

– فالضيف والجارُ الجَنِيبُ كَأنّما

هَبَطا تَبَالَةَ مُخْصِباً أهَضْامُها

فالأولى: إنّ هذه الصور الحيزيّة مُمرعة الخِصْب، شديدة الخضرة؛ فكأنها تمثّل حال الربيع في أوج طوره، وذروة اعْشِيشَابِه؛ فهل هي صورة حقيقيّة عاشها الناصّ فرسمها لنا رسْماً عبقرياً، أم هي مجرّد صورة جماليّة كان يتمثلَّهُا للطبيعة العذريّة فضمّنها نَصُّه، فأحسن نَسْجَه؟

والثانية: إننا نصادف تقارباً بلغ التشابه والتماثل بين قول عنترة:

سَحّاً وتَسْكاباً فكُلُّ عشيّةٍ

يجرى عليها الماء لم يَتَصرَّمِ

وبين قول لبيد بن أبي ربيعة:

من كلّ سارية وغادٍ مُدْجِنٍ

وعَشيَّةٍ متجاوبٍ إرْزامُها

وأيّاً كان الشأن؛ فإنّ بلاد العرب، وخصوصاً المرتفعات اليمنيّة، تتهاطل أمطارها، في الغالب، بالرعود أولاً، وبالعشايَا آخِراً. وما ورد لدى عنترة ولبيد قد يكون مجرد توكيد لهذه الحال الطقسيّة التي تبرح قائمة إِلى يومنا هذا.

والثالثة : إنّ قول لبيد:

والعِينُ ساكنةٌ على أطلائِها

يُشارِكهُ قولَ زهير:

بها العِينُ والأرآمُ يمشِينَ خِلْفَةً

وأطلاؤُهُنَّ ينهَضَ من كُلِّ مَجْثَمِ

وكلّ ما في الأمر أنّ أبقار لبيد لا تبرح محتضنة لأطلائها؛ على حين أنّ أبقار زهير كأنها كانِتْ تخلّت عن الحَضْن، وسَمحت لأطلائها بأن تسرح معها فتتلاعب في هذا الخصب الكريم، وهذا الحيز الرطيب.

ولعلّ هذا التشابه أن يدلّ، كما كنّا أومأْنا إلى بعض ذلك من قبل، على أن نصوص المعلقّات تشكّل وحدة واحدة على ما قد يبدو فيها من تفرّد؛ فالتفرّد إنما يَمْثُلُ على مستوى المعالجة والطرْح، لا على مستوى القضّية والمضمون. بل إننا لَنلاحظ أنّ التشابه يطفر على مستوى النسج وتوظيف اللفظ…

والرابعة : إنّ هناك تماثُلاً آخرَ يمثل في بيتَيْ زهير السابقيْن، وبيت لبيد:

فعلا فروعُ الأيهقانِ وأطفلَتْ

بالجلهتين ظباؤها ونَعامُها

فصورة الخصب في حيز زهير غائبة، وإنما يدلّ عليها الحال التي تعيشها الأبقارُ العِينُ، وأطلاؤهنّ المَرِحاتُ. على حين أنّ صورة الخصب في لوحة لبيد مفصّلة بشكل أدقَّ حيث إنه يذكر ارتفاع نبْت الأَيِهَقَانِ بفعل الغيوث المتهاتنة والمتتابعة… ولقد بلغ الخصب بهذه الْعِينِ إلى أن تسافدت، فتوالدت بما أطفلت بضفَّتيْ هذا الوادي الخصيب.

فالشأن في هذه اللوحة الحيزيّة المخضرّة ينصرف إلى الماء الجاري في الوادي المسكوت عنه، والذي تتضمّنه الجَلْهَتَانِ(الضفّتان)-؛ وإلى جَلْهَتَيْ هذا الوادي وقد جاء ذكرهما نَصّاً.

والخامسة : نجد كلاًّ من زهير ولبيد يتحدث عن ثلاثة أصناف من الحيوانات الوحشية- التي ترتبط حياتُها بالخصب والماء، والكلأِ والسَّماءِ-: العِين(الأبقار الوحشيّة)، والآرم- أو الأْرْآم- (الظباء البيضاء)، والأطلاء(أولاد البقر في السنّ الأولى التي قد لا تتجاوز شهراً واحداً) (39).

بيد أنّ لبيدا يفوق زهيراً بحيوان وحشيّ رابع هو النَّعام. ولعلّ ذلك أدعى إلى زيادة الخِصْبِ في حيزه، وأدلّ على تكاثر نباته، على الرغم من أنّ هذه الحيوانات كلها قادرة على العيش في الصحراء. ولكن لا ينبغي أن تتمثَّل هذه الصحراء على أنها مجرّد حيز أجرد أجدب، قاحل ما حل: لا نبت فيه ولا شجر، ولا عشب ولا كَلأَ؛ إِذ كلّ هذه الحيوانات إنما تتغذَّى من حُرِّ الكلأِ وخالِصِ أوَراقِ الأراكِ…

والسادسة: إنّ أطفال الظباء والنعام يؤكّد الخصب الخصيب لهذه اللوحة الحيزيّة لسببين:

1- لوجود الوادي وضفّتيه.

2- لا يمكن أن يقع الأطفالُ والحَضْنُ إلاّ إذا كان المكانُ خصيباً، والجوّ ملائماً للتكاثر والتسافد.

والسابعة: ومن الآيات على ثبوت خصب هذا الحيز، وإِلحاح النص المعلقّاتي عليه، معاودة لبيد الحديث عنه في موطن آخر من معلقّته، وهو قوله متحدثاً عن زوج البقرة والثور:

فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِيّ وَصدَّعَا

مَسْجُورَةً مُتَجاوراً قُلاَّمُها

محفوفَةً وسْطَ اليَراعِ يُظِلُّها

منها مُصَّرعُ غابةٍ وقِيَامُها

ففي هذين البيتين نصادف لوحة حيزية عجيبة الخصب، فهناك:

1- الماء(السريّ وهو النهر الصغير، ومسجورة: أي عيناً مسجورة؛ أي عيناً نضَّاحَةً بالماء)،

2- الغابة،

3- اليراع (وهو القصب بما فيه اخضرار وبُسُوقٍ وتَرَهْيُؤٍ حين يُصيبه النسيم)،

4- يُظِلُّها(والضمير فيه يعود على اليراع).

فهنا لا يصادفنا الشجر وحده، ولا الماء وحده، ولكنهما اجتمعا؛ بل لقد اجتمع كلّ منهما في صورتين اثنتين: السريّ الذي هو نهْر صغيرٌ جارٍ، والعَيْن المسجورة بالماء، الطافحة به؛ فإن شئت، إذن، نظرت إِلى الماء في هذا الحيز جارِياً، وهو ذاك الماثل في هذا السرِيّ الذي قيّض الله مثله لمريم حين وضعت عيسى(40) -فكانت تتشرّب من مائه، وتننسّم من نسيمه- فعَلْت؛ وإن شئت، إذن، تظلَّلْت بظِلال اليَراع، وظِلال أشجار الغاب، أَتَيْتَ…

فكأنَّ هذا الحيز يمثّل طبيعة بعض بلاد الألب؛ ولكنّ الذي يذهب اليوم إلى بلدة إبّ مثلاً، باليمن، يدرك حقيقة هذه اللوحة الحيزيّة الخصيبة، وإنّ بلاد العرب، فيما يبدو، كانت من الخصب والماء على غير ما هي عليه الآن…

*****

ذلك، وأنّا كنّا، في الأصل، رَصْدَنَا أضرُباً أُخراةً من الحيز في هذه المقالة، ابتغاءَ تحليلِها، ولكن لَمَّا طال النفَس، أضرَبْنا عن ذلك إلى حين. ومما كنّا رصدناه من أنواع الحيز ما أطلقنا عليه: الحيز المتعالِي، والحيز المضيء، والحيز المنشطر، والحيز العارِي… وقد اجتزأنا، كما رأينا، بالحيز المائيّ، والحيز الخصيب، وركّزنا خصوصاً، على المظاهِر الجماليّة في تحليلاتنا لذيْنِكَ الضربَيْن من الحيز. فذلك، ذلك.

&

q إحالات وتعليقات

1-      نحيل مثلاً على كتابنا ا-ى، وشعريّة القصيدة، قصيدة القراءة.

2-      أرسطو، الطبيعة، 271 – 278.

3-      جميل طيبا، المعجم الفلسفيّ، 2. 412 – 413 .

4-      م. س.، 1. 187 – 188 .

5-      يقال: الحيز بتشديد الياء المكسورة، وبسكونها أيضاً، ويجمع على أحياز.

6-      ابن سينا، رسالة الحدود، 94 .

7-      م. س.

8-      تعريفات الجرجاني، عن جميل صليبا، م. م. س.

9-      ابن منظور، لسان العرب(وهم).

10-    التهاونيّ، كشاف اصطلاحات الفنون، عن جميل صليبا، م. م. س.

11-      DESCARTES, PRINCIPES de Philosophie, 2, p. 14; A. LALANDE, Dictionnaire de philosophie (lieu), p. 567 -568.

12-      A. LALANDE, LBID, (Espace), p. 298- 299; Lieu, p. 567 -568.

13-    جميل صليبا، م. م. س.، 2. 214.

14-    م. س.، 1. 187 .

15-    أرسطو، م. م. س.، ص306 .

16-    عالي سرحان القرشي، بناء المعلقّات السبع، علامات، جدة، ج. 5، م 2/
سبتمبر 1992

17-    م. س.، ص171 .

18-    تراجع المقالة التي كتبناها عن نظام النسج اللغويّ في المعلقّات، في هذا الكتاب.

19-    تراجع المقالة التي دبّجناها عن الإيقاع والضجيج في المعلقات، في هذا الكتاب.

20-    أنور أبو سليم، المطر في الشعر الجاهليّ، 108، دار الجيل، بيروت، 1987

21-    لعل مقالتنا التي كتبناها، ضمن هذه الدراسة، عن نظام النسيج اللغويّ في المعلّقات أن توضّح ملامح هذه المسألة.

22-    ابن قتيبة، الشعر والشعراء، 1. 65 -66.

23-    القرشيّ جمهرة أشعار العرب، 38 -39 .

24-    ياقوت الحموي، معجم البلدان، 3. 120 ، 1604.

25-    ابن قتيبة، والقرشي: م. م. س.

26-    القرشيّ  م. م. س.، ص. 39 .

27-    م. س.

28-    م. س.

29-    ابن قتيبة، م. م. س.، 1- 64 .

30-    م. س.

31-    م. س.، 1- 65.

32-    ابن سلام الجمحي، طبقات فحول الشعراء، 4101- 42 .

33-    أخبرني أحد الشعراء المعاصرين أنه زار غدير دارة جلجل، وأنه قريب من مدينة الرياض ولكن من المحتمل أنّ هذا المكان تعرّض لتغيّرات محسوسة.

34-    يراجع الثعالبي، فقه اللغة، ص 408، وابن سيدة، المخصص، 9- 79.

35-    ابن قتيبة، كتاب العرب، ص. 361 – 464ـ في رسائل البلغاء.

36-    م. س.، ص. 372. وقد ورد لفظ”الحنيفيّة” في أصل نصّ الكتاب تحت لفظ”الحنفيّة”، وهو محض خطا مطبعيّ سهي عن تصحيحه.

37-    ابن منظور، م. م. س.،(حنف).

38-    نحن الآن نصطنع مصطلح مُماثل ترجمة للمصطلح الغربيّ الذي ترجم إلى العربية، أولَ الأمر، تحت مصطلح أقونة، وهو لا يعني شيئاً في دلالة اللغة العربية. وقد أنى تعريبُه. وقد جئنا نحن ذلك.

39-    الزوزني، ص. 93 .

40-    إشارة إلى قوله تعالى: (فَنادَاها مِنْ تحتِها أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ ربُّكِ تَحْتَكِ سَرِياً)، مريم، 24 .

&&

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий