Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > “الطب النفسي” والأنثروبولوجيا الأرثوذكسية

“الطب النفسي” والأنثروبولوجيا الأرثوذكسية

مقابلة مع الأستاذ جان كلود لارشيه 


نقلها إلى العربية الأب أنطوان ملكي

النص التالي جزء من مقابلة أجراها راديو باراك التابع لكنيسة اليونان في 6 شباط 2000 حول موضوع “هل يمكن اعتبار التحليل النفسي والطب النفسي علمَين؟” أجرى المقابلة الأب قسطنطين ستراتيوبولوس. الأستاذ جان كلود لارشيه أستاذ جامعي وحائز على دكتوراه في العلوم الإنسانية وقد درس الأمراض النفسية، الفلسفة وآباء الشرق. كما أنّه صاحب خبرة سريرية في عدد من العيادات النفسية. هو لاهوتي كتب عدداً من الكتابات والدراسات المتميّزة. الأب قسطنطين: نشكركم على كونكم معنا الليلة. موضوع هذا البرنامج هو طب النفس الآبائي و”الطب النفسي” المعروف. مع الأخذ بعين الاعتبار أنّك صاحب اختصاص في هذا الحقل، نرغب بطرح بعض الأسئلة. برأيكم: هل ينسجم الطب النفسي المعروف مع مبادئ وأنثربولوجيا الأرثوذكسية؟

لارشيه: أظن أنّه ينبغي أن نميّز. هناك الكثير من أشكال الطب النفسي الدنيوي، ينتشر البعض منها، وتحديداً التحليل النفسي. ولكن حتّى في التحليل النفسي هناك تحليل فرويد وتحليل يونغ. في ما يختصّ بتحليل فرويد، هناك الكثير من عدم الانسجام مع الأنثروبولوجيا المسيحية. قبل كل شيء، لأن فرويد ينطلق من نظرة إلى إنسان ينكر الله والعلاقة معه، ومن جهة أخرى، الإنسان عنده مادي بالكامل. وإلى هذا، فإنه يتطلّع إلى تحويل خصوصية الإنسان، وهو أمر معاكس للمفهوم المسيحي. سوف أقدّم بعض الشروحات: على سبيل المثال، يرى فرويد أن بالأصل يوجد فئتان، نزعتان، أو وضعيتان هما الجنسي والعدواني. يؤمن فرويد أن كل الشواذات في حياة الإنسان يمكن تفسيرها من خلال هاتين الوضعيتين. حتّى الوضعيّات المثالية تأتي عنده من ضمنها. مثلاً، كل ما يظهره الإنسان في حياته الكنسية وتفكيره الفلسفي وإبداعه الفني… كل هذه السمات هي أشكال وتوجّهات للقوة الجنسية عند الإنسان، فيما نعرف بوضوح في الكنيسة الأرثوذكسية أن الجنسانية هي تعبير سلبي عن قوة، هي انحراف عن القوة الموجّهة أصلاً نحو الله. بتعبير آخر، الإنسان مخلوق من الله بعدة وظائف موجَّهة نحو الله، لكن من اللحظة التي غرّب الإنسان نفسه عن الله بالخطيئة، انحرفت قوته بطرق مختلفة، خاصةً نحو الجنسانية، كما نحو عدائية بشعة أيضاً.
أريد أن أذكر أمراً عن العدائية. بحسب فرويد، يوجد في الإنسان عدائية متأصّلة موجّهة نحو كل الآخرين؛ أمّا في المسيحية فالوجهة الصحيحة للعدائية هي جهاد الإنسان ضد الشرّ، ضد الخطيئة، وإذا وُجّهَت هذه العدائية نحو الآخرين، تصير نوعاً من الانحراف وتكيّفاً شريراً. هنا عندنا بشكل طبيعي رؤية مضادة بالكامل. من جهة أخرى، يوجد في مفهوم فرويد مبدأ آخر متضارب تماماً مع المسيحية. فيما الأنثروبولوجيا المسيحية تركّز على حرية الإنسان، أي على حقيقة امتلاكه القدر على تحديد المصير، وعليه امتلاك هذه الحرية بالتعاون مع نعمة الله لكي يتطوّر، نجد فرويد من الجهة الأخرى يؤمن بأن مصير الإنسان محدد مسبقاً في بنيته النفسية وحياته النفسانية منذ سني حياته الأولى وهو بالتالي خاضع لنزعات قد انغرست في لاوعيِه وبالتالي هو واقع في شرك ولا يستطيع تحرير ذاته بذاته.
أريد أن أقول أمراً آخراً باختصار، في ما يتعلّق بالأشكال الأخرى من الطب النفسي. لقد أشرنا سابقاً إلى طب يونغ النفسي الذي هو شكل آخر وأكثر تطوراً. واضح أن في رؤية يونغ بعض الاختلاف وبعض الروحانية، لكنها روحانية غير مسيحية. مثلاً، يجد الإنسان، في علم نفس يونغ، اهتماماً ذا دلالة بالحركات الصوفية أو السرية وغالباً ما يوجد نوع من الطب النفسي المرتبط بمجموعات الأديان الماورائية أو تلك ذات المعتقدات الغريبة عن المسيحية! وها نحن نلاحظ اليوم في الغرب تطوراً سريعاً للعلاجات النفسية المرتبطة بشدة بالحركات الدينية، وهذا يكون غالباً وسيلة يلجأ إليها بعض قادة أشباه-الأديان (para-religion) ليقتنصوا الناس إلى مجموعاتهم.
لهذا، المسائل المطروحة هنا، برأيي، هي غياب طب نفسي متحرر فعلاً من التدخلات الأنثروبولوجية. ما أقصد قوله هو أنّ خلف كلّ من أشكال الطب النفسي يوجد أنثروبولوجيا أساسية، أي إدراك خاص للإنسان، وغالباً ما تكون هذه الأشكال مبينة خارج المسيحية، وبشكل أكثر تحديداً، مختلفة عن الأنثروبولوجيا المسيحية؛ إذاً، في اللجوء إلى هذا الطب، نكون في خطر توجيه حياة الإنسان النفسية من خلال نماذج لا تتوافق مع الإيمان المسيحي.

الأب قسطنطين: أيمكن أن يساهم الطب النفسي في العلاجات الكنسية؟

لارشيه: لقد شرحت هذا الأمر في كتبي. قد يبدو الأمر غريباً، ولكني طوّرت الفكرة المعاكسة، أي أن الكنيسة هي القادرة على تقديم بعض الأشياء للطب النفسي الزمني. في النهاية، غالباً ما يبدو الطب الزمني سطحياً في وعيه للإنسان؛ بتعبير آخر، إنه ينظر إلى الإنسان ضمن إطار نفساني محض واجتماعي محض، وغير روحي بالكليّة. ما لا شك فيه، لا يوجد بحسب الأنثروبولوجيا المسيحية استقلال في الحياة النفسية، أي أنّ هذه الحياة مرتبطة جزئياً بحياة الجسد وغالباً ما تتأثّر بحالته. لقد كرّر الآباء أن هناك في بعض الأحيان اعتلالات نفسية أو اضطرابات نفسية مرتبطة باضطرابات جسدية، وينبغي معالجتها بوسائل عضوية من دون أدوية.
من جهة أخرى، هناك حالات كثيرة حيث الاضطرابات النفسية ترتبط بأمراض روحية! علينا إذاً أن نميّز بتأنٍّ بين ما يعود للفئة النفسية أو للروحية، وألاّ نخلط بين الاثنين. بهذا يمكننا تبرير وجود التقليد العلاجي للأمراض الروحية في الكنيسة الأرثوذكسية. لقد طوّر الآباء هذه النظرة بشكل شامل، بدرس أهواء الإنسان وتأثيرها السلبي على حياته، وأظهروا كيف أن غالبية الأهواء تولّد اضطرابات مهمة في نفسه. مثلاً، نجد في سِيَر القديسين أن الغضب هو سبب أمراض نفسية كثيرة؛ أن الأسى، كهوى، يسبّب القلق في النفس أو الإجهاد؛ من ثمّ يأتي الكسل الذي هو مصدر الكآبة والضعف، وهناك الخوف الذي يخلق اضطرابات عصبية وظيفية رهابية. لقد وجدت في تراث الكنيسة الأرثوذكسية التقليدي الآبائي، وخاصةً في ثروة التعاليم الآبائية، أموراً كثيرة يمكننا استعمالها لفهم اضطرابات النفس البشرية، كما أنه بإمكاننا أن نستعملها لنرعى ونشفي هذه الاضطرابات. عندما ندرس سلّم القديس يوحنا السينائي، ونقراً كتابات أفاغريوس البنطي، نجد تحليلاً لعمل النفس البشرية، وهو تحليل رائع ودقيق وعميق جداً. كما أنّه بإمكاننا الاستفادة بالكثير من هذه النصوص، ولكن للأسف، هذا التقليد الآبائي غالباً ما هو منسي.

الأب قسطنطين: ما الذي يقدّمه التقليد الأرثوذكسي نحو معالجة الاعتلالات النفسية؟

لارشيه: أعتقد أن في التقليد الأرثوذكسي تعليم غني بشكل مذهل لكنّه منسي. كما أعتقد بأن بمقدورنا، من خلال درس النصوص النسكية، بلوغ مرحلة فهم عمل الحياة النفسية، من جهة الصحة والمرض، بطريقة تنسجم كلياً مع الأنثروبولوجيا المسيحية.

الأب قسطنطين: أيمكن للأنثربولوجيا الزمنية أن تشفي النفس؟

لارشيه: انتبه! علينا التمييز بين أمرين: داخل النفس علينا أن نميّز بين النفسي والروحي! إذا كان الموضوع هو شفاء الاعتلال الروحي، فالأمر جلي، لا يمكنها ذلك. لكن يمكنني القول أنّ، في بعض الحالات، العلاجات النفسية المعروفة يمكن أن تقدّم درجة من الراحة للأمراض النفسية. لكن لا يوجد أي “طب نفسي” قادر على الشفاء الفعلي للنفس. الدليل على ذلك هو كثرة العلاجات وتنوعها. لو أن واحداً منها كان قادراً على الشفاء، لكان فرض نفسه وتقدّم على كل الباقين. حقيقة أننا نبحث باستمرار على طرق جديدة للعلاج النفسي تعني أننا لم نجد بعد طريقة علاجية مُرضية فعلاً. لكن بعض العلاجات تخفف بعض أشكال العذابات النفسية الناتجة عن اضطرابات نفسية. حتى أنه يمكنني القول أن من الممكن تقديم درجة ما من الراحة من خلال الممارسات الحالية بفضل “جلسات الاستماع”. أظن لو أن الكهنة يخصصون وقتاً للاستماع للذين يطلبون الاعتراف، أي أن يستمعوا لهم بمحبة وبحسّ من الحنو والتعاطف والصلاة من أجلهم، فسوف يحققون نتائج ليست كتلك التي تتحقق بالعلاج النفسي، بل أفضل بكثير. إني أغامر بالقول أن المسيحية، الكنيسة، تقدّم ما هو أكثر بعداً: عندما يقصد المريض معالجاً، يستمع المعالج إليه وغالباً ما يفضي له المريض بأسرار عن حياته الداخلية ومصاعبه فيجد المريض راحة؛ من جهة أخرى، الكنيسة تقدّم ما يتجاوز الاستماع: إنها تمنح الإحسان والمغفرة، وبالتالي إنهاء بعض المسببات، محو بعض أسباب الألم النفسي، بقدر ما ترتبط هذه الاضطرابات النفسية بالخطايا والأهواء.

الأب قسطنطين: أتتناغم طرق العلاج النفسي الطبية مع طرق علاج الكنيسة؟

لارشيه: يجب أن أشدد على هناك فرق شاسع في طرق عمل كلٍ من العلاج النفسي الطبي والكنيسة. الاعتراف هو الفرق بين التحليل النفسي وما يجري في الكنيسة، وهو ما يجب التركيز عليه. يقوم مبدأ التحليل النفسي على أن يتحدّث المريض عن الماضي واصفاً إياه بالتفصيل، معيداً اكتشاف الأوضاع التي قد تكون شكّلَت مصدر اضطرابه النفسي. في آخر الأمر، الهدف هو أن يعي هذا الإنسان الأمور المنسية المتعلّقة بأصل بعض الاعتلالات، ويعبّر عنها. ولكن المريض، أو الشخص الذي يخضع للتحليل النفسي، عليه أن يفهم في النهاية ذلك الوضع، من دون أن يُعطى الوسيلة لفهم ما وراءه، أو ما هو أفضل، عليه أن يتخطّى تلك الحالة بدل من أن يقبلها. الفرق كبير في الكنيسة، لأن الاعتراف ليس مجرّد عودة إلى الماضي، بل هو أيضاً كشف الحالة الروحية الحقيقية أمام الأب الروحي، لكي يتمكّن هذا الأب من تقديم المعونة الدقيقة ومن بعدها تأهيل المعترِف لإيجاد السبيل ليواجه حالة نفسه وينتهي متحرراً منها. ليس الاعتراف مجرد ممارسة نفسية بسيطة؛ إنه خبرة يجب ربطها بأسلوب حياة نسكي شامل وبشكل خاص ربطها بالصلاة وعيش الأسرار التي من خلالها نصير أواني لنعمة الله القادرة على مساعدتنا. بتعبير آخر، في العلاج النفسي، يواجَه الإنسان بوسائط محض مادية وغالباً ما تنقصه القوة لمواجهة حياته الداخلية، التي يراها فقط من خلال التحليل النفسي. لكن، في إطار الكنيسة، يتلقى إرشاد أبيه الروحي، أي التمييز، من جهة، ومن الجهة الأخرى يتلقّى نعمة الله.
أريد أن أوكّد أن في التحليل النفسي بعض المخاطر. قد يكون البعض في أوضاع صعبة وقد سبق أن عاشوها في الماضي، فهم يتذكرونها ويدركونها، لكنهم يعجزون عن مواجهتها، فيما المعالج لا يقدّم لهم أي وسيلة لتخطي هذه الأوضاع. بالحقيقة، قد تنتهي بعض هذه التحاليل النفسية إلى خواتم مأساوية: انتحار أو تطور سلبي للحالة بدل المعافاة. إن هذه الفكرة بالضبط، أو هذه الحقيقة، أي استفادة الإنسان من معونة خارجية فعّالة، كما هي الحال في الكنيسة، مفقودة في العلاج النفسي.
من جهة أخرى، هناك خطر متأصّل في استذكار كل تفاصيل انفعالاتنا. ينصحنا الآباء بالاعتراف بها، أي بالتلفّظ بها وليس فقط “معرفتها” أمام الله. من ناحية ثانية، ينصحنا الآباء، بعدم تكرار عيش تفاصيل الماضي الذي لم يكن له نتاج إيجابي أو يرتبط بخطايانا. وبالتالي، ليس الاعتراف ذكرىً على المريض أن يبقى من بعدها متعلقاً بها، بل هو أمر نعترف به أمام الله لكي نحصل على مغفرته؛ والمغفرة هي بالتحديد التخلّص من كل النتائج المَرَضيّة، ومنها سبب المرض أو الاضطرابات المرتبطة به، عندما تكون على علاقة بالخطيئة. بتعابير أخرى، المغفرة الإلهية تقدّم العلاج الذي لا يوفّره جوهرياً العلاج النفسي الطبّي.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий