Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > العنف : اضاءة أنثربولوجية حوار مع عبد الله حمودي

العنف : اضاءة أنثربولوجية حوار مع عبد الله حمودي

الصورة الرمزية نقوس المهديالمحاور

تقديم:
ليس من الصدفة في شيء أن يستضيف الملف الخاص بالعنف الأنتربولوجي عبد الله حمودي الذي يعتبر بحق رائد البحث الأنثربولوجي في مغرب ما بعد الاستقلال حيث بدأ أبحاثه الميدانية منذ الستينيات من القرن الماضي وأسس لأسلوب أصيل في البحث والتنظير يستوعب النظريات و يفحصها على ضوء الكيفيات التي يعطى بها الواقع للإدراكات والإرادات، ليحاوره ويطلب إفادته بخصوص القضايا التي يطرحها العنف في مجتمعنا، وتبعات ذلك نظريا وسياسيا. فهو يتناول الموضوع وفق منهجية أنتربولوجية أصيلة و متميزة تمتح من تصور نظري يقيم حوارا دائما مع النظريات الفلسفية ومع باقي أشكال التعبير الفني و الأدبي التي تبدعها المجتمعات لتشير لآفاقها الطوباوية. وتتميز المقاربة التي يتبناها الباحث بكونها تعتمد قراءة مزدوجة: قراءة الأرشيف و الاسطوغرافيا ومختلف أنماط التدوينات إثنوغرافيا، وقراءة الإثنوغرافيا بالاستطوغرافيا و الأرشيف الشفاهي و المكتوب للمجتمع، هذا في الوقت الذي كان فيه الأنثربولوجيون يهملون أنظمة التدوين و خصوصا المكتوبة ولا يعتمدون سوى لغة الجماعة المدروسة التي يرونها معزولة عن انتماءاتها الكبرى، رغم وجود هذه الأخيرة ( البنيوية والوظيفية، وصيغتهما المنقحة التجزيئية). وهي مقاربة تتبنى مكتسبات التحليل المادي و تتعداه لمقاربة الرمزيات لا لتقولبها في قوالب وصفية جامدة، بل لتتفهم أساليب اشتغالها و تدفع بها نحو حدود تناقضاتها و الاختلافات العاملة في قلب هوياتها المتحركة، على اعتبار أن المجتمعات ليس لها صفات موضوعية قارة، بل لها قصديات و مشاريع و طموحات تتغذى من صراعاتها و اختلافاتها، و تحدد ما يسمى بالمواصفات الموضوعية. و لهذا السبب تستحضر تحليلات الأنثربولوجي عبد الله حمودي الأفق الطوباوي للمجتمع و شرطه القبلي: النقد المنهجي و السياسي للخطابات التي تدعي التطابق مع الواقع و تغلق باب العلاقة بالمرجع. و سيجد قراء مجلة فكر ونقد في هذه المقابلة شيئا من هذا.

الحوار
محمد زرنين:

الأستاذ عبد الله حمودي، نعرف أن كل تعريف يقدم لشيء ما هو ترجمة لرهان مفتوح بين من يعرّف ومن يتوجه إليه التعريف بصدد ذلك الشيء؛ فنحن نجد أن هناك من يربح، وهناك من يخسر بمناسبة كل تعريف. مما يسمح لنا بالحديث عن الفوائد العملية والسياسية للتعريفات إضافة، لفوائدها النظرية والمنهجية. وعادة ما ننسى أن التعريفات، من حيث هي محاولة لتملك الأشياء والعلاقات، لا تقوم فقط على الاتفاق ولتطابق، بل تفترض، أيضا، توترات، وصراعات، وإغراءات، وحيلا من أجل التحكم في الأشياء و في العلاقة بها، وبالتالي، التحكم في حقيقتها. كيف تنظرون كأنثربولوجي، على ضوء هذه الخلفية، إلى التعريفات المتداولة للعنف داخل المجتمع المغربي، أولا، وداخل الحقل العلمي الذي تنتمون إليه، ثانيا؟ وكيف تدركون رهاناتها السياسية والنظرية في الحالتين ؟
عبد الله حمودي:
إذا كانت هناك تعريفات رائجة داخل المجتمع المغربي للعنف، فهي تعريفات تبقى مبهمة وغامضة. فأنا لم أقف، في السنوات الأخيرة، عند تعريف محدد للعنف، بل وقفت على أعمال ومجابهات وممارسات صنفت وسميت بالعنيفة، وهذا في حد ذاته له دلالة. إن ما يتم تداوله من “تعريفات” و “تصنيفات” هي ممارسات خطابية وعملية تتم في سياق صراع اجتماعي حول من يتملك القدرة على وصف الآخرين و ترتيبهم الترتيب الملائم لمصالحه و أهدافه. و يمكن أن تأخذ كمثال على ذلك، كل ما راج من تعريفات و تصنيفات بعد تفجيرات 16 ماي بالدار البيضاء، حيث كان الرهان يخص إعادة ترتيب جميع الفاعلين السياسيين على ضوء خطوط التوزيع الجديدة التي برزت بعد التفجيرات. وقد وضحت بعض هذه القضايا في مقابلة صحفية مع أسبوعية الصحيفة حيث أبرزت الرهانات المشتغلة ودلالة الصراع بين الفئات المتصارعة حول حقيقة تعريف العنف الذي لبس في هذه الحالة لباس الإرهاب..

السؤال:
و ماذا عن رهانات تعريف العنف داخل حقل الدراسات الأنثربولوجية ؟
الجواب:
إن كلمة عنف تستعمل في مجالات مختلفة، وعلى عدة مستويات متباينة، و بحسب استراتجيات تعريفية متنوعة. إن العنف، في أول الأمر، وقبل كل شيء، هو ظاهرة يصعب تعريفها بدقة. وإذا رجعت إلى المراجع الفلسفية والأنثربولوجيا، تجد أن العنف صعب التعريف، ولا يوجد تعريف واحد يعمل به باعتباره كذلك. فإذا نحن بحثنا، على سبيل المثال، في القواميس، و هي جزء من الحياة الاجتماعية، سنجد أن كلمة “عنف” تستعمل في حقول دلالية واسعة: “العنف” ضد الرفق؛ ونقول الأخذ بالعنف حين يأخذ المرء الشيء بالعنف؛ وتستعمل الكلمة بمعنى الإكراه؛ وهناك العنفوان بمعنى الشباب والقوة الخ، كما في الصحاح في اللغة للجوهري. ويأتي صاحب تاج العروس بنفس الدلالات، مستشهدا بالجوهري وغيره، ويزيد عليها الشدة و”العنفة”، واعتناف الأمر بإنكاره. وهذه مجرد أمثلة فقط حيث يقترن العنف بالصرامة والألم والإيلام والزجر أو القمع، مثلا في الوعظ والتربية كما عند أبي حامد الغزالي في الإحياء؛ أو الإنهاك واستنفاذ القوة (في حالة الفرار من العدو حيث يجوز استنفاذ قوة الفرس)؛ واستعمال العنف من أجل النجاة من الخطر (الرازي). وفي هذه الحالة تقترن الكلمة بالخطر والموت والأوجاع. وقد استعمل الرازي أيضا كلمة عنف للحديث عن الضغط والأوجاع التي يسببها خروج الجنين أو (المولود) من الرحم(الحاوي في الطب). وإذا كان الجوهري والزبيدي يستخدمان كلمتا عنف ورفق في سياق الكلام عن ركوب الخيل، أي في سياق ترويضها وتمرينها على الخدمة والطاعة، فإن بعض فلاسفة المسلمين يستعملونها في مجال العلاقات بين الناس، وخاصة في مجالي الحرب والسياسة. فالرازي يذهب، مرة أخرى، إلى أن اللجوء إلى العنف يكون عادلا بصفة عامة حين يكون المرء أو الجماعة مهددة بخطر؛ ويذهب ابن سينا إلى أن للعنف معنى إيجابيا حين يستعمله الحاكم للحد من انتشار الفساد في الرعية (المنطق). أما استعمال العنف في الجهاد سواء في الفتوحات أو في الدفاع عن الأمة ضد عدو خارجي أو داخلي فهو مشروع عند علماء الإسلام. و من المعلوم، أخيرا، أن استعمال العنف وارد في التربية، وهو أيضا وارد ومطلوب في التربية الصوفية (كجهاد ضد النفس “الأمّارة بالسوء”). و علينا أن لا ننسى أن هناك أيضا خرق، وخرق( بفتح الراء)، وغصب واغتصب … وأصحاب الطرق كالدرقاوية كان من شروطهم خرق العادة. و هناك أيضا كلمة حرب و جميع المفرادات التي تفيد الخصام والشجار والتعنيف. كما نجد كلمة أساسية في ثقافتنا العربية الإسلامية ألا و هي كلمة فتنة. و كيفما كان الحال، فإننا نرى من خلال هذه الأمثلة أن كلمة عنف و ما يدور حولها من مرادفات ترتبط بكل مجالات الحياة، سواء الفردية أو الجماعية، العائلية أو القبلية أو السياسية أو الدينية.
إن تعدد المجالات الدلالية للمفردات التي تترجم “عنف” شيء معروف حتى بالنسبة للغات أخرى، فكلمة (Violence) بالفرنسية أو بالإنجليزية أو ((GEWALT بالألمانية لها معاني يتعذر حصرها في معنى واحد، كما لاحظ ذلك، عن حق، بعض الباحثين (فرنسواز إريتي وإتيان باليبار، على سبيل المثال). فنحن أمام عدة تعريفات تختلف بحسب اختلاف استخداماتها و مقارباتها المؤطرة (بكسر الراء). و هو ما يجعلنا نقول، إننا أمام عدة مقاربات للعنف و لسنا أمام مقاربة واحدة و وحيدة. و كل مقاربة تعكس إدراكا معينا و أسلوبا في التشخيص و الاقتراح.
فهناك مقاربة تحدد العنف في استخدام وسائل الضغط التي تحد أو تعدم إمكانية الغير في الاختيار، بل وتعدم حتى إمكانيته في الهروب، أو في الانعتاق، أو في رفض الوضعية التي تفرض عليه؛ ويصل هذا العنف، أحيانا، درجته القصوى عندما لا يعدم فقط إمكانية الإنسان في الرد، و لكنه يعدم الإنسان نفسه. و يقوم تعريف العنف، في هذه الحالة، على تحديد آليات إنتاج مختلف أشكال الضغوط والوسائل التي يصل الإنسان بها إلى القتل وتدبيره. و يمكن أن نقارن، على هذا المستوى، حالة العنف بحالة اللاعنف، أي بتلك الوضعية التي يكون فيها الإنسان متحررا من إكراهات و من وسائل الضغط والإجبار بحيث يكون المجال هو مجال الإقناع و التفاوض أو أي شيء من هذا القبيل. و هكذا، عوض أن يتحدث الناس عن العنف، يتحدثون عن حالة سلم أو سكينة أو سلام.
و هناك مقاربات أخرى تركز على أبعاد أخرى، و تسعى لأن تتعدى الإكراه ووسائل الإكراه (كالقوة المجسّدة في الآلات الإدارية والحربية والقمعية والزجرية للقانون). و لا تلغي هذه الأخيرة التعاريف الأولى بالضرورة، كما لا تنكر وجود استعمالها من طرف مجموعات أو حكام، أو احتكارها من طرف الدولة (كما ذهب إلى ذلك ماكس ڤيبر في تعريفه لمفهوم الدولة)، ولكنها تركز على عوامل أخرى تحد من الحرية، ومن حرية النظر، وحرية النظر في الواقع المعيش؛ والعنف في هذه النظريات يعني سجن الإنسان من طرف الخطاب السائد في رؤية واحدة وصورة واحدة. و إنتاج الخطاب السائد لنظريات واعتقادات ترفع أسوار الصمت حول نظريات أخرى ممكنة، وتصورات مغايرة لنفس الواقع. ومعلوم أن ميشيل فوكو كان المنظّر الأساسي لهذه الأطروحة.
وقريبا من هذا، ذهب بورديو إلى القول بنظرية العنف الرمزي والهيمنة الرمزية. وهي نظرية ترتكز بالأساس لا على الخطاب السائد في مجال المعارف والمؤسسات السجنية والممارسات العملية باسم القانون، بل على وصف الممارسات اليومية والعادات السائدة التي تكوّن الإنسان من خلال التربية و”التدجين”، خاصة تربية الجسد ومتطلباته.
لكن إشكالية هذه المقاربة تبقى رهينة النقاش و مفتوحة خاصة بالنسبة للمجالات الاجتماعية والتاريخية والثقافية التي يصعب فيها على المحلّل إيجاد مؤامرة ومتآمرين يسعون إلى ممارسة الضغط وإلى التحكم في نظرات وممارسات الآخرين.
ورغم هذا، يبقى عنف الخطاب و العنف الرمزي قابلين لأن يحددا وأن تدرس فاعليتهما في مجالات عدة، مثلا، حينما تكون هناك شرائح اجتماعية تسعى إلى العيش حسب معايير مغايرة للمعتقد السائد و يتم إقصاؤها أو القضاء عليها بالقوة، أو بنوع آخر من النفوذ كالدعاية و التخويف، وخاصة النفوذ المنظم من طرف مجموعات أو شبكات أو تنظيمات من نوع الكنائس، مثلا…
و المهم أنه كيفما كانت مرجعية المقاربة، و بالتالي الأبعاد التي تركز عليها، فهي تبقى مقاربة انطلاقا من موقع اجتماعي محدد تتحدد حسبه أرباح التعريف و خسائره. تبقى، إذن، مسألة [تعريف] العنف و مقاربته مسألة مفتوحة. فكل اتفاق يقدم باعتباره اتفاقا من أجل السلم الاجتماعي، مثلا، يمكن لطرف آخر أن ينظر إليه من منظور العنف، فيجد فيه العنف قابعا في قلب السلم، يجده و قد لبس لباس السلم الاجتماعي. و في هذا السياق، علينا أن لا ننسى أن تعريف العنف يرتبط أولا، بإدراكات و تجارب جماعية وفردية، وبأفعال وبردود عليها متباينة بتباين الاستراتجيات و المواقع، مما يفتح الباب أمام كل الاحتمالات، بما فيها حرب التعريفات؛ وثانيا، أن كل حديث عن العنف يحمل في طياته اتهاما و حكما: اتهام طرف آخر و تجريمه. فتعريف العنف (الخطاب) يصبح سلاحا: يبرئ المتكلم المنتج للتعريف، و يتهم، إن لم يجرم، المتحدث عنه أو إليه. و هنا، يلزم التمييز بين العنف كما يتحدد في وضعية اجتماعية-ثقافية وسياسية معينة، يستخدم فيها الضغط ومجموع الوسائل التي تحدثت عنها، والعنف كخطاب. و يعني هذا أن كل تعريف يقدم للعنف لابد و أن يكون فيه حيف، وأن يكون فيه رابح وخاسر، لابد و أن تقف وراءه حكاية. و لن نتمكن من معرفة الخاسر أو/و الرابح، إلا إذا قرأنا عالم/حكاية التعريف بعوالمه/حكاياته الأخرى، خصوصا المغيبة أو المسكوت عنها. إن حرب تعريفات العنف مسألة جدية و مفتوحة.
و علينا أن لا ننسى، أيضا، أنه إذا كان إشكال العنف، بالنسبة لبعض الفلاسفة، و إلى زمن قريب، إشكالا تنتهي معالجته بالتفاؤل، إذ اعتقدوا في إمكانية التخلص منه والقضاء عليه. فإنه علينا الاعتراف بأن هذا إشكال شائك جدا، لأن التشخيصات الأنثربولوجية تسير في اتجاه تأكيد استحالة التفاؤل بخصوص هذا الموضوع.
فإذا أخذنا مثلا، تطاحن الأنا والآخر، في نظرية هوبز، فإن هذا التطاحن يصبح مكونا من مكونات الطبيعة. ويكون الخروج من حالة الطبيعة إلى حالة المدنية بالقضاء على العنف أو بالحد منه. و في هذا الإطار، تمارس الدولة حسب منظوره عنفا أقوى من عنف الفاعلين، لأنه عنف متفق عليه. و قد تطورت هذه النظرية لتعكس طموحا للخروج من حالة العنف، وترسم الدولة كمثال للمجتمع و كتركيب أعلى، يجسد العقل في التاريخ، و تفرض فيه الجدلية حدودا على العنف باسم العقل. وطبعا، أفضل أكثر الرجوع إلى هوبز وليس إلى هيغل. إذ يبقى العنف ظاهرة مفتوحة ومعقدة. ومن الأحسن التفكير فيه بجدلية مفتوحة ولا متناهية، وليس بجدلية تنتهي بالانسجام التام، أو بنوع من التفاؤل الذي لا تستطيع الأنثربولوجيا قبوله.

السؤال:
يعني هذا أن كل تعريف بما هو ممارسة خطابية عملية يحيل على مركب من الاستخدامات يبين لنا في الأخير طبيعة الاستراتجيات العاملة في المقاربات…

الجواب:
نعم، و إن ما يهمني في هذا الصدد، هو الإشارة إلى أن تتبع هذه المقاربات يقود الباحث إلى تحليل تركيبات اجتماعية وثقافية أساسية، إن لم أقل الأساسية أو تقريبا جميعها، من زاويتي العنف والرفق أو الحرب والسلم. بدأنا بالتقابل “عنف”/ “رفق” لتنتهي إلى تقابلات “عنف-حرب/رفق-سلم؛ شدة/ليونة؛ قوة/ضعف؛ قوة/إقناع؛ إكراه/إقناع؛ إنكار/إقرار واعتراف، الخ. قد تبدو هذه التقابلات بسيطة، لكن التحليل الأنثربولوجي يحتاط من اعتبارها كذلك، فهو يعرف أن منطق الثنائيات غالبا ما يخفي منظومات علائقية معقدة و متحركة…
تقنعنا هذه الأمثلة، بأن مشكل العنف مشكل شائك، وأن حضور العنف قائم، وأن القضاء عليه مستحيل. و ربما كان من الأحسن أن نفكر في الحد منه بالبدء بالاعتراف بأنه يسكننا و و يطبع تركيباتنا الاجتماعية والثقافية بطابعه السلبي أو الإيجابي، و بالتالي لابد من التعامل معه على هذا الأساس، رغم أن هناك تصورات فلسفية (غير التي تحدثت عنها حتى الآن) أخرى معروفة ذهبت إلى القول بإمكانية “السلم الدائم” (كانط و هيغل) استنادا على العقل البشري واحتكاما إليه، والإقرار لكل فرد بالحق في التمتع بالحرية وبتلبية حاجاته الأساسية من الغذاء والاطمئنان، لكن المشكل أننا كلنا نسعى إلى ذلك، ويحصل الاصطدام بيننا من أجل ذلك، وحينئذ تستعمل القوة والعنف للحصول على الاطمئنان ( سواء مارست هذا العنف قوات عشائرية أو قبلية، أو قوات الدولة أو قوات أخرى). وطبعا، يرد البعض على هذا بالقول إن قوة القانون يمكنها أن تحل مكان قوة القوات المادية (الجيوش والأساطيل)، لكن قوة القانون نفسها تحتاج إلى قوة مادية لتطبيق القانون، وتطبيق القانون نفسه قد يحصل فيه الشطط. و لهذا، نجد في كل المنظومات (وكيفما كان نوعها) إمكانية بل حاجة موضوعية ومشروعة للنقد السياسي والاجتماعي والثقافي للنظام السائد، أو حتى القيام، ضده، أحيانا، بالقوة …
ونجد مجهودات فكرية وسياسية أخرى بذلت من أجل التحكم في التنافسية المولدة للعنف، لإقرار العدل والسلام بين الناس ولكنها فشلت، لحد الآن. ويظهر أن سبب ذلك يرجع، أولا، إلى تكبيل ملكة الارتزاق و البحث في سبل الرزق و الاغتناء المادي والروحي، وثانيا، إلى كون الأنظمة التي اخترعت من أجل ذلك (الأنظمة الشيوعية، مثلا) تصبح هي نفسها آلة قمع للحرية والعدالة والمساواة لكونها تدعي المثالية و الإطلاقية والشمولية، ولا تقبل نقدا لأطروحاتها، و بذلك فهي لا تقبل أن تضع حدا لاستعمال العنف من أجل بسط نفوذها و أطروحاتها.
إن هذا بالضبط ما نراه مثلا لدى جورج صوريل الذي ألف كتابا سماه العنف، حيث ميز هذا المفكر بين العنف والقوة في مجهوده، لتعريف العنف. فالقوة في نظره هي تلك الوسائل من إدارة، وجيش، وحرس، و قوات أمن، وقوانين تسهر على حفظ الأمن في إطار نظام سائد. إذ أن البورجوازية تتمتع، في نظره، بالقوة و تتحكم فيها. أما بالنسبة للطبقة العاملة والكادحة، فإنها لا تتمتع بالقوة المادية ولا تحميها قوة القانون؛ ولذلك فهي لا تملك سوى العنف للدفاع عن مصالحها والإطاحة بنظام التمايزات و الفروقات لاستبدالها بنظام المساواة التامة. وتلك هي المعضلة، إذ أن صوريل أغفل كون ممارسة العنف تحتاج، هي بدورها، إلى تنظيم، وتنتج زعماء وأبطالا، يصبحون هم أنفسهم أباطرة ومستبدين، فيولد هذا الوضع تمايزات وطبقية بين المسيريين، بل يولد تحالفا مقدسا جديدا يسير قوة اجتماعية هي الطبقة الكادحة، و يستبدل النظام الليبرالي الديموقراطي بإيجابياته وسلبياته بنظام تسلطي و فاشستي؛ ومعروف أن صوريل نفسه ذهب به الأمر إلى حد خدمة موسوليني والحزب الفاشستي الإيطالي.
وإذا استحضرنا أن نظرية السلم الدائم المبني على العقل بمفهومه الليبرالي مبنية على الانتفاعية، و أنها أغفلت العنف الذي مورس على الأقليات وعلى الشعوب التي استعمرت واستغلت أو تم القضاء عليها جزئيا أو كليا (بدء من المجتمعات الأمريكية قبل الغزو الأوروبي)، و أنها احتلت أكبر جزء من المعمور إلى غاية الخمسينات والستينات من القرن العشرين، و أنها أغفلت النظريات التي غذت هذه الوضعية أو التي تغذت منها هي، فإننا ندرك درجة الحذر المطلوب من مثل هذا الطرح، وخاصة وأن ذلك مورس باسم دعوى استتباب السلم و نشر الحضارة في العالم، و كل ذلك، مقرونا بنشر مثاليات دينية مسيحية، سيما و أن المنظومة الغازية كانت و لا تزال هي المنظومة الوطنية المتمثلة في نظام الدولة الليبرالية، عنوان ما يسمى بالحضارة والرقي.
فإذن، لابد من الحذر في التعامل مع كل من أطروحة السلم الدائم حسب ما تدعيه الليبيرالية، و أطروحة العدل التام تحت ظل المساواة التامة. فمع هاتين الأطروحتين يتم إدخال المطلقات في السياسة؛ كما أن ما تسميه اليوم بعض التيارات “بالنظام الإسلامي” أو “المنهج النبوي” يدخل، هو أيضا، مطلقات دينية في صميم الممارسات السياسية، وهذا خطر على المجتمعات إذ أنه يفتح باب تفشي العنف بدل الحد منه، ويسد باب الرفق والتمرّن والتمرين على الحوار والاتفاق في ظل السلم النسبي، والقدرة على تنظيم العيش في أفق الدنيا. علما بأن التشبث بالمطلقات في أمور العقيدة والدين شيء بديهي ومسلم به، و يستوجب التعامل معه بالاحترام من طرف الجميع، كيفما كانت درجة الاختلاف في المذاهب والعقائد.

السؤال:
أستخلص من جوابك، لحدود الآن، خلاصتين: الأولى، وهي التحفظ المبدئي من كل تعريف يقدم للعنف، والانتباه لمن يعرف، أين، ومتى، وكيف، أي لما أسميته بالتركيبات الاجتماعية- الثقافية الملموسة التي تكون الخلفية الاجتماعية- الثقافية للتعريفات؛ والخلاصة الثانية، هي ما أسميته بضرورة الجدلية المفتوحة في الفهم والتحليل. وبالفعل، يظهر أنه بقدر ما يكون مفهوم العنف مركزيا في فهم الدينامية الاجتماعية والتاريخية للمجتمعات، بقدر ما يكون ملتبسا ومحاطا، إن لم نقل محاصرا برهانات التعريف وبمستويات الاستفادة. لكن عندما تتحدث عن ضرورة الجدلية المفتوحة فأنت تستحضر، بالتأكيد، الإسهامات النظرية الكبرى في حقل الدراسات الأنثربولوجية والفلسفية. إن القول بالجدلية المفتوحة، يضعك في جهة ما داخل حقل هذه الإسهامات، ويجعلك تحدد اختياراتك النظرية إزاءها؛ فكيف تحدد هذه الجهة، كيف تحدد معالم هذه الجدلية المفتوحة في معالجة العنف؟ مـــــــا علاقتها بالنظريــــــــــــــــات الأنثربولوجية، بالتحليل النفسي، وبالاقتصاد السياسي، باختصار، ما هي الخريطة النظرية التي ترسمها لهذه الجدلية المفتوحة؟
الجواب:
سأجيب عن هذا السؤال، و سأحدد معالم هذه الجدلية المفتوحة، انطلاقا من مناقشة و نقد الأجوبة التي قدمتها الأنثربولوجيا عن سؤال العنف و كيفية ظهوره. و سيلزمني هذا الاختيار بنوع من العرض التاريخي النقدي الذي سيكون بالضرورة مختزلا و ليس مفصلا، و لكنه سيبين بما فيه الكفاية معالم الجدلية المفتوحة التي أتحدث عنها.
لقد ارتبط ميلاد الانثربولوجيا بالعنف، عنف التسمية و التصنيف و الحكم الذي كان موضوعه المجتمعات المغايرة للمجتمع الأروبي الذي أصبح يمتلك جميع شروط القوة و التحكم بما فيها قوة إنتاج الخطاب حول الآخر من موقع القوة. فرغم تجربة المغايرة، و ربما بسببها، بقي العنف بمختلف أوجهه عالقا بالأذهان، حاضرا، لا يرتفع و لا يرفع في العلاقة بالآخر وبالغير، مشكلا بذلك بعدا أساسيا، إن لم نقل البعد المؤسس. فالنظرة إلى الآخر وتصنيفه تنتهي، بالضرورة، إلى تصنيفه إما كمجال للعنف أو كمجال للسلام. و يرجع اختيار المجال في الأخير إلى الاستراتجية المشتغلة و المحددة للعلاقة. فعندما تم اكتشاف القارة الأمريكية، وتم اكتشاف الشعوب التي كانت تعيش وتستوطن القارة، سميت تلك الشعوب “بدائية” و صنفت كعنيفة. و كانت كثرة الحروب بين تلك الشعوب هي دليل المعرفين و المصنفين الغربيين على هويتها العنيفة. طبعا، كانت هناك، مؤشرات أخرى تكلم عنها الباحثون كقتل البشر وأكل لحمهم. لكن المهم هو الافتراض الأساس الذي قام عليه الوصف، و بالتالي التسمية و التعريف، أي افتراض وجود مجتمعين: مجتمع عنيف (وهو المجتمع المسمى ب”البدائي”)، ومجتمع مدني متحضر (هو المجتمع الأروبي). و قد تبنى جميع كتاب أوروبا هذا التصنيف باستثناءات محدودة جدا، و خاصة باسثتناء مونطني. و قد تغيرت النظرة شيئا فشيئا حتى أصبح المجتمع البدائي هو مجتمع الرأفة والحياة الطبيعية الحرة، واختفى العنف كصفة مميزة له( روسو). و كان هذا التحول محكوما بمنطق محدد جعل النظام الجديد والمنتصر هو الذي يسمي النظام العتيق المنهار بالعنيف، وكأن منطق التطور التاريخي يقتضي الاقتراب أكثر فأكثر من حالة السلم كما يجسدها المجتمع الغربي. لقد كان تعريف العنف في الحقل الأنثربولوجي محكوما بسياق هذا الميلاد. كما أن العدة التصورية التي تم توظيفها في تصنيف هذه المجتمعات ارتبطت بمعيار الدولة التي لم يجد لها الباحثون أثرا لدى هذه الأخيرة، فقالوا: هذه مجتمعات بدون دولة و بلا قوانين. وهذا استحضار سلبي لما فكر فيه هوبز عندما فكر في المجتمع المدني.
في المرحلة الثانية، تحول مضمون المعيار إلى مسألة العقلياتـ. وتم الربط بين العنف والعقليات المتخلفة و الماقبلمنطقية ( ليڤي پرول). و اختفى العنف كسمة مميزة لتلك المجتمعات، ولكن حالة المجتمع ربطت بفتنة فكرية لاعقلانية؛ و فسر العنف الذي كانت تعرفه تلك المجتمعات بعقليتها. و في نفس الآن، أصبحت تلك الظواهر، بما فيها العنف، تفسر بنوع من النسبية، و أصبحت تقرن بحالة تلك المجتمعات. ومع تطور الأنثرولوجيا ظهرت نظريات أخرى تفسر العنف، خصوصا بعد الحرب العالمية الثانية.
النظرية الأولى تقرن العنف بالأخذ. فالعنف حسبها شيء طبيعي يفسر بحاجة الإنسان. و كانت الحاجات الأولى التي نظر لها المنظرون هي الحاجة للطعام، والحاجة الثانية هي حاجة الجنس، و الحاجة الثالثة هي الحاجة للاطمئنان. والعنف، حسب هذه النظرية، هو منع الغير من تلبية حاجاته وسد الطريق أمامه. و كان العنف في مظهره المعروف، أي الحرب، يصنف ويفهم كنوع من الصيد، وكأنه تطور لأحد أشكال الصيد. فيصبح الدافع إلى العنف هو الدافع البيولوجي، حتى تمنع الأخر من الأخذ: أخذ الغذاء أو النساء. فيصبح التنظير للعنف قائما على أساس بيولوجي. لكن مشكل هذه النظرية هو أن الدافع البيولوجي لا يمكنه أن يفسر الحرب، ولا يمكن أن يفسر الأخذ، سواء بالنسبة للطعام أو بالنسبة للجنس. فإذا كان الأخذ من أجل الجنس فقط، فإنه لا يفسر لنا تعدد الزوجات أو الحضايا. فهناك عامل آخر يجب البحث عنه. فلماذا يتعدى الأخذ من أجل الجنس القدرة التناسلية أحيانا؟ فيتعدى عدد الزوجات أو الحضايا العدد العادي ليحصل التناسل، وهو زوجة أو زوجتين أو حضيتن، ولكن ليست عشرين من الحضايا. فالمعروف في تلك المجتمعات، أن تعدد الحضايا والزوجات أصبحت له معاني ودلالات أخرى غير تلك الدلالات والمعاني التناسلية. كما أن الأخذ من أجل الغذاء لا يفسر العطاء. فإذا كان العنف (الحرب) يفسر الأخذ، فهذا لا يفسر أنك تتحارب حتى تكدس الموارد الغذائية ثم تعطي ! و هذا لا يمكن فهمه انطلاقا من نظرية لتلبية الحاجيات، بل يظهر هذا السلوك كاختيار مناقض للمبدأ الذي يحكمه. فالنظرية البيولوجية لا تفسر هذه العلاقات. وكان (لوروا كورهان) هو ممثل هذه النظرية حتى وفاته. و لا تنفي محدودية هذه النظرية الفائدة الكبيرة التي كانت لها، لأنها ساعدت، بقوة، على تصنيف الإنسان ككائن له حاجيات يحاول أن يلبيها بالشغل، أو بالحرب، أو باختراع الآلات. و كان هذا مهما، على كل المستويات. وطبعا، يمكن لهذا الانتقاد الذي انتقدته، أن يصدق على كل التوجهات الانتفاعية، بما فيها الانتفاعية الاقتصادوية في تفسير العنف.
أما النظرية الثانية، فهي نظرية الأخذ والعطاء، أو نظرية التبادل. وهي نظرية قديمة. فقديما قيل ولا يزال يقال: إذا حضرت التجارة غابت الحرب. و قد عرفت هذه النظرية إغناءا كبيرا مع (كلود ليفي ستروس). و تتميز نظرية التبادل باستحضار بعد أساسي، كان غائبا في النظرية الأولى. فمشكلة (لوروا كورهان) والبيولوجيين هي أنهم لا يعتبرون ولا يرون، أن ظاهرة الأخذ هي دائما ظاهرة مقننة، وكونها كذلك يعني أنها محكومة بتقنين اجتماعي، وليس فقط بمبدأ تلبية الحاجة، سواء كانت حاجة إلى الغذاء أو إلى النساء، وخصوصا في الحالة الثانية. بنى (ليفي ستروس) نظريته للتبادل على مبدأ منع الزواج من المقربات /منع زواج المحارم. وهذا المبدأ، في نظره مبدأ إيجابي لأنه حين يمنع الشخص من الزواج من أخته،مثلا، فإنه يدفعه إلى تزويجها بآخر. وبالتالي يضمن هذا المبدأ التبادل، ويدفع في اتجاهه. فإذا كان المجتمع مبنيا على التبادل، فإن هذا الأخير يصبح هو أساس التجمعات البشرية. غير أن المشكل الأساسي هو أن نظرية التبادل لا تكفي لتفسير ما يجري في تلك المجتمعات، لأنها تحاول أن تبني أسس المجتمع على القاعدة، فقط. علما بأنه عندما تتأمل التبادل تجد أن التبادل نفسه يأخذ أوجها أخرى، بما فيها الحرب. فمثلا، من أجل الحرب يتم التفكير في تبادل الأزواج بين مجموعات قبلية كبيرة. فيصبح التبادل نفسه وسيلة من وسائل الإعداد للحرب، يصبح استراتيجية حربية. فقانونيا وشرعيا، القاعدة هي المبدأ وهي الدافعة إلى التبادل، لكنها عمليا واجتماعيا، تفتح عدة مجالات، بما فيها مجالات التهييء للحرب و ممارسة العنف. فقانونيا، يمكن أن يقال: قانونيا، لابد من منع الزواج من المقربات حتى يكون التبادل ممكنا، لكن مقابل هذا، يمكن أن تقول، عندما كان التبادل ممكنا، أصبح من الممكن [أيضا] سوسيولوجيا و تاريخيا، أن تقوم بتبادل تحالفي من أجل الحرب. فالقاعدة تفتح التبادل، لكن التبادل نفسه ليس القاعدة الوحيدة للسيرورة التاريخية والسوسيولوجية للمجتمعات. فالتبادل كقاعدة، يمكن، أيضا، تاريخا و سوسيولوجيا، من أشياء تتعدى القاعدة؛ فالقاعدة تمكن من التبادل؛ والتبادل يمكن من الحرب. لهذا، يمكن القول: إن الشيء كقانون يجعل التبادل ممكنا، إذا رأيته من زاوية الجدلية التاريخية يعطي عكسه، يعطي الحرب بدلا من السلم، وتصبح الحرب والسلم شيئان ممكنان انطلاقا من قاعدة واحدة. و تكون الرسالة هي كالتالي: إذا أردت أن تتفتح و تغتني و تضمن التبادل، فلابد من أن تكبح رغبتك وشهوتك، و أن تحد من إرادتك. و هذا، يرجعنا إلى كلام آخر، هو أن التبادل باعتباره كبحا للشهوة، يمكن من بناء المجتمع والثقافة، و لكنه لا يضمن السلم. فالكبح يعطي إمكانية بناء الثقافة، ولكنه بناء يمكن أن يؤدي إلى عكس ما حددته القاعدة. وهذه هي الجدلية المفتوحة التي تحدثت عنها. فإذن، لا يمكن للعنف أن يعرف إلا بعكسه، انطلاقا من خطوط و حدود فاصلة، تعمل أيضا، كنقط اتصال تحرسها قواعد. لا يمكن للعنف أن يعرف إلا كوضعية نسبية مقارنة بالسلم إذا أخذناه، مثلا بوجه من وجوهه المركزية (الحرب). ونفس الشيء يصدق على السلم. فيصبحان (العنف والسلم) مخدومين ببعضهما البعض في طبيعتهما و هويتهما. كل مفهوم مخدوم بضده؛ و هذه هي الجدلية المفتوحة التي تجعلك تعرّف الشيء بضده، و لكن انطلاقا من عدم الإقرار بوجود حدود قبلية و فاصلة بينهما (الشيء و ضده)، إذ عليك أن تعترف بأن ذلك التعريف، هو تعريف قاعدي للعلاقة الجامعة بين الحدين. و عندما تفتح ذلك التعريف على التكوينات الاجتماعية التي جعلته ممكنا، فلا محالة أنك تعترف، في الأخير، أن السلم والعنف وجهان لبعضهما البعض. فكل واحد منهما يحمل الآخر في أحشائه. لهذا يمكنك أن تفسر كيف أن وصفك للآخر بالعنيف فيه عنف، أيضا، بل أكثر من هذا، يمكن القول إن جدلية العنف لا تقوم فقط على هذه التمييزات بين العنف و السلم كتبادل، بل تقوم على تمفصل آخر لا يقل أهمية في تحديد ملامح هذه الجدلية و هو تمفصل عنف داخلي/ عنف خارجي، أي عنف يتحدد انطلاقا من الدينامية الداخلية للجماعة، و آخر يتحدد انطلاقا من علاقة الجماعة بجماعة أخرى….

السؤال:
و من هنا أهمية التحليل الأنثربولوجي لهذه التمفصلات الموِلدة لمختلف أشكال العنف، من العنف الباني للهوية الجماعية ( داخليا) و المدعم لها إزاء مجموعات و هويات أخرى إلى العنف المهدد لها(خارجيا) و المتعين بالنسبة لها كآخرها…
الجواب:
تماما، و من هنا تأتي أهمية التمييز في التحليل الأنثربولوجي بين العنف المرتبط بالداخل، أي بالدينامية الداخلية للجماعة، و العنف المرتبط بما هو خارج عنها و ما يتعداها.
هناك أولا، ما يمكن أن نسميه بالعنف المرتبط بالخارج وبتكوين الهوية، فإذا رجعنا باختصار شديد إلى تجارب المجتمعات والحضارات التي سبقت الثورة الصناعية الحديثة( و لا أسميها “بدائية” كما تعودت الأنثربولوجيا على تسميتها إلى زمن قريب) فإننا نرى أن العنف عنصر من عناصر تكوين المجموعة البشرية وشعورها بهويتها. ففي المجتمعات الأمريكية العتيقة، كانت القبائل والجماعات تترك فيما بينها مجالا ترابيا لا يستوطنه أحد؛ وكانت تحرص على أن لا تلتقي ببعضها البعض. وإذا حدث و التقت، فغالبا ما كانت تنشب بينها الحروب، ويسبب ذلك القضاء على الرجال وسبي النساء، أو في بعض الحالات أخذ الأسرى والإبقاء عليهم أحياء قصد استعمالهم كأضاحي (كما كان الحال عند الأزطيك) أو لقتلهم وأكل لحومهم. و هذه الظاهرة الأخيرة إن كانت موجودة، فإنها كانت محدودة ومحاطة بطقوس وبقوانين، ولم تكن كثيرة الانتشار كما ذهب البعض إلى ذلك.
كانت كل مجموعة تطلق على نفسها إسما يعني “البشر”، وتطلق على الآخرين أسماء تنفي عنهم صفة البشرية. وتزخر الكتابات الأنثربولوجية بالأمثلة التي نعرفها في أمريكا القديمة وأفريقيا وآسيا وغيرها. ويعرف الجميع، تقريبا، أن الإغريق كانوا ينعتون الآخرين بالمتوحشين ومن هنا كلمة “بربر” (Barbare)، و تصف كتاباتهم، كما هو الحال عند هيرودوت، الحضارة (وهي التي يعرفها الإغريق)؛ ثم تصف البربر، وهم الذين لهم لغة وعوائد وتنظيمات مغايرة لما عند الإغريق “الممثلين” للحضارة؛ ثم تصف مجموعات أخرى لها قوانين مبهمة وغريبة؛ ثم تصف أناس آخرين يصعب نعثهم بالبشر لأن ليست لهم لغة ولا قانون في زعم هيرودوت، ثم أناس لهم صفات جسيمة حيوانية.
وفي جميع الحالات، يبقى الآخر، هو الذي ليست لغته مثل لغتنا، ولا قوانينه تشبه قوانينا. والمعروف في هذه الحالات، أن القوانين الأكثر إثارة لهذه التصنيفات والتسميات هي تلك المتعلقة بممارسة الجنس والزواج وضوابط المسكن والمأكل والملبس ثم الشعائر الدينية وغيرها.
فكل مجموعة أو شعب له خريطة يحل هو في مركزها كنموذج ومثال لما هي البشرية، وتدور حولها المجموعات الأخرى، سواء كانت معروفة أو موهومة، لتبقى تسكن في اختلافها عنها ويتم، بالتالي، ترتيبها على النحو التالي، مثلا، الأجنبي؛ الغريب والعجيب؛ المخيف المرفوض؛ الأغرب الذي يقترب من الحيوان أو هو حيوان. وعلينا أن لا ننسى انه حتى زمان روسو كانت النقاشات تدور حول بعض أنواع القردة المشتبه فيها (هل هي بشر أم لا)؛ و أنه إلى زمن قريب، كانت هناك مناقشات حول مخلوقات تشبه البشر، لكن لها ذيول ! و المهم هنا، هو تسجيل الأمر التالي: إنه كلما تم خلع صفة البشرية عن جماعة معينة من طرف جماعة أخرى، إلا وتعطي الجماعة الثانية لنفسها الحرية في القضاء على الجماعة الأولى أو الهيمنة عليها واستعمالها. وقد تساعد نفسها على ذلك بنعتها للجماعة موضوع التسمية “بالحيوانية” وإدخالها الطبيعة لاستغلالها وإزهاق أرواح أفرادها.
ونذكر هنا، أن هذه التصنيفات والتفرقة بين الأنا أو النحن، من جهة، وهم أو الآخرين، من جهة ثانية، لا تنحصر، فقط، في ما يسمى بالمجتمعات “البدائية”، بل نراها حاضرة وسارية في تركيبات اجتماعية وثقافية أخرى.
إننا نراها مثلا بوضوح في تاريخ الأديان، و في انتشار هذه الأخيرة في الشرق الأوسط وأوربا، و في التطاحنات بينها، حيث كل طرف يدفع بالآخر إلى “غرابة” تكون أحيانا تامة، وتكاد تقصيه من البشرية. و نجد في اللغة العربية أيضا، كلمة “الأعجمي” التي تكاد، أحيانا، تنفي صفات اللغة على اللغات الأخرى. علما بأن أصحاب اللغات الأخرى لهم كلمات تفيد نفس المعنى و نزوعات مماثلة. وطبعا، تكون حدة هذه الاختلافات قليلة في أزمنة السلم والوفاق والتحالفات، ولكن حدتها تتضاعف في أزمنة الحروب حيث تدفع الأنا ضد الآخر للهجوم و/أو الدفاع. و انتشار هذه النزعة معروف لدى غالبية الشعوب. فإقصاء الآخر، في صورة المسلم والإسلام، نسبيا أو بإطلاق، ظاهرة متفشية في أوروبا وأمريكا منذ زمان بعيد، ولا توازيها قوة إلا قوة إقصاء ونفي الثقافات الأمريكية والأروبية من طرف من يدعون الدفاع عن الإسلام. وكما نجد تصنيفات تؤسس الأنا ضد الآخر عند الإغريق، فالأمثلة موجودة لنفس الظاهرة عند المسلمين والعرب، وتزخر بها كتب الجغرافية والرحلات، وفنون أخرى، بما في ذلك كتب السفراء. وعلى سبيل المثال، يمكن الرجوع إلى كتابات السفراء المغاربة إلى إسبانيا؛ وقد وقفت على إشارات و نعوث للإسبان عند الغساني والغزال و غيرهما. وفي هذا المضمار، لم يختلف الغساني عن الإسبان والأوروبيين في نعث هنود أمريكا بالحيوانية حين سمع بحروبهم مع الإسبان.

وبالموازاة مع العنف ضد الآخر هناك العنف الممارس داخل المجموعات نفسها، وهو كالأول له صلة وثيقة بتكوين الأنا، أي هوية الفرد والمجموعة. وخلافا لما كتبه بعض الأنثروبولوجيين ككلود ليفي ستروس وأتباعه، و لما تقول به النظرية الرمزية التوافقية ذات المرجعية الأفلاطونية التوافقية، حاولت في أبحاثي، إظهار العنف والتوتر والاختلاف كعناصر نشيطة في الطقوس نفسها، وهي تمثل تصويرا جزئيا للعنف من طرف المجتمعات. وأنا أعتبر أن المجتمعات والثقافات تبقى ترتيباتها دائما مفتوحة على المبهم. وعلى كل، فقد سميت تلك الممارسات التي يمارس فيها العنف على أشخاص أو شرائح بحسب النوع أو الجنس (ذكر/أنثى) أو بحسب السن (كبار/صغار) من قبيل طقوس المرور من الطفولة إلى الرشد، إلى سن الزواج والكهولة والشيخوخة والموت. إن كل هذه المراحل تعاش بحسب طقوس تنظم العلاقات بها، يسميها الأنثروبولوجيون “بطقوس المرور” (تبعا لاصطلاح ڤان جينيب آرنولد). و قد تمارس في هذه المراحل أنواع من الشدة والعنف على الإنسان والجسد، بما فيها العزل و وشم الجسد بآلات حادة أو بقطع جزء منه (الجسد) كما في طقوس الختان. وهي وشوم تعلم الفرد بحيث يدرك ويستبطن في نفسه و يحمل على جسده وشما يعني أنه فرد ينتمي إلى هذه المجموعة بالضبط، و ليس إلى تلك المجموعة الأخرى، وتكون له إزاء مجموعته واجبات ويحتل محلا معلوما في بنيتها الاجتماعية سواء على مستوى الدور أو المكانة.
و إذا كان التلخيص ممكنا، فإنه يمكن القول عن العنف الممارس اتجاه المجموعات الخارجية إنه عنف تتوخى منه المجموعة الدفاع عن هويتها وحدودها بوسيلة الهجوم الرمزي والمادي المسلح.
أما العنف الممارس داخليا فهو أيضا يساعد على الاطمئنان داخليا. ففي صميم الحياة الجماعية يقبع الخوف. وإني لا أقول بالوهمية التامة (للخوف) في هذا المضمار، ولكني اتجه إلى التفكير في وسائل الدفاع عن النفس، وضبط الخوف في آن واحد حتى لا يطغي الخوف والقلق سواء على الأفراد أو على الجماعات سواء كانت محلية أو أمما أو وطنيات أو غيرها، و لا يغذي الحروب و الإرهابات و التخويفات، أو يغذي هيمنات وإقصاءات، كما هو الحال، اليوم، في روسيا، و قبلها في الاتحاد السوفياتي في سياساته اتجاه الوطنيات واللغات والثقافات، أو كما هو الحال، اليوم، في الوطن العربي فيما يخص الخوف على “الوحدة الوطنية” والذي يؤدي إلى التردد أو عدم الاعتراف باللغات والثقافات الفاعلة داخلها مثل الأمازيغية والكردية وغيرها. وأظن أن الاعتراف العملي والتلاحم بوسيلة الحوار هما الوسيلتان الناجعتان للحفاظ على كيان موحد.
وكيفما كان الحال، يظهر العنف مقرونا بتكوين المجموعات والمجتمعات البشرية. ويظهر ذلك في ممارسة العنف الخارجي والعنف الداخلي، والملاحظ أن القيام بأعمال مهمة سواء ببناءات وتشييدات أو حروب مصيرية غالبا ما كان الشروع في تنفيذها يبدأ بعبادات يتوسطها العنف في صورة تقديم أضحية، وإذا لم تكن هناك إمكانية للذبح حلت محله الصداقات. وكذلك بالنسبة لطقوس المرور بما فيها التسميات والختان (الذكوري، غالبا) وطبعا، النعي و طقوس الدفن.
ولا يسعني هنا إلا أن أختصر مادة غزيرة، لكي أظهر أن طقوس الأضحية هي أعمال وعمليات تؤكد حتمية العنف، وفي نفس الوقت، ترسم له حدودا. ثم إنها تجسد ميثاقا بفضله تسعى البشرية إلى النجاة في الدنيا و في الآخرة، من خلال احترام تصورات معينة لقوة الوجود، منبع ذلك الناموس…
وإذا كانت تلك الطقوس والشعائر تعترف بالعنف وتحدده وتحد منه، فلأن الحياة البشرية مقرونة بالأخذ، والأخذ بالعنف، وتعلمنا الطقوس أن الأخذ لا مناص منه، لكن بالرفق والاقتصاد، و على قاعدة الأخذ والعطاء، الهبة و الهبة المضادة، و التهادي الكلي. و هذه الجدلية مشتغلة في علاقاتنا بعضنا البعض كبشر، ومع ما يسمى بالطبيعة؛ وأقول ما يسمى “بالطبيعة”، لأن علاقتنا بالكون هي وليدة علاقتنا ببعضنا البعض، وأساسا و أولا، وليدة تواصلنا باللغة وبالكلام. و الكلام نفسه مصدر التسمية والحوار والجدل، هو نتاج لتركيب يعقلن، مع ما يتسرب إليه، في نفس الآن، من سوء التفاهم وحيل التاريخ و شبهاته…
أرجع إلى مشكل التعريف والتسمية حيث أظن أن العنف ليس طبيعيا بل هو بشري تاريخي، وثقافي بالدرجة الأولى. و قد سبق لي أن قلت ليس للطبيعة من وسيلة لتسمية نفسها بكلمة “الطبيعة”. و بهذا المعنى، ليس هناك عنف في الطبيعة، بل إن مفهوم الطبيعة هو نفسه إنتاج حديث العهد نسبيا. و لا يمكن فصل غريزة الأخذ عند البشر عن الكلام و لا عن المجاز و لا عن الاستعارة؛ ومن ثم نبتعد شيئا ما عن غريزة الموت (فرويد) لنقول، تبعا للاكان في هذه النقطة بالذات وفقط في هذه النقطة، إن الأخذ مقرون بصورة الآخر التي تغذي صورتي، وهذه العلاقة تولد العنف و تشفع له، في نفس الوقت، لأن كل صورة للأنا فيها صورة الآخر كرمز لتوافق ممكن، وعنفي ضده قد يكون مرتبطا بعنف يسكنني.
والجدير بالذكر في هذا المضمار أننا نجد في التوراة والأناجيل والقرآن عنف العذاب مصحوبا دائما بالرحمة و الشفاعة، و نجد العذاب مرفوقا بعدم اليأس من رحمة الخالق ورفقه. وهذه الحقيقة يتناساها مرشدو الحقد الجدد…
وعلى كل حال فالأضحية الإبراهمية/الإسماعيلية، وكذلك التضحية الإبراهيمية/الاسحاقية تظهر صورتها كعنف وأمر بممارسة عنف ضد الإبن التي هي ممارسة ضد النفس وضد المحبة المشروعة التي يتوق إليها الأب، والتي هي منبع الحياة بالنسبة للولد. ويأتي ذلك الأمر، في صيغة آية تطبق، وإذا كان لها تأويل فإنه تأويل عملي محض كما تروي القصة، ثم يكون التغيير الغير مرتقب و يوتى بالكبش إلخ (الرواية).
إن المهم هنا، في هذا الأمر، هو أن الفقهاء لا ينكرون العنف، بل يقرون به، ويرجعونه إلى الحكمة الإلهية، ثم يسعون للحد منه والرأفة بالذبيح كما هو معروف. وفي ديانات أخرى فإن المضحين يطلبون السماح من الضحية، ويتصرفون وكأنهم يضحون بأنفسهم.
ولا بد من التذكير هنا بأن الهدي يؤول كتضحية بالنفس والنفيس. وعلى هذا فالأخذ والرد، وهما حاضران في التضحية وبقوة، مرتبطان بتكوين المجتمع والثقافة، والصلة والاتصال (الكلامي، الرمزي، المجتمعي، الخ). و لا يوجد مؤشر علمي يدل على أن في البشر عنصر وراثي يفسر العنف أو النزعة إلى العنف كما يقال. وبالعكس فإن الحروب الطويلة والمدمرة التي يسعى من ورائها إلى القضاء التام على الآخر أو السيطرة التامة عليه، كما التقتيل الجماعي، كلها وقائع تبدو مرتبطة بظهور الاستقرار والزراعة وتربية المواشي. وهذا لا يعني أن الحرب كانت منعدمة قبل الاستقرار، ولكنه يعني أن التقتيل الجماعي والحروب الطويلة تتعلق بمجتمعات ظهرت فيها إمكانية المراكمة والتكديس والاغتناء مصحوبة بتقنيات و تنظيمات أوسع لضم أكبر عدد ممكن من المجموعات البشرية تحت سيطرة مركز موحد ومهيمن، أو بحسب العبارة الخلدونية، عنف عصبيات تستعمل العنف لتكوين ملكيات (كميل”طبيعي” للبشر).
وجلي أن النظريات التي تستند إلى فرضية ” مجتمعات بدائية” أولية (الأولون) يسودها العنف الدائم كمرحلة أولى تتحول منها بوسيلة الأضحية لاستتباب سلم نسبي، ثم إلى مرحلة راقية تظهر فيها التضحية بالنفس، مشخصة في تضحية السيد المسيح، إنما هي أسطورة، كأساطير الأولين. وقد نشرها بعض المنظرين، أمثال روني جيرار على أساس تخمينات محضة، وفرضيات فرويدية حول “طبيعة” إنسانية وحيدة و بيولوجية للأخذ والحاجة….

السؤال:
في هذه النقطة بالذات، و على ذكر روني جيرار و نظريته في العنف و علاقته بالمقدس، أريد أن أسألك عن علاقتك بهذه المرجعية سيما و أن المتتبع لأبحاثك و كتاباتك و خصوصا تلك المتعلقة بالطقوس و بالأضحية يسجل غياب هذه النظرية التي قامت هي بدورها على تفسير معين للعنف و لطقوس التضحية، و ربطت ذلك بتكوين الجماعة لهويتها سواء من الداخل أو في علاقة بالخارج و الآخر؟ فما هو سبب غياب هذا التفسير للعنف من مرجعياتك؟
الجواب:
تطرح علي سؤالا مهما، و بذلك تتيح لي فرصة توضيح موقفي النظري من هذه النظرية التي تفسر بدورها العنف و تركز على علاقته بالمقدس. هناك ثلاثة جوانب في تنظيرات روني جيرار للعنف:
الجانب الأول هو التنظير لدور العنف في التاريخ وفي سيرورة المجتمعات. وإذا أردنا أن نلطف العبارة فلنقل “سيرورات “، لأنه يصعب على أي كان أن يرصد في نظرية عامة دور العنف تاريخيا وفي المجتمعات الإنسانية. وعلى كل حال، ركز روني جيرار، في هذا المجال أبحاثه، على ما هو معروف ومؤرخ له في مجتمعات عتيقة، وخصوصا في الحضارة اليونانية. وهنا تبقى أمثلته محدودة بالمجال الحضاري المرجعي لنظريته، أما بالنسبة للمجتمعات الأخرى البعيدة عن هذا المجال الحضاري و المختلفة عنه و التي درست من طرف الأنثربولوجيين، فإن نظرية روني جيرار تبقى محدودة. و قد بينت كيف أن تلك الأبحاث الأنثربولوجية تفند الفرضية القائلة بالعنف البدائي المعمم، و كيف أنها ترى أن لا أساس لها من الصحة.
الجانب الثاني: هو دفاع النظرية عن وجود العنف وحضوره في جميع المجتمعات والثقافات. و هذا، طبعا، أمر بديهي. و يمكن تلخيص أطروحة روني جيرار، على هذا المستوى، كما يلي: يسود في البداية، داخل الجماعة عنف معمم ودائم، لهذا فهو من صنف العنف الداخلي، أي ذلك العنف الذي يسكن في النفسية الفردية و الجماعية. ثم تظهر عادة التضحية بشخص ( عادة ما يكون أجنبيا أو غريبا أو أسيرا) تنسب له الجماعة جميع المساوئ والشرور، و جميع الخروقات التي يعرفها المجتمع، و التي يعتقد الناس أنها تهدد كيان المجتمع ( عبر تهديدها للمعتقدات والممارسات المتداولة والمقدسة)، إضافة إلى هذه الخروقات، قد تلصق الجماعة بذلك الشخص الكوارث والأهوال، كالأمراض والمجاعات، و الفياضانات، و الزلزال، و الانهزامات الخ. فيطرد المجتمع ذلك الشخص من المجتمع وينفيه أو يقتله…
يتعود الناس لا شعوريا على هذه “اللعبة” تعودا تاما، و يتم، في زمان ما، استبدال الضحية البشرية بأضحية من الحيوان المدجن، و هو عند روني جيرار “تيس الفداء” أو الذبيحة
(Le bouc emmissaire) أو كما يسميها جيرار الأضحية (La victime emmissaire ). و يجب التمييز، هنا، بين “لعبة” الأضحية الموجودة والشائعة سواء في الثقافات القديمة أو الجديدة، وبين رصد تكوينها كما تم و كما يأتي به جيرار. و هو ما يطرح إشكالات و تخمينات يصعب على الباحث قبولها كما تطرقت إلى ذلك.
الجانب الثالث: وهو الخاص بكيفية تعامل الثقافات مع مشكل العنف. وهنا أتفق مع جيرار على أن الدين هو المؤسسة الأولى ذات الأهمية القصوى في هذا المجال. فالدين هو أساسا تعامل مع العنف، حيث يوجهه إلى الأضحية أو القربان، وفي نفس الوقت يجعل الإنسان يعترف بذنب العنف ويخترع مؤسسات تبعده منه (العنف). وينبع هذا الطرح من أطروحات فرويد. و يذهب جيرار إلى أن هناك “لعبة” لأن المؤسسة الدينية التي تلعب الدور الأهم في هذا المجال هي مؤسسة الأضحية (Le sacrifice) وتقديم الأضحية استعمال للعنف، و لكنه، في نفس الوقت، “يلعب به” كما نقول في العامية المغربية، فيعدمه ويرسم طرقا أخرى للقوة الكامنة فيه، غير الطرق التي تؤدي إلى تخريب الثقافة والمجتمع. و يتعرف جيرار في المسرح التراجيدي وفنون أدبية أخرى على نفس الدينامية التي تعرف عليها في التضحية بالأضحية الخ. لكن هناك عدة مشاكل يخلقها هذا الطرح:
المشكل الأول: هو كون التراجيديا اليونانية تجسد العنف كناموس لسيرورة الكون وحكم الآلهة به. ويكون هناك ضحايا وليست ضحية واحدة، وتبقى السيرورة هي هي في إطار لا يتغير، حيث قامت الحضارة، حسب الأساطير الشائعة والمعروفة، عن طريق عنف بروميتوس الذي سرق النار من زوس ولعب به، في غفلة منه، وكل ذلك تم ضمن طقوس التضحية من أجل الغير( البشر). و نجد في هذا الموضوع تحليلات وافية في كتابات جون بيير فرنان و باحثين آخرين.
المشكل الثاني : هو أن الديانات السماوية “كثقافة” تجعل العنف في البداية، (وكما فعلت الثقافات القديمة كاليونانية، مثلا) كتضحية إبراهيم بالولد، أو تضحية المسيح الخ. و يرجع ذلك كله إلى “أمر الله”، وإلى السر الذي لا يمكن للبشر أن يحيط به. ولكن العنف هنا يجمّد /يجسّد ( برفع الياء). و تتكون بفضل ذلك مجموعات بشرية ودينية أكبر حجما من المجموعات القديمة و”الجاهلية” التي يتولد فيها العنف الذي يتجسد في الصراع على النفوذ السياسي والنفوذ الأدبي، بما في ذلك العنف الذي يستهدف تأويلا وتفسيرا وحيدا لمقاصد الدين. وتتولد عنه أيضا حروب طاحنة لازالت قائمة بين المجموعات البشرية الكبرى المنتمية إلى الأديان المختلفة. وهنا تصبح طقوس تقديم الأضاحي نفسها قاعدة وتحريضا على العنف. و جيرار لا ينتبه إلى ما أسميه بالتأرجح (L’ambivalence) المشتغل في قلب الطقوس، وفي تنفيذ أوامر الطقوس من طرف الأفراد والمجموعات البشرية. ولا ننسى، مثلا، أن العملية المسماة “بالحل النهائي” أي القضاء على اليهود وعلى أقليات أخرى( من بينها الغجر)، تلك العملية التي بلغت قمة البشاعة، نفذت من طرف الحكم النازي باسم تأويل خاص للديانة المسيحية ولمفهومي التضحية و الأضحية.
إذن فالدين ومؤسسة الأضحية وباقي المؤسسات الأخرى التي تنبع منها القوانين ونظم الدولة تحد من العنف وتنفيه ( عبر توسطات طقوسية)، ولكن هناك، دائما، هذا التأرجح، و هذا اللبس حيث نجد أن ما نسميه “قانونا” و “سلما” ربما يرى إليه آخرون أنه عنف وحرب قائمة عليهم و ضدهم. و يتوافق هذا التشخيص مع بعض أفكار صوريل التي أشرت إليها سابقا. و بالإجمال، يمكن القول إن هناك العنف المؤسس الذي يضع أسسا جديدة لتكوين المجموعات، ينتج عنه عنف المؤسسات التي تستدعي عنفا مضادا أو وسائل للاعتراف بالعنف ولإيجاد سبل للحد منه وللتغيير. وقد نرى الطريقة الأولى في طقوس المرور و في القلب الذي يحصل بمناسبتها، كما وصفت ذلك في كتابي الضحية وأقنعتها، وهي طقوس شائعة أيضا في المجتمعات التي درستها الأنثروبولوجيا. و أشرت إلى ذلك، بعد باحثين آخرين، في مقالتي الأخيرة:” أنثربولوجية الملكيات: الملكية المغربية نموذجا” حول النظام الملكي في إطار مقارنة النظم الملكية. و لا بد من التنبيه هنا بـأن العنف الممارس في طقوس القلب ضد العنف السائد يترك باب اليوطوبيا مفتوحا رغم أنه يخدم التوافق والخضوع إلى ما هو معتاد و تقليدي. أما استعمال العنف ضد العنف السائد فهو شيء تضاعفت ممارساته و التنظيرات له في أوروبا المسيحية نفسها رغم تضحية المسيح منذ ما سمي “بالنهضة” في أوروبا حيث تضاعفت الهجومات على نظم الحكم وملكياتها المستبدة، وبلغ استعمال العنف حد الثورة ونشرها في المجتمعات و الدفاع عنها نظريا وفلسفيا.
لقد أجبت بشيء من الإسهاب لأن السؤال حول علاقتي بأطروحات روني جيرار طرح علي بتكرار. و أظن أن أول مرة طرح فيها علي السؤال كان ذلك من طرف الأستاذ المؤقت إثر محاضرة ألقيتها في مؤسسة آل سعود بالدار البيضاء. و طبعا كان السؤال في محله وأجبت عنه. لقد وقفت على كتابه العنف والمقدس سنة 1973 أي قليلا بعد صدوره، وكانت لدي تحفظات على أطروحاته، ولهذا لم أستعمله في كتاباتي حول أضحية العيد ولعبة القلب في كتابي الضحية و أقنعتها، و هي نفس التحفظات التي أعبر عنها اليوم بتفصيل أكبر، بعد دراسة لمؤلفاته الأخرى.
و ما دمت أعطيت هذه التوضيحات في الموضوع، فدعني أتطرق إلى نقطة أخيرة في الموضوع. إن العلاقة ظاهرة بين الدين ومؤسسة وطقوس التضحية بالأضاحي من جهة، والعنف والقانون والنظم السياسية من جهة أخرى. وفي هذا السياق، يظهر لي أن نظرية جيرار عاجزة تحليليا في ما يخص النظام السلطوي، وخاصة في مجتمعات كالمجتمع المغربي. ف”الأضحية” تقبل بوضعيتها وبمآلها، لكن هناك متاعب في الطريق (كعمل الشيطان أو التردد) وهناك أيضا آلام الوالد وتنكره لحقه في الأبوة والحنان إلخ. وهو أيضا يضحي بكل هذا في سبيل الله، ويكون تحت أمره، و آلام الإبن، إلخ. و المهم هنا هو أن وجه التوفيق بين المتناقضات يكمن في وجه إبراهيم وليس في وجه الولد القابل لأن يكون أضحية. وطبعا بهذا يخترع أو يستنبط رمزيا أب جديد في وجه إسماعيل. والخطاطة هنا هي الخطاطة التوفيقية التي يجسدها الشيخ في المجال الصوفي وغيره. ويكون الشيخ قد جمع بين الأب و الإبن، والشيخ المربي والمريد (ومكان المريد هو الذي حل به قبل الشهادة له بالمشيخة) ومعلوم أن طرقا صوفية كثرة حاولت الجمع بين الأضداد كالغياب والحلول، الفناء والبقاء الخ…

السؤال:
لقد ركزت على توضيح بعض معالم هذه الجدلية المفتوحة من خلال استعراض نقدي لثلاث نظريات أساسية في الحقل يمثلها كل من)لوروا كورهان؛ ليفي ستروس؛ روني جيرار)، وبينت فيه مساهمة كل تنظير والمشاكل الخاصة به، ولكن الجدلية المفتوحة كما تمارسها وتنظر لها في أبحاثك، لا تقف عند حدود نقد الأساس الفلسفي لهذه النظريات و تحليلاتها الأنثربولوجية، بل تتعدى ذلك إلى إقامة حوار نقدي مع الأنتروبولوجيا التأويلية والرمزية…
الجواب:
نعم، باختصار، لا يمكن أن نركب أو نصالح بين الحدين في النظرية البيولوجية ذات الأساس الانتفاعي. فهذه النظرية لا تعترف بجدلية الحدين ،و الحاجة هي التي تدفع الإنسان إلى البحث عن الإشباع . وعندما يتم الإشباع يقف كل شيء. ولكن المشكل هو أن الإنسان يستمر في الطلب والنشدان حتى بعد الإشباع. ففي كل مرة، يتم اختزال كل عناصر الجدلية في عنصر واحد هو الإشباع.
أما في نظرية التبادل فهناك تواجد الأنا والغير، وبينهما توسط التبادل. و هذا مكسب نظري و منهجي مهم، ولكن توسط التبادل يصبح حدا عقلانيا وتجسيدا للعقل البشري. فالمشكل في النظرية الأولى هو أنها ترفع أحد الحدين؛ ومشكل الثانية يكمن في أنه رغم جمع الحدين وتوسط التبادل بينهما، يبقى العنف قائما.

أما نظرية روني جيرار التي تدعي أن طقوس التضحية استخلصت العبرة من العنف البدائي المعمم و حدت منه بإعطائه طابعا مقدسا، إذ مهدت حسب نظره للسلم داخل المجموعات المسيحية (وهذا نفسه معطى نسبي بدليل الصراعات الطاحنة بين الكنائس) فإنها عاجزة عن تفسير ظاهرة تاريخية كبيرة وهي كون الكنيستين الكاثوليكية والأروتوذوكسية أصبحتا ولقرون، بل وحتى زمن قريب، آلة حرب رهيبة ضد مجموعات ومعتقدات أخرى، منها المجموعة الإسلامية، ثم إنها لا تستند على ما يكفي من الوقائع و التحليلات الملموسة للمجتمعات البشرية لكي تكون عامة، اللهم إذا اعتبرنا المجال الحضاري اليوناني و اليهودي- المسيحي كافيا بوقائعه للحديث عن البشرية بمختلف دياناتها و طقوسها.

إن النظرية التي أميل إليها، هي نظرية فينومينولوجية رمزية تقول ب”جدلية” مفتوحة. و قبولها بهذه “الجدلية” المفتوحة، هو الذي يجعلها تدرك أن هناك إجراءات أخرى غير إجراء المفاهيم العقلية. و هي إجراءات لا تختزل حدودها في تلبية الحاجة، ولا تقول بأطروحة عقل بشري سرمدي أتى بالتبادل لحل مشاكل التناحر والعنف بين البشر، و لا تدعي أن تضحية المسيح قد وضعت حدا لمختلف أشكال العنف…

السؤال :
أي لا تقول بوجود لاشعور بنيوي كوني( كلود ليفي ستروس)، و لا بمادية تحضر حاجتها و تغيّب رمزياتها ( أندري لوروا كورهان)، و لا تفترض نموذجا وحيدا يصدق على جل المجالات الحضارية و الثقافية( روني جيرار)…
الجواب :
نعم، فالنظرية الفينومينولوجية الرمزية تقول بأن المجتمعات البشرية تلجأ أيضا إلى إجراءات أخرى غيرا لإجراءات المفهومية؛ ومن بين هذه الإجراءات، ما يسمى بالإجراءات الدرامية، حيث تقوم المجتمعات بتشخيص ما يمكن أن يقع لو اختزلنا العنف في الانتفاع فقط؛ وما يمكن للعنف أن يكونه في غياب التبادل والعقل؛ وكل ما يمكن أن ينتج عن تلك الاختزالات من فيض للعنف وانتشار له. فما يمكن أن يحد من هذا الانتشار هو تجسيده، دراميا. و في هذا التجسيد يتم الجمع، بين االدوامة الدائمة للعنف داخل الاجتماع البشري، من جهة أولى، و الإمكانية المعطاة للبشر، للتحكم فيه بهذا القدر أو ذاك، من جهة ثانية. فالتجسيد الدرامي هو تجسيد لهذا التوتر الأساسي بين”قدرية العنف”، من جهة أولى، وطموح، بل إرادة الإنسان في التحكم فيه وتجاوزه نسبيا، من جهة ثانية. فلا يمكن أن نتصور أن التبادل يحد من العنف ويحل مشكلة الحرب، مثلا. و ستجد، دائما، نظريات تقول بأن الحرب تنجم عن التبادل الفاشل؛ و لكنها لن تفسر العديد من مظاهر الحياة الجماعية التي أشرنا إليها. إن ما أريد توضيحه هو التالي: إن نظرية التأويل والفهم الرمزيين للعنف تقبل بكون هذا الأخير يلعب و يمسرح ويشاهد؛ وبأنه يعطي للإدراكات على هذا الأساس. و ترى النظرية الفينومينولوجية التي أتبناها، أن المجتمعات، عبر و من خلال المسرحة، تعترف بالعنف وبوجوده؛ و لا تتنكر له، وتتعلم كيف تتعامل معه، وكيف تخافه. ولكن، نفس المجتمعات تتعلم أن التبادل محدود بالعنف؛ وبأن الحل الذي يمثله التبادل ليس حلا نهائيا، فهو أيضا، حل نسبي؛ وأن الحل الأمثل هو تحويل العنف الساكن في كل واحد منا و في النحن، دراميا. و هو ما يشكل نوعا من التحكم فيه عبر إعطائه للنظر وللمشاهدة، مع ما تفترضه كيفيات هذا العطاء من تشغيل لآليات النقد والتباعد و التأويل و إعادته، و حتى التطهير. ويتجلى هذا بوضوح، في دراما الطقوس، كما درستها مثلا في كتابي الضحية وأقنعتها…

…/…

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий