Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > العولمة الثقافية..وثقافة العولمة

العولمة الثقافية..وثقافة العولمة

الدكتور مازن عرفة
لمشاهدة الصورة بحجم اكبر إضغط علي الصورة

تحتل السيطرة الثقافية والهيمنة العلمية- التقانية حيزا مهما في عولمة المجتمعات، من خلال تهيئة الأفراد فيها لقبول عناصر ثقافية تكونت خارج إطار بيئتهم الاجتماعية. ويتم هذا عادة من خلال إعادة هيكلة البنى الاجتماعية بالانفصال عن واقع، بيئتها، والارتباط بالتالي بدوائر ثقافية لمجتمعات أخرى هي الأقوى في جميع الميادين. والواقع أن تشكل ظواهر ثقافية معينة ومحاولة تعميمها على العالم- كعولمة ثقافية- مرتبط بشروط تاريخية واجتماعية واقتصادية محددة لمجتمعات قوية ومجتمعات تابعة، تسود فيها بينهما علاقات السيطرة والقوة من جهة وآليات الإيصال المهيمنة وفعالية تقنياتها من جهة أخرى. وهذا ما يحدث حاليا في إطار هيمنة الغرب الرأسمالي على العالم بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية والاعتماد على سيطرتها على المنظومات المعلوماتية- الاتصالاتية، التي تمثل الثورة الثالثة في مسيرة الحضارة الإنسانية بعد الثورة الزراعية والثورة الصناعية.
يثار النقاش غالبا حول العولمة الاقتصادية، من خلال ارتباطها بالاقتصاد الرأسمالي ما بعد الحداثي وما يستتبع ذلك من موضوعات اقتصادية ومالية، مثل الشركات المتعدية الجنسية ومنظمة التجارة العالمية وقورض البنك الدولي. إلا أن النقاش بدأ يتوجه أكثر فأكثر نحو العولمة الثقافية، بظواهرها وتأثيراتها المختلفة التي تتراوح بين القبول أو المهادنة أو الرفض داخل المجتمعات التابعة. ويبرز هذا التوجه في وقت بدأ فيه الاهتمام داخل الدول المتقدمة بإقامة الصناعات النظيفة في إطار حدودها الجغرافية السياسية، وهي تسمية تطلق على الصناعات المعرفية مقارنة بصناعات السلع والصناعات الثقيلة التي تعد مصانعها من الأسباب الرئيسية لتلويث البيئة. ويعكس هذا التحول من الصناعات المادية إلى الصناعات الفكرية مدى الأهمية التي توليها هذه الدول لإنتاج المعلومات وبيعها وتوزيعها، كصناعة بحد ذاتها تدخل في نطاقها النتاجات الثقافية المختلفة.
إن التركيز المتنامي على النتاجات الثقافية وصناعاتها مرتبط أساسا بالإدراك المتزايد لخصوصية مفهوم الثقافة وأهميتها في حياة المجتمعات العاصرة، هذه المجتمعات التي أصبح تمتلك قدرات تقنية للتواصل والاتصال الثقافي، تزداد قوة وفاعلية أكثر فأكثر. ويعود هذا الإدراك فهم قدرة التعبيرات الثقافية المختلفة على إبراز الخصوصيات والهوية المميزة نسبيا لشعب أو لمجتمع ما بين الآخرين. إلا أن الاهتمام يزداد أيضا في الوقت نفسه بمسائل وإشكاليات العلاقات بين الثقافات- كالصراع أو الحوار فيما بينها- ومفاهيم السيطرة الثقافية والتنميط الثقافي على المستوى العالمي. وهذا يعني أن من الممكن للثقافة أن تكون أداة قوية وفاعلة لتهيئة المناخات المناسبة داخل أي مجتمع لقبول أفكار وأساليب وأنماط حياة جديدة قادمة من خارجه، بحيث تشكل بمجموعها مقدمة وإطارا لنشر أو تأكيد السيطرة السياسية والاقتصادية عليه. ويمكن فهم هذا الدور للثقافة في عصر يتم فيه غسل العقول في المجمتمعات من خلال سلطة لا مادية هي سلطة المنظومات الإعلامية الحديثة التي تعتمد اعتمادا كبيرا على النتاجات الثقافية، وهو ما يترافق مع الحالات المتزايدة للتدخلات العسكرية المباشرة للغرب لاحتواء مناطق معينة من العالم تتهدد مصالحه فيها. كذلك فإن سلطة هذه المنظومات تستغل الموضوعات الثقافية ليس فقط من أجل تنميط المجتمعات بل وتسليعها أيضا وجعلها قابلة للإستهلاك مثل أية بضاعة مادية، بحيث يدور كل شيء في النهاية مع دورات رأس المال.
ترتكز قوة العولمة الثقافية- والإعلامية- على سلطة المنظومات الإعلامية الجديدة، وبشكل أوسع على المنظومات السمعية- البصرية. وتأخذ هذه المنظومات مداها الشامل وحيويتها باستخدام أداة ذكية وذات سطوة هائلة في عصرنا الحالي، هي الصورة الإلكترونية الحديثة بمضامينها المعرفية الجديدة، وهو ما يشكل أساس التوجيهات المستقبلية لمجتمع المعلومات والاتصالات. والواقع أن هذا الصورة تحمل كثافة معرفية موجهة تستخدم في إيصالها إلى المتلقي إمكانيات تقنية واسعة من الصوت والحركة واللون والإيقاع والمؤثرات السمعية- البصرية المختلفة الأخرى، وبها تتمكن من مخاطبة حواس الإنسان وعقله ووجدانه. ويتمثل هذا في انتقال كثير من التعبيرات الثقافية التي تجد تمثيلاتها في الإطار اللغوي إلى إطار الصورة الإلكترونية، البسيطة بسهولة إيصالها للمتلقي والمعقدة بكمية ونوعية الترميزات التي يمكن أن تحملها. كما يرتبط هذا الانتقال بالتحول النوعي في حياة المجتمعات من ثقافة الكلمة إلى ثقافة ما بعد الكلمة أو ثقافة الصورة وما يقال عن المرور بعص انتقالي من الكتاب الورقي إلى التلفزيون الرقمي والانترنيت والواقع الافتراضي. ومن هنا تكتسب العولمة قدرتها وفعاليتها على الاختراق وتجاوز الحدود الوطنية للمجتمعات من خلال استخدامها الفعال لوسائل الاتصال الإلكترونية الحديثة. وهي بخرقها للفضاءات الوطنية تخلق فضاءها الخاص بحدوده غير المرئية، وهو ما يسمى بالفضاء المعلوماتي. وبذلك يتشكل فضاء جديد هو فضاء عولمي، لا حدود مادية له ولا مجال فيه للتقسيمات الجغرافية والسياسية والطائفية والعرقية وغيرها من التقسيمات المرتبطة بالدول ومجتمعاتها. يؤدي هذا إلى إنشاء فضاءات ثقافية مشتركة للمجتمعات كافة، تنعكس في تعميم أنماط وسلوكيات محددة لأفرادها مهما تنوعت انتماءاتهم الوطنية. وهذا هو أحد تجليات قوة العولمة من خلال اندماجها بثورة المعلومات والاتصالات.
ولكن ينبغي هنا إدراك الحدود والتقاطعات بين مفهومي “العولمة الثقافية” و”ثقافة العولمة”. إذا يمكن الحديث عن تعميم لأشكال ثقافية معينة على العالم في شروط تاريخية محددة، إلا أن هذا التعميم يأخذ حاليا شكل اجتياح بعض الظواهر الثقافية للغرب لجميع المجتمعات، وكنتاج لنظامه الرأسمالي المتطور. ويحدث هذا بالإرتباط مع أشكال السيطرة التي يمارسها هذا الغرب على العالم كله في المجالات جميعها. ويمكن التركيز هنا بشكل أساسي على ظواهر الأمركة، كنتاج ثقافي ينعكس في طرق تفكير وأنماط حياة، تنتشر وتهيمن ليس فقط في المجتمعات التابعة وإنما أيضا في المجتمعات الأوربية المؤطرة في نطاق العالم الرأسمالي. وهكذا فإن الحديث يدور هنا حول تحول بعض ظواهر ثقافية خاصة أو ثقافات وطنية إلى عالمية، وهذا ما يسمى بالعولمة الثقافية. وما يحدث على سبيل المثال مع تعميم قيم الحياة الأمركية، التي ينشرها الفيض الهائل من المسلسلات والأفلام الأمريكية المسيطرة على معظم المحطات التلفزيونية الفضائية المحلية ودرو السينما في المجتمعات كلها، هو عولمة ثقافية. إلا أنها تأخذ شكل نشر ظواهر ثقافية أمريكية محددة في إطار “أمركة العالم”. وبما أننا نعيش في عصر تهيمن عليه رأسمالية الولايات المتحدة الأمريكية في جميع المجالات فإن انتشار الثقافة الأمريكية في العالم وما يستتبعها من أنماط الحياة الأميركية هو أمر مرتبط بهذه الهيمنة تماما. فإنتشار ملابس الجينز ومطاعم الوجبات السريعة وموسيقى الجاز ومظاهر الجنس والعنف المميزة للسينما الأمريكية هي صور من أنماط هذه الحياة، والتي تعكس ثقافة المجتمع الأمريكي بالمفهوم الانتربولوجي. وهذا هو التداخل الأولي بين “الأمركة” و”العولمة الثقافية”.
ومن جهة أخرى فإن نظام العولمة بحد ذاته بدأ يفرز ويشكل ثقافته العالمية الخاصة به. فمن المعلوم أن توزع فروع الشركات المتعدية الجنسيات في مناطق مختلفة من العالم حسب متطلبات الإنتاج والتسويق لا يلغي قيادة المركز لها، إذ يتم التحكم بهذا التوزع الجغرافي بشبكات ومنظومات معلوماتية- اتصالاتية، تؤمن الفاعلية والإدارة المركزية. ويتناسب هذا التوصع الهيكلي الجديد للشركات مع التطور النوعي للنظام الرأسمالي، المتمثل في محاولات تصدير فائض رأسماله المتراكم وإدخال مناطق جديدة في دورات إنتاجه. وهذه العولمة الاقتصادية بحاجة إلى نخب تكنوقراطية وإدارية تنتمي ليس فقط إلى العالم المعلوماتي وإنما أيضا إلى المناطق الجغرافية التي تنتشر فيها فروع الشركات والمؤسسات الرأسمالية. وهذا يعني الحاجة إلى نخب وطنية من المتميزين والمختصين في البلدان التابعة، الذين يعملون بطريقة أو بأخرى وفق سياسات المركز الرأسمالي العالمي. وهكذا فإن انتماء النخب في النتيجة نوعا من الغطاء الثقافي والفكري والإداري للارتباطات السياسية والاجتماعية لبلدانهم مع المراكز الرأسمالي، وتتخلى بذلك عن إنتماءاتها الوطنية.
والنخب المعلوماتية الجديدة، سواء بإنتمائها إلى الحدود الجغرافية السياسية للمركز أو للمجتمعات التابعة، هي التي تنتج ثقافة العولمة. وهذا الثقافة هي ثقافة المركز، التي تخدم مصالحه الاقتصادية وتنتشر مع امتداداتها، حيث تدمج فعاليات المجتمع كلها في أطرها. كذلك فإن ثقافة العولمة هي ثقافة يؤطرها بالدرجة الأولى العالم المعلوماتي ورموزه الرقمية، التي تنفصل أكثر فأكثر عن عالم الثقافة المكتوبة القديم، لتندمج بقوة وفاعلية بعالم الصورة الإلكترونية وشبكات اتصالاته.
إن القطب القوي المهيمن على العالم الآن هو الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تشكل المركز العولمي الأساسي المنتج لثقافة العولمة. ولذلك فهو يدمج بالتالي جزءا من ثقافته الأمريكية بثقافة العولمة، ويعممها على العالم كنتاج واحد متكامل ضمن شروط السيطرة التاريخية الحالية.
مع هذا التداخل بين عناصر من ثقافة العولمة وعناصر من ثقافة الأمركة من جهة، وبالارتباط مع تعميم الثقافة الأمريكية من جهة أخرى، فإنه تتشكل ثقافة عالمية، تتحدد معالمها بوضوح أكثر فأكثر. وهذه الثقافة، التي ينتجها أفراد لا تفصل بين انتماءاتهم حدود جغرافية- سياسية، تخترق وتتجاوز الفضاءات المحلية الوطنية للثقافات الأخرى، لتشكل فضاءها العولمي. ولهذه الثقافة أدوات نشرها المتمثلة بشبكات إعلامية ضخمة، تستند إلى المنظومات المعلوماتية- الاتصالاتية الحديثة، من خلال بث المحطات الفضائية التلفزيونية وشبكة الانترنيت. وتنشر مثل هذه الشبكات ثقافة تلبي رغبات أفراد يتزايدون باستمرار وينتمون إلى مجتمعات متنوعة ومختلفة، وهم يتزايدون بالتوازي مع انتشار أنماط حياة معولمة تصل إليهم برطق متعددة، وخاصة مع اختفاء الحدود بين دولهم. وبالتالي فهم يتلقونها ويتفاعلون معها، ويدفعون منتجيها إلى الإستزادة منها في محاولة لإشباع حاجاتهم المتجدد والمتمادية دونما نهاية. فلغات العنف والجنس والأطعمة السريعة والملابس وتلفزيون الواقع إضافة إلى لغة الأعمال الخدماتية السريعة التي تعطي أرباحا عالية دون مجهود كبير أصبحت كلها تتسم بسمات عالمية، وهي تلبي احتياجات أفراد من مجتمعات وبيئات وطبقات مختلفة ومتنوعة. ومن خلال هذه اللغات ينتشر نمط معولم يحمل رؤى فكرية وأخلاقية، تنسجم أو تندمج أو تجتاح الثقافات الوطنة والشعور الجمعي لأفرادها. وقد تجري ممارستها بأشكال جديدة في البيئات الاجتماعية المتلقية بعد اندماجها مع عناصر ثقافية محددة داخلها، ولكنها تبقى ثقافة عولمة (وأمركة).
لقد أصبحت “العولمة الثقافية” و”ثقافة العولمة” و”الأمركة”، بتداخلاتها وتقاطعاتها، ظواهر موضوعية تمس حياة الجميع، دولا ومجتمعات وأفراد. وتلاشي المكان والزمان والحدود الجغرافية- السياسية أما مثل هذه الظواهر يضع الجميع في علاقة عملية معها، سواء أكان انتماؤهم إلى الدول المتقدمة أو إلى الدول الفقيرة المتأخرة حضاريا. وهكذا فإن التعامل مع الأشكال المختلفة من العولمة، ليس فقط في المجال الثقافي وإنما في المجالات كلها، ينبغي أن يتم من خلال موقف مرن إزاءها، يقوم على التوازن بين الحفاظ على الشخصية والهوية الوطنية وبين الاندماج مع حركة التطور الموضوعية التي تصيب المجتمعات كلها. وفي حين يبدو الحديث عن هذا الموقف المرن سهل على المستوى النظري فإن الصعوبات تبرز على أرض الواقع عند التطبيق العملي. وتعود هذه الصعوبات في المجال الثقافي مثلا إلى طبيعة وتركيب مفهوم الثقافة نفسه، والعلاقات بين الدوائر الثقافية المختلفة في تقاطعاتها وتنافراتها، وإشكالية ارتباط الفعل الثقافي بالحضارات المتقدمة القوية التأثير أو الضعيفة منها.
تبدو عناصر العولمة الثقافية مفتوحة أمام المجتمعات والأفراد، ويمكن الوصول إليها بفضل الشبكات المعلوماتية- الاتصالاتلية الحديثة، والتي يزداد عدد المستفيدين منها أكثر فأكثر. لكن ما تتلقاه دول المجتمعات الفقيرة، أو “دول الجنوب الفقيرة”، بالدرجة الأولى هو شكل محدد منها، وهو الشكل الاستهلاكي أو ما يسم بثافة الاستهلاك، وهو أكبر بكثير مما تتلقاه من ثقافة العمل والرؤى العلمية. ولا يعود هذا إلى جاذبية وإغراءات هذه الثقافة الإستهلاكية ووسائل وأدوات انتشارها فقط بل وإلى البنى الاجتماعية المتخلفة لمجتمعات هذه الدول التي ما زالت تعيش في مستويات المرحلة ما قبل الصناعية. وهي التي تجعلها تتلقى ثقافة الاستهلاك وتندمج معها، في حين أنها لا تتفاعل مع الأشكال الأخرى من العولمة بأشكالها العقلانية والعلمية المتقدمة.
إن ثقافة الاستهلاك هي شكل يؤثر أساسا على أنماط الحياة والسلوكيات، والتي يدخل فيها أشكال اللباس وأنواع الطعام وقضاء أوقات الفراغ ونوعية العلاقات الإنسانية بين الأفراد. وثقافة الاستهلاك هي أحد أشكال النتاج الثقافي للمجتمعات الصناعية المتقدمة- وبتحديد أدق احد أشكال ثقافة الأمركة حاليا- ولذلك فهي نتاج واقع اجتماعي وسياق تاريخي مغاير لمثيلتها في المجتمعات التي تتلقاها. ولذلك فإن الصدام واقع لا محالة بين عناصر الثقافة الوطنية وهذا الشكل من الصدام واتخاذ موقف بالتالي من العولمة الثقافية، وبوجه عام من العولمة بتنوعاتها المختلفة، ينبغي امتلاك رؤية ومنهج واضح لمفردات العصر وارتباطاتها بحركة التطور العامة. لذا فإن المفاهيم التقليدية والمتعارف عليها للثقافة لم تعد تفي بهذا الغرض، بل تظهر الحاجة هنا إلى فهم آخر ورؤى جديدة لعناصر الثقافة نفسها في سياقاتها التاريخية المعاصرة، وخاصة في إطار تشكلها الحديث وسيرورتها في الفضاءات المعلوماتية الجديدة.
وهذا ما يدعو إلى توضيح مصطلح الثقافة بتطوره التاريخي وبتراكماته المعرفية المتشكلة عبر الفعل والإبداع الإنساني وصولا إلى مفاهيمه المعاصرة، بتأثيراتها على فهم الثقافة الوطنية والهوية الخاصة من جهة التعامل مع ثقافة العولمة من خلال أطرها من جهة أخرى.
المصدر: سحر الكتاب وفتنة الصورة.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий