Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الفــــــن الفطـــري.. قراءة انثر بولوجية

الفــــــن الفطـــري.. قراءة انثر بولوجية

د. أياد الحسيني
مدخل انثر بولوجي
يبقى الإنسان وما أنتجه منذ نشأة الخليقة والى ألان ، موضع تأمل ودراسة من قبل الكثير من العلوم التجريبية والبرهانية على حد سواء ، وأصبحت الاختلافات بين تلك المجتمعات التي ينتمي إليها الإنسان في الشكل واللون والعرق والتقاليد والجنس والديانات والفنون وغير ذلك من مظاهر الحياة مصدرا ثرا لإغناء الحضارة الإنسانية ، لتؤكد لنا إنسانية الإنسان ، المتشكلة عبر تاريخ المعرفة حتى اكتشاف خارطة الجينات الوراثية Genome وقد تقصت الكثير من الدراسات الانثربولوجية قصة الحضارة الإنسانية ومسيرتها عبر الكثير من النتاج الذي تركه الإنسان أينما حل أو ارتحل(1) ، بغية الكشف عن الخصائص البيولوجية عبر ألازمان وفي سائر ألاماكن . ومن اجل تحليل تلك الصفات البيولوجية والثقافية في واقعها المحلي كأنساق مترابطة ومتغيرة بالاعتماد على نماذج ومقاييس ومناهج اهتمت بتحليل النظم الاجتماعية والتقنيات التي كانت سائدة في كل تلك المجتمعات ، وبالتالي فان عملية التحليل تلك كانت كفيلة بجعل الانثربولوجيون يسعون لربط وتفسير النتائج في إطار التطور البشري .ويدخل في تلك الدراسات الانثربولوجية التي تتعلق بحضارات الإنسان القديمة والتي يشار إليها بعلم الاركيولوجيا Archeology والتي تتناول الانثربولوجيا الثقافية التي تشمل دراسة لغات الشعوب البدائية واللهجات المحلية والتأثيرات المتبادلة بين اللغة والثقافة ، كما ظهرت الدراسات الاثنولوجية Ethnology والدراسات الاثنوغرافية Ethnography في تداخل من إشكالية المصطلحين(2) . على الرغم من أن الاثنوغرافيا كانت تهتم بالدراسات الو صفية لحياة الشعوب ومجموعة التقاليد والعادات والقيم ، والأدوات والفنون والمأثورات الشعبية في مجتمع معين .
أما الاثنولوجيا فقد اهتمت بالدراسات التحليلية والمقارنة للمادة الاتنوغرافية بهدف الوصول إلى تصورات نظرية تكشف عن مختلف النظم الاجتماعية الإنسانية .
وتبرز هنا أهمية الدراسات الاثنوغرافية التي كشفت عن الدور التي لعبته الفنون على مر التاريخ الإنساني وابتداء بما كان يطلق على أولى تلك الصور والأشكال والرموز التي كان الإنسان الأول يزين بها جدران الكهوف كطلاسم وطقوس دينية تارة ورموز لنوع من الكتابات الصورية ( أول نتاج للفكر الإنساني ) .(3)
إنها الرسوم البدائية أول المصطلحات التي توارثناها عبر العديد من الدراسات التحليلية
والتي اكتسبت شرعيتها من خلال تسمية الإنسان البدائي والذي اعتمد ابسط أنواع النظم الاجتماعية وأدنى مستويات (التكنولوجيا ) الكهف والفأس والصيد …. الخ .
ويقول إشلي مونتاغيو : ( اعتدنا نحن المنتمين إلى أخر عهود التطور الإنساني ونحن نمعن النظر من أعالي مدنيتنا التي هي تحتاج إلى إمعان النظر من اعالى مجتمعنا الذي ننتمي إليه أن ننظر إلى كل ما مر قبلنا باعتباره يقل تقدما كلما تقادم عهدا ، وما دمنا آخر من يحمل مشاعل التطور الإنساني فإننا نستنتج إننا أكثر الناس تطورا ، وهذه النظرة للتطور باعتباره شيئا يسير في خط مستقيم واسع الانتشار ، يعتقد الكثيرون أنها تتفق وحقائق النشوء البيولوجي ) . (4)
لكن العمليات التطورية في الحقيقة لا تسير في خطوط مستقيمة بل في خطوط متشابكة ، ويشمل ذلك تطور الإنسان جسديا وحضاريا .
غير إن رأينا بالمسار المستقيم لتطور الإنسان يبلغ من قوته إن مفاهيمنا حول التقدم والتطور والنشوء تجعلنا نفترض تلقائيا أن ما تطور بعد غيره في الزمن ، لابد ان يكون أكثر تقدما ورقيا مما تطور قبله ، ثم قادنا هذا إلى استنتاج منطقي هو أن ما كان اقل تطورا جاء قبل ما هو أكثر تطورا ، لذا كان الأقدم أكثر بدائية والأحدث أكثر تقدما وما دام التطور في خط مستقيم أمر تسلم به الكثرة من الباحثين ويعتقد به الكثير من الناس ، فان النتيجة هي أن من هم أكثر تقدما لابد أنهم أكثر تطورا ممن هم اقل تقدما ، وليس هذان الأمران متطابقين ، بما أن ذلك حقيقة واقعة رغم أن العكس حصل أحيانا خلال عملية الارتقاء ، فقد صار من السهل علينا أن نفترض إن ما تطور بعد غيره ليس هو الأكثر ارتقاء فحسب ، بل الأفضل أيضا ، وكلمة الأفضل هذه في نمط التفكير العلمي تنحى منحى تقويميا وتقترن بالكثير من المزا لق التي لا يسلم منها الباحثين ، وهذه هي الإشكالية التي وقع بها الإنسان المتمدن بخصوص من يحلو له أن يدعوهم (بدائيين ).

لاشك أن هذا المدخل الانثربولوجي يعد ضرورة لتفسير ما أطلق على أولى صور الفنون التي أنتجها الإنسان في سلسلة حلقات التطور الفكري والمادي بالفن البدائي ومن ثم اقترنت هذه التسمية فيما بعد بالفن الفطري رغم كثرة ما فيهما من اختلاف وتباين .ولأن الحصيلة الفكرية في وعي الأفراد والجماعات على شكل منظومة متكاملة من ( القيم الروحية والمعرفية والجمالية والأخلاقية ) تشكل بمجموعها كلا مترابطا ندعو ( النسق ألقيمي )
وقبل تناول ما اتفق أو اختلف من آراء وأفكار حول كلا المصطلحين ضمن هذا النسق فان منهجية التفكير العلمي تقتضي حل الإشكالية التي أثيرت حول مفهوم التطور في الفنون عامة وبين ما اصطلح عليه فنا بدائيا ، وفنا أخر أكثر تطورا ،.(5)
وهنا نقول ورغم اختلاف مستوى الوعي الإنساني وتطور مقدرته في التعبير عن مراحل ذلك الوعي ، بان مراحل تطور الفكر تظهر بصورة اشد في العديد من العلوم البرهانية ( الفيزيقية ) حيث تزيح كل نظرية جديدة النظرية التي سبقتها وإذا جاز لنا أن نعبر عن ذلك كما شبهه إبراهيم زكريا : بمبنى متعدد الطوابق فان المشتغلين بهذه العلوم لا يسكنون إلا في أخر الطوابق ( آخر النظريات ) بينما تبقى النظريات القديمة مجرد ركائز وأسس للطوابق الجديدة أي أن هذه العلوم إنما تتجه في نموها إلى الامتداد العمودي في حركة تطورها ونموها .
أما الحال و العلوم التجريبية ، في الفن والفلسفة والدراسات الاجتماعية … الخ فان حركة نموها وتطورها تتخذ امتداد أفقيا بحيث لا تلغي آخر النظريات أولها وهو ما نشهده اليوم بالحاجة إلى قراءة فلسفة سقراط وأفلاطون رغم مضي بضع آلاف من السنين عليها ورغم العديد من المناهج الفكرية والفلسفية الكثيرة التي أعقبتها ، وكذلك في الفن فان الكثير من الأساليب والمدارس الفنية الحديثة غالبا ما كانت تجنح إلى إعادة إنتاج الأساليب القديمة وفنون الكهوف والمجتمعات البدائية في العصور الحديثة ، أي أن حلقات التطور لم تكن لتفصل بين فن الأمس واليوم كما هو الأمر بين نظريات العلوم الفيزيقية وهو ما نشهده من عوامل مشتركة بين الكثير من ملامح أقنعة الزنوج والأعمال التي استلهمها بيكاسوعلى سبيل المثال . وليس بالضرورة أن تكون أخر الأساليب الفنية هي الأكثر تطورا دائما .
وهنا تبرز لدينا قيمة لحظات الصدق التي يعبر عنها الإنسان رغم اختلاف مستوى الوعي والتطور بانتمائها إلى النزعة الإنسانية في أجلى صورها ، حيث يجري تثبيت القيم والمعايير طبقا لأهميتها في المجتمع خلال عمليات الإنتاج ( المادي والروحي ) اعتمادا على كثير من التحرر والتلقائية في الكشف عن كينونة المحتوى الإنساني للفن ، وهو ما يهدف إليه العمل الفني في مختلف العصور.اعتمادا على المنظومة الفكرية التي امتصها الفرد أصلا من بيئته عبر مختلف أشكال التنشئة الاجتماعية . وعلى هذا الأساس فان موضوعي سقوط وإلغاء الزمان والمكان على أساس القيمة الجوهرية للفن أمرا ليس أكثر من محصلة نهائية يحتكم إليها الفن .
فهل الفن البدائي بدائي حقا …؟

الفن البدائي

لاشك أن هذا السؤال ووفقا لمنطلقنا يحمل الكثير من الزيف والتناقض والاستخدام العشوائي ، لوصف شعوب ومجتمعات مختلفة الأعراق والأصول ومختلفة الزمان والمكان ، بأنها بدائية . فهل يعني هذا أن فنها هو فن بدائي ؟ . وحقيقة إطلاق المصطلح هو اقتران معرفة هذه المجتمعات بالتكنولوجيا وبمستويات متعددة . ومع أن الملكات الإنسانية الخلقية هي ذاتها في كل زمان ومكان ، إلا أن بعض تلك الشعوب والمجتمعات وجدت نفسها أمام تحديات بيئية أجبرتها للاستجابة لها في البحث عن حلول صعبة والتوصل إليها ، وهذا لا يعني أن مجتمعات أخرى بقيت متخلفة أو اقل ذكاء أو موهبة ، إلا إنها لم تواجه نفس المستوى من التحديات فكانت هذه التحديات لا تتطلب إلا ما يناسبها من الاستجابات ، ولما بقيت التحديات اقل تعقيدا ظلت الاستجابات اقل تطورا . (6)
أما في الفن ، فان التحديات على مستوى الشعور والانفعال ولحظات الصدق الإنسانية قائمة بغض النظر عن التطور التكنولوجي ، بل أن الكثير من التقاليد الجمالية افتقدتها المجتمعات التي خاضت غمار التكنولوجيا المتقدمة ، وبقيت المجتمعات ( البدائية أكثر قدرة على التعبير عن لحظات الالق الإنساني من خلال تواصلها مع تراثها المحلي والإنساني . وهكذا فان فكرة التدني التي رافقت الفن البدائي يصبح إطلاقها جزافا على المحتوى الإنساني للفن .
وهناك العديد من الأمثلة على ذلك ، فعندما اكتشفت برونزيات إفي Ife في نيجيريا قال الكثير من النقاد بأنها لايمكن أن تكون من صنع الزنوج ، وربما كانت لفنانين إيطاليين أو رومان أو برتغاليين من عصر النهضة . فقد كان من الأسهل لهؤلاء النقاد ان ينسبوا هذه الأعمال إلى احد الفنانين البارزين ، من أن ينسبوه إلى شعب بدائي كالشعب النيجيري ، وهنا كيف نعزو لشعب بدائي لا يقرأ ولا يكتب ومازالت تكنولوجياته بدائية ، وثقافته بدائية مثل تلك الأساليب المتنوعة ومثل ذلك الخيال الرفيع الذي يعكسه ذلك الفن ، وهكذا بدا مصطلح الفن البدائي غامض الدلالة أو فاقدها .(7)

أن اعتبار الفن لغة حية غير لفظية توصلنا إلى نتيجة ، هي أن كل تلك الفنون مهما اختلف منشؤها أو أساليبها تحاول عبر رموزها وشفراتها توصيل تلك المفاهيم اللغوية بقدر كبير من الصدق والموضوعية .
وفي ذلك كتب ديفس : ( بما أن الفنون كاللغة جزء من وسائل الاتصال الكلية التي تتكون منها الثقافة ، فقد يجدر بنا أن نتبع مثال علماء اللغة في دقة المنهج ، وفي أسلوب البحث ، وكمثال على ما اقصد أقول : لا يتحدث احد هذه الأيام عن لغة بدائية ، أو عن لغة اثنولوجية أو عرقية ، بل يستعملون بدلا من ذلك صفات تحدد مكان اللغة المعنية أو زمانها ، أما كلمة بدائية فقد أسقطت من الاستعمال لعدم جود لغات بدائية ، كذلك فليس هناك فن بدائي ).
وان هناك بدلا من ذلك فنا جداريا وفنا هلينستيا وفنا فلورنسيا ، ولكن ليس هناك فنا بدائيا .
ويعتقد جيربراندز : إن الدراسة المستقصية لما يدعى بالفن البدائي ، ستؤدي بلا شك إلى اختفاء هذه الكلمة نهائيا .(8)
ويقول كلاوسن : ليس هناك من الكتب الخاصة بهذا الموضوع ،ما يكشف لي عن اختلاف جوهري بين الفن البدائي والفن الأوربي ، لا من حيث الأسلوب ولا الشكل ولا المحتوى الرمزي أو الوظيفة الاجتماعية ، لهذا استنتج أننا لا نحتاج إلى اصطلاح خاص هو ( الفن البدائي ).
أما كلود روي فيقول : ( لايمكن أن يدعي أي فن فنا متوحشا إلا بالقدر الذي نشارك به في وهم الوحشية ، ولا يمكن أن ندعو أي فن بدائيا ، إلا إذا نسينا صلتنا بكل من عبر بالرموز والصور ، عن مشاكلنا الإنسانية المشتركة في الحياة والفكر وهكذا فان كل الفن الذي أنتجه الإنسان مع اختلاف الزمان والمكان فهو ما يصح أن نطلق عليه فن الإنسان (9).

الفن الفطري

تمثل الحكايات والأساطير والخرافات أثارا مهمة في تكوين البنية الثقافية للموروث الشعبي الذي يعتمد علية النتاج الفني لما نسميه بالفن الفطري ، وهي مؤشرات فذة وفريدة تشهد على العصر الذي ولدت فيه ، عندما كان الوعي البشري في تداخل شفاف ووحدة بهيجة مع الطبيعة ، حيث كان الوعي يخضع العالم لروحيته المستيقظة التي لم تستطع في البدايات أن تكون محددة أو محدودة . بل كانت تتمتع ببراءتها وسلطتها على الأشياء غير مثقلة نفسها بردود الفعل حول مدى التوافق بين تصوراتها والأشياء الحقيقية ، ومهما تكن هذه الفكرة ساذجة ، فإنها تشكل جوهرا رفيعا حرم منه الوعي الأكثر عقلانية في تطوره اللاحق(10) ، مما جعل الوعي العقلاني عاجزا رغم كل المحاولات عن أن يلغي هذا النشاط الحر للمخيلة ، أو أن يكون بديلا عنه ، وبالتحديد فان حاجة الإنسان في حياته وليس عبر الصيرورة التاريخية للبشرية إلى فرض سلطته المباشرة ، على الطبيعة والعالم ، استمرت تغذي نفسها بثمار الخيال الحر ( الحكايات والخرافات والمعجزات . هذه الصلة السحرية بين ألانا والعالم وهذا الامتزاج وفرض ألذات على العالم مباشرة ، هو التعبير عن حلم الإنسان وعن هدفه العظيم الذي يحققه في إنتاجه الحضاري . إن الأشكال الفنية الأولى تتصف بعدم التمييز بين المجتمع والطبيعة ، أو أي من الظواهر الاجتماعية والطبيعية المجردة والحسية ، أو بين العقلاني والعاطفي ، لان هذه المجالات والجوانب لم تتمايز بعد بصورتها النهائية . (11)
وهكذا فان أول أشكال التعبير ، وما يتصل به من خطوات الوعي الأولى ، تتجلى أمامنا جوهر الصورة في طورها الأدق وبنيتها الأكثر عمومية ، والتي هي بالتالي عديمة المضمون ، وعليه فان نمط الأشكال سيكون منبثقا من الفرد والكل داخل الكيان الاجتماعي ، وتمثل بنتاج كبير وهائل من الإنتاج الفني الأدبي والسردي والقصصي والأسطوري والشعبي والعديد من المصنوعات والمشغولات اليدوية والتراثية ، طبعت جميعها ، بل جبلت على ما يمكن أن نسميه البساطة والتلقائية وأحيانا السذاجة الظاهرة في إعادة استيعاب وإنتاج التراث المحلي من خلال القدرة على التعبير عنه .
انه نوع من الجمال النابع من السجية التي لم تشوهها الأحداث والنظريات وتقنيات العصور فاكتفت بعاملي البساطة والصدق . وغالبا ما تنطلق العديد من هذه التجارب الفطرية لتتجاوز ما هو مقبول أو محظور ضمن قواعد اللعبة الفنية وتقنياتها فتدهشنا في طرحها وسحرها . ورغم أن السمة البارزة عليها أنها ذات طبيعة تخص الثقافة المحلية والتراث الشعبي بحكم انتماء فناني هذه الأعمال إلى فئات اجتماعية شعبية ، وهي ضرورة تؤصل هذه التجارب وتغنيها إلى حد بعيد ، فان العديد منها كان يلتقي مع المحتوى الإنساني لجوهر الفن وأهدافه .
إننا عندما نهم بالتعريف بالفنون الفطرية إنما تبرز أمامنا تلك المنحوتات الفخارية للآلهة السومرية أو المنحوتات في الحضارتين المكسيكية والصينية القديمة ، أو نتاج سكان استراليا الأصليين أو الهنود الحمر ، والتي تتميز بتلقائية كبيرة في صياغة لغة الشكل والتعبير عنه مكنوناته .وما زالت تنظر إلى وجودها على الأرض نظرة ملآى بالسر وقد ملاه هذا السر على الخروج على نظام الطبيعة . وهذا يعني إن التجربة الإنسانية الجمالية ( البدائية ) وبطريقة فطرية ابتدأت مع الإنسان مع أولى نزعاته الفكرية وطقوسه التي كانت تحتم علية البحث عن لغة للتعبير عن علاقته بالبيئة والمحيط .في اللحظة التي تتعرى النفس من سريتها أو تفرض عليها إرادة الإنسان التعري من أي قيود ترسمها معرفته المكونة (12)، وليس من شك بان البيئة كانت من أهم العوامل التي حددت ملامح كل الفنون التي أنتجها الإنسان على مر العصور باعتبار أن الفن وليد البيئة بكل ما تشتمل عليه من ظروف وطقوس وأخطار وتحديات ، فكان الفن لغة للإفصاح عن أولى تلك الغرائز والرغبات المكبوتة التي كانت تسعى لان تجد لها متنفس تحقق من خلاله وبواسطة اقرب المواد والخامات التي كانت في متناول اليد .

إن ارتباط فكرة الفنون الفطرية بما يسمى بالفنون ( البدائية ) تكتسب الكثير من مشروعيتها التاريخية والحضارية ليس على أساس مستوى البساطة والتقنية التي قامت عليها وإنما لاشتراكهم في نفس المعين الذي نهلتا منه ، وان كنا لا نهدف إلى أن يكون للفن الفطري ذلك الإطار الذي يحجبه عن الفنون بصورة عامة . لان التساؤل الذي يواجهنا هو :
هل التقى فن الكهوف بعد هذا الزمن السحيق بفنون ما بعد الحداثة باعتبار أن المصدر الإنساني واحد ؟

وهل يمكن إلغاء تأثير كل حلقات التطور التكنولوجي وما سببته من تنامي درجة الوعي لدى الإنسان الحديث على إنتاجه للعمل الفني ؟
وهل يمكن الوصول بنا إلى غاية الحداثة في ( التركيب الخالص ) الذي نادى به كاندنسكي ، والارتقاء إلى عالم من الأشكال والأصوات والمعاني الحرة والسامية التي لا تخضع لقواعد خارجية سواء كانت دينية أو اجتماعية ، بصرية أو أسلوبية ، قد تلتقي أو تتقاطع مع فطرة الإنسان ونشاطه الفكري والجمالي . (13)

الفكرة

مما لاشك فيه أن النوازع الروحية والدينية هي احد الدوافع التي تجعل الإنسان يبحث عن وسيلة للتعبير تعكس علاقته بالحياة والوجود ،وتبحث عن انضواء الأشياء ضمن أنساق تحدد لها شكل وجودها مثل : حالات التشابه وحالات التقابل وحالات التطابق وأول هذه الوسائل تلك الخامات البسيطة التي يحصل عليها في بيئته دون تكلف أو عناء ، ورغم بساطة تلك الخامات فانه غالبا ما يحاول استنطاقها عبر الصنعة التي لا تخلو من مهارة ، قد لا يحققها الآخرون والتي لا تخلو من تقنية معينة بأبسط صورها .
وهذه التلقائية من العمل تجعل من الأعمال الفطرية الفنية تقترن بالأعمال الفنية التي أنتجها الإنسان الأول في الحضارات القديمة .(14)

فإذا كانت الحكايات والأساطير والمعجزات والخرافات تشكل الأساس الفكري المتجذر في لا وعي الإنسان البدائي ، فان فكرة الفن الفطري تقوم على نقل ذلك الوعي المتنامي في التراث الشعبي وفي البيئة المحلية أولا ، ومن ثم تأثير ذلك المحيط على علاقة الفنان الفطري بالحياة والوجود هكذا تنشأ الفكرة ملتصقة بالواقع والخيال دون أن يفصل بينهما حاجز موضوعي أو جمالي ، هذه الفكرة وإن كانت تمتد إلى المرحلة الجنينية في بواكير تكون الفكر الإنساني ، وكما يقول بول كليه : ( أريد أن أكون مثل مولود جديد لا اعرف شيئا عن أوربا إطلاقا أريد أن أكون شبه بدائي ) . فإنها لا تغفل في مقدرتها عن الإفصاح بحرية عجيبة عن واقع الحياة المؤلم المعاصر، فهي كأنما تسعى إلى الكشف عن حلول سحرية لهذا الزمان من خلال الاستعانة بإشكال متعددة من تعويذات تمتد إلى الأزمنة السحيقة . أي أن منهج الفن الفطري إنما يسعى إلى استعادة تلك المفردات النابعة من سجية الإنسان البدائي بنفس البساطة والتلقائية ، وقد تحمل ذات الرموز والمفردات لاكتشاف حلول جديدة بكثير من البساطة .

المادة

ولم تكن المواد المستخدمة لتنفيذ هذه الأعمال ببعيدة عن تلك التلقائية والبساطة فهي اقرب المواد وأكثرها التصاقا بالبيئة والطبيعة بل وأكثرها قدرة على التعبير عن محتوى الفكرة ومضمونها ، أي أن الخامة التي يتعامل معها الفنان الفطري ملائمة بصورة كبيرة لمعالجة البساطة والتلقائية التي تتصف بها الفكرة وما بين الطين والحجارة وأخشاب الأشجار والمنسوجات المحلية البسيطة والتي غالبا ما تشكل بقايا مواد مستعملة أو مستهلكة ، تبزغ تلك التعويذات لعالم مليء بالرموز والعلامات والدلالات لتفصح عن نفسها كأفكار سحرية ولتبرز بساطة الخامة وجمالها .(15)

التقنية

أما التقنية التي يتصف بها الفن الفطري فهي لا تنفصل عن نسيج العمل الفني وبنيته الكلية وتعيد لنا فكرة الإغريق عن الحوار القائم بين المادة والعقل والأداة في أن طريقة التنفيذ ونوع الأداة وارتكازا على مهارة الصانع كفيلة بتحويل كتل الرخام الصماء إلى أعمال نابضة بالحياة والمعنى ، وعلى الرغم من كل تقنيات العصر يسعى الفنان الفطري إلى تنفيذ أعماله بذات الأدوات والوسائل البسيطة التي تساعده على حفر بصماته الإنسانية في كل جزء من أجزاء عمله الفني ، وعليه فان معالجة الخامة بهذه الطريقة لا تفقدها خصائصها الأصلية وتبقى على علاقتها الوثيقة بالبيئة والمحيط وبما يضفي على العمل الفني الكثير من الصدق والبساطة والتلقائية . ولاشك أن خلف كل تقنية وأسلوب – ميتافيزيقيا – يجب حصر معالمها لفهم العمل الفني عموما .

التعبير

إن الفنان الفطري إنما هو ذلك الإنسان الذي يشعر بأنه لا يمكن: أن يكون للواقع معنى، ما لم ينتظم في نطاق عالم ما ، وأن عليه هو إنما تقع مهمة اكتشاف ذلك العالم الذي لا يخرج عنه شئ ، إلا غبار الواقع الكثيف الداكن الأسود. فهو ذلك الخالق الذي ينظم العالم عن طريق مجموعة من الوسائط الاستاطيقية الخاصة، وفى مقدمتها جميعا واسطة (التعبير). وليست عبقريته في أن ينقل الواقع بأمانة، وإنما عبقريته في أن (يعبرَّ) عن الواقع بعمق.
و التعبير الجمالي في الفن الفطري لا يكون إلا لأولئك الذي ملكوا خبرات عميقة، وعلى دراية واسعة بالمواد التي يتعاملون معها ، ولهم القدرة على تصوير الانفعالات والعواطف والتعبير عنها. وإن بدا ذلك في الفن تلقائيا ، وغير متكلـف ، فذلك لأن “التلقائية ثمرة لفترات طويلة من النشاط الفطري ، وإلا فإنها ستكون من الخواء بحيث لا يمكن اعتبارها فعلا من أفعال التعبير. والفنان الفطري في سجيته إنما يتخذ من طريقة تعبيره شكلا خطابيا يشكل نسقا قيما مع البيئة والمحيط الذي يعيشه .
الشكل

تتخذ الأعمال الفنية الفطرية من البساطة والتلقائية منهجا في صياغة المفردات البصرية ، وهي بذلك إنما تختط ذات المنهج الذي اتبعه الإنسان القديم في توثيق رؤيته الخاصة عما يحيط به في البيئة ولذا نجده أحيانا يكتفي ببعدين مهملا البعد الثالث في لوحاته الجدارية لاغيا المنظور فيها ، أو يطرح علاقات أو نسب جديد للجسم الإنساني وفق رؤيته الخاصة ، أو يشذب كثيرا من الأجزاء التي يجد بأنها غير ضرورية أو ذات أهمية في الموضوع .. وهكذا فانه يسعى إلى الوصول إلى لغة بصرية تعالج الشكل وفق منظور يتلاءم مع بساطة المادة وسحرية الفكرة ، وهو بذلك إنما يتبع ذات المنهج الذي يتبعه الفنان في معظم الأساليب والتيارات الفنية منذ بداية القرن العشرين ، من خلال بناء الثوابت الشكلية الموزعة على محور الزمان وتأسيس سلم إحالات داخلية في النسق ألقيمي للشكل وهو في نفس الوقت. محاولا خرق كل القواعد الأكاديمية وصولا إلى ابتكار لغة الشكل الخاصة به . وسواء كان ذلك وفقا للمفهوم الكلاسيكي أو المفهوم الحديث فان ابسط الإشكال كانت دوما تحمل اكبر الدلالات والمعاني والأكثر قدرة على التأثير والتعبير عن الفكرة ومحتواها .

المحاكاة

وإذا كانت المحاكاة Imitation في الفنون الفطرية قد سيطرت زمنا طويلا على الفن وفقا لأراء “أرسطو طاليس” التي ترى أن (المحاكاة غريزة في الإنسان منذ طفولته ، ويميزه عن الحيوانات الأخرى أنه من بينهـا ألأكثر تقليدا ، وأنه بهذه الغريزة يتلقى معارفه). وقد انتظم في هذا المبدأ – أي المحاكاة – جميع الفنـون الممثلة ، وانسحب أيضا على جميع الصور الأخرى كالموسيقى. ولكن مع العصر الحديث وُجهت المحاكاة بوجود القوة الخالقه للفنان تعلن عن نفسها. وكان من الصعب التوفيق بين المحاكاة، وهذه القوة. فإذا كانت المحاكاة هي الغاية الحقة للفن – كما رأت العصور الكلاسيكية – فمن الواضح أن التلقائية ، أي القوة المنتجة لدى الفنان الفطري عامل مزعج لا عامل بناء لأنها (تزور) أوجه الأشياء بدلا من أن تصفها في طبيعتها الصحيحة. وقد أدى ذلك إلى ظهور نظرية التعبير التي تفسح لهذه القوة مكانا . إن الفنان الفطري غالبا ما يشذب الواقع ولا يأخذ من المحاكاة إلا بقدر ما يعكس ذلك من إمكانيته في التعبير عن أفكاره ، وليس لتقليد ما هو كائن إمامه وان بدا بان ما يصنعه الفنان هو صورة ساذجة وبسيطة للواقع .
إي الفنان الفطري يبدع موضوعه ، من خلال النسق الفكري الذي ينتمي إليه العمل لا ينقله ولا ينسخه ، كما أنه لا يتقيد بما تفـرضه نظرية المحاكاة الأرسطية عليه ، أو حتى التطورات التي أضيفت عليها فيما بعد ، فإنه بالضرورة يقدم معادلاً حسّيا لما يجول في وجدانه ، أي أنه(يعبّر) عن أفكار، وأشياء تختلج في نفسه، عبر رؤيته، ولا يقوم بمحاكاة “مثل أعلى” أو محاكاة للجوهر.(16)
ولا شك أننا عند الحديث عن انفعال استاطيقى في العمل الفني الفطري ، فإننا نجد أنفسنا أمام عمل متخم بالرموز والدلالات الأسطورية حيث يكون التعبير في أوجه ، و الحديث عن الناتج التعبيري Expressive Product، بمعنى، ماهية المشاعر التي يثيرها في المتلقي،.. كموصل بينه وبين الفنان ، فإن الفنان الفطري ابتداء لا شأن له هنا بتلك الأحاسيس والانفعالات التي تثيرها أعماله إلا بقدر ما كانت تلك الأعمال تشكل متنفسا للتعبير عن خلجاته ورغباته المكبوتة ، بل العمل الفني هو صاحب الشـأن . إن الموسيقى البصرية المنبعثة من تلك الأعمال هي التي تعبر. حتى لو كان الفنان بلا انفعالات عندما أنجز عمله ، وحتى لو كان المتلقي متبلدّ الإحساس، أو غبيا لا يشعر بشئ حين يبصر تلك الأعمال . فالتعبير لا يعتمد في تعريفه الدقيق إلى ما يعول عليه من إحساس الفنان. الفطري أو ماذا يعني عمله بل على كيفية رؤية هذا العمل ..فطريقة الرؤية تعبر بموضوعية كما لو كانت تحتوى عديدا من المعايير.. أما إذا كان المتلقي مما لا يمكن استثارته على نحو ملائم ، فيا لسوئه من متذوق .
و كما يرى “جون هوسبرس”. فان العمل الفني هو الذي يوصل الانفعال عندما يكتمل ، وهو الذي يثير المشاعر، والعلاقة تكون بين العمل الفني كأداة للتعبير بصورة جمالية عن الانفعال الاستاطيقى، وبين المشاعر التي تستثار بفعل هذا العمل .
وفي ضوء ذلك ماذا يمكن إن يمثل الفن الفطري في تاريخ الأمم والشعوب وذاكرتها الحالية ؟ .. لاشك أن الثقافة المحلية التي تسعى تلك المجتمعات إلى إحيائها وتجذيرها في نسيج متجانس مع حياتها العصرية تحتاج إلى تقاليد بصرية ترسخ المفردات الجمالية لتلك المجتمعات وتعكس فطرتها السليمة في واقع مليء بالنظريات والمناهج الفكرية الحديثة دون أن تمحى تلك الملامح ، تارة تحت مسميات الحداثة وما بعدها وتارة أخرى في عصر العولمة وما بعد الصناعة . ورغم حركة الوعي المتنامي بفعل تطور التكنولوجيا المتسرعة فان الحنين إلى الماضي والكشف عن جوهره الإنساني المتجرد يبقى الأساس الحقيقي الذي يربط فن الكهوف بفنون ما بعد الحداثة .
المصادر
1- Ackerknecht,Erwin H.1992. “On the Comparative in Anthropology,pp.125-127 in Spenser, R.F.(ed),Method and perspective in Anthropology , Minneapolis: The University of Minnesota Press. 211pp.
2- Beals, Ralph L 1985a Acculturation.pp216-219 in Kroeber, A.L. (ed), Anthropology Today Chicago: University of Chicago press 391pp.
3-Evans-Pritchard, EE,1989, Social Anthropology, London: Cohen and West, Ltd. 174 pp.
4- إدوارد إيفانز: الانثربولوجيا الاجتماعية ، ( ت احمد بريتشارد : أبو زيد ) ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، الطبعة الخامسة ، 1975 .
5- ادوارد سعيد . الاستشراق : المعرفة ، السلطة ، الإنشاء ، ( ترجمة كمال أبو ديب ) ،مؤسسة الأبحاث العربية – بيروت ، 1981. ص 215
6- Ackerknecht,Erwin. Ibid, P. 144 .
7-رالف بيلز: مقدمة في الانثربولوجيا العامة ( ت محمد وهاري هويجر الجوهري وآخرون ) دار نهضة مصر للطبع والنشر ، القاهرة ، 1977 ص 274.
8- Ackerknecht,Erwin. Ibid, P. 249 .
9- روجيه غار ودي: نظرات حول الإنسان ، (ت سمير كرم ) دار الطليعة للطباعة والنشر ، الطبعة الرابعة ، بيروت، 1984، ص 144.
10 روجيه غار ودي : المصدر نفسه، ص 176.
11- Dawes, Robyn. 1980. “Social Dilemmas.” Annual Review of Psychology 31:169-193
12جيروم ستولنتز ، النقد الفني ـ دراسة جمالية وفلسفية ـ ترجمة فؤاد زكريا ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر ـ بيروت ـ 1981م .‏ص 22
13- Harrison, C & Wood (Eds.) (1993). Art in Theory 1900-1990, Oxford: Blackwell,pp.247
14- Munre, T. The psychology of Art: Past, Present, Future, in: psychology and Visual art, ed. by. J. Hogg. London: Penguin Book, 1969, p. 12.

15- Dawes, Robyn. Ibid, P. 211.
16 جيروم ستولنتز ، المصدر نفسه ، ص 187.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий