Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > القبيلة: حجر الزاوية في فهم واقع المجتمع العربي راهنا ومستقبله القريب

القبيلة: حجر الزاوية في فهم واقع المجتمع العربي راهنا ومستقبله القريب

العروسي العامري*

كان المحللون من أكاديميين وباحثين في العلوم الاجتماعية يتوقّعون أن تعصف رياح الأحداث بالقبيلة خلال القرنين الماضيين تحت تأثير ثلاثة عناصر محددة:

الاستعمار بإدخاله النظام الرأسمالي في بلدان الجنوب ومنها البلدان العربية، الحروب العالمية والإقليمية وتأثيراتها على البناء الاجتماعي المحلي وأخيرا العناصر الاقتصادية والثقافية التي اصطبغت بـ(الحداثة) المحيطة وعبر العولمة.

ما نراه اليوم هو صمود القبيلة في وجه هذه الأحداث، بل أصبحت –وهو ما لم يتوقّعه أحد- عنصرا مميّزا في مشهد الأحداث اليوم سواء كان ذلك في دارفور السودان، على جانبي الفرات، في غرب العراق (الأنبار) في جنوبه (النجف) أو حتى في بلدان الخليج العربي مثل الكويت التي لعبت فيه القبيلة خلال الانتخابات التشريعية الأخيرة دوراً لا يستهان به.

كانت النُّخب الفكرية والسّياسية في العالم العربي تعتبر أن المرور إلى ما يسمى الحداثة مرتهن بالقضاء على القبيلة لكي يحل محلها الوطن والمواطنة ونواميس الدولة. فهذا الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة يصدح في إحدى خطبه الشهيرة غداة نيل الاستقلال السياسي من فرنسا الاستعمارية سنة 1956م ويقول: كنتم أنفاراً وأشلاء وسأجعل منكم أمة بعد القضاء على (القبيلة) و(العروشية) وهذه التحاليل الأكاديمية العديدة في العلوم الاجتماعية تنبئ بأن المرحلة القادمة هي إحلال (الطبقة الاجتماعية) محل القبيلة في العالم العربي، وهذا النمط من التمشي مستلهم من قوانين التاريخ الاجتماعي في كل أنحاء العالم حيث تقهقر البناء الجماعوي (community) وهو حجر زاوية النظام الإقطاعي وحتى البدائي لفائدة البناء الاجتماعي الطبقي والذي أخذ اليوم شكل النظام الرأسمالي أو النظام الليبرالي.

في هذه الورقة سنحاول رصد مظاهر القبيلة في العالم العربي راهنا عبر نموذجين اثنين: دارفور (السودان) والقبائل العراقية؛ ذلك أنهما يتكاملان لإعطاء صورة شاملة (قدر الإمكان) حول موقع القبيلة من البناء الاجتماعي والسياسي العربي. في مرحلة ثانية نحاول تبيان المعاني المستترة وراء ظاهرة القبيلة واستمراريتها في شكلها التقليدي الهرمي أو في أشكالها الجديدة. يجمع بين أجزاء العرض خيط ماسك واحد ألا وهو محاولة لمعرفة خصائص إرهاصات القبيلة وتأثيرها على سيرورة المجتمع العربي راهناً ومستقبلاً.

المشهد القبلي بين البارحة واليوم

تعتبر القبيلة العنصر الأكثر انزواء وداخلية في المجتمعات العربية؛ فهي الخاصية التي تعطي للمجتمع العربي سمته المميزة مثلما تعطي اليوم الطبقة في أنصع تجلياتها التاريخية سمة المجتمع الأوروبي وحجر زاويته، عندما كتب جاك بيرك مؤلفه الشهير (المغرب العربي في دواخله من القرن الخامس عشر إلى القرن التاسع عشر) أشار رأساً إلى القبيلة، قصة جاك بيرك مع مصطلح القبيلة الذي لازمه طوال حياته كباحث اجتماعي ترجع في البداية إلى سنة 1932م عندما بعثه أبوه (وكان آنذاك مسؤولاً سامياً في الحكومة العامة الفرنسية وتعنى بشؤون الجزائر في الفترة الاستعمارية) إلى المناطق النائية داخل الجزائر وبالتحديد منطقة السباسب في (الحُضنة) على (طريق بو سعادة) هنا عرف جاك بيرك أن (السكان الأصليين) كتعبير كثر تداوله في العلوم الاجتماعية (Indigeneous) تعني بدون ريب قبائل (الصحراء والتل).

إن تصرف والد جاك بيرك تجاه ابنه غني بالمعاني- هو موقف نابع من سلطة مركزية محتلّة تطمح إلى معرفة خبايا وخفايا المجتمع المحتل بهدف إحكام القبضة والسيطرة المطلقة عليه. إنصافاً للرجل، لم يقم جاك بيرك بهذا الدور، إلا أن موقف الأب ليس غريبا: جلّ الحملات الكلونيالية تتكون عادة من رافدين أساسيين: رافد عسكري يحسم الموقف ميدانياً ورافد علمي يتمثل في فريق من الأنثروبولوجيين وأخصائيي علم الاجتماع والأتثولوجيا يمهدون للنصر العسكري عبر المعلومات والمقاربات العلمية التي تجمع وفق مناهج وتقنيات بحث ورصد للواقع. رغم ما اعتراها من توظيف سياسي واضح، قوامه خدمة الهيمنة الاستعمارية، تعتبر هذه الدراسات الكلونيالية إضافة علمية لا يستهان بها البتة. حظيت هكذا القبيلة بدراسات عديدة في المغرب العربي في الفترة الاستعمارية؛ لأن حاجة المحتل كبيرة لمعرفة المجتمع من الداخل، سواء كان ذلك في زواياه المنعرجة في منطقة السباسب الصحراوية والجافة أو في زواياه المستقيمة في المناطق الحضرية. سمّيت المناطق الأولى أرض (السيبا) وسمّيت المناطق الثانية أرض (أو بلد) (المخزن). عادة ما تكون الأولى مناوئة للسلطة تتميز بالمشاكسة وتعمل على تقويض أسس العمران الذي تحتضنه المدينة، أما الثانية فهي موالية للسلطة القائمة وتعمل على توطيدها وتنتفع من سخائها، في المقابل، عبر المال أو الوظائف المتحصل عليها.

هذا هو المشهد القبلي الذي ترجع أصوله إلى قرون عديدة خلت في المغرب العربي، فهل اختلف المشهد اليوم؟ هل اختلف موقع القبيلة من المجتمع في نظر الذين يريدون اختراق المجتمع العربي ورصد مواطن القوة فيه ولكن كذلك مواطن الضعف عبر مقاربة داخلية؟

فلنتمعن في هذه الأحداث وفي معانيها، لكن هذه المرة في المشرق العربي، وفي الوقت الحاضر.

القبلية العراقية بين الممانعة والموالاة

بعد التجربة (السياسية) التي خاضها الجيش الأمريكي في التعامل مع (السكان الأصليين) (نلاحظ أن التشخيص الاصطلاحي لم يتغير قيد أنملة) في العراق عند اكتساحه هذا البلد سنة 2003م، اقتنع صانعو القرار في الإدارة الأمريكية أنه من الضروري الاعتناء بموضوع القبائل العراقية إذا ما أرادوا معرفة المجتمع العراقي من داخله وفي داخله، ذهب العقيد آلان كينغ (موظف سامي بوزارة الدفاع الأمريكية) إلى العراق في مهمّة دقيقة وتتمثل في ربط (صلة عضوية) بين قبائل العراق والجيش الأمريكي، كانت منطقة العمليات الأولى محددة وهي المنطقة الفاصلة بين تكريت وكركوك والقصد هو حماية أنابيب النفط التي تعبر هذه المنطقة. بعد هذه الفترة (التدريبية) الأولى، أتت (النصائح) من باحثين اجتماعيين عديدين ومن محللين مثل إسحاق نقاش وأميتزيا كرم، نصحا الرئيس بوش بعدم إهمال العنصر القبلي حتى يحكم القبضة على المجتمع العراقي وأضافوا: النصر العسكري سهل لكن من الصعب جدا بسط النفوذ على المجتمع. تذكر الباحثون أن القبائل العراقية ومعظمها من أصل عربي (من اليمن أو من الجزيرة العربية) قد قاومت في السابق الاستعمار البريطاني خلال سنوات 1920م. لم تكسّر شوكة القبائل المقاومة رغم عدد الشهداء الذي يقاس بالآلاف آنذاك، وهو رقم مرعب بالنسبة لقدرات الفترة في الفتك والقتل آنذاك وبعد أن قاومت القبائل الاستعمار الملكية، واجهت القبائل العراقية السلطة المنبثقة من ثورة 1958م (عبد الكريم قاسم)؛ لأنها عملت على سلب القبائل من ممتلكاتها العقارية.

تعامل حزب (البعث) مع القبيلة

أما فترة البعث فقد اتسمت بالصراع الذي أخذ أوجهاً عديدة حسب موازين القوى بين السلطة والقبائل ولكن كذلك حسب مدى عزلة الدولة في الأوساط الشعبية أو مدى ارتباطها بالمجتمع؛ فالوجه الأكثر تواتراً هو الصراع المقنع والمستتر، أما الوجه الأقل تواتراً فهو وجه المواجهة العنيفة والمكشوفة. تمثل الصراع المقنع عندما عمد صدام حسين إلى إسناد صفة شيخ (أي رئيس قبيلة أو عشيرة) إلى كل الذين أراد أن يستعملهم ضد الشيوخ الحقيقيين في القبائل المعنيّة والتي أبدت نوعا من المعارضة تجاهه، وعملية تعميم صفة الشيخ بشكل انفلاتي ومتضخّم عملية مقصودة؛ فالإكثار من صفة الشيخ المسندة بدون أرضية شعبية لصاحبها يجعل من هؤلاء ومن الصفة نفسها وعاء خاويا، تفقد بفعل الزمن والإهتراء من مصداقيتها لدى الشعب العراقي. لقد بلغ عدد المشايخ المزعومة، ووجهاء القبائل الذين سماهم صدام حسين شيخ قبيلة 7380، هذا ما كشفت عنه أرشيفات الدولة المنهارة للعسكر الأمريكي الذي اعتبر المعلومة نفيسة جدا ستمكنه من توظيفها لإحكام قبضته على كلّ العراق.

استفاد آلان كينغ من هذه القائمة الإسمية ولم يفلح في معرفة حقيقة الأمر إلا بعد أن اتصل بـ3300 شيخ قبيلة منهم من هو على رأس قبيلة حقّاً ومنهم من تمتع بعملية إغراق صفة الشيخ على يد صدام حسين، والنتيجة هي أن 100 شيخ فقط -استنادا إلى القائمة المذكورة- اعتبروا صادقين في مزاعمهم.

أما الشكل الثاني من التعامل مع المشايخ القبلية في فترة البعث فيتمثل في المواجهة الصريحة وغير المقنعة، تمثّلت هذه المواجهة في طلب صدام حسين الملح لدى العراقيين بأن لا يقدموا صفتهم القبلية في هويتهم. بدأ صدام حسين بنفسه عندما أزال نسبة (التكريتي) من هويته وأصبح يلقب بصدام حسين فقط. لقد اتسم العقدان المتصلان 1970 و1980م بهذا المعطى حتى أتت العشرية الموالية (1990) بكل ما تحمله من مواجهات خارجية، عمد خلالها صدام على توخي المرونة إزاء المسألة القبلية، والهدف واضح وهو استرجاع اللحمة بين الشعب (بقبائله) وبين البعث والدولة المهددة من قبل الأعداء الخارجيين. عادت حينئذ القبيلة إلى واجهة الحياة الاجتماعية في مناسبات الاحتفال بالزواج مثلاً أو في أفراح الختان. ولقد عمدت بعض الصحف الموالية للنظام البعثي إلى الثناء والإطراء على قادة القبائل في مواجهتهم للقوى الأجنبية عبر التاريخ منذ الفترة السومرية إلى الفترة الصدامية.

مشهد القبيلة هذا كما رأيناه في العراق خلال الفترة الراهنة هو إذن نفسه المشهد كما رأيناه منذ قرون خلت في جبال الأطلس بالجزائر.

سواء كان في قمم الأطلس، في سباسب الصحراء أم على ضفاف الفرات، المشهدان في الجزائر (المغرب العربي) وفي العراق (المشرق العربي)، كما حاولنا تقديمهما عبر مقاربة الزمن الطويل، مفعمان بطبيعة القوى الفاعلة: الاستعمار (أو الإمبريالية) والدولة الوطنية (إن وجدت وعرفت تحت هذا النعت) والقبيلة: قوى خارجية مهيمنة، قوى (وطنية) مسيطرة وقوى محلية (القبائل) تتلون وظيفتها التاريخية حسب ميزان القوى إما مُمانعة أو مُوالية.

القبيلة وجدلية الممانعة والموالاة

القبائل الشيعية في العراق:

في جدلية الممانعة والموالاة يختلف شكل التعامل القبلي الشيعي مع منظومة الحكم عما هو عليه بالنسبة للسنة وذلك في جانب واحد. وهو أن للشيعة تنظيماً دينياً أكثر إحكاماً مما هو عليه بالنسبة للسنة، وهذا التنظيم هرمي أي أنه قد أعطى القبائل الشيعية منذ الوهلة الأولى من اندلاع الحرب ومنذ أن بدأ الاحتلال، قدرة ونجاعة في الفعل أكثر ممّا كانت عليه القبائل السنية، تعامل آية الله السيستاني مع واقع الاحتلال من موقع ضرورة إضعاف صدام حسين وما يمثّله اجتماعيا وإيديولوجيا وكذلك من موقع تغذية الأمل في أن يستلم الشيعة السلطة العليا في العراق.

دامت هذه الموالاة (المحتشمة) تجاه الأمريكان المدة الضرورية لإيصال المالكي إلى دفَّة الحكم، وكان الأمريكيون يتوقّعون -بإعطاء الشيعة الفرصة التاريخية للتربع على دفة الحكم، ولو بطرق انتخابية وبعد وضع آليات دستورية لذلك- كانوا يتوقعون أن تنشب آنذاك الحرب الأهلية على مصراعيها وخاصة من طرف السنة الذين رأوا أنفسهم قد أزيحوا بطرق لبقة وشبيهة بالأساليب الديموقراطية (انتخابات، دستور، قوانين، تراتيب، تقاليد استشارية).

لكن بعد انقضاء مدّة الموالاة الصريحة هذه والتي دفع ثمنها آية الله السيستاني لدى طائفته، بدت القبائل الشيعية تتحفظ تجاه سلوك آية الله السيستاني في موقفه الموالي للاحتلال في مرحلته الأولى. من هنا عمدت القبائل الشيعية إلى الالتفاف حول جيش مقتدى الصدر والالتحام به، هكذا طرأت الممانعة بعد الموالاة، إلا أن هذا الترتيب الزمني الذي يفترض زمناً أولاً للموالاة تلاه زمن ثانٍ للممانعة، هو ترتيب نسبي جداً، إذا ما اعتبرنا أن وصول المالكي هو في حدّ ذاته تحالف، أو لنقل شبه موالاة متواصلة، فإن عنصر الممانعة يصبح غائباً تماماً في الساحة الشيعية المؤسسة حكوميا، لكن رغم صحّة هذا التصحيح في الرؤيا، يمكن اعتبار الصراع الذي دارت رحاه بين جيش مقتدى الصدر في النجف وبين جيش وشرطة المالكي بمثابة دليل على أن عنصر الممانعة قائم لدى القبائل الشيعية.

يجب القول هنا أن عنصري الموالاة والممانعة متداخلان ويصعب فصلهما وتحديد مراحل منفصلة تماما تكون إما (موالاة) وإما (ممانعة). بفعل هذا التداخل المتزامن بين (الممانعة) و(الموالاة) طرأ أول شرخ في الائتلاف القبلي الشيعي، أي عندما بدأت بعض القيادات الشيعية تأخذ حذرها من مواقف آية الله السيستاني الموالية للأمريكان في الفترة الأولى، أما الشرخ الثاني، الأبرز للعيان والأكثر دماراً فيتمثل في المواجهة العسكرية التي أخذت أبعاداً (رسمية) من خلال الحرب الضروس التي اندلعت بين المالكي كرئيس للحكومة، يعتمد على فصائل قبلية عديدة يلعب فيها الشيعة دوراً محدداً، من ناحية، وبين جيش المهدي في النجف من ناحية أخرى.

القبائل السنية في العراق

ذكرنا فيما سبق مدى مواجهة القبائل لظاهرة الاستعمار واستشهدنا بالتضحيات التي قدمتها في صراعها ضد البريطانيين منذ بداية القرن العشرين، وعناصر الممانعة لدى القبائل السنية ثابتة؛ لكننا سنركز في الفترات التالية على عنصر الموالاة، علما بأنه لا تمتاز طائفة على أخرى من هذه الناحية.

برز عنصر الموالاة لدى بعض القبائل السنيّة في بداية الاحتلال وذلك عندما اقترحت قبائل الشمر القائد غازي الواعر رئيساً للنظام العراقي الجديد، وتحمل الرئيس الجديد أعباء الفترة الانتقالية وما تحمله من خضوع للاحتلال الأمريكي، يقال: أن قبيلة الشمر تعد 600 ألف نسمة، ثمة من يعتبر هذا الرقم أدنى من الواقع؛ لكن ثمة من يعتبره مبالغ فيه (مثل الأستاذ سعد ناجي جواد السعتي من جامعة بغداد)، مهما كان العدد فهو كبير ويدل على أن القبيلة برمتها انصاعت وراء ممثلها بدون تململ، ولو جزئي وخاصا بجزء فقط من القبيلة. كما أشارت الصحف بعد فترة الاكتساح وبداية بسط النفوذ الأمريكي إلى أن نفس القبائل التي كانت تعلن بيعتها إلى صدام حسين قد قلبت ظهر المجن وأصبحت تعبّر عن ولائها بكثير من الصخب إلى إياد العلاوي، الوزير الأول آنذاك، وهو سنّي.

نفس السلوك المتواطئ لدى القبائل التي لعبت دوراً حاسماً في تسريح الرهائن من قبضة المقاومين. ففي ربيع 2004م صرح الشيخ هشام ناجم الحسن الدليمي أنه تدخل مع قبيلته (المحامدة) لتحرير الرهائن الأربع (2 من أصل ياباني و2 من أصل روسي). تلعب القبيلة هنا دور العارف بخفايا المجتمع، في الأزقة والأروقة المترامية الأطراف، في المدينة وفي الغابات الشاسعة وكل أماكن الظل والظلام، وذلك عبر شيخها، الأب الراشد، والأخ الأكبر، والعجوز الموقّر، والمستبد الصالح، تتنازع في شخصيته الضراوة والحنية على حد السواء، فهذا المسمى الضاري على القائد رئيس قبيلة بني عامر في منطقة الراشدية (تعدّ 250 ألف نسمة حسب بعض التقديرات غير الموثّقة) يتدخل أمام صحفي جريدة أوروبية، أتي لزيارته، لفضّ نزاعات حلت بين فخذين من نفس القبيلة وكان الخصام قد نشب حول امرأة، وهذا دليل على مدى تغلغل القبيلة في القضايا الاجتماعية السائدة في المجتمع.

علاوة على هذه الموالاة التي تمارس على الساحة الاجتماعية، ثمة موالاة أخرى تمارس على الساحة السياسية وفي بعض الأحيان عبر الوسائل الأكثر ضراوة ألا وهي الوسائل المسلّحة.

وهنا لا تمتاز طائفة عن أخرى، فجزء هام من القبائل السنية وافقت على تكوين مجلس الإنقاذ بالأنبار ومن أهدافها غير المعلنة مكافحة تنظيم القاعدة. وهو تنظيم تعتبره شريحة هامة من المجتمع العراقي حركة مقاومة وطنية، يقول البعض إن هذا المجلس قد تكوَّن بإيعاز أمريكي بهدف تخفيف حدة الهجمات القبلية السنية ضد الجيش الأمريكي وتحويلها باتجاه تنظيم القاعدة، علما بأن الأنبار قد شكلت النواة الصلبة في حركة المقاومة للاحتلال، كما أن الأمريكيين حاولوا جلب بعض الوجهاء من القبائل التي كانت موالية تقليديا إلى صدام حسين في مقاطعة صلاح الدين، ولا يمكن فهم وتفسير هذه الإرهاصات المعاكسة لوجهة سير المقاومة السياسية الشاملة، السائدة خلال سنوات الاحتلال الأولى، إلا إذا اعتبرنا القبيلة قادرة على تكييف مواقفها حسب اللحظة (أي ما يعبر عنه في المنطق العسكري: التكتيك).

ما كان ينتظره الأمريكيون من محاولة زج جزء هام من السنة في حملة لمكافحة (القاعدة) (أو ما يسمى الإرهاب) هو تطبيق نظرية لعبة الدومنو (dominos) أي دفع قطعة ثقيلة من القطع الاجتماعية الفاعلة إلى الدخول في صراع مع قطعة مماثلة أخرى، وهكذا تنهار فصائل التحالف عبر حرب داخلية تدور رحاها بين القطع السنية.

انطلق التدبير الأمريكي في مساعدة السنة على تنظيم وتجميع جهودهم عبر إنشاء مجلس الإنقاذ بالأنبار (17/9/2006م) بالرمادي. عرف هذا المجلس امتدادا لنشاطه السياسي عبر تأسيس (صحوة الأنبار) بقيادة عبد الستار أبو ريشة، نفس الامتداد طال بعقوبة في منطقة ديالة. واعتبر الأمريكيون أن مشروعهم القاضي بزج القبائل السنية في صراع ضد القاعدة ومعاضدة الجيش الأمريكي بشكل غير مباشر سينجح، وتوطد أمل النجاح عندما وقّع كثير من (وجهاء القبائل) اتفاقية تكريت (موطن ولادة صدام حسين) في منطقة صلاح الدين.

إلا أن الأحداث التاريخية عارضت هذا الأمل بما أن محاولات قائد المجلس الجديد الشيخ حامد إبراهيم سالم الجبوري قد وجدت معارضة حادة من طرف قبائل تكريت بالذات. علما بأن أصل الشيخ من قرية قريبة من (بيجي)، أي من قبائل أبو ناصر (البجات)، انعقدت ندوة في (جامع صدام حسين الكبير) وسط تكريت وأجمعت كل القبائل الحاضرة على رفض القبائل القطعي للمشاركة في المجلس، وبعد أيام قليلة دمر رجال المقاومة السنة منزل الجبوري وخطفوا 4 من أبنائه.

في مرحلة لاحقة -بعد كل هذه الأحداث- صرح قائد مجلس الإنقاذ بالأنبار: الشيخ علي حاتم الدليمي أن الحكومة لا تساعد المجلس على القيام بمهام موحدة وهو الذي يعد في صفوفه 32 ألف مقاتل كلهم ينتمون إلى القبائل السنية في الأنبار. ذلك أن الحكومة تريد أن تتعامل مباشرة مع القبائل فرادى خوفاً من أن تشكل القبائل السنّية وحدة صمّاء يصعب بعدها التعامل معها.

خلاصة القول: هو أن الممانعة والموالاة في المشهد العراقي تدل على انخراط القبائل القوي في المسار السياسي. سترى في الملف السوداني كيف أن الأرضية التي تتحرك في إطارها القبائل في مرحلة أولى ذات طبيعة اقتصادية اجتماعية (العشريتان المتصلتان 1970 و1980م) وفي مرحلة ثانية ذات طبيعة سياسية واضحة لم تتوان باستعمال السلاح والعنف والشراسة.

القبيلة السودانية والمطلبية الاقتصادية الاجتماعية

سنتناول قبائل دارفور دون سواهم يتراوح عدد سكان دارفور بين 5 و6 ملايين نسمة يتوزعون إلى قبائل إفريقية وقبائل عربية إلا أن هذا التوزيع الثنائي فيه كثير من الاستقطاب؛ لأن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. كثيرة هي القبائل الإفريقية الأصل والعربية النطق والثقافة علاوة على كونها اعتنقت دين الإسلام – وثمة مع ذلك قبائل أخرى إفريقية مسيحية لكن عنصر التداخل مع القبائل العربية ثابت عبر الزواج والمصاهرة.

لذلك من الصعب الإبقاء على التوزيع الثنائي (كل كتاباتنا الأكاديمية تعمل على تعرية الصفة السطحية للتوزيع الثنائي)، إلا أن الرصد المتداول في جل التقارير والصحف ومختلف الأدبيات، تعمل باتجاه التبسيط والتسطيح وهذا ما تفرضه تقنيات الدعاية السياسية والأساليب الإشهارية التي تخضع لها جل الوسائط الإعلامية.

لفهم طبيعة القبيلة السودانية علينا أن نعود إلى ظروف العيش والمحيط الطبيعي. يتميز المحيط البيئي بندرة المياه، بتقلص الأنشطة الفلاحية بسبب التصحر علاوة على الجفاف وغياب العلف الحيواني، تعتبر هذه العناصر آفات قاتلة إذا ما علمنا أن الاقتصاد القبلي في دارفور يعتمد على تعاطي الفلاحة الصغيرة بالنسبة للقبائل المستقرة وعلى الرعي وتربية الماشية (إبل وبقر) بالنسبة للقبائل الرحل، يتبين من هذا الرصد أن المحدد في العلاقات السائدة تاريخيا بين مختلف القبائل هو عنصر البحث عن مورد الرزق ولقمة العيش، وهذا ما يضفي على النسيج القبلي السوداني مأساويته إذ النزاعات تتنزّل في مرتبة غريزة البقاء.

لو توفر حد أدنى من التعليم والتمدرس في مختلف مستوياته بشكل معمم لأمكن التخفيف من وطأة المحيط القاسي إلا أن نسبة التمدرس لا تتجاوز الثلث بالنسبة للبنات واقل من النصف (44.5) بالنسبة للذكور.

في غياب شحن الثقافة والتعليم بشكل كاف للسيطرة على الطبيعة وقسوة المحيط بقيت التركيبة الاجتماعية الإنتاجية مرتهنة بإمكانيات الأرض الضعيفة وبما يسمح به الاقتصاد الرعوي الذي لا يتجاوز سد الجوع في أحسن الحالات، لذلك يمكن اعتبار الاقتصاد القبلي في دارفور اقتصادا يتركز على الكفاف ولا يفتح على عمليات التراكم البدائية وهي أولى مرتكزات الاقتصاد النامي.

في إطار الظروف الاقتصادية هذه لا يمكن للتركيبة الاجتماعية بدارفور أن تتجاوز التقسيم الشرائحي للسكان المنتجين إلى شريحتين رئيسيتين اثنتين: شريحة الفلاحين الصغار ويتّسم نشاطهم بالاستقرار مع استعمال تقنيات ووسائل إنتاج تقليدية لاستغلال الأرض، وشريحة ثانية تتكون من مربي الإبل والبقر ويتسم نشاطهم بالترحال بحثا عن ظروف أفضل لتمكين قطيعهم من الكلإ والماء.

يحمل الوصف الذي قدمناه حول الظروف البيئية والطبيعية المحيطة وحول طرق تنظيم المجتمع إلى شريحتين أساسيتين، وهو وصف اعتمد على معطيات موثقة، يحمل هذا الوصف ضمنيا أسبابا عديدة للانفجار الاجتماعي.

يمكن اعتبار مأساة لقمة العيش وتنزلها في مرتبة غريزة البقاء السبب الأول لهذا الوضع الانفجاري الموضوعي، أما السبب الثاني فيتمثل في عدم توفر تأطير تعليمي وتثقيفي يمكن الخروج من دائرة الجوع والعطش.

هذان السببان هما اللذان كانا وراء الطابع العنيف في العلاقات بين القبائل وقد يستمد الطابع المسلح (في العلاقات القبلية في دارفور) شرعيته الموضوعية من هذه المعطيات الخارجة عن دائرة السيطرة الفردية أو السيطرة الجماعية القبلية بل هي من مشمولات الدولة المركزية أو الدوائر السياسية الجهوية الساهرة على التأمين الغذائي الأدنى على مستوى القوت اليومي.

لذلك نرى أن النزاعات بين القبائل في دارفور تحوم حول بعض المسائل البيديهة حول نقاط آبار الماء، ومناطق الرعي، وحرية الانتجاع والترحال.

فالمُحدِّدات المتحكّمة بآليات الخلاف والوفاق، والحرب والسلم بين القبائل في دارفور هي بالأساس محددات اقتصادية معاشية، وهي نفس المحددات التي نجدها تتحكم بالعلاقات الفردية والجماعية داخل قبيلة واحدة داخل القبيلة المصنفة بكونها فلاحية مستقرة، ثمة خلافات حادة حول السيطرة على الموارد المائية وعلى الملكية العقارية وعلى مصادر الرزق والثروة نفس المشهد المتأزم الذي نجده في القبيلة الإفريقية التي تتعاطى الفلاحة نجده بنفس الهول، داخل القبائل العربية الرعوية المتكونة من البدو الرحل الذين يعيشون من تربية الإبل والبقر.

لذا من البديهي أن يتميز العقدان الاثنان المتصلان غداة الاستقلال في الخمسينات من القرن العشرين بالحاجة الاقتصادية الماسة وبالمطلبية الاجتماعية الملحة. في هذين العقدين لم تكن المطلبية موجهة نحو طرف (الدولة بشكل خاص) كعلاقة عمودية تسود المركز (الخرطوم) بالتخوم، بل كانت تعاش على المستوى الأفقي في علاقة القبائل ببعضها في شكل ثنائيات صراعية كان الخط الرئيسي فيها يسير وفق الصراع بين قبائل عربية وقبائل إفريقية، وكان الخط الثانوي فيها يسير وفق تناقضات داخلية بين القبائل من نفس الصنف (حسب ألوان الطيف القبلي الذي أشرنا إليه عند تعرضنا لضرورة تجنب الثنائية واحترام مبدأ التعقيد الذي تتسم به التشكيلة القبلية الدارفورية) وحتى داخل القبيلة الواحدة- نظرا لهذا الجانب الأفقي الطاغي على الجانب العمودي في أشكال التعبير عن الحاجة كانت فترة العقدين المشار إليهما تتسم بالمطلبية الاقتصادية والاجتماعية بدون أن يستفحل خلالها الصراع السياسي مع السلطة ولا حتى بين القبائل نفسها.

بوادر وأطر التصعيد السياسي

الرجل (الفهد) أو التعامل بالحسنى كمنطلق

إجمالاً يضم دارفور 80 قبيلة حسب التقريب. من أهم القبائل (الإفريقية) نذكر المساليت، داجو، برتو، زغاوة، ميدوب، ميما، بوجو، تامة، مراريت، تنجور…. ومن أهم القبائل العربية نذكر هبانيه، بني حسين، زيادية، بني هلبة، حمر، خزام، خوابير، بني جرار، محاميد، دجاومة، رزيقات، معاليه،…إلخ علاقة هذه القبائل ببعضها علاقة متوترة نظراً للأسباب السالفة الذكر لكن عندما لم تعوم المنطقة بالأسلحة كانت النزاعات تقوم على أرضية النهب المتبادل والسطو على الخيرات والممتلكات والغلبة للأقوى إلى أن تتدخل السلطة المركزية لاستتباب الأمن خلال هذه الفترة كانت بعض الأعراف والتقاليد تستعمل وخاصة في المناطق النائية.

كانت الخلافات والنزاعات بين القبائل وحتى داخل نفس القبيلة، بين أفخاذها العديدة، تطرح في إطار مجلس القبيلة، لدى وجهائها، كبار السن، قادة يتحلون بشيء من الوهرة والوقار وحتى الكاريزما في بعض الحالات، وهي كلها وساطات تتدخل بالحسنى وتتوخى الأساليب السلمية من نصح وإقناع واعتبار للمصلحة الجماعية،…إلخ وحتى ولو وصلت حدة الخلافات إلى ذروتها فلا تغدو أن تتجاوز الأدوات الحربية التقليدية وهي أدوات (بسيطة) ولم تتطور رغم القرون العديدة التي عاشتها هذه القبائل في النزاعات والخصام والتناحر المستمر، لم تتجاوز هذه الأسلحة التقليدية مستوى الرمح والنبال والعصي، هذا عندما تصل النزاعات إلى ذروتها لكن ما هو معمول به تقليديا في كثير من القبائل فهو تفعيل الوساطات. كتب إيفانز برينشارد عن قبائل النور بالسودان سنة 1937م- تحدث عن أسلوب تقليدي، قد نعتبره اليوم، مقارنة بالأساليب المستعملة الآن (أسلحة أتوماتيكية وغيرها من الأسلحة النارية) (حضاريا)- تحدث الأنتروبولوجي عن (وساطة) (الرجل الفهد) أي يحمل فوق جسمه جلد الفهد، ولا يرمز هذا الإيحاء بالحيوان المفترس إلى ضرورة استعمال القوة؛ بل العكس، الشرط المطلوب من (الرجل الفهد) لكي تقبل وساطته وتنفذ النصائح التي سيسدي بها لفك النزاع هو أن يلتزم بالهدوء ويتوخى الأساليب السلمية: الكلام الطيب، اللين، اللطف.

خصال عديدة يذكرها العالم البريطاني وتصب كلها في مبدأ مشترك اتفقت عليه القبائل لحل خلافاتها ألا وهو التعامل بالحسنى قدر الإمكان.

لا يعني كلامنا هذا أن القبائل لا تعرف العنف في تعاملها مع بعضها، لكن نريد أن نركز على أن القبائل قد طورت أساليب عديدة لفك نزاعاتها من بينها هذه الأساليب التي تعتبر حضارية ومن الأجدى تشجيعها وإرساء أصولها وفروعها وإن أمكن العمل على تعميمها بدل تعويم المنطقة بالسلاح، وهو الاتجاه المعاكس الذي عرفته المنطقة وليس الاتجاه الذي تنخرط في إتيقية التعامل بالحسنى- على الدولة الوطنية اليوم مهمة استرجاع قيم التعامل بالحسنى وتعميم نشرها داخل هاته القبائل عبر الكتب المدرسية والوسائط التعليمية والتربوية منذ المحضنة إلى الجامعة. ولكن هذا العمل السهل -وهو سهل ممتنع على المستوى السياسي- يتطلب تضحيات جسام يتمثل في دفع عجلة النمو بهاته المناطق من خلال أرضية تربوية تعليمية يتطلب جني ثمارها عملاً دؤوباًَ خلال عشريتين على الأقل، خلافا لهذا التوجه الإيتيقي والذي قد يصلح كأرضية ثرية بالوعود لإرساء تنمية محلية صلبة، طورت السلط السياسية بشكل عام منطق ضرورة الأمن بقوة السلاح.

التصعيد السياسي، أطره ومراحله

بناء على ما ذكرنا سالفاً يمكن اعتبار الظروف الطبيعية والبيئية والمناخية القاسية جداً إطاراً موضوعياً أولياً ومنطلقاً بنائياً يمهد بشكل فاعل، لتطوير إمكانيات التعامل حسب مبدأ القوة وصولاً إلى العنف وحتى إلى العنف المسلح، يجب القول هنا أن الإطار الطبيعي البيئي/ المناخي تغير عما كان عليه سابقا. خلال قرون عديدة كان المتسبب في هذا الوضع الطبيعي قوانين طبيعية ملازمة للحياة الصحراوية، في مناطق السباسب أو الأمصار التي تتّسم جغرافيتها بكثرة الأراضي الصلبة والجافة أو الأراضي الرملية التي لا تنتج إلا القليل. أما الكوارث الطبيعية فتأتي بشكل فجئي ولكن بدون انتظام، أما اليوم -علاوة على قوانين الطبيعة المتسببة- ثمة مسببات أخرى طرأت منذ عقود بشكل حاد ألا وهو مسؤولية النشاط الصناعي المكثف ببلدان الغرب في فقدان التوازن الطبيعي النسبي في جل مناطق العالم ومنها مناطق القطب الشمالي والجنوبي وكذلك المناطق الصحراوية على حد السواء. نفهم من كل هذا إذن أن الأسباب التي تحدد الأطر الطبيعية/ البيئية/ المناخية أصبحت متعددة المستويات ولا تقتصر على العنصر والفعل المحلي بل تتعداه إلى عناصر أخرى وأهمّها العناصر العالميّة.

علاوة على الإطار الطبيعي/ البيئي/ المناخي، تجدر الإشارة بل يجدر التركيز على عنصر ثانٍ يمهد للتصعيد في العلاقات بين القبائل وداخلها ألا وهو العنصر الخارجي المتمثل في تعويم المنطقة بالسلاح. هذا الموضوع مغيب من التحاليل ومن البحث عن الأسباب رغم خطورته، ولسائل أن يسأل: هل الغرب هو السبب في تغييب المسألة؛ لأنه الذي يصنع ويتاجر بالسلاح؟ هذا السؤال يستمد مشروعيته من كون القضايا التي تحظى بالطرح هي عادة القضايا التي يوافق على طرحها أو يبادر بطرحها الغرب. لا تملك بلدان الجنوب، عادة، المبادرة في طرح القضايا؛ إذ لها منابر، ليس لها صحف عالمية تنفذ إلى (الرأي العام) العالمي وتحدد ملامح الإشكالات والقضايا التي يجب أن تطرح وكيف تطرح هنا تكمن المعظلة؛ فطرح القضايا العادلة مرتبط بمدى قوة تواجد صاحب الحق وحلفائه إعلامياً على الساحة العالمية. بإمكاننا تقديم الحجة الدامغة على أن التصعيد قد أخذ أشكالاً نوعية محددة عندما عومت المنطقة بالسلاح الفتاك، قد يرد البعض أن الجفاف المدقع وشح الموارد المائية وتقلص المائدة الصالحة للشراب وللري، وشح الأدوية، وانحسار رُقع البحيرات الجبلية والسهلية واستفحال التصحر، كلها عناصر بيئية حددت مصير المنطقة نحو عنف في التعامل القبلي لا مناص منه.

هكذا يجب إذن أن نفسر أصول الخلافات الضارية بين القبائل وأهم الخلافات تقع بين القبائل المستقرة (فلاحية) والقبائل الرحل (إبل وبقر)، هذا الرأي يفسر أن الآفات الطبيعية في العهود البائدة كانت قاسية على الإنسان إذ لا علاج فيها؛ لأنها ليست من صنع الإنسان بل من فعل الطبيعة. أما السلاح وترويجه فهو من صنع البشر ودوره في تأجيج طرق فك النزاعات محدّد.

علاوة على هذين العنصرين اللذين يعطيان ملامح إطار التصعيد، ثمة عنصر ثالث ألا وهو انسداد الأفق أمام القبائل للخروج من دائرة الاستحالة؛ إذ يعتبر العنصر الأول (قسوة الطبيعة) مستحيل على القبائل تغييرها وتحويلها باتجاه آخر يمكن من الإكثار من الثروات ومن إيجاد مواطن رزق جديدة. هذا العنصر موكول إلى الدولة المركزية وإلى الدوائر الجهويّة. هنا تطرح قضية التنمية كمانع لاستفحال الوضع وما يؤدي إليه من تصعيد.

تشير المعلومات والأطروحات المتوفرة إلى عدم قيام الدولة المركزية بدورها بالقدر الكافي، أي القدر الذي يمنع من تطور النزعة إلى التصعيد علماً بأن نفس الدولة، هي في حد ذاتها محاطة بمطامع دولية وإقليمية وتحدياتها الخارجية لا يستهان بها إلا أن التفكير السليم يفترض أن تمنع الدولة الوطنية إمكانات استغلال القوى العظمى للوضع الداخلي.

التصعيد ومراحله

كانت الخلافات بين القبائل في دارفور تنشب بشكل متواتر مثلما هو الحال بالنسبة لكل ظاهرة قبلية، والشكل السائد -لكل النظريات تؤكده- هو النزاع الثنائي. أبرز روبرت مانطانيو عالم الاجتماع والأنتروبولوجيا الفرنسي، هذه العلاقة الثنائية والتي تؤسس حسب رأيه لتوازن القوى في النسق القبلي العام، وتوازن القوى يوحي بالرقابة المتبادلة التي تكنها كل قبيلة إلى جارتها، وقد نعتبر نظام الرقابة المتبادلة قيمة سياسية ونقول إن الأنظمة الجمهورية تقوم على هذا المبدأ، وهو مبدأ يمنع الاعتداءات والتجاوزات ونشر الضيم. لا غرابة إذن أن يتحدث العالِم الفرنسي في كتابه الذي صدر عام 1927م عن (جمهوريات بربرية) بعد دراسته لقبائل البربر في الأطلس بالمغرب الأقصى. ما طرحه هذا الباحث هو إذن بمثابة إمكانية أخرى، بديلة حسب رأيه عن نزعة التصعيد التي سنراها لدى القبائل الدارفورية. وهذا دليل على أن القبائل تتمتع بمخزون أنتروبولوجي قد تستطيع توظيفه، في ظروف وملابسات مواتية، لفائدة تأسيس نسق أو نظام عام يؤمن العيش للجميع وهذا ما انكبت عليه دراسات عديدة في إطار التساؤل الجوهري: هل الأنظمة السياسية السائدة في العالم اليوم مشيئة بشرية لا مناص منها أم كان بالإمكان -عند تتبع تطور المجتمعات البدائية والقبلية- تصور بديل آخر، القبيلة محطة فكرية أساسية للبحث عن البديل، إلا أن الأوضاع العامة (ما أشرنا إليه تحت عنوان (الأطر)) أدت إلى خلاف ذلك.

يعتمد النموذج الذي وضعه روبارت مونطاني (Robert Montagne) على مبدأ الثنائية في النزاعات القبلية في جبال الأطلس بالمغرب الأقصى، هذه الثنائية تتجسم في كون النزاع يضم قبيلتين اثنتين، يتميز نموذج الباحث الفرنسي بالاستقطاب الثنائي. بهذه المناسبة نطرح -في ما يخص دارفور وخصائصه القبلية- فرضية جديدة تتجاوز بدون أن تعاكسها آليات الاستقطاب الثنائي بما أن النزاعات في دارفور قد تتجاوز الثنائية وقد تطال قبائل عديدة. هذه الفرضية يبررها الجدول المرافق. تاريخ الخلافات حافل بالثنائيات العدائية في دارفور لكن بدون تغييب العدائية المتعددة الأطراف. نعتمد في وضع هذا الجدول المتعلق بتاريخ أهم النزاعات على الورقة التي وضعها دافيد هويل (David Hoile انظر: قائمة المراجع) والتي تتناول هذه النزاعات منذ الخمسينات ولقد رسمنا حدود المراحل وتصاعدها بعد الاطلاع على هاته الورقة، مضفين عليها قراءتنا للأحداث وللمسار التاريخي الملموس محكّمين في ذلك الثوابت النظرية الراهنة المتواجدة على الساحة العلمية في مواد الأنتروبولوجيا وعلم الاجتماع وعلم السياسة.

يلاحظ المرء أن العقدين المتّصلين (1970-1980م) في دارفور كانا مشحونين بالنزاعات ذات الطابع الاقتصادي وأبعادها، بالأساس اجتماعية.

كلمة (اجتماعية) هنا تحصر موطن المجتمع الذي هو –تقليدياً- دائرة لا تفترض بالضرورة الدائرة السياسية. لذا نستعمل هذه الكلمة في مدلولها الاصطلاحي وليس في مدلولها الأدبي أو مدلولها الدارج لدى العموم.

نسوق هذه التوضيحات بناء على الدراسات الأنتروبولويجة والسوسيولوجية التي ركزت على ضرورة إعطاء (المجتمع) مدلولاً اصطلاحياً يميزه عما يمت من قريب أو من بعيد إلى مفهوم السياسة (اُنظر دراسات Pierre Clastres مثلاً وآباؤه المنظرون كثيرون) وخاصة إذا ما اعتبرنا الدرجة القصوى التي حازت به (الدولة) مفهوم السياسة.

أما المرحلة الموالية (1990-2003م) فهي –رأساً- مرحلة التصعيد السياسي، يلاحظ المرء أنه منذ سنة 1989م- يشار لأوّل مرة إلى نزاعات سياسية كموضوع للعلاقات القبلية المتوترة، هذه السنة منطلق للمرحلة اللاحقة؛ لأن السنوات الموالية ستؤكد على هذه النزعة كما نتبين ذلك من خلال المعطيات التالية:

ثلاثة نزاعات رئيسية دعمت الاتجاه التصعيدي خلال التسعينات من القرن العشرين:

1990م: نشأة جيش التحرير الشعبي بقيادة داود بلاد

1996م: نزاعات كبيرة بين كبريات القبائل: الزريقات وزغاوة.

1997 إلى 1999م: نزاعات كبيرة بين المساليت وبعض القبائل العربية.

وتجدر الإشارة هنا أن التسعينات قد عزّزت وعمّقت توجّه استعمال السلاح بشكل مستفحل، فاق استعماله خلال العقود المنصرمة، ومع استعمال السلاح المستفحل نلاحظ نزعة تكوين حركات سياسية تتقاطع برامجها مع المعطى القبلي.

تعتبر المرحلة الثانية هذه، مرحلة التصعيد النوعي، بسبب الاستعمال المستفحل للسلاح وبسبب ارتقاء القضايا القبلية إلى مرتبة العمل السياسي، مرحلة خطيرة إذ انعكاساتها تتجاوز حدود دارفور وحتى حدود السودان.

وهنا تأتي المرحلة الثالثة والأخيرة (2003-……) وهي مرحلة زج النزاعات القبلية في دائرة إقليمية ودولية واسعة- مفتوحة لشتى التدخلات، تدخل الجوار (التشاد وجمهورية إفريقيا الوسطى)، تدخل الأقارب والأقرباء (في شكل جامعة الدول العربية أو الوساطات التي قامت بها ليبيا لتقريب وجهات النظر بين التشاد والسودان خلال 2007م) تدخل القوى العظمى تحت مظلات عديدة (حق التدخل) باسم حقوق الإنسان وهو (مبدأ) وضعه (رونالد دوماس) عندما كان وزيرا لخارجية فرنسا في فترة حكم فرانسوا ميتران وهو آلية يستعملها الآن برنارد كوشنير (وزير خارجية فرنسا المختص سابقا –أي قبل دخوله إلى الحكم- في حقوق الإنسان بالمعنى الضمني التوظيفي الذي نسوقه هنا) في سياسة ساركوزي الخارجية وأخيراً تدخل الأمم المتحدة، على شاكلتها الحالية، أي كمنبر عالمي تستخدمه الإدارة الأمريكية لفائدة سياستها الخارجية وحاجتها للتدخل في جل أنحاء العالم، هنا تكمن آخر مرحلة للتصعيد وقد اتضحت ملامحها منذ سنة 2003م وتتواصل إلى الآن.

التداعيات الإقليمية لهذا التصعيد أدت إلى زج الدول المجاورة في النزاعات القبلية كل من جهته بدون أي تنسيق ثنائي؛ بل العنصر الأبرز هو عنصر التناحر الذي نشب بين السودان والتشاد بسبب امتدادات الخلافات القبلية التي طالت هذين البلدين المجاورين. نعلم أن نفس القبيلة قد يكون لها تواجد بشري يتجاوز الحدود الوطنية الفاصلة؛ فقبيلة (سلامات) مثلا (وهي قبيلة إفريقية مسلمة توجد في كلا البلدين: دارفور والتشاد) لما استفحل التأزم لدى الجزء الموجود في دارفور لاذوا بالفرار واستنجدوا بذويهم في التشاد، هؤلاء بدورهم، شحذوا عزائم أقاربهم السودانيين ومكنوهم من تكوين حركة تمرد أهم فصائلها تتكون من أشلاء القبائل المهجرين من دارفور أو الفارين من قسوة العيش عندما يحل الجفاف وتعم المجاعة، يقول الملاحظون: أن التنقل والهجرة القسرية بدارفور تقع تحت وطأة عنصر من هذين العنصرين: إما قمع عسكري أو شبه عسكري مثل ما تقوم به فرق الجنجويد (وهي فرق مسلحة متكونة من عناصر تنتمي إلى قبائل عربية عديدة بالسودان) إما هجرة تسبب فيها الجفاف والفقر المدقع: لنتذكر الجفاف الذي أصاب منطقة دارفور سنتي 1984 و1985م والذي تسبب في موت 100 مائة ألف نسمة لنتصور أرضاً لم ترحم بالأمطار مدة 18 شهراً علماً بأن الجفاف والقحط يدفع بالقبائل إلى التناحر. خلال الجفاف المشار إليه أجبرت القبائل الرعوية (وجلها عربي) إلى النجع والاستقرار بعد أن كانت تجوب البلاد طولاً وعرضاً، ممارسة بهذه الطريقة نشاطها الاقتصادي الرعوي، الاستقرار القسري لمدة طويلة يدفعها إلى الدخول في صراع من أجل العيش مع القبائل الفلاحية التي تطردها من أراضيها كلما انقضى موسم قبول القبائل الرحل في أراضيها وحل موسم الفلاحة والزراعة. كلما رفضت القبائل الرحل الخروج من أراضي الانتجاع بسبب انسداد الأفق من جراء الجفاف كلما نشب نزاع قد يأخذ أبعادا مسلحة.

للهجرة القسرية سبب ثانٍ أَلا وهو تدخل السلطة المركزية بقوة السلاح بشكل يدفع القبائل المستهدفة إلى الهجرة للاحتماء بذويهم خارج الحدود.

من النتائج الخطيرة التي أدت إليها هذه التداعيات الأخيرة نذكر العلاقة المتوترة التي سادت بين التشاد والسودان خلال السنتين الأخيرتين، لقد وصلا إلى حافة الحرب من جراء الاتهامات المتبادلة والمتعلقة بحجة تذكية الفتنة القبلية والتشجيع على التمرد وتدريب المتمدرين وتقديم العون المادي والعسكري لهم، وهي حجج تستعمل من كلتا الجهتين: التشادية والسودانية. ولقد وصلت ذروة النزاعات بين البلدين عندما عمد المتمردون التشاديون إلى قلب نظام إدريس دبّي (رئيس التشاد حاليا).

بإمكاننا تطوير هذه النقطة والتركيز على الجو المتوتر الذي يسود علاقة السودان بجيرانه (48.000 نسمة هاجروا إلى جمهورية إفريقيا الوسطى، 232.000 فروا إلى التشاد، حسب أرقام الأمم المتحدة). لا ننسى كذلك أن التوتر قد طال العلاقة مع أثيوبيا حيث انتقلت الحركة الدارفورية المسلحة المنضوية تحت إمرة محمد عبد الرحمن موسى (أبو سرة).

لكن يتطلب هذا التركيز توسيع نطاق النزاعات القبلية إلى البلدان المجاورة التي تشكو هي الأخرى من عدم معالجة القضايا القبلية من جذورها الاقتصادية والاجتماعية وعبر سياسة تنموية عادلة ومسترسلة بدون التضحية بمبدأ الحرية في التعبير وبدون الإخلال بالحريات الفردية والعامة حتى يرقى أعضاء القبيلة عبر التمدرس والتثقيف والانخراط الاجتماعي الشامل إلى مرتبة المواطنة.

الجانب الثاني من هذه المرحلة الثالثة يتمثل في التداعيات الدولية وهي أخطر التداعيات على وحدة السودان وعلى تواصل نظامه السياسي. تجاوز هذا الموضوع ملف القبيلة بعد أن استعملته القوى العظمى كورقة مركزية لبلورة لائحة الاتهام ضد النظام السوداني، وقد تتطور الإشكالات الدولية بشكل يطرح إعادة رسم الحدود وذلك باستعمال عنصر التواجد القبلي الواحد بين البلدين (التشاد والسودان) مع ما ينتج عن ذلك من عدم استقرار في فترات التأزم القصوى- الكل يتذكر الذروة عندما هربت القبائل الإفريقية من دارفور ولاذوا لدى أقاربهم في حالة من الرعب والذعر الشيء الذي حولهم إلى حركة متمردة مسلحة وهكذا أصبح التشاد منطلقا لعمليات عسكرية في منطقة دارفور بإيعاز من القوى الغربية التي ساعدت على تسليح المتمردين. هذا ما جعل جيش الجنجويد يلاحقهم في الأراضي التشادية. والخلاف اليوم بين السودان والتشاد يدعو -بحسب بعض الملاحظين- إلى تدخل القوى العظمى والأمم المتحدة لأن الخلاف (وهذا تبرير سياسي لقضية إنسانية يقصد منه تمرير الخطط الهيمنية)، أصبح قضية إنسانية قد تصل إلى التعبير عن نفسها في شكل إقليم خاص بالقبائل المشتركة بين التشاد والسودان، لنتذكر أن الحدود بين السودان والتشاد لم توضع نهائيا إلا سنة 1938م، علاوة على العلاقة المتفجرة بين النظام السوداني والنظام التشادي وهذا الاتجاه تقدم له الدول الغربية أدلة شرعية حتى يصبح نافذ المفعول في تأزيم العلاقات بين الجارين وقد يكون هذا الادعاء صحيحا عندما نعلم أن السلطات التشادية قد ساعدت القبائل الدارفورية -وخاصة تلك التي لها امتدادات قرابية في التشاد- من تأجيج ذروة التمرد المسلح في السودان. كل هذه التداعيات الإقليمية الدولية المتداخلة أدت، في (نهاية الأمر) إلى اتهام النظام السوداني بقتل شعبه وبإمكانية مثوله أمام القضاء الدولي بلاهاي.

خلاصة القول:

بيت القصيد –سوسيولوجيا- يتمثل في كون المطلبية الاقتصادية (المرحلة الأولى)، وهي قاعدة تواجد وتواصل القبائل الدارفورية في إطار أمن غذائي واستقرار بشري، لأنها لم تراع من طرف السلط السياسية المركزية والجهوية بما يمكّن من العيش الكريم، أدت إلى نزاعات كانت سابقا تفض في أطر تقليدية أو بأساليب لم تعرف التصعيد الذي لاحظناه بداية من 1990م (المرحلة الثانية) والذي أخذ مداه المسلح والمنفجر إقليميا ودوليا بعد سنة 2003م (المرحلة الثالثة).

رغم طول الفترة التي رصدناها وأسميناها الفترة المطلبية الاقتصادية والاجتماعية (1950-1990م)، لم تؤسس علاقات قبلية تتجاوز الانقسامية التقليدية، وكان التجاوز ممكنا لو عمدت السلط السودانية إلى تعمير المدارس لدى الذكور والإناث وإلى بلورة أرضية تنموية محلية حتى تفكك ما نسميه في أطروحاتنا أسباب الانقطاع أمام التراكم الاقتصادي والتفاعل الاجتماعي المتناسق. أطروحتنا المركزية تقول بأن الانقطاع وما أنتج من اختلالات عديدة في المجتمع العربي سببه الرئيسي هو القبيلة (أطروحة نوقشت عام 1991م بجامعة باريس VII فرنسا).

الهدف ليس تفكيك القبيلة، بل آلياتها المعرقلة لدينامية التنمية الذاتية؛ إذ لدى القبائل بعض القيم التي تستوجب الإبقاء والمحافظة والعناية مثل الكرم والشهامة والفخر واحترام الكلمة والوفاء للعهد، واحترام الجوار وتبجيل المسنين، علاوة على تقاليد التشاور والتآخي والتآزر أيام المحن…إلخ.

فلا المطلبية الاقتصادية الاجتماعية عولجت، بسياسة راشدة ولا مخزون القبيلة من قيم فهم على أحسن وجه الشيء الذي أدى إلى مراحل تصعيدية نرى اليوم وبالها على المجتمع السوداني برمّته.

يختلف المشهد القبلي السوداني عن المشهد القبلي العراقي؛ ما تتميز به الحالة العراقية هو طغيان الطابع الوطني على عناصر الصراع. وهذا التميز ناتج عن ظرف الحرب طويلة المدى التي تخوضها العراق ضد الغرب (وبعض جيرانها)، منذ فترة صدام حسين، حتى نبقي في إطار نصف القرن الموالي للحرب العالمية الثانية، مع فاصل صغير عرف نظامين اثنين (عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف)؛ لذا تلعب القبيلة العراقية دوراً حاسماً في المسألة الوطنية رغم تقلب مواقفها الآنية وهي كما رأيناها تتأرجح بين الموالاة والممانعة. العنصر الثابت في موقف القبائل العراقية مهما كانت الطائفة، هو المقاومة الوطنية وهذا دليل على ارتقاء القبيلة من الانقسامية الأولى (كما وضعها نظرياً الأنتروبولوجيون) إلى نوع من الانخراط في المجتمع بشكل يتجاوز المحلية والقرابية. أما الحالة السودانية فتتمثل في ضبابية المشهد الناتج عن كون القبائل في منطقة الشمال أو الجنوب ليست كلها معنية بشيء اسمه قضية لها أوجه وطنية واضحة. وقد تتجه القبيلة إلى نفس الطريق التي سلكتها القبيلة العراقية، والشرط في ذلك هو دور الانتشال الذي قد تلعبه الدولة المركزية، يعني هذا الانتشال إبعاد القبيلة من أسسها الأولى قدر الإمكان، أي من انغماسها في الثوابت القرابية والترابية. هذا التجاوز لن يقع إلا عبر نشر المدرسة والتعليم والثقافة في الأرياف.

ثمة تقسيم قبلي أقل انتماءات دموية وقرابية مما هو معهود لدى القبائل فالتزاوج والمصاهرة والاختلاط الإثني بين السود الأفارقة والعرب البدو، إضافة إلى التأثيرات الناتجة عن نشر الكتاب والتعليم عبر المدارس قد أفرز نسيجا قبليا اثنياً يمكننا من رصد أربعة أنواع على الأقل من الانتماءات القبلية في دارفور:

– عرب أصليون مثل الدجاومة والزيادية والرزيقات وبني حسين.

– عرب عربوا تماما بفعل تبنيهم اللغة العربية كوسيلة تخاطب.

– القبائل التي في نصف الطريق لي عملية تعريبهم.

– الأفارقة اللاّعرب أي الذين لا علاقة لهم لا باللغة العربية (عبر المدرسة والتعامل اليوم) ولم يختلطوا بالآخرين عبر مؤسسة الزواج والمصاهرة.

رغم نسبية هذا التنوع الإثني والذي بقي جذعه الأصلي عربيّا إلا أنه يشير إلى الطريق التي قد تتوخاها الدولة السودانية علما بأن هذا التوجه لا يجب أن يمنع احترام الجذع الإفريقي وتطويره من خلال عناصر عديدة أخرى، ثقافية بالأساس، وتتعلق بالتقاليد والعادات والقيم التي من شأنها أن تدفع بالفرد والمجموعة إلى تبني مبدأ المواطنة بدلا عن مبدأ الولاء للقبيلة أو للجهة (سلبيا) أو للطائفة بقطع النظر عن المصلحة العامة والمثل العليا. فقبائل المساليت ويرتي وميمة وطامة والكنين -وهي قبائل إفريقية تحمل مخزونا ثقافيا لا يستهان به- بالإمكان توظيفه لبلورة شخصية وطنية متميزة ومتنوعة في نفس الوقت حيث يتناسق العنصر العربي بلغته وما تمثله ويمتزج بالعنصر الإفريقي بثقافته ولغته الأصلية الصحراوية النيلية وثقافته وما تمثله من قيم وحكمة قد تؤسس باتجاه إتيقية جديدة.

لا يمكن أن نستشف مستقبل القبائل خارج هذه الدائرة الإصلاحية العميقة والتي لا تقوم بها بشكل مؤسس إلا الدولة الوطنية شريطة أن تتحلى باحترام الفرد والمجموعة (القبيلة) وبتبني كل القيم من حرية الرأي والتعبير والتنظيم والشغل…إلخ, وتوفير الظروف والإمكانات لذلك انطلاقاً من مبدأ العدالة وبدون (جهويات) سلبية وانتماءات إثنية مقيتة و(اصطفافات) دموية، قرابية، طائفية: اصطفافات كانت وبالاً على النسيج الاجتماعي سواء كان ذلك في العراق أو السودان.

الخاتمة:

بنية القبيلة اليوم وسير الأحداث الذي انصهرت فيه خلال العقود الأخيرة
(من 1950 إلى 2008م) تدل على أن القراءة النظرية الانقسامية لم تعد كافية لفهم هذا الكيان الذي أصبح يتسم بالتعقيد وفي بعض الحالات بالغموض. القبيلة التي أمامنا اليوم سواء كان ذلك في دارفور السودان، أم في الأنبار، أم في النجف، هي قبيلة عربية خرجت عن النمطية التاريخية التي ترتكز على المبدأ الانقسامي المعروف: أنا ضد أخي، أنا وأخي ضد ابن عمي، أنا وأخي وابن عمي ضد فخذ القبيلة…إلخ، انحل المبدأ الانقسامي في صراعات واستحقاقات تجاوزت بؤرة المحلية التي تطورت في ظلها الآليات القبلية. هي إرهاصات واستحقاقات تتعلق كلها بالسيطرة على مراكز النفوذ المالي والاقتصادي والسياسي والثقافي وتتطور على أصعدة عديدة دولية، وطنية، جهوية، ومحلية.

ما نلاحظه أن القبيلة (القديمة) قد ولت وحلت محلها قبيلة تأقلمت مع آليات الاستحقاقات المستجدة خلال نصف القرن الأخير. تشارك القبيلة اليوم في الانتخابات مثلما هو الحال بالكويت، تساهم في بلورة برامج انتخابية وطنية في موريتانيا، حاضرة في (الربيع التعددي) الجزائري بداية من التسعينات من القرن الماضي، تساهم في بلورة نسيج حزبي تعددي بالمغرب الأقصى، هذه كلها دلائل على قدرة القبيلة العربية على التأقلم وأخذ المبادرة والانصهار في التيار وعدم معارضة ما يسمى بالحداثة. في مواكبتها لهذه الإرهاصات والاستحقاقات لم تسلب نفسها من مقوماتها: حافظت على جزء هام من مقوماتها وخاصة تلك التي تتعلق بالأصل القرابي والأصل الجغرافي، في ما عدا هذين المحورين الأساسيين الذين تحتفظ بهما القبيلة العربية على مستوى الفعل وكذلك على مستوى الادعاء الذاتي كهوية اجتماعية، وهما محوران لهما أهميتهما في نحت ملامح الحراك الاجتماعي داخل المجتمعات العربية سقطت عناوين القبيلة ذات الصبغة القيمية وخاصة تلك التي كانت مرتبطة بعقلية وبسلوك محددين أخلاقياً وأثيقيا ومعياريا مثل الكرم والشهامة والتمسك بالوعد، واحترام الدين، وإضفاء القداسة على العلاقات بالأكبر سنا، ومفهوم الحريم، والتضامن، واحترام النسب في العلاقة بالآخرين والمروءة.

نعم دفعت القبيلة العربية ثمناً غالياً مقابل انصهارها في (الأحداث) و(الاستحقاقات) انصهرت لكن مقابل ذلك فقدت (روحها) و(ضميرها) وهي ذات القيم التي ذكرناها، أصبح رجل القبيلة قادرا على تعاطي الأعمال والقيام بصفقات مع ما يفترض هذا الاختراق لعالم المال والاقتصاد من آليات ضرورية: امتلاك اللغات الأجنبية، لباس الكسوة، أو البذلة الغربية، أشخاص موزعين في أنحاء المعمورة، حمل شهادات عليا، امتطاء سيارة فخمة بدل الخيل العربي الأصيل، مداعبة الكمبيوتر واستعماله في عمله وأوقات ترفيهه…إلخ، إلى حد أن البعض تحدث عن رجل القبيلة المقاول وهذا ما يحيلنا إلى النظر إلى مستقبل العرب القريب في إطار ممازجة بين القبيلة والطبقة، فبقدر ما تعطي القبيلة إلى الفرد وإلى المجموعة رموزا أهمها رمز الانتماء والأصل النبيل، بقدر ما تعطي الطبقة آليات الاختراق الاقتصادي، والاجتماعي، وهذا ما يريد رجل القبيلة التوفيق فيهما، وذلك بإيجاد صيغ التداخل والتفاعل والتوافق ولما لا التجانس بين الانتماء القبلي والنجاعة الاقتصادية.

بإمكاننا أن نطرح اليوم المسألة بشكل مباشر ولو في شكل سؤال: إلى أي مدى ارتهن مستقبل المجتمع العربي اليوم باختراق مفهوم القبيلة لمفهوم الطبقة واختراق مفهوم الطبقة لمفهوم القبلية عبر عملية خارجية (لعب الغرب فيها دوراً حاسماً) وداخلية (عبر الانقطاعات التي لازمت تأقلم القبيلة مع الاستحقاقات الراهنة)؟ ما مدى استعمال القبيلة لآليات الطبقة؟ التصرف الطبقي يتسم بخصائص محددة: إعلاء مرتبة العقد على مرتبة الثقة المطلقة في الآخرين، إسناد الأولوية للغة المصالح على لغة الإخاء والأخوة، تبني مبدأ النجاعة على مبدأ (الجمالية) البحث عن القوة ولو على حساب الأخلاق، هذه الخصائص نراها اليوم تضفي ظلالها على العقليات والمسلكيات وهذا دليل على أن مفهوم الطبقة لا (العرش) (أو العشائر) مفهوم في طور الانتقال ولو ببطء نحو ميناء (الطبقة) كمحطة استقرار وإقرار على نموذج اجتماعي محدد هو النموذج الليبرالي، صمود القبيلة يدل على أنها تطمح إلى الاستمرارية في العالم العربي، خلافا لما كان عليه تاريخ الجماعات القروسطية في أوروبا قبل ظهور الرأسمالية. فالقبائل والجماعات والرابطات الحربية التي كانت تهيكل البنية الاجتماعية الأوروبية قبل ظهور الرأسمالية، كلها ذهبت أدراج الرياح بعد حدثين هامين: النهضة الفكرية الأوروبية وبدايتها القرن السادس عشر ميلادي مع ما رافق ذلك اجتماعيا من تحولات وطنية (الثورة الفرنسية عام 1789م) ثم الثورة الصناعية والتي عرفت مراحل عديدة جذرت خلالها ظروف الانقطاع مع المجتمع القديم وبعث أسس المجتمع الجديد ثانيا.

هل الطبقة وهي هذا المفهوم الذي لا يسير فيه الفرد إلا وفق مبدأ المصلحة، على أرضية اقتصادية ومادية واضحة ولا لبس فيها، قابلة لكي تحتوي ممارسات القبيلة؟ هل بالإمكان الحديث عن (طبقة/قبيلة) (المرجعية الاصطلاحية مشرقية ومغاربية في نفس الوقت) أو (طبقة/عرش) (المرجعية الاصطلاحية مغاربية) تتعايش فيه أنماط السلوك المختلفة؟ وقد تكون متضاربة ومتناقضة؟

هذه التساؤلات تمثل جوهر الإشكالات وجوهر ما تنحو نحوه المجتمعات العربية في مستقبلها القريب، هل التأقلم ممكن؟ هل يتعايش مبدأ المصلحة المادية مع قيم النخوة والاعتداد بالنفس والارتباط بالأصل والمنشأ؟

يجب القول: إن التجارب عديدة للإجابة عن هذه الأسئلة، فالتجربة العراقية مفعمة بأمثلة عديدة عن صعود فئات اجتماعية قبلية إلى مراكز نفوذ ومواقع اجتماعية أقرب إلى مفهوم الطبقة منها إلى مفهوم القبيلة، فالعسكر خلال تجربة البعث مؤسسة لها سمات الطبقة الاجتماعية رغم أن من احتلها هم عناصر قبلية. لا نجد ذلك في الجيش العراقي في فترة البعث وحتى فترات عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف فقط؛ بل وكذلك في حزب البعث ذاته كمنظمة تمنح الامتيازات، وفي الإدارة العراقية وفي أوساط رجال الأعمال، كل هذه الدوائر تشكل أرضية اجتماعية مؤسساتية تتعامل فيها العناصر الطبقية مع العناصر القبلية، سمات هذا التفاعل الطبقي القبلي تتويج لسيرورة تاريخية تداخلت فيها عناصر القرابة الدموية بعناصر البحث عن القوة عبر الجيش، فالأنظمة السياسية التي تتالت بعد سقوط النظام الملكي بالعراق (1958) شكلت أرضيتها الاجتماعية على ركيزتين اثنتين: القبيلة والجيش، كان حكم الفريق عبد السلام عارف (1963-1967م) يعتمد على الجيش الذي انبثق منه كرئيس يجسّم هرم السلطة كما يعتمد على العلاقات الدموية القبلية (قبيلة جُميلات بالأساس).

رغم كل ذلك يبقى مفهوم (الطبقة/العرش) أو (الطبقة/القبيلة) يحتاج إلى بلورة نظرية أكثر إحكاما، لا يخفى أن جل المؤشرات تدل على أن القبيلة تمر بمرحلة عصيبة- من الصعب أن يبقى (زواج المتعة) بين الطبقة والقبيلة صامداً لمدة زمنية طويلة في وجه المال والقوة التي يوفرها لصاحبه مع ما للقوة من جاذبية براقة – علماً بأن واقعية القوة قد تغلبت تاريخياً واجتماعياً (لدى البلدان الأوروبية والأمريكية مثلا، وهي بلدان (تاريخية)) على مثالية القيم الأخلاقية. المؤشرات تدلّ الآن على أن التوجه التاريخي الأكثر مصداقياً واجتماعياً هو ذلك الذي يؤسس للقوة والعظمة على حساب القيم الأخلاقية والحضارية. لن نكون ولسنا أمام حوار الحضارات، لا لشيء إلا لأن الحضارات الآن في طور انحسار وتقهقر خاصة في المجتمعات التي أسّست في العصور الحديثة لمفهوم الحضارة أي البلدان الغربية بالأساس، الحضارات تقلصت وليست في طور تجدد واسترسال؛ لذا سنكون، مجبر أخاك لا بطل، أمام صراع القوى المتنافسة على عرش العالم والكون.

*******************

الحواشي

*) أكاديمي من تونس.

– جاك بيرك: دواخل المغرب العربي من القرن الرابع عشر إلى القرن التاسع عشر – Gallimard- باريس 1978م (باللغة الفرنسية).

– روبارت مونطاني (Robert Montagne): البربر والمخزن باريس 1930م (باللغة الفرنسية).

– دافيد هويل: (David Hoile):

Darfour in perspective published by the European Sudanese Public Affairs – 2007.

– العروسي العامري، من اجل علم اجتماع القطيعة: القبيلة في المغرب العربي في العهد الوسيط. أطروحة دكتوراه نوقشت سنة 1991م – باريس 7- وصدرت باللغة الفرنسية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة تونس 1997م.

– جريدة (العالم) الفرنسية (Le Monde) بتاريخ: 3 سبتمبر 2004- 4 سبتمبر 2004م.

– ايفانز بريتشارد (E.E. Evans Pritchard) النور، وصف لنمط عيشهم ولمؤسساتهم السياسية، (Gallimard) باريس 1968م- (باللغة الفرنسية) صدر في اللغة الأنقليزية سنة 1937م.

– حازم البيلاوي، الدولة الريفية في الوطن العربي، المستقبل العربي أيلول 1987م.

– محمد جواد رضا: (الخليج العربي: المخاض الطويل من القبيلة إلى الدولة)، المستقبل العربي، كانون الأول 1991م.

– ثريا التركي ودونالد كول، (مجتمع ما قبل النفط في الجزيرة العربية، فوضى قبلية أو مجتمع مركب)، المستقبل العربي، تشرين الثاني 1990م.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий