Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > القومية والأقليات في الكتاب الأخضر

القومية والأقليات في الكتاب الأخضر

المكان المركز العالمي الدراسات وأبحاث الكتاب الأخضر فرع سبها
التاريخ 2005-07-12
المحاضرين
أستاذ جماعي – د. أسامة عبدالرحمن النور

نص المحاضرة

لتكن نقطة البداية في هذه الورقة هى ضرورة تثبيت المصطلحات والمفاهيم. لقد حفزت القناعة المتزايدة دوماً بعدم وجود علم نموذجي انتشار الدعوة الى وحدة العلم من جانب والى ضرورة الالتزام بدقة اللغة والمطالبة بها. في الركن الاجتماعي للكتاب الأخضر يلجأ المؤلف معمر القذافي الى استخدام عدة مصطلحات ومفاهيم أنثروبولوجية (أسرة، جماعة، قبيلة، قومية، أمة، أقلية) لا بدَّ من التوقف عندها والتدقيق في معانيها. يجئ تعريف القذافي لتلك المصطلحات والمفاهيم من خلال مجادلته بدور تلك العناصر المؤلفة، في وجهة نظره، للعامل الاجتماعي، وهو الأمر الذى يجعلها تبدو غامضة بما يؤدي، في تقديري، الى بروز تفسيرات غير دقيقة من جانب العديد من الدارسين لهذا العمل. فالمؤلف ينطلق من فرضية أساسية تقول بأن العامل الاجتماعي هو المحرك للتاريخ، وأن الرابطة الاجتماعية بالنسبة له هى التى تربط الجماعات البشرية من الأسرة الى القبيلة الى الأمة، ويشدد المؤلف على أنها بدون شك أساس حركة التاريخ (الركن الاجتماعي ص.215). انطلاقاً من هذه الفرضية يشرع المؤلف في تبيان طبيعة الجماعة البشرية ومفهومها “الجماعة الواحدة بحكم تكوينها الطبيعي الواحد لها حاجات اجتماعية واحدة تحتاج الى اشباع بحالة جماعية. وهى ليست فردية على أي وجه، بل هى حاجات أو حقوق أو مطالب أو غايات جماعية صاحبها قوم تربطهم قومية واحدة.” (المرجع نفسه، ص. 117). على قاعدة هذا التعريف الضمني ينتقل المؤلف الى تحديد مفهوم أكثر شمولية وهو مفهوم الأمة الذى يحصره في “الأصل الواحد والانتماء المصيري هما الأساسان التاريخيان لأي أمة. ويبقى الأصل في المرتبة الأولى والانتماء في المرتبة الثانية. فالأمة ليست أصلاً فقط، بل وإن كان الأصل هو أساسها ومنشأها، ولكن الأمة علاوة على ذلك هى تراكمات تاريخية بشرية تجعل مجموعة من الناس تعيش على رقعة واحدة من الأرض … وتصنع تاريخاً واحداً … ويتكون لها تراث واحد … وتصبح تواجه مصيراً واحداً. وهكذا فالأمة بغض النظر عن وحدة الدم هى في النهاية انتماء ومصير.” (المرجع نفسه، ص. 141). من ثم يأتي تعريف المؤلف للأقليات بحسبانها تمثل احدى المشكلات السياسية التى تعاني منها المجتمعات البشرية.. “إن الأقليات التى هى احدى المشكلات السياسية في العالم سببها اجتماعي، فهى أمم تحطمت قوميتها فتقطعت أوصالها.” (المرجع نفسه، ص. 119). وبما أننا هنا بصدد مناقشة القومية والأقليات في فكر معمر القذافي فإنه وبدون تحديد دقيق لهذه المفاهيم المفصلية في فرضية مؤلف الكتاب الأخضر، ومطابقتها بالمفاهيم المستخدمة في علم الأنثروبولوجيا المعاصر، يصعب على القارئ متابعة المحاججة العلمية التى يقدمها المؤلف، وهو كما أشرت، قد دفع بالكثيرين لتفسير الاطروحة الأساسية المعبر عنها في الركن الاجتماعي بصورة مشوشة الى حد بعيد، بالتالي بالوصول الى نتائج غير متطابقة مع الفرضية بل متناقضة معها في حالات. على سبيل المثال، قراءة أوراسيو كالديرون في كتابه “القذافي : نقطة انطلاق”، حيث نجد أنه يكتب “إن أهمية الجماعات الاجتماعية إزدادت على مر الزمن نظراً لانضمام جماعات لأخرى وذلك لتشكيل أمة” . أوراسيو هنا فقد الخيط لكونه لم يدقق في مفهوم “الجماعة” كما يستخدمه مؤلف الكتاب الأخضر. وأضح أن القذافي يرمي بمفهوم “الجماعة” الى “قوم/ قومية” وهو ما يشار إليه في الأنثروبولوجيا بالمجموعة العرقية أوالاثنية التى تتحول بالتحامها مع مجموعات عرقية أخرى لتؤلف “أمة”. وفق تعريف القذافي فإن القومية هى “الجماعة الواحدة بحكم تكوينها الطبيعي الواحد”، أي مجموعة من الناس يعرفون أنفسهم من خلال روابط بينهم، أو هكذا يعرفهم الآخرون، على أساس حد يميزهم عن المجموعات الأخرى. ورغم أن الدراسات الأنثروبولوجية تنوعت لدرجة تداخلت فيها المصطلحات التى ابتكرها العلماء حتى أصبح التمييز بينها شاقاً ومعقداً، فإن اتفاقاً عاماً يكاد يكون مقبولاً في أوساط المتخصصين من علماء الأنثروبولوجيا بأن “الجماعة العرقية” هى جماعة إنسانية تتألف من أفراد يرتبطون بمجموعة من الروابط الثقافية والاجتماعية. من هنا يبدو جلياً التطابق بين مفهوم القومية في الكتاب الأخضر مع مفهو المجموعة العرقية المستخدم من قبل علماء الأنثروبولوجيا. إن الحد الذى يميز قومية عن أخرى قد يتخذ عدة أشكال – عرقية، ثقافية، لغوية، اقتصادية، دينية، سياسية – وقد يكون ذو مسام أوسع. نتيجة ذلك لا تحتاج الحدود أن تكون ظاهرية فحسب بل يمكنها أن تطابق المطلوب. ومع أن هذا الحد يفترض أن يكون أعضاء القومية/المجموعة العرقية متشابهين ثقافياً وبيولوجياً، إلا أن ذلك ليس هو الحال دائماً بالضرورة. خاصة أخرى تميز القومية/المجموعة العرقية هو استمرارها عبر الزمن، أي، تاريخهم ومستقبلهم كبشر. يتم ذلك عن طريق النقل بين الأجيال لعناصر مثل اللغة والمؤسسات والتقاليد المشتركة. من المهم أن نضع هذه الخاصة للقومية/المجموعة العرقية في الحسبان إذا كان لنا أن نميزها عن مجموعة أفراد يقتسمون خصائص مشتركة، مثل سلسلة نسب، في فترة زمنية بعينها. في الجانب السياسي، يمكن تمييز القومية/المجموعة العرقية عن الدول-القومية من حيث افتقاد الأولى للسيادة. إذن فإن مفهوم المجموعة العرقية يشكل مفهوماً أساسياً في الأنثروبولوجيا كما هو حال مفهوم القومية في فرضية القذافي. صحيح أن المفهوم “مجموعة عرقية/قوم، قومية” أثار مناقشات عديدة، وظهرت العديد من الاجتهادات للتعريف. من بين تلك الاجتهادات ما طرحه في ستينات القرن المنصرم عالم الأنثروبولوجيا نارول من تصنيف يرى أن الجماعة العرقية هى جماعة من الناس يتصف أفرادها بخصائص أهمها: (1) أن يتصف أفراد تلك الجماعة العرقية بخصائص بيولوجية جسمية يعتز بها أفرادها الى درجة كبيرة؛ (2) اشتراك أفراد تلك الجماعة في القيم الجوهرية التى تتجلى في وحدة تلك القيم في شكل نظام ثقافي أو صور ثقافية، قوامها خصائص محددة مثل اللغة، والعادات، والتقاليد، والأعراف، والمعتقدات، بل وكل ما يمكن للفرد أن يتشربه من ثقافة جماعته؛ (3) يكون أفراد تلك الجماعة العرقية مجالاً للاتصالات والتداخل في العلاقات بينهم بصورة محددة ومميزة؛ (4) تتميز هذه الجماعة بالتركيز على عضوية خاصة تحدد كيان الفرد فيها، ويحدد هذا الكيان عن طريق هذه العضوية من الغير، بمعنى أن الفرد في هذه الجماعة يحدد هويته عن طريق عضويته الفاعلة في جماعته، كما يعرفه غيره عن طريق هذه العضوية، وبمعنى آخر فإن العضوية في الجماعة العرقية ليست مثل العضوية في جماعة أخرى، فالعضوية في الجماعة العرقية تحدد فئة مميزة عن غيرها من الفئات الأخرى. يلاحظ في تعريف نارول نظرته للجماعة العرقية بحسبانها جماعة ثقافية، أي حاملة لثقافة، باعتبار الثقافة عاملاً أساسياً وجوهرياً للجماعة العرقية، أي اشتراك الجماعة العرقية في ثقافة واحدة والتى ينظر إليها على أنها الطابع المميز لماهية تلك المجموعة العرقية. في الكتاب الأخضر يمثل مصطلح “قومية” مفهوماً محدداً وواضحاً، انه يعني “وحدة عرقية” أو “وحدة سلالية” أو كما يشير الكتاب الأخضر “قوم تربطهم قومية واحدة”. هذا المفهوم الأنثروبولوجي لمصطلح “قومية” في الكتاب الأخضر شائك ومعقد قد يصعب تعريفه. يمكن التحدث عن هذه أو تلك من المؤشرات الأساسية التى يشكل مجموعها الكلي “قومية” بعينها. عادة ما يتم تحديد تلك المظاهر والمؤشرات في الأدب الأنثروبولوجي في الآتي : اللغة، والمنطقة العرقية (الإقليم الاثني)، وخصائص نمط الحياة، والأصل المشترك، والثقافة، وأخيراً الشعور القومي. وقد تحتل مركز الصدارة – في المراحل المختلفة لتطور هذه أو تلك من المجموعات العرقية/القوميات – هذه أو تلك من المؤشرات المذكورة. سنحاول بداية توضيح هذه المؤشرات ومن بعد ذلك نعود لنرى كيف ينظر مؤلف الكتاب الأخضر إليها. إن أهمية اللغة مؤشراً للوحدة العرقية تؤكد عليها حقيقة أن أغلبية قوميات العالم تتحدث كل منها بلغتها الخاصة : العرب بالعربية، النوبيون بالنوبية، الطوارق بالتارقية، الإنجليز بالإنجليزية، الدينكا بالدينكاوية، الصوماليون بالصومالية ..الخ. إلا أنه رغم هذه القاعدة العامة فإنه توجد في بعض الحالات أن تتحدث قوميات/مجموعات عرقية مختلفة لغة واحدة بعد انصهارها في دولة قومية، على سبيل المثال نجد أن اللغة الأسبانية هى اللغة المشتركة للأسبان ولمعظم قوميات أمريكا الجنوبية (كوبا، تشيلي، الأرجنتين، نيكاراجوا، المكسيك وغيرها). كذلك نجد اللغة البرتغالية هى اللغة المشتركة للبرتغاليين والبرازيليين. كما وأن هناك حالات عكسية تماماً، أي عندما يتحدث أفراد دولة قومية واحدة لغات مختلفة تعد كلها لغات رسمية معترف بها. فالايرلنديون يتحدث جزء منهم اللغة الايرلندية بينما يتحدث الجزء الآخر بالإنجليزية، كذلك يتحدث السويسريون اللغات الألمانية والفرنسية والإيطالية. من ثم يصبح واضحاً أنه لا يجوز عد اللغة المؤشر الأوحد الذى يميز “قومية/مجموعة عرقية” عن أخرى دون القيام على الأقل بتحليل تاريخي للأسباب التى أدت الى ظهور اللغة المحددة في المكان غير المتوقع ظهورها فيه. أما المؤشر الثاني – المنطقة العرقية أو ما يسمى أحياناً الإقليم الاثني – فإن المقصود به هو الإقليم الجغرافي لانتشار “قومية/مجموعة عرقية” محددة. ويتم تكون كل قومية/مجموعة عرقية في إقليم معين. لكنه وبرغم ذلك فإنه وفي بعض الحالات – نتيجة ظروف تاريخية محددة – قد يتم انتشار مجموعة عرقية في منطقة مأهولة مسبقاً “بقومية/مجموعة عرقية” أخرى، أو قد يحدث أن تفقد أقسام من المجموعة العرقية الواحدة الصلة الجغرافية بين بعضها الآخر. وفي كلتا الحالتين ينتج عن ذلك وجود إقليم عرقي غير موحد بدلاً عن أن يكون الإقليم وحدة متماسكة. وفي مثل تلك الحالات يلاحظ أن قوة التماسك الداخلي للمجموعة العرقية يعتريها الضعف مما قد يؤدي لتفتيت وحدتها أو تجنس أجزاء منها في مجموعات عرقية/قوميات مجاورة أخرى. لكن هنالك أمثلة تشير الى استمرارية وجود بعض المجموعات العرقية وحدة متماسكة بالرغم من التقسيم الإقليمي الذى قد يطرأ … مثال ذلك زغاوة السودان وتشاد. وكذلك فإن هنالك أمثلة تشير الى أنه وبالرغم من التفتت والتشتت الذى يصيب مجموعة عرقية محددة ويحيلها الى مجرد مجموعات صغيرة منتشرة في أقطار مختلفة تعيش وسط مجموعات سكانية أكبر منها وأقوى، فإن تلك المجموعة العرقية لا تفقد خصائصها الذاتية .. خير مثال لذلك الغجر في أوربا والمغرب. أما المؤشر الثالث فينحصر في خصائص الحياة والثقافة. أن الناس الذين يعيشون في ظروف بيئية متشابهة، والذين تنشأ لديهم – عن طريق العلاقات المتداخلة بين بعضهم البعض – أشكال متجانسة للثقافة المادية وللثقافة الروحية (أنماط المباني، والملابس، وتناول أنواع الطعام، والالتزام بالعقائد والتقاليد نفسها) يشكلون وحدة عرقية. كل هذه المظاهر المذكورة تشكل مؤشرات عرقية ذات طابع ثانوي ذلك لأن منطقة انتشار الأشكال المتشابهة للثقافة كثيراًُ ما تتوافق والأقاليم العرقية. ولا شك أن الدين يشكل نوعاً خاصاً من مظاهر الثقافة الروحية. وقد جسد الدين في الماضي مؤشراً يميز بين المجموعات ذات الانتماء العرقي واللغوي الواحد جاعلاً منهم وحدات عرقية مختلفة، إلا أن أهميته مؤشراً عرقياً في الوقت الراهن لم تعد، بخاصة مع منذ بداية الديانات السماوية الكبرى، بالثقل نفسه. أما المؤشر الرابع – الأصل المشترك – فهو مؤشر عرقي يميز بين شعب وآخر فقط في بعض الحالات النادرة. ولكن لا بدَّ للبحث الأنثروبولوجي أن يضع هذا المؤشر في الحسبان إذا ما كان له أن يوضح الخصائص المميزة لوحدة عرقية محددة. فعلى سبيل المثال توجد مجموعة منفردة من حيث أصلها – الغجر – تعيش في أقطار مختلفة. ومثلهم مثل اليهود الذين يوحد بينهم الدين بالاضافة الى الأصل المشترك السابق، والأفارقة الأمريكيين في الولايات المتحدة وعدد من دول القارة الأمريكية الذين لم يندمجوا في أغلبية السكان بسبب ظروف التفرقة والتمييز العنصري. وينحصر المؤشر الأخير للوحدة العرقية في الشعور القومي الذى يرى فيه بعض الأنثروبولوجيين المؤشر الحاسم. فالإنسان ذو الأصل المختلط عادة ما يعد منتمياً للجنسية التى يتملكه الشعور بالانتماء إليها. لكنني أعتقد بأن الشعور القومي لا يصح عده مؤشراً عرقياً مستقلاً بحد ذاته بقدر ما هو مؤشر اشتقاقي. فالشعور القومي يشكل نوعاً من الشعور الذاتي بالعوامل الموضوعية. ولكي يتوصل الفرد الى قناعة بانتمائه الى هذا أو ذاك من الشعوب فلا بدَّ أن تكون هنالك في كل حالة سلسلة من الظروف الموضوعية مثل معرفة اللغة، ومكان الميلاد، والتجارب الحياتية، والثقافة .. الخ. ويمثل هذا الشعور القومي خاصة ثقافية للمجموعات العرقية حيث تذوب فيه الأنا في بوتقة المجموعة. أما من الناحية التحليلية فإن الشعور بـ النحن كان قد استخدم في عملية التمييز بين الجماعة العرقية والأمة كما سنوضح ذلك لاحقاً. إذا التفتنا الى الكتاب الأخضر فإننا نلاحظ أن مؤلفه شدد على مؤشر الدين لكنه في الآن نفسه لم يجعله المؤشر الأوحد: “ليس هناك من منافس للعامل الاجتماعي في التأثير على وحدة الجماعة الواحدة إلا العامل الديني الذى قد يقسم الجماعة القومية، والذى قد يوحد جماعات ذات قوميات مختلفة. بيد أن العامل الاجتماعي هو الذى يتغلب في النهاية.” ويستمر ليقول بأن “القاعدة السليمة هى أن لكل قوم ديناً، والشذوذ هو خلاف ذلك. والشذوذ هذا خلق واقعاً غير سليم صار سبباً حقيقياً في نشوب النزاعات داخل الجماعة القومية الواحدة.” (المرجع السابق، ص. 120-121). واضح أن القذافي جعل مؤشر الدين عنصراً في تكوين الجماعة العرقية/القومية بالمفهوم الأنثروبولوجي وهو في هذا محق تماماً، لكنني لا أتفق مع فرضيته اللاحقة التى تقول بأن لكل أمة دين “وليس من حل إلا الانسجام مع القاعدة الطبيعية التى هى لكل أمة دين حتى ينطبق العامل الاجتماعي مع العامل الديني فيحصل الانسجام، وتستقر حياة الجماعات وتقوى وتنمو نمواً سليماً.” (المرجع السابق، ص. 121). ينقلنا هذا الاعتراض الى محاولة استكشاف الكيفية التى يحدد بها الكتاب الأخضر مفهوم الأمة : “الأصل الواحد والانتماء المصيري هما الأساسان التاريخيان لأي أمة. ويبقى الأصل في المرتبة الأولى والانتماء في المرتبة الثانية. فالأمة ليست أصلاً فقط، بل وإن كان الأصل هو أساسها ومنشأها، ولكن الأمة علاوة على ذلك هى تراكمات تاريخية بشرية تجعل مجموعة من الناس تعيش على رقعة واحدة من الأرض … وتصنع تاريخاً واحداً … ويتكون لها تراث واحد … وتصبح تواجه مصيراً واحداً. وهكذا فالأمة بغض النظر عن وحدة الدم هى في النهاية انتماء ومصير.” (المرجع نفسه، ص. 141). فإذا كان هذا هو تعريف الأمة : الأصل الواحد، والانتماء المصيري، أي انتماء ومصير، فلماذا يجعل من الدين عاملاً من عوامل وجود الأمة؟ فالأمة هى، وفق تحديد الكتاب الأخضر، “تراكمات تاريخية”، أي أنها مفهوم أوسع وأشمل من مفهوم القومية/الجماعة العرقية، إنها تراكمات تاريخية بمعنى أنها عملية انتقال من مرحلة القومية/الجماعة العرقية الى الأمة والتى يقوم فيها الشعور الجمعي بدور أساسي، على أن يتوافر لهذا الانتقال المعرفة التامة بالبعد التاريخي لأصل تلك الجماعة، وتأكيد ذاتها القومية بمعنى ان الأمة لم تتكون فجأة أو في وقت قصير من الزمن، وانما بفعل “تراكمات تاريخية” قد تمتد للآف السنين، فالعامل الزمني وفق رؤية الكتاب الأخضر بالتالي شرط من شروط قيام الأمة. أعتقد أن المؤلف طرح فرضيته بشأن هذين المحتمين – وحدة الأصل والدين – شرطاً لتكون الأمة من واقع معطيات تاريخية وأنثروبولوجية قد تتوفر في ليبيا وبعض البلدان الأخرى، لكن المؤشرين المحددين ليسا بالضرورة متوفرين في العالم بصورة شاملة. فالأمة السودانية، على سبيل المثال، هى جماع شعوب أو قوميات لا تربطها لا وحدة الأصل ولا وحدة الدين. الشئ نفسه ينطبق على إثيوبيا، ونيجريا، والكونغو، وجنوب أفريقيا والغالبية الساحقة من دول القارة الأفريقية، وكذلك بالنسبة لدول جنوب شرق آسيا، وشبه القارة الهندية. يقودنا هذا للتعريف الذى تضمنه الكتاب الأخضر للأقليات “إن الأقليات التى هى احدى المشكلات السياسية في العالم سببها اجتماعي، فهى أمم تحطمت قوميتها فتقطعت أوصالها.” (المرجع نفسه، ص. 119). ومن ثم “الأقلية نوعان لا ثالث لهما : أقلية تنتمي الى أمة واطارها الاجتماعي هو أمتها … وأقلية ليس لها أمة، وهذه لا اطار اجتماعي لها إلا ذاتها … وهذا النوع هو الذى يكون أحد التراكمات التاريخية التى تكون في النهاية الأمة بفعل الانتماء والمصير … وهذه الأقلية لها حقوقها الاجتماعية الذاتية كما اتضح لنا. ومن الجور المساس بتلك الحقوق من طرف أي أغلبية. فالصفة الاجتماعية ذاتية وليست قابلة للمنح والخلع.” (المرجع نفسه، ص. 175-176). الحقيقة أن تعريف الأقلية العرقية يختلف وفقاً للمحتوى المعين، لكنه يشير بصورة عامة الى مجموعة فرعية والتى لا تشكل لا أغلبية ولا جماعاً لكل السكان، أو المجموعة التى رغم انها لا تكون بالضرورة أقلية عددية فإنها تفتقد سلطة (سياسية كانت أم اقتصادية) تكون أقل من المجموعة السائدة. من الناحية الاجتماعية الاقتصادية، ينزع مصطلح “أقلية” للاشارة الى مجموعات من الناس يكونون، وفق معايير محددة، أقل عددية مقارنة بمجموعات عرقية أخرى. كافة المعايير المعتمدة في تحديد المجموعةالعرقية، التى سبق اشارة إليها، تدخل ضمن تحديد الأقلية – اللغة، والقومية، والدين، والثقافة، ونمط الحياة. من بين المسائل المعقدة التى يحاول الأنثروبولوجيون معالجتها هى قضية الأقليات والتى تثير الكثير من التساؤلات من نوع ماهى تلك الأقليات؟ ما تعدادها في المجتمع المعني؟ الى أية وحدات عرقية تنتمي؟ ليست الاجابة على مثل هذه التساؤلات بالأمر الهين بل أنها تثير سؤالاً أشد تعقيداً ألا وهو : أي من المجموعات يمكن عدها “قومية” مستقلة وأي منها يمكن عدها فرعاً من قومية أساسية؟ وما هى المؤشرات التى يتم اعتمادها لافراز القوميات/المجموعات العرقية المختلفة؟ وتصبح المسألة أكثر تعقيداً عندما تتعلق بمناطق الحدود المتداخلة، وبالمناطق التى تعيش فيها مجموعات عرقية متداخلة. وفي مثل تلك الحالات كثيراً ما تتخذ المسألة ليس بعداً علمياً فحسب بل أبعاداً سياسية مباشرة. ومعروف أن الكثير من الحروب والاشتباكات قد نشبت بسبب مشاكل المناطق ذات التركيب السكاني المتداخل. في أوروبا الغربية، تطورت فكرة “العرقية أوالا ثنية”، مثلها مثل فكرة “الجنس” و”الأمة” في محتوى التوسع الكولونيالي الغربي، عندما أخذت المركنتالية والرأسمالية في تحويل الحركات العالمية للسكان في الوقت نفسه الذى حددت فيه حدود الدولة بصرامة أكثر. في القرن التاسع عشر، بحثت الدول الحديثة عن الشرعية عن طريق ادعائها كونها “دول”. ضمت الدول القومية على تنوعها سكان أصليين استبعدوا من مشروع بناء الدولة القومية ويمثل مثل أولئك الناس مجموعات عرقية/قوميات. أعضاء المجموعات العرقية/القوميات يفهمون بالتالي هويتهم الخاصة بمصطلحات هى خارج تاريخ الدولة القومية – إما تاريخ بديل، أو بمصطلحات لا تاريخية، أو بمصطلحات ارتباط بدولة قومية أخرى. سمى الأسبان المهاجرون الجماعات الأصلية المختلفة في المكسيك البويبلوس (الجماعات) أو الناسيونس (القوميات) اعتماداً على أحجامها وأهميتها. في المكسيك المعاصرة، تشير “المجموعة الاثنية” الى الجماعات الاقليمية الأصلية الموجودة التى تحافظ على لغاتها ونظمها السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتميزة. حركة زاباتيستا ، التى تطالب بوضع قانوني للمجموعات الاثنية وحقها في مستقبل مشترك، يمكن بالتالي فهمها عن طريق تعريف المجموعة الاثنية بوصفها تنظيماً إقليمياً واجتماعياً. في حالات تتعرض المجموعات الاثنية لسلوكيات واتجاهات مجحفة من قبل الدولة أو تشريعاتها. أخذ الناس في القرن العشرين في المجادلة بأن النزاعات بين المجموعات الاثنية أو بين أعضاء مجموعة اثنية والدولة يمكن بل يجب حلها بأحد أسلوبين. هكذا جادل هيبرماس وبروس باري بأن شرعية الدول الحديثة لا بدَّ وأن تؤسس على فكرة الحقوق السياسية لمواطنين فرادى مستقلين. طبقاً لوجهة النظر هذه يتوجب على الدولة ألا تعترف بهوية اثنية أو قومية أو عنصرية بل عليها بدلاً فرض المساواة السياسية والقانونية لكل الأفراد. جادل آخرون، مثل شارلس تايلور وويل كيمليكا ، بأن فكرة الفرد المستقل هى في حد ذاتها تركيب ثقافي، وأنه من غير الممكن وغير السليم التعامل مع الناس بوصفهم أفراداً مستقلين. طبقاً لوجهة النظر هذه، على الدول الاعتراف بالهوية الاثنية وتطوير اجراءات يمكن عن طريقها احتواء احتياجات المحددة للمجموعات الاثنية في اطار الدولة القومية. الاثنية هى مركب خصائص ثقافية تربط مجموعة أو مجموعات معينة من الناس بعضهم ببعض. المصطلح “الاثنية” يستخدم في حالات بطريقة غير صحيحة للاشارة الى مجموعة أقلية أو جنس. في حين أن الاثنية والجنس هما مصطلحان مرتبطان، فإن مفهوم الاثنية يتجذر في فكرة المجموعات الاجتماعية، ويعلم بصفة خاصة بانتماء قومي، قبلي، ومعتقد ديني مشترك ولغة مشتركة، أو أصول ثقافية وخلفيات تقليدية، في حين أن الجنس يتجذر في فكرة التصنيف البيولوجي لنوع الإنسان العاقل طبقاً لسمات مورفولوجية مثل لون البشرة أو خصائص الوجه. أيضاً فإن مصطلح اثنية يستخدم لتبرير صلات تاريخية متخيلة. ففي اللغة الانجليزية يستخدم مصطلح الاثنية ليدل على ما هو أبعد من الصلات المعاصرة لشخص مع دولة معينة (أي، المواطنة)، ويشدد أكثر على الارتباط بماض وثقافة مشتركة متخيلة. شهد القرن التاسع عشر تطور الأيديولوجيا السياسية للقومية الاثنية، عندما تم ربط المفهوم المائع جنس بالقومية، بداية عن طريق المنظرين الألمان بما فيهم هيردر . أدت الحالات التى تم فيها التشديد على علاقة المجتمعات بالروابط الاثنية الى استبعاد المحتوى التاريخي مفضية الى تبرير ذاتي لأهداف قومية متعصبة واستعمارية. فترتان عادة ما تستخدمان مثالاً لذلك : تثبيت الامبراطورية الألمانية وتوسعها في القرن التاسع عشر والرايخ الثالث ، وتطورت كل فترة على أساس النظرية القائلة بأن الحكومتين تعيدان امتلاك الأراضي التى كانت “دوماً” أراض اثنية ألمانية. كما وأن تاريخ البلقان يمثل لغزاً محفوفاً بالنزاعات البين اثنية. القومية مصطلح مثير للجدل، ذلك أن تعريفاً عاماً له يتسم بالاتساع وظل عرضة للجدل على مدى التاريخ، وتوجد العديد من النماذج المحددة للقومية. عادة فإن أكثر النتائج سلبية لصراع القوميات، والتوترات الاثنية، والحرب، والنزاعات السياسية داخل الدول، تحسب على القومية نفسها، مما دفع بالبعض للنظر للمفهوم العام للقومية بمنظار سلبي في حين يجادل آخرون بأن النظر الى القومية من خلال نتائجها السالبة يؤدي الى تشويه معنى المصطلح. اعتماداً على محتوى محدد للقومية، قد وقد لا يعني بالضرورة بأن قومية ما أفضل من أخرى. في حالات قد يقال بأن قومية ما في وضع أفضل عندما يسمح لها بحكم نفسها، واتباع مصالحها الاقتصادية والسياسية والثقافية باستقلال. الاعتقاد بأفضلية قومية على أخرى يمثل غلواً واشتطاطاً في الاحساس القومي. تجيب كل أشكال القومية عن السؤال الخاص بمن ينتمي الى القومية ومن لا ينتمي لها، وماذا يعني الانتماء الى قومية. تبنت النظريات المبكرة للقومية وجهة نظر تقول بأن وجود قومية وحدودها هى نتاج طبيعي للاثنية والجغرافيا. على أية حال، بدأ منظرو القومية في أواخر القرن العشرين تحت تأثير ما بعد الحداثة بالمجادلة بأن مفهوم القوميات هو ظاهرة مركبة اجتماعياً. سمى بندكيت أندرسون على سبيل المثال مفهوم القومية بوصفه تعبيراً لجماعات متخيلة. ويناقش ارنست جيلنر المفهوم قائلاً : “ليست القومية يقظة القوميات بالوعي الذاتي: انها تخترع القوميات حيث لا وجود لها”. (يستخدم أندرسون وجيلنر مصطلحات مثل “متخيلة” و “يخترع” بطريقة محايدة ووصفية. استخدام المصطلحين في هذا المحتوى ليس الغرض منه إلصاق معنى خيالي أو وهمي بالقومية). بذلك فإنهما ينظران للشروط الضرورية للقومية بوصفها تشمل أشياء مثل الضغط الصحفي والرأسمالية. يقترح أنتوني سميث تركيباً لوجهات النظر ما بعد الحداثية والتقليدية. طبقاً لـ سميث، فإن الشروط المسبقة لتكوين القومية هى وطن محدد (حالي أو تاريخي)، ودرجة عالية من الاستقلال، ومحيط عدائي، وذكريات معارك، ومراكز مقدسة، ولغات ونصوص مكتوبة، وعادات خاصة، وسجلات تاريخية وأفكار. ويرى سميث بأن القوميات تتشكل عن طريق احتواء مجمل السكان (ليس النخب فقط)، وتشكيل مؤسسات قانونية وسياسية، وأيديولوجيا قومية، واعتراف دولي وتعليم حدود. لقد ولدت الدولة القومية في أوربا مع اتفاقية ويستفاليا في عام 1648. كان الناس قبل ذلك بفترة طويلة قد أظهروا عادة حمية كبيرة للمكان الذى يعيشون فيه، شعور مشابه للقومية لكنه لم يعتمد فقط على فكرة الأمة. كانت التقسيمات على قاعدة الدين والثقافة أكثر أهمية في أزمان ماضية وانصرف الناس الى اظهار الولاء الى الحاكم القائم على أمرهم أكثر من اظهار الولاء للأرض التى يعيشون فيها. سمى قدماء الإغريق كل من هو غير إغريقي بـ البرابرة لكن الدول المدن الإغريقية تحاربت عادة فيما بينها من أجل السيطرة. يمكن التفكير في القومية بوصفها اعترافاً بوجود قومية أخرى لكن قومية واحدة هى الأعلى منزلة في حين اعتُرف في السابق فقط بقومية واحدة وكان البرابرة مجرد أناس لم تتم السيطرة عليهم وتحويلهم الى جزء من القومية. الشئ نفسه ينطبق على مصر القديمة حيث ظل السودان الى الجنوب منهم يسمى بـ”كوش اللعينة” حتى تمت السيطرة عليه في عصر المملكة المصرية الحديثة وجرت عملية تمصيره فلم يعد بعدها “لعيناً” بل صار جزءاً من “القومية” المصرية. كانت القومية لا تزال ظاهرة نخبوية لقرنين بعد اتفاقية وستفاليا، لكنها انتشرت خلال القرن التاسع عشر في أوربا لتصبح شعبية. سادت القومية السياسة الأوربية بل حتى العالمية منذها. يمكن النظر الى السياسة الأوربية في جزء كبير من القرن التاسع عشر صراعاً بين الحركات القومية الجديدة والأنظمة الاستبدادية المطلقة القديمة. في حالات اتخذت القومية مظهراً ليبرالياً معادياً للملكية بينما لجأت القومية في حالات أخرى الى الاتكاء على الأنظمة الملكية. تدريجياً خلال القرن بدأت الدول متعددة القوميات مثل الإمبراطورية النمساوية – الهنغارية في فقدان قبضتها، وتم امتصاص دول محلية مختلفة في وحدات قومية أكبر، بخاصة ألمانيا وإيطاليا. بنهاية القرن التاسع عشر، بدأت الأفكار القومية في الانتشار في آسيا. بدأت القومية في الهند تشدد مطالبتها بانهاء الاستعمار البريطاني. وخلقت القومية في الصين مبرراً للدولة الصينية المخالفة لفكرة الإمبراطورية الشمولية. وفي اليابان اختلطت القومية بالاستثنائية اليابانية. علمت الحرب العالمية الأولى التدمير النهائي للعديد من الدول متعددة القوميات (الإمبراطورية العثمانية، والإمبراطورية النمساوية – الهنغارية، والى حد ما روسيا). عُلمت اتفاقية فرساليا بمحاولة للاعتراف بمبدأ القومية، حيث كانت أوربا في معظمها قد تقسمت الى دول قومية في محاولة لاقرار السلام. مع ذلك ظلت باقية العديد من الدول والإمبراطوريات متعددة القوميات. علم القرن العشرين هو الآخر الاصرار البطئ للقومية في العالم مع تدمير الإمبراطوريات الاستعمارية الأوربية، والاتحاد السوفياتي، وغيرها من الدول الأصغر متعددة القوميات. في الوقت نفسه، بخاصة في النصف الثاني من القرن المنصرم، برزت اتجاهات فسرها البعض بأنها معادية للقومية. فالاتحاد الأوربي يحول الآن السلطة من المستوى القومي الى أجسام محلية وقارية. كذلك يفترض العديدون من نقاد العولمة بأن الاتفاقات التجارية، مثل نافتا وجات، والعالمية المتزايدة للأسواق التجارية آخذة في اضعاف سيادة الدول القومية. مع ذلك، تستمر القومية في فرض نفسها استجابة لتلك التوجهات. المتظاهرون في الشوارع يعارضون بحزم الجوانب السلبية للعولمة، وتستمر الأحزاب القومية في احراز نتائج طيبة في الانتخابات، ويستمر معظم الناس يحسون بشعور ارتباط قوي بقوميتهم. فوق ذلك، ليس من الضروري أن تكون العولمة والفيدرالية الأوروبية نقيضين للقومية. على سبيل المثال، شدد العديد من منظري القومية الصينية في داخل جمهورية الصين الشعبية على فكرة أن سلطة الصين القومية قد تعززت بقوة أكثر من كونها اضعفت بفعل اشتراكها في التجارة العالمية والمؤسسات متعددة القوميات. بالنسبة للفيدرالية الأوربية، فإن بعض أقوى مؤيدي اتحاد أوربي أكثر صلابة هم من المجموعات المحلية القومية مثل الكاتلان والقوميين الايرلنديين الذين يعتقدون بأن مركزاً اتحادياً أوربياً أقوى سوف يخلق أوربا الأقاليم ويحد من سلطة الدول القومية الحالية. أنواع القومية : الفكر القومي يمكن للقومية أن تتجلى بوصفها جزءاً من أيديولوجيا الدولة الرسمية أو بوصفها حركة جماهيرية (غير حكومية) ويمكن أن تعبر عن نفسها عن طريق خطوط مدنية، أواثنية، أوثقافية، أودينية، أو أيديولوجية. مع ذلك مثل تلك العناصر ليست مقصورة تبادلياً وتدمج العديد من النظريات القومية بعض أو كل تلك العناصر بدرجات متفاوتة. القومية المدنية وهى شكل من القومية تستمد فيه الدولة شرعيتها السياسية من المشاركة الفاعلة لمواطنيها، “إرادة الشعب”، “التمثيل السياسي”. طور هذه النظرية بداية جاك روسو وطرحها في كتاباته المختلفة، بخاصة عمله العقد الاجتماعي. وتدخل القومية المدنية ضمن تقاليد المذهب العقلي والليبرالية. إنها النظرية التى تكمن في أساس الديمقراطيات التمثيلية مثل الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا. القومية الاثنية وهى شكل من القومية تستمد فيه الدولة شرعيتها السياسية من مجموعات (اثنيات) تاريخية ثقافية أو وراثية. طور هذه النظرية يوهان هيردر الذى استن مفهوم الشعب فولك Volk القومية الرومانطيقية (أو كما تسمى أحياناً القومية العضوية، قومية الهوية) وهى شكل من القومية الاثنية تستمد فيها الدولة شرعيتها كنتاج طبيعي (عضوي) من الجنس، بروح رومانطيقية في خلاف لعقلانية فكر التنوير. تعتمد القومية الرومانطيقية على وجود ثقافة تاريخية اثنية تلبي مثال رومانطيقي؛ تطور الفولكلور مفهوماً رومانطيقياً. حفزت كتابات هيردير الأخوين جريم لخلق مجموعة روايات مثالية أطلقا عليها وصف اثنية ألمانية (جوسيبي مازيني في إيطاليا، وجولي ميشلى في فرنسا، وفيختى في ألمانيا، ورومان دموفسكي في بولندا). القومية الثقافية وهى شكل من القومية تكون فيه الثقافة وليس أي سمات وراثية (مثل لون البشرة) العنصر المركزي فيما يؤل القومية. المثال اوضح للقوميين الثقافيين هم الصينيون الذين يعدون قوميتهم قائمة على أساس الثقافة. عنصر الجنس تم التقليل من دوره من قبل أولئك القوميين حيث عدوا المانشوس وغيرهم من الأقليات القومية جزءاً من القومية الصينية. رغبة أسرة كنج في تبني العادات الصينية يشير الى سيادة الخط العام للثقافة الصينية. العديد من الصينيين في تايوان يعدون أنفسهم قوميين صينيين انطلاقاً من خلفيتهم الثقافية لكنهم يرفضون حكومة جمهورية الصين الشعبية الشيوعية. قومية الدولة وهى شكل آخر للقومية المدنية، كثيراً ما تندمج مع القومية الاثنية. الأحاسيس القومية تكون من القوة والصلابة بحيث أنها تجد عادة الأولوية على الحقوق والحريات الشاملة. يتباين نجاح الدولة عادة ويتعارض مع مبادئ مجتمع ديمقراطي. الابقاء على الدولة القومية حجة أعلى كما لو أنها تتمخض عن حكومة أفضل. أمثلة نموذجية تتجسد في النازية، وأيضاً في القومية التركية المعاصرة، وبدرجة أقل في الفرانكوية في أسبانيا، وفي موقف اليعاقبة من الدولة الفرنسية الوحدوية والمركزية، وكذلك في القومية البلجيكية التى تعارض بشدة منح حقوق متساوية والمزيد من الاستقلالية للقوميين الفلمنج والباسك والكورسيكيين. بصورة منتظمة، حيثما كانت قومية الدولة قوية، تكون هناك تراجعات متضاربة لكل من وفاء الناس، وفي الأقاليم، مثل القومية التركية وقمعها الشرس للقومية الكردية، المعارضة بين الحكومة المركزية القوية في أسبانيا وفرنسا للقوميات الباسكية والكاتلانية والكورسيكية. القومية الدينية هى الشكل من القومية الذى تستمد فيه الدولة شرعيتها السياسية كنتيجة لدين مشترك. تقدم الصهيونية نموذجاً لهذا الشكل من القومية، مع أن العديد من أشكال القومية الاثنية، إن لم يكن معظمها، هى الى حد ما قومية دينية أيضاً. القومية الايرلندية مرتبطة بالكاثوليكية؛ القومية الهندية مرتبطة بالهندوسية. ففي الهند الحديثة، برز شكل معاصر للقومية الهندوية، أو كما تسمى هندوتفا، بشكل متسع وسط أتباع حزب الببهاراتيا جاناتا و الراشتريا سواياميسفاك سانج. عموماً، ينظر للقومية الدينية كشكل من أشكال القومية الاثنية. في حالات يكون الدين معلماً لمجموعة أكثر منه دافعاً لاحساسها القومي. على سبيل المثال فإن معظم القادة القوميين الايرلنديين في المائة سنة الماضية كانوا كاثوليكيين، وفي القرن التاسع عشر وبخاصة في القرن الثامن عشر كان العديد من أولئك بروتستانتيين. لا يقاتل القوميون الايرلنديون من أجل خلافات لاهوتية مثل التحويل، ووضع مريم العذراء، أو أسبقية البابا. إنهم يقاتلون من أجل أيديولوجيا تقدم تعريفاً جغرافياً لجزيرة أيرلندا وفق وجهة نظر محددة لثقافة ايرلندية، والتى تشتمل في اعتقاد بعض القوميين الايرلنديين على الكاثوليكية لكنه العنصر السائد من بين عناصر أخرى للثقافة. بالنسبة للكثير من القوميات التى عليها أن تناضل ضد نتائج استعمار قومية أخرى، فإن القومية ارتبطت بالسعي لتحقيق الحرية المثلى. الإسلام : يشير القرآن الكريم في سورة الحجرات :﴿ يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا..﴾ كما أشار القرآن الكريم الى عملية الاختلافات الفيزيقية والثقافية والاجتماعية بين تلك المجموعات العرقية/القوميات، أي الاختلافات في لون البشرة والألسن والتفاوت الاجتماعي والاقتصادي. و يعارض الدين الإسلامي اسمياً أية فكرة للقومية، والقبلية، والعنصرية، أو أي تصنيف آخر للبشر لا يقوم على أساس معتقد الفرد. قد أوصى عز وجل الإنسان بالتعاون والتآخي والتضامن، كما أمرنا بتحاشي محاولة جماعة أن تكون خير من جماعة أخرى. هكذا يعزز الإسلام فكرة الاخوة الإسلامية ويدعو للقضاء على كافة أنواع النعرات والعصبيات والى الانصهار في بوتقة الاخوة الإسلامية من حيث لا فرق في هذه البوتقة بين مسلم ومسلم مهما كانت انتماءاته القرابية وجذوره السلالية والثقافية إلا بالتقوى والتقرب الى الله. بدلاً عن القومية، يدافع الإسلام عن ضرورة وجود احساس جمعي بين كافة المسلمين، وهو ما يعرف بـ “أمة الإسلام”. هذا الشعور بالوعي الجمعي يتم التشديد عليه عن طريق وعي المسلم بأن صلواته اليومية هو أمر مشترك مع بقية المسلمين في كل العالم، وبالصيام في شهر رمضان عندما يلتزم كافة مسلمي العالم بطقوس الشهر المبارك الذى يختتم بأداء مناسك الحج حيث يلتقي المسلمون رجالاً ونساءً من مختلف الثقافات، والأجناس من كل أنحاء العالم. كلمة “أمة الإسلام” عادة ما أساء الأوربيون فهمها حيث تترجم في الإنجليزية، على سبيل المثال، بـ “قومية” بدلاً عن “أمة الإسلام” والتى تعني شيئاً في تعاليم الإسلام. على كل، ارتبط مفهوم “أمة الإسلام” بشدة في العادة بتاريخ دولة الخلافة الإسلامية. لدى بعض المفكرين المسلمين المعاصرين، فإن جماعة المسلمين لا بدَّ أن تتحد لتكون نموذجاً حديثاً للدولة الإسلامية، بالتالي يمكن عد هذه الرؤية متفردة وتجسد شكلاً للقومية القائم على قاعدة الدين. دراسة حالة: الأزمة السودانية وأبعادها انطلاقاً من هذه الرؤية لمفاهيم القومية/الأمة/الأقليات كما يوردها مؤلف الكتاب الأخضر سأقوم، في ورقة منفصلة، بتحليل الجذور التى تضرب بعمق في قاع الأزمة السودانية التى أدت الى استمرار التحارب بين أبنائه منذ عشية الاستقلال والذى تم وقفه مؤخراً عن طريق اتفاق سياسي في نايفاشا وصياغة دستور مؤقت يستمر لمدة ستة أعوام يعقبها استفتاء على مصير السودان الموحد. فالحرب توقفت جزئياً (في الشطر الجنوبي) لكنها لازالت مستعرة في الغرب البعيد بدارفور، وتأخذ في التراكم مسبباتها في الشرق. فما هى علاقة هذه الأزمة المستمرة بمفاهيم القومية والأمة والأقليات؟ يقول مؤلف الكتاب الأخضر : “ثم ان الحركات التاريخية هى الحركات الجماهيرية، أي، الجماعية … أي، حركة الجماعة. فالحركات الجماعية دائماً هى حركات استقلالية … حركات لتحقيق الذات للجماعة المغلوبة أو المظلومة … من طرف جماعة أخرى….” (المرجع نفسه ص. 116-117). ويستمر ليؤكد على أن “حركات التحرر القومي في العصر الحاضر هى نفسها الحركات الاجتماعية، وهى لن تنتهي حتى تتحرر كل جماعة من سيطرة أي جماعة أخرى. أي أن العالم يمر باحدى دورات حركة التاريخ العادية وهى الصراع القومي انتصاراً للقومية.” (المرجع نفسه، ص. 117-118). ويتوصل المؤلف الى استنتاج مفاده.. “هذه هى الحقيقة التاريخية في عالم الإنسان وهى الحقيقة الاجتماعية، أي أن الصراع القومي … الصراع الاجتماعي هو أساس حركة التاريخ لأنه أقوى من كل العوامل الأخرى، ذلك لأنه هو الأصل، هو الأساس … أي أنه هو طبيعة الجماعة البشرية، طبيعة القوم، بل هو طبيعةالحياة نفسها.” (المرجع نفسه، ص. 118) ويقول بأن “تجاهل الرابطة القومية للجماعات البشرية، وبناء نظام سياسي متعارض مع الوضع الاجتماعي هو بناء مؤقت سيتهدم بحركة العامل الاجتماعي لتلك الجماعات، أي الحركة القومية لكل أمة.” (المرجع نفسه، ص. 147). أشرت الى أن مفهوم القومية الاثنية يمثل شكلاً من القومية تستمد فيه الدولة شرعيتها السياسية من مجموعات (اثنيات) تاريخية ثقافية أو وراثية. كذلك أشرت الى أن هناك مفهوم قومية الدولة الذى هو شكل آخر للقومية المدنية، كثيراً ما تندمج مع القومية الاثنية. الأحاسيس القومية تكون من القوة والصلابة بحيث أنها تجد عادة الأولوية على الحقوق والحريات الشاملة. يتباين نجاح الدولة عادة ويتعارض مع مبادئ مجتمع ديمقراطي. الابقاء على الدولة القومية حجة أعلى كما لو أنها تتمخض عن حكومة أفضل. تجسد هذان النموذجان في واقع السياسة السودانية بقوة بخاصة في عهد الحكم العسكري الأول (عهد ابراهيم عبود)، وجاء حكم الإنقاذ العسكري ليضيف بعداً ثالثاً بغرس مفهوم القومية الدينية حيث أعلنت مشروعها الحضاري الذى تستمد فيه حكومتها شرعيتها السياسية من الدين الإسلامي بوصفه معتقد أغلبية أهل السودان، في مواجهة الأقليات القومية الأخرى. هكذا وصلت الأزمة السودانية الى ذروتها بفعل مشروع اتخذ من الإسلام شعاراً مع ابتعاد وانفصال تام عن المفاهيم الإسلامية. أدارت الإنقاذ حربها الجهادية ضد غير المسلمين والمسلمين على حد سواء، حرباً كلفتنا ملايين القتلى وآلاف مؤلفة من الضحايا الين أصبحوا مشردين في وطنهم. من ثم لن يكفي الاتفاق السياسي الفوقي المبرم بين حكومة الانقاذ وفصائل المقاتلين “القوميين” للابقاء على سودان موحد أرضاً وشعباً. إن تحقيق الاستقرار والابقاء على وحدة السودان يشترط بالضرورة تشييد ثقافة للسلام تقوم دعامتها على نشر مفهوم القومية الثقافية التى يدعو لها مؤلف الكتاب الأخضر. هذا ما سأقوم بالتعرض له بالتفصيل في دراسة الحالة.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий