Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > “القيم إلى أين؟”: محاورات القرن الواحد والعشرين

“القيم إلى أين؟”: محاورات القرن الواحد والعشرين

الاحد 1 تموز (يوليو) 2007

بقلم: هاشم صالح

ساهم في تأليف هذا الكتاب، الصادر عن اليونسكو، عشرات الباحثين والفلاسفة الفرنسيين والعالميين من أمثال جاك دريدا، ميشيل سير، بول ريكور، جان بودريار، محمد أركون، جاك ديلور، جياني فاتيمو، بول كندي، جوليا كريستيفا، إدغار موران، داريوش شايغان، إلخ.

أما المشرف العام على الكتاب، جيروم بندي، فهو نائب المدير العام لليونسكو فيما يخص العلوم الاجتماعية والإنسانية. كما أنه مدير قسم استشراف المستقبل والفلسفة والعلوم الإنسانية في اليونسكو ذاتها. وهو الذي يشرف على نشاطات “حوارات القرن الواحد والعشرين” ثم اللقاءات الفلسفية التي تجري في اليونسكو. وهو المؤلف الأساسي للتقرير الصادر عن اليونسكو تحت عنوان: “عالم جديد”. كما أنه أشرف على تأليف كتاب مهم بعنوان: “مفاتيح للقرن الواحد والعشرين”.

يقول المدير العام لليونسكو كواشيرو ماتسورا في المقدمة العامة للكتاب الذي بين أيدينا الآن: هناك فكرة شائعة تقول بأننا نعيش أزمة في القيم. والبعض يلقي بالمسؤولية على العولمة. فهي مهتمة فقط بتحقيق التقدم التقني والمردودية الاقتصادية. وبالتالي فهي عبارة عن فلسفة مادية بدون روح ولا إحساس إنساني. ولا تهتم بمسألة القيم الأخلاقية على الإطلاق. فالمعيار الوحيد بالنسبة لها هو التالي: هل هذا العمل يؤدي إلى الربح وزيادة الإنتاج أم لا؟ هل يؤمّن لنا متعة استهلاكية أم لا؟ هذا هو السؤال الوحيد الذي نطرحه. ثم يضيف الباحث قائلا: كيف وصلنا إلى هنا؟

منذ فجر الحداثة في عصر النهضة أولا ثم التنوير لاحقا ظهر نوعان من الفكر الأخلاقي اللذان مهدا الطريق للعولمة. الأول يؤكد على كونية القيم، والثاني على تعددية الممارسات الأخلاقية بحسب الشعوب والأقوام والثقافات المختلفة.

والآن بعد أن وصلنا إلى العولمة الشاملة لم يعد لدينا فكر أخلاقي واضح لكي ينير لنا الطريق. فهل يعني ذلك أننا مقبلون على عالم بدون قيم أخلاقية؟ لا أعتقد ذلك.

فهناك دائما قيم وقواعد أخلاقية. والعالم لا يمكن أن يستمر أو يتماسك بدون قيم. بل ولم يوجد في التاريخ عدد كبير من القيم كما هو حاصل الآن.

فأحد الآثار الناتجة عن العولمة هو تعددية الثقافات والقيم التي كنا نجهلها سابقا والتي نكتشفها الآن مع استهلال عصر العولمة الذي عرّفنا على بعضنا البعض. وبالتالي فربما كان يوجد الآن عدد زائد على اللزوم من القيم، لا نقص أو انعدام في القيم. ولهذا السبب فقد أصبحنا ضائعين ولا نعرف إلى أين نتجه في زحمة القيم هذه.

بالطبع فإن جميع الثقافات تتساوى من حيث المكانة والكرامة. ففي كل ثقافة بشرية تتجلى كلية الحياة الإنسانية. وينطبق ذلك على الثقافة الهندية كما العربية كما الفرنسية كما الصينية كما الإفريقية كما الأميركية اللاتينية، إلخ.

وبالتالي فينبغي احترام جميع الثقافات البشرية. ولكن ليست كل القيم متساوية من حيث القيمة. فالعنصرية قيمة يؤمن بها اليمين المتطرف عادة في جميع الأمم. ولكنها قيمة سلبية لا إيجابية. وقل الأمر ذاته عن الطائفية التي تؤمن بها الحركات الأصولية المتزمتة في جميع الأديان. فهي قيمة مكروهة وخطرة وتؤدي إلى صدام الحضارات والحروب الأهلية. هكذا نلاحظ أنه توجد قيم إيجابية وقيم سلبية. وبالتالي فينبغي على جميع الثقافات البشرية أن تتحاور فيما بينها داخل إطار اليونسكو لكي تتوصل إلى قيم أخلاقية مشتركة تلزم الجميع. وعلى هذا النحو نظّمنا حوارات القرن الواحد والعشرين من أجل تحقيق هذا الهدف.

أما المشرف العام على الكتاب جيروم بندي فيقول ما معناه: الكثيرون يتحدثون الآن في الغرب عنشيوع العدمية في الغرب أو فقدان المعنى أو اختفاء القيم أو صدمة الحضارات أو التناقض الكامل بين قيم الثقافة الإسلامية وقيم الثقافة الغربية مثلا، إلخ.

في الواقع أن مسألة العدمية كانت في مركز تساؤلات الفلسفة في القرن العشرين. ونيتشه تنبأ بها منذ أواخر القرن التاسع عشر عندما قال بأننا سوف نشهد انحطاط القيم العليا أو سقوطها وفقدانها لقيمتها.

فنيتشه هو الذي أعلن لأول مرة تلك العبارة الشهيرة والمرعبة: يا قوم، لقد ماتت القيم. لقد مات الدين المسيحي في أوروبا ومات الإله! وبعده بقرن كامل تقريبا أعلن ميشيل فوكو في كتابه الشهير “الكلمات والأشياء” موت الإنسان أيضا وليس فقط الله. وكان يقصد بذلك أن الصورة المثالية التي شكّلناها عن الإنسان سقطت بسقوط الإنسان نفسه وممارساته البشعة من خلال الاستعمار، والنازية، والفاشية، والستالينية. وبالتالي فلا ينبغي ان نغتر بالانسان كثيرا-

ثم جاء فلاسفة آخرون من بينهم الألماني هايدغر والإيطالي جياني فاتيمو وسواهما. وقدموا تعريفين للعدمية: الأول يقول بأنها تعني تحويل كل شيء إلى سلعة أو بضاعة تباع وتشترى. فلم تعد هناك قيمة إلا قيمة الربح والكسب والتبادل التجاري. والثاني يقول بأنها تعني انهيار قيم الدين والتقديس التي هيمنت على أوروبا طيلة قرون وقرون.

ثم يردف الباحث قائلا: وبالتالي فالغرب شهد مرحلتين أساسيتين من القيم: مرحلة القيم الدينية المسيحية التي سيطرت عليه طيلة ثمانية عشر قرنا، أي حتى عصر التنوير والقرن الثامن عشر. وهي المرحلة التي تنبأ نيتشه بانهيارها عندما رأى أن المسيحية أخذت تنحسر وتتراجع بفعل عوامل التصنيع وصعود القيم الوضعية الدنيوية التي تضع ثقتها في التقدم العلمي والتكنولوجي لا في الدين.

ثم مرحلة القيم العلمانية التي انتصرت بعد عصر التنوير والقرن السادس عشر وسادت كل مجتمعات أوروبا الغربية. وهي قيم فلسفية تؤمن بمقدرة العالم الحديث على تحقيق التقدم المطرد للإنسان وحل كل المشاكل والقضايا. وبالتالي فلم يعد بحاجة إلى الدين.

ولكنها انتهت أخيرا إلى توليد الحركات الفاشية والنازية والاستعمارية. وهي بدورها فقدت مصداقيتها كما برهن على ذلك ميشيل فوكو. وبالتالي فالقيم المسيحية فقدت مصداقيتها بسبب الأصولية ومحاكم التفتيش والتعصب، والقيم العلمانية فقدت مصداقيتها بسبب انحراف مشروع التنوير عن مقاصده الأولية وانتهائه بحربين عالميتين ومجازر مرعبة في المستعمرات وسواها.

فماذا بقي في الساحة إذن إذا كانت القيم الدينية قد انهارت والقيم العلمانية قد انهارت بعدها؟ لا شيء، العدمية، والضياع، وانحلال كل القيم… إلى هذا الوضع وصل الغرب حاليا. ولهذا السبب شعرت منظمة اليونسكو بضرورة التحرك من أجل بلورة قيم جديدة لأن البشرية لا يمكن أن تعيش بدون قيم ولأنه آن الأوان لكي نخرج من مرحلة العدمية.

في عصر التنوير كان فولتير يعتقد اعتقادا جازما بأنه لا توجد إلا أخلاق واحدة مثلما لا يوجد إلا علم هندسة واحد. ولكن هذا اليقين تزعزع في القرن العشرين بعد كل ما حصل من مجازر ارتكبها الإنسان الحضاري بحق نفسه (الحربين العالميتين)، أو بحق الآخرين (الحروب الاستعمارية). عندما كان الدين مهيمنا كانت توجد قيم ثابتة لا تتغير، قيم معلّقة في السماء، قيم صادرة عن الوحي الإلهي. ولكن بعد انهيار الإيمان بالدين والوحي في أوروبا ما عدنا قادرين على ترسيخ القيم في السماء الثابتة. وهكذا أصبحنا ضائعين. ثم جاء اليقين التالي بعد الدين، أي العلم الفيزيائي والتكنولوجي. واعتقدنا لفترة من الزمن بأنه ثابت وراسخ. ولكننا أصبنا بعدئذ بخيبة جديدة. فما العمل إذن؟

هل سندخل في عصر صدام الحضارات والقيم، أم تمازجها وتفاعلها فيما بينها من خلال التقاء الثقافات وتقاطعها مع بعضها البعض في عصر العولمة الكونية؟ هذا هو السؤال. يقول عالم الانتروبولوجيا الهندي أرجون ابادوري الأستاذ في جامعة نيويورك حاليا: بعد ضربة 11 سبتمبر اعتقد الكثيرون بأن نبوءة صموئيل هنتنغتون تحققت بخصوص صدام الحضارات. ألم يقل بأن الصدام الأساسي سيكون بين الحضارة الإسلامية والحضارة الغربية؟ ولكننا نعتقد أن هذا الرأي خاطئ لسبب بسيط: هو أن العالم الإسلامي ليس واحدا ولا موحدا. فـ”القاعدة” معادية لبعض الأنظمة العربية مثلما هي معادية لأميركا وربما أكثر. والقرآن الكريم لا يحتوي على أي تبرير للعنف المعمم ضد المدنيين. هذا فهم خاطئ له وقراءة مغلوطة. ويكفي أن نفتحه ونقرأه بتمعّن لكي نتأكد من ذلك. ولكن ينبغي الاعتراف بأن تدمير تماثيل بوذا الرائعة في “باميان” على يد طالبان، وتدمير برجي التجارة العالمية في نيويورك يعتبران مجزرة للقيم.

أما البروفيسور بول كندي فهو أحد كبار علماء الاستراتيجيا في الولايات المتحدة. كما أنه مختص بالعلاقات الدولية والتنبؤ بحركة التاريخ ومستقبل العالم. ومن أهم كتبه: “ولادة القوى العظمى وأفولها” (1991)، ثم “كيف نحضّر أنفسنا للقرن الواحد والعشرين؟” (1994).

وقد كتب بحثا مهمّا تحت عنوان “توعّك في العولمة”، وهو على غرار كتاب فرويد “توعك في الحضارة”. وهو يقول بما معناه: لن أعود هنا إلى أصول العولمة ونشأتها وأسبابها. فمن المعلوم أن العلوم والتكنولوجيا والتقدم المادي غيرت أنماط إنتاجنا، وتبادلاتنا، واستهلاكاتنا. ثم جاءت الآن الثورة المعلوماتية لكي تغيّر حياتنا أكثر. فنحن أصبحنا نشتري ثيابنا وكتبنا عن طريق الحاسب الإلكتروني! وهذا الشيء كان مستحيلا إلى ما قبل سنوات معدودات: أي عشر سنوات على أكثر تقدير. والرساميل الضخمة أصبحت تنتقل بشكل الكتروني على الأسواق المصرفية بسرعة هائلة كل يوم…

ثم يواصل البروفيسور كندي حديثه عن العولمة وكيف غيّرت حياتنا قائلا: مئات الملايين من البشر يساهمون الآن في صناعة السلع والمواد الاستهلاكية كالنسيج والألبسة والأحذية والأجهزة المنزلية والإلكترونية في البرازيل والمكسيك وأندونيسيا والصين بدلا من زراعة الرز في الحقول أو استغلال الغابات كما كان يفعل أباؤهم وأجدادهم. وفي الجامعات أصبح طلابنا يرسلون إلينا نتائج بحوثهم في شتى جامعات العالم ومختبراته: من كييف، وبيكين في الصين، ونيودلهي، أو مدريد… عن طريق الإنترنت، والبريد الإكلتروني بسرعة البرق.

ويمكن لأطفالنا أن يتلفنوا لنا من أي بقعة في العالم وفي أي لحظة من خلال الهاتف النقال…كل شيء تغيّر في حياتنا عن طريق العولمة أو هو في طوره إلى التغير والتحول. وبالتالي فكل شيء يثبت أننا أصبحنا سوقا عالمية واحدة ولم تعد هناك من حواجز أو حدود بين الدول، أو الشعوب، أو القوميات. نحن فعلا نعيش في عالم واحد. نحن نعيش في عصر العولمة.

ثم يردف البروفيسور بول كندي قائلا: قادة العولمة من أرباب شركات ومستشارين مصرفيين وأغنياء كبار يقدمون لنا صورة زاهية ومتفائلة جدا عن مصير العالم في ظل هذه العولمة. ولكن الخطابات الطنانة شيء والواقع شيء آخر. فإذا ما نظرنا إلى حالة الكوكب الأرضي بملياراته الستة من البشر فماذا نجد؟

إذا ما فكرنا بالكوسوفو، وبلاد الشيشان، ورواندا، وكشمير، وأماكن أخرى وجدنا أن الصراعات الدموية تنهك البشر وأن عصر العولمة لم يقدم شيئا يذكر لهؤلاء الناس. بل ووصل الأمر بالصحافي الأميركي “روبيرت كابلان” إلى حد القول بأن البشرية سائرة بشكل مباشر نحو الكارثة والتدمير الذاتي أو الانتحار الذاتي. ولكني لا أشاطره كل هذا التشاؤم كما أنني لا أشاطر قادة العولمة والمستفيدين منها كل هذا التفاؤل. فما حقيقة أوضاع العالم إذن؟ في الواقع أن ثورة الاتصالات والمعلوماتية لا تصيب إلا جزءً صغيرا من البشرية: أقصد الجزء الغني صاحب الامتيازات والإمكانيات. وهكذا تترك على الهامش عدة مليارات من البشر. هذه هي حقيقة الوضع أيها السادة.

منظمة اليونسكو تعتبر أن الإنترنت يمكن أن يكون أفضل وسيلة لانتشار التربية والتعليم والثقافة وتطويرها في شتى أنحاء العالم. ولكن عندما ننظر إلى حالة العالم من هذه الزاوية، ماذا نجد؟ نجد أن أكثر من نصف الأميركان متاح لهم استخدام الإنترنت، هذا في حين أن عشر سكان العالم الآخرين يستطيعون استخدامه.

فملايين الأفارقة والآسيويين والعرب المسلمين والأميركيين اللاتينيين لم يروا الإنترنت في حياتهم ولا يستطيعون شراءه ولا يعرفون كيفية استخدامه. وحدهم الأوروبيون والأميركان واليابانيون وبعض الآخرين يتمتعون بذلك.

ثم يردف البروفيسور بول كندي قائلا: وأنا شخصيا أستخدم الإنترنت كل يوم، وأنا أرسل وأتلقى ما يعادل الأربعين رسالة عن طريقه يوميا. وأبحث عن المعطيات والمعلومات التي تهمّ بحوثي على مواقع البنك الدولي أو الأمم المتحدة. وأنا أقرأ جريدة النيويورك تايمز على جهاز الإنترنت الذي أمتلكه ولم أعد أشتريها كما كنت أفعل سابقا. وأستطيع أن أستشير عناوين المؤلفات أو الكتب الموجودة في المكتبة الجامعية لمدينة “ييل”، وهي تبلغ التسعة ملايين كتاب! كل هذا أقلّبه أمام عيني من خلال جهاز الإنترنت. كل شيء أصبح في متناول يدي دون أن أتحرك من بيتي أو مكتبي.

والانترنت يتيح لأطفالي وطلابي ولي أنا أيضا كل إمكانيات التوصل إلى المعرفة والعلم. ونحن نتحدث عن التربية من أجل الجميع، وعن حق كل الناس في المعرفة. ولكن الكلام شيء والفعل شيء آخر. وربما كانت ثورة المعلوماتية قد أدت إلى زيادة التفاوت بين الأغنياء والفقراء بدلا من تقليصه. فالإنترنت زاد من اتساع الهوة بين البلدان التي تمتلك تكنولوجيا المعلوماتية والبلدان الفقيرة التي لا تستطيع أن تمتلكها. وحتى في الولايات المتحدة نفسها ازدادت الشقة اتساعا بين البيض والآسيويين من جهة والسود من جهة أخرى. فالأولون أكثر تثقيفا وتعليما واستخداما للانترنيت من الثانين.

وأميركا سوف تكون مشكّلة قريبا من طبقتين اجتماعيتين متمايزتين تماما: طبقة أولئك الذين يمتلكون الإنترنت ويعرفون استخدامه، وطبقة أولئك الذين لا يمتلكونه ولا يعرفون استخدامه. وهذه الظاهرة نجدها في مناطق أخرى من العالم. هل نعلم مثلا أنه فيما يخص منطقة الشرق الأوسط فقط شخص واحد على أربعين يستطيع أن يستخدم الإنترنت. بالطبع هذا الكلام لا ينطبق على إسرائيل لأنها أكثر تطورا من الناحية العلمية والتكنولوجية.

وأما في إفريقيا السوداء فالنسبة أكبر بكثير. فقط واحد على مائة يمتلك الإنترنت! فهذه البلدان فقيرة وتنقصها التجهيزات التحتية الأساسية كالكهرباء، والأسلاك، وأجهزة الهاتف، وبقية الأشياء الضرورية لاستخدام الإنترنت، وتنقصها بالطبع أجهزة الكمبيوتر ذاتها ولا تستطيع أن تشتريها.

وإذا كانت القدرة تعتمد على المعرفة فهذا يعني أن البلدان النامية (أو الفقيرة) أصبحت أقل قدرة وسلطة مما كانت عليه قبل ثلاثين سنة. هكذا نلاحظ أن العولمة تؤدي إلى تعميق الهوة والشقة بين البلدان المتطورة والبلدان المتخلفة.

أما الشبكة الواسعة للتواصلات الالكترونية، أقصد شبكة الإنترنت، فتحمل كل أنواع المعرفة في طياتها، وذلك منذ عشرين سنة. ولكن في عالمنا الحالي فقط 10% يستفيدون منها أو يتوصلون إليها و 90% محرومون منها. فهل هذه هي العولمة العادلة؟ أم أنها ظالمة بشكل لا يحتمل. ما معنى عولمة لا يستفيد منها إلا 10% من سكان العالم؟! وهل يمكن لأحوال العالم أن تستقر إذا كان مختل التوازن إلى مثل هذا الحد؟

وأما الفيلسوف الفرنسي الكبير بول ريكور فكتب فصلا بعنوان: مشروع كوني وتعددية في المواريث الثقافية. وفيه يقول بما معناه: عندما يطرحون عليّ هذا السؤال: إلى أين تذهب القيم أو في أي اتجاه تسير، فإني أجيب: ليس من مهمة المثقفين أن يستبقوا التطورات اللاحقة وإنما أن يمارسوا دورهم كمربّين عموميين يتمايزون عن السياسيين وعن الخبراء الاقتصاديين والمستشارين.

وأنا أعتقد أنه يوجد مشروع كوني للقيم ولكنه يمر من خلال تقاطع وتفاعل كل الثقافات أو التراثات الثقافية للبشرية. إنه حصيلة التقاطع بين التراث الأوروبي، والتراث الصيني، أو الهندي، أو العربي الإسلامي، أو الأميركي اللاتيني، أو الإفريقي الأسود، إلخ. وبالتالي فالكونية لا ينبغي أن تُفرض من خلال تراث واحد، وإنما كحصيلة أو كزبدة أو كخلاصة لكل التراثات.

أما عالم الاجتماع الفرنسي الشهير، إدغار موران فقد كتب فصلا بعنوان “أخلاقية العالم المعقد ومشكلة القيم في القرن الواحد والعشرين”، وفيها يقول بما معناه: مشكلة القيم في القرن الواحد والعشرين ناتجة عن التعقيد الأخلاقي. فحتى الآن كانت أسس القيم والأخلاق واضحة كل الوضوح. كان الناس في أوروبا يعتقدون بأن الله هو الذي أعطى الشرائع والقوانين للبشر كي يعملوا الخير ويتحاشوا الشر.

ثم تغيرت الأمور في الوسط العلماني الذي يتمتع فيه الفرد باستقلالية كاملة بالقياس إلى الدين. ولم تعد القيم تأتي من جهة السماء أو الدين أو الدولة أو المجتمع وإنما من الفرد نفسه. فهناك واعز أخلاقي مستبطن داخله طبقا للواجب الإلزامي الذي تحدث عنه الفيلسوف الألماني كانط.

ثم تعقدت الأمور أكثر في عصرنا الحاضر بسبب تعقد المجتمع والحضارة. ففي الماضي ما كانت تطرح مسألة العلاقة بين العلم والأخلاق. وذلك لأن العلم الغربي تأسس على قاعدة الحرية المطلقة. بمعنى أن فعل المعرفة كان مستقلا عن كل التدخلات السياسية، أو الدينية، أو الأخلاقية.

كان ينبغي أن نعرف ظواهر الطبيعة والكون بأي شكل وبأي سبب. ففعل المعرفة إيجابي بطبيعته وينبغي أن يكون حرا بشكل كامل. ولكننا الآن اكتشفنا، ويا للدهشة، أن بعض البحوث العلمية خطرة على حياة الإنسان أو ذات انعكاسات خطرة. وعرفنا لأول مرة أن العلم ليس كله خير بالضرورة. نضرب على ذلك مثلا محاولة صنع الجنين البشري في أنبوب اختبار، أو الاستنساخ البشري، أو التجريب على الإنسان كما يحصل التجريب على الحيوان والنبات. هنا طرحت مسألة الأخلاق نفسها، ولم يعد العلم معصوما عن الخطأ. فهناك بعض تطبيقاته التي تكون سيئة وضارة وبالتالي فينبغي منعها. هذا الشيء ما كان معروفا في عصر ديكارت أو كانط لأن العلم كان في أوله ولأن البشرية كانت بحاجة ماسة إلى التقدم العلمي والسيطرة على ظواهر الطبيعة. أما الآن وبعد أن شبعنا من العلم والتقدم والتكنولوجيا فقد أصبحنا مضطرين لطرح أسئلة ما كنا نطرحها سابقا. وبالتالي فمسألة بلورة أخلاق جديدة للجنس البشري في عصر العالم والتعقيد والصناعة أصبحت أساسية.

أما البروفيسور محمد أركون الأستاذ السابق في السوربون والأستاذ الزائر في معهد الدراسات المتقدمة بجامعة برنستون بالولايات المتحدة فيقول ما يلي: لقد عرّى نيتشه في كتابه “شجرة عائلة الأخلاق” أو علم أصول ونشأة الأخلاق، كل المبادئ الأخلاقية للمسيحية والفكر الإغريقي. وعلينا الآن أن نطبق منهجيته على تراثات أخرى كالتراث الإسلامي مثلا.

فالإسلام الذي ترفع لواءه الحركات الأصولية منذ السبعينات، بل وحتى منذ الثلاثينات مع نشأة حركة الإخوان المسلمين، هو عبارة عن إيديولوجيا سياسية بالدرجة الأولى. وهذه الإيديولوجيا ساهمت في تشكيلها ثلاثة عوامل ضخمة: أولها ضغط الحداثة الغربية في زمن الاستعمار. فهو الذي أثارها كرد فعل. ثم سياسة التراجع الثقافي والاجتماعي التي اتبعتها الأنظمة العربية والإسلامية بعد الاستقلال، ثم التزايد السكاني الهائل في البلدان العربية والإسلامية. فقد تضاعف عدد السكان أو تزايد ثلاث مرات خلال ثلاثين سنة فقط.

ومن يستطيع أن يلبي حاجيات كل هذه الأعداد الهائلة من الشبيبة؟ فالبطالة قدرها ومصيرها وانسداد الآفاق هو الخيار الوحيد أمامها. عندئذ لم تجد بدا من الانخراط في الحركات الأصولية التي تفتح لها بارقة أمل على الرغم من كل شيء وتتحدث لها بلغة تعرفها، لغة التراث والآباء والأجداد… هذه هي العوامل التي أدت إلى ازدهار حركات الإسلام السياسي وسيطرتها على الشارع العربي الإسلامي.

ثم يضيف محمد أركون قائلا: في الواقع أن الفكر الإسلامي شهد فترة خصبة جدا من الانفتاح على الثقافات الأخرى ولم يكن منغلقا دائما كما هو عليه الحال اليوم. وكان ذلك في العصر العباسي الزاهر ثم في العصر البويهي والعصر الأندلسي: أي في الفترة الواقعة بين القرنين الثامن والثاني عشر للميلاد.

وعندئذ عرف العرب والمسلمون كيف يشكلون تيارا عقلانيا وإنسانيا عريضا يجمع بين تعاليم القرآن من جهة وتعاليم أرسطو وأفلاطون من جهة أخرى. عندئذ تشكلت النزعة الإنسانية والحضارية العربية التي تجسدت في شخصيات كبرى من أمثال: الجاحظ، أبي حيان التوحيدي، مسكويه، ابن سينا، ابن رشد، ابن باجه، المعري، المتنبي، الخ.

ولكن هذا العصر الذهبي من عمر الحضارة العربية الإسلامية مضى وانقضى، بل ونسيه المسلمون كليا بعد دخولهم في عصر الانحطاط بدءًا من القرن الثالث عشر، أي بعد موت ابن رشد مباشرة عام 1198 م. فقد حُذِف الفكر الفلسفي –أي العقلاني والمنطقي- من الساحة الإسلامية ولم يبق إلا الفكر الفقهي أو الصوفي أو اللاهوتي المنغلق على نفسه. وهو تكراري اجتراري لا أثر للإبداع فيه.

وهذا الفكر هو الذي ولّد لاحقا حركة الإخوان المسلمين وبقية الحركات الأصولية الحالية على إثر الحركة الوهابية في الجزيرة العربية. وبالتالي فإن رفض الغزو الفكري للغرب يتم باسم قيم تقليدية متكلّسة ومحنّطة، قيم العصر الانحطاطي الذي استمر طيلة ستة قرون (من القرن الثالث عشر وحتى القرن التاسع عشر تاريخ ظهور محمد علي والتفاعل الحضاري مع الغرب).

ثم ينتقد أركون الغرب أيضا ويقول بأنه يعاني من أزمة قيم بسبب انحراف الأنوار الأولى عن مسارها الصحيح في عصر الاستعمار والامبريالية. وبالتالي فهناك أزمة قيم في كلتا الجهتين وإن كانت مختلفة الأسباب والمظاهر. والحل لا يكون بصدام الحضارات وإنما بحوارها وتفاعلها وتقاطعها فيما بينها.

والواقع أن الحركات الأصولية المعاصرة لم تنس فقط عقلانية العصر العباسي وابن رشد وإنما نسيت أيضا عقلانية عصر النهضة في القرن التاسع عشر. فقد حصلت منجزات فكرية وعلمية على يد شبلي شميل، وفرح أنطون، وسلامة موسى، وأحمد لطفي السيد، وطه حسين، وإسماعيل مظهر، وعشرات غيرهم…

والآن أصبحنا أكثر تراجعا من عصر النهضة والقرن التاسع عشر من الناحية الفكرية. وبالتالي فالعالم الإسلامي بحاجة إلى نهضة جديدة، إلى قراءة نقدية وتاريخية لكل موروثه الديني لكي يستطيع أن ينهض على قدميه من جديد. وما دامت القراءة التقليدية الموروثة هي المسيطرة على وعي الجماهير فلا حل ولا خلاص من المأزق الذي نتخبط فيه اليوم… وسوف يظل الأصوليون المتزمتون يتحكمون بنا وبرقابنا.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

1 коммент. к ““القيم إلى أين؟”: محاورات القرن الواحد والعشرين”

  1. ahmed قال:

    on a toujours le probleme de l’éthnocentrisme europeenne …il n’y a dans le monde que l’occident…


Оставить комментарий