Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > المجازات التّاريخيّة للوقائع الأسطوريّة: مقتل القبطان كوك نموذجا

المجازات التّاريخيّة للوقائع الأسطوريّة: مقتل القبطان كوك نموذجا

الجمعة 15 آب (أغسطس) 2008

بقلم: محمد الحاج سالم

الوقائع بين التّاريخ المدوّن والمأثور المأسطر
يرى الأنّاس الأمريكيّ كليفورد غيرتز (Clifford Geertz) أنّ الأساطير تقدّم في نفس الوقت نماذج للواقع ومن أجله، وهي تُبنى من تجارب الحياة الواقعيّة لتؤثّر بنحو واع أو غير واع في الفنّ (السّرد) والوجود المعيش [1]. ومن هنا، فإنّ من وظائف الأسطورة، شأنها في ذلك شأن الشّعر، توفير الوحدة والاستمراريّة الثقافيّتين للمجتمع إذ تجعل أفراده يؤمنون بنفس المفاهيم، ويتّخذون مواقف متشابهة إذ يتصرّفون بنفس الأساليب لامتلاكهم توقّعات متشابهة. فالأسطورة تؤمّن “ضخّ القيم في الموروث وإدامة حضور تلك القيم عبر ما تقدّمه من خطاب رمزيّ يجد تمظهره في نماذج الفعل” [2].
وسواء نظرنا إلى خطاب الأسطورة بوصفه منبثقا عن مصدر غائب ومتعال يتّخذ البشر طرائق له (الكهنة والشّعراء)، أو اعتبرنا مصدره «المتخيّل الجماعيّ» L’imaginaire collectif، فإنّه لا يخرج في كلتا الحالتين عن كونه تعبيرا عن «مضمون الوعي الجمعيّ لجماعة بشريّة مّا»[3]، وهو ما يجعله في نهاية المطاف معبّرا عن حقائق تتعلّق بأصل الأشياء والمعتقدات المعاشة فعليّا من قبل المؤمنين بها.
ومع تبنّينا تمييز عالم اللّسانيّات الفرنسيّ بول ريكور (Ricœur Paul) بين مفهوم «البداية» المرتبط بالتّاريخ بوصفه جملة من الأحداث الواقعيّة ومفهوم «الأصل» المرتبط بالأسطورة [4]، إلاّ أنّنا نخالفه في صرامة التّمييز بين المفهومين إذا ما نزّلناهما في سياقات تاريخيّة غير أوروبيّة، فنحن نرى أنّه ما إذا كان التّاريخ يتحدّد بفهم الماضي باعتباره سلسلة من الأحداث الفذّة غير المتكرّرة والمترابطة سببيّا والمحمّلة بالمعنى، فإنّ الأسطورة تتجاوز رواية ما حصل في الماضي وتتخطّى الحاضر نفسه لتروي ما سيحصل في المستقبل، ذلك أنّها تختصّ بالرّموز وتعبّر عن كلّ شامل لا عن أحداث متعيّنة في الزّمان والمكان،” فالزّمن الأسطوريّ زمن دائريّ يكرّر نفسه باستمرار، فيما يتقدّم الزّمن التّاريخيّ دوما بصفة خطّية إلى الأمام” [5]. وإذا ما كانت التّواريخ غير الأوروبيّة مليئة بالأساطير بمعنى “الخرافات” كما يظنّ البعض (وهذا ما لا ينفلت منه التّاريخ “العلميّ الموضوعيّ” الأوروبيّ نفسه، لكنّه خارج موضوعنا)، فإنّ الأساطير بمعنى “رواية الرّموز” قد تكون “مليئة بالتّاريخ الضّائع وغير المدوّن”[6] أي تاريخ “خصوصيّات المجتمعات غير الأوروبيّة” [7] بما هي رموز تستخدمها الأساطير أداة تعبيريّة كي تنبثق وتظهر في اللّغة والخطاب. فالأساطير والملاحم ليست قادرة فحسب على تمتين معارفنا بشأن ماضي من يرويها، بل وعلى تبرير الحاضر أيضا عبر إضفاء الشّرعيّة على الممارسات المعاشة راهنا على ما يقول الأنّاس البريطاني برونيسلاو مالينسوفكي (Bronislaw Malinowski)، بل هي قادرة أيضا على ما يزعم الأنّاس الأمريكيّ مارشال سالينز (Marshall Sahlins) على استيعاب ما يضفيه البشر عليها من حرتقات تمليها الوقائع الطّارئة، ممّا يجعلها تبدو دائما بشكل غير ثابت ويؤدّي إلى اعتبار «كلّ حدث راهن الشّكلَ النّهائيَّ للأسطورة الكونيّة».
وبهذا المعنى، فإنّ بعض الأحداث التّاريخيّة (في معنى التّاريخ العامّ) قد لا يمكن فهمها إلاّ بوصفها تحقّقا لأسطورة مّا في الواقع المعاش، فالأسطورة تسبق دوما التّاريخ بل هي تصنعه أيضا حين تحدّد المسارات الممكنة للأحداث والوقائع وكيفيّة تراتبها الزّمنيّ وتسبغ عليها معناها الخصوصيّ.
ولإيضاح هذه الفكرة، سنحاول في مقالنا هذا تشريح واقعة تاريخيّة أسالت الكثير من الحبر في أوساط المشتغلين بعلوم التّاريخ والإناسة لأهمّيتها في تحديد السّياقات التي اتّخذها تاريخ شعب جزيرة هاواي الواقعة في أقاصي المحيط الهادي بعد تعرّضها لصدمة حضاريّة خلال القرن 18م حين غزاها الأوروبيّون في إطار إخضاع الشّعوب المستضعفة لسياسة النّهب الاستعماريّ (تمّ إلحاقها سنة 1959 بممتلكات الولايات المتّحدة الأمريكيّة لتغدو الولاية الخمسون فيها!). وتتمثّل هذه الواقعة في مقتل أحد أشهر صانعي تاريخ الاكتشافات البحريّة الأوروبيّة على يد السكّان المحليّين لجزيرة هاواي يوم 14 فيفري 1779، وهو القبطان البريطانيّ جيمس كوك (James Cook) [1728-1779] مكتشف نيوزلندا وهاواي بتكليف رسميّ من البحريّة الملكيّة البريطانيّة… وبالطّبع نحن نتحدّث هنا عن “مكتشف” من زاوية نظر أوروبيّة بحتة، وإلاّ فلا معنى لاكتشاف هذه الأماكن بالنّسبة لشعوبها لحظة اصطدامها الحضاريّ العنيف بأنوار أوروبّا، وهي أنوار كانت مُعْشِيَة لعيون أوروبيّة كثيرة بقدر ما كانت نيرانا حارقة لغيرهم من «الهمج» خارج أوروبّا!
بين النصّ التّاريخيّ والنصّ الأسطوريّ

لئن مثّل مقتل القبطان كوك على شواطئ هاواي من قبل سكّان هذه الجزيرة صدمة لمعتنقي أسطورة «الهمجيّ الطيّب» (Le bon sauvage) من أوروبيّي عصر الأنوار ممّا جعلها محلّ إعادة نظر، فإنّ من سخريّة الأقدار أن تغدو تلك الواقعة بدورها أسطورة أوروبيّة ما تزال تعيش إلى اليوم على تخوم التّاريخ الأوروبيّ العتيد متعرضّة لضروب شتّى من التّأويلات المستمرّة المشوب معظمها بضبابيّة الفكر التّاريخيّ الأوروبيّ المتمركز على ذاته بمنحييه، ذاك الرّجعي القائل بهمجيّة المجتمعات غير الأوروبيّة والحامل لرسالة التّحضير الاستعماريّ القسريّ، والآخر التقدّميّ الذي كان أقصى ما يمكن أن يفعله آنذاك هو تبرير ردّة فعل الشّعوب “الهمجيّة” بحقّها في رفض الاستتباع والمقاومة في سبيل حرّيتها وكأنّ من واجب تلك الشّعوب إعادة إنتاج التّاريخ الأوروبيّ في نسخ محليّة لا روح «همجيّة» فيها بل سعي دائم وتوق لا يني إلى الحريّة، أي الانضمام إلى نادي الشّعوب ذات التّاريخ بعد تحقيق شرط ذلك، ألا وهو إنشاء تاريخ مدوّن ومكتوب إذ كانت في حاجة إلى العزّة التي يضفيها التّاريخ في مفهومه الأوروبيّ (كان هذا ديدن المستعمرات الأوروبيّة في إفريقيا والمحيط الهادي والحال أنّ تاريخ شعوبها يمكن وصفه إجمالا بأنّه كان تاريخ “الصّراع ضدّ الدّولة”)، إذ لا اعتراف إلاّ بما تقوله الآثار الماديّة الملموسة كتابة كانت أو نقوشا حتّى وإن كانت لا تتعدّى مجرّد خربشات على السّطح الصّلب لما يختزله أصحاب النّزعة المركزيّة الأوروبيّة عادة في أنّه «التّاريخ» (في معناه الكونيّ طبعا)!
ولقد ناقش أصحاب المدرسة البنيويّة في علم الإناسة، وهي مدرسة أوروبيّة المنحى رغم إعلانها تساوي الحضارات الإنسانيّة، ممثّلة بالخصوص في الأنّاسين الفرنسيّ كلود ليفي شتراوس (Claude Lévi-strauss) والبريطانيّ إدموند ليش (Edmund Leach) مسألة تضمّن الرّوايات الشفهيّة لأساطير الشّعوب “البدائيّة” إشارات إلى أحداث تاريخيّة واقعيّة، وتوصّلت إلى استحالة استخلاص التّاريخ من الأسطورة إذ لا وجود لتاريخ خارج الأحداث الموثّقة علميّا. إلاّ أنّ هذه الرّؤية وجدت معارضة من قبل رائد التّاريخ الشّفهيّ الحديث في إفريقيا الأنّاس البلجيكيّ جان فانسينا (Jean Vansina)، فهو يرى أنّ التّقاليد الشّفهيّة كانت نتاج الذّاكرة الجمعيّة، وهي تشير إلى أحداث واقعيّة عاشتها الشّعوب المفتقدة الوثائق المكتوبة. وقد سار عدّة علماء على هذا النّهج وربطوا التّقاليد الشّفهيّة بالدّليل المستخرج من علم الآثار وعلم اللّغة ومن تقارير المستكشفين الأوروبيّين الأوائل حول الشّعوب المراد دراستها، وهو ما مثّل منهجا جديدا كان له أثره الفعّال في الكشف عن حقائق تاريخيّة هامّة أعيد من خلالها بناء التّواريخ الخاصّة بالشّعوب المفتقدة لتقنية الكتابة. وقد اعتمد هذا النّهج في البحث على مبدأ نظريّ مفاده أنّ لكلّ ظاهرة أو مؤسّسة اجتماعيّة ولكلّ جماعة بشريّة أيضا هويّة خاصّة يتبعها ماض مسجّل في التّمثيلات الجماعيّة لتقليد مّا يفسّرها ويبرّرها، وهو ما يجعل المأثور يتكفّل بديمومة ذلك التّقليد حيّا في الذّاكرة الجماعيّة علاوة عن ديمومة تجليّاته على السّطح الاجتماعيّ للممارسة اليوميّة. وبما أنّ “لكلّ مأثور سطحه الاجتماعيّ” الذي لولاه “لانقطع المأثور عن الانتقال، وأصبح غير ذي وظيفة، فيفقد مبرّر وجوده وتهمله المؤسّسة التي تشدّه”[8]، فإنّ ما ترويه التّقاليد الشّفهيّة هو في نهاية المطاف مأثور يعبّر عن واقع اجتماعيّ قد يكون تمّ تجاوزه، إلاّ أنّه ما زال محفوظا في تلافيف الذّاكرة الجمعيّة وفي ثنايا اللّغة، ويمكننا بالتّالي إعادة بنائه اعتمادا على الأساطير المتناقلة جيلا بعد جيل وعلى الرّوايات الشّفهيّة المتوارثة حوله. وقد مثّل العلاّمة الماليّ أحمد هامباتي با (Amadou Hampaté Bâ) هذه المدرسة الجديدة في مجال الدّراسات الإناسيّة الإفريقيّة بينما مثّلها الأنّاس الأمريكيّ مارشال سالينز في مجال الدّراسات البولينيزيّة أي تلك المختصّة في دراسة حضارات جزر المحيط الهادي بما فيها جزيرة هاواي، وهي الجزيرة التي شهدت الواقعة التّاريخيّة التي تهمّنا وهي مقتل القبطان كوك. فما الذي يقترحه سالينز لتفسير هذه الواقعة ؟
مقتل القبطان كوك بين النصّ التّاريخيّ والنصّ الأسطوريّ

ينطلق سالينز في جميع أعماله المتأخرّة من اعتبار نظريّ مفاده أنّ من أهمّ وظائف الأساطير أن تكون مرشدة للفعل البشريّ، ويرى أنّها تعمل كنماذج أوّليّة يستخدمها النّاس العاديّون في تشكيل أفعالهم ممّا يجعلهم يتصرّفون كما لو كانوا شخصيّات أسطوريّة في حدّ ذاتهم. وقد حاول سالينز إثبات هذا الزّعم من خلال دراساته حول ممارسة الأساطير في بولينيزيا في الفترة الأولى من الاتّصال الأوروبيّ بالمجال البولينيزي، وهو ما تضمّنه عمله الجبّار المكوّن من ثلاثة مجلّدات بعنوان “الإله الآفل، أو تاريخ جزر ساندويتش كثقافة” The Dying God, or the History of the Sandwich Islands as Culture) [9]. وقد كانت الزّيارة التي قام بها القبطان كوك إلى جزيرة هاواي خلال الفترة من 1778 إلى 1779 ومقتله هناك، والتّغييرات الثوريّة سياسيّا واقتصاديّا واجتماعيّا التي شهدتها الجزيرة عقب ذلك، من أهمّ ما تناوله سالينز. ونحن نجتزئ هنا رؤيته لواقعة اغتيال القبطان كوك فحسب، ونحصر مقالنا حولها بوصفها حدثا تمّ على التّخوم المشتركة بين نصّين ثقافيّين، نصّ التّاريخ الأوروبيّ المعتمد على الشّهادات الموثّقة والمكتوبة حول الواقعة، ونصّ الرّواية الأسطوريّة بشأنها أي تلك الخاصّة بمجتمع هاواي الذي كان يعيش خارج التّاريخ، فالواقعة لم تكن نتيجة اشتباك بين قوى تاريخيّة مختلفة ومتعارضة بقدر ما كانت نتيجة صراع بين روايتين إحداهما تاريخيّة أوروبيّة والأخرى أسطوريّة هاوائيّة.
أمّا الرّواية التّاريخّية الرّسميّة، فهي تفيدنا أنّ ركب القبطان كوك حلّ بشواطئ جزيرة هاواي لأوّل مرّة خلال شهر جانفي 1778 على متن السّفينتين “ريزيولوشن” (Resolution) و”ديسكوفري” (Discovery)، قبل أن يعيد الكّرة ثانية على نفس السّفينتين وفي نفس الشّهر من السّنة الموالية أي سنة 1779. وقد استقبل السكّان المحليّون البحّارة الإنجليز في كلتا الزّيارتين على أنّهم آلهة وعلى أنّ قائدهم كوك هو الإله “لونو” (Lono) إله الخصب والموسيقى الذي يخرج من أعماق البحر ليزور شعبه مرّة في مثل ذلك الوقت كلّ سنة، وهو ما جعل كوك محلّ احترام كبير وتبجيل عميق إذ تلقّفته أيدي الكهنة ليصبح الشّخصيّة المحوريّة لجملة من المراسم الدّينيّة في المعبد الرّئيسيّ للإله ” لونو” في خليج كيليكاوا وهو معبد “هيكياو”.
كان ذلك شأن كوك وصحبه في الزّيارتين، إلاّ أنّ الزّيارة الثّانية تميّزت بحادث عرضيّ سيكون له أبلغ الأثر في تحديد المصير المأسويّ للقبطان. فبعد إصلاح سفنه وتجديدها وتلقّي الإمدادات من سكّان الجزيرة المضيافين، أبحر كوك مغادرا الجزيرة خلال شهر فيفري من سنة 1779. إلاّ أنّ تحطّم صارية إحدى سفينتيه أجبره على الرّجوع إلى الجزيرة أين تعرّضت السّفينتان إلى سلسلة من السّرقات ما أدّى إلى طلب كوك حضور ملك الجزيرة لمفاوضته من أجل استرجاع المسروقات من الأهالي، وهو ما اعتبر إهانة للملك خاصّة بعد تعنيف أعوان كوك بعض المشتبه بهم من الهاوائيّين في سبيل معرفة السّارق من بينهم، ومن هنا نشبت معركة قام خلالها كوك نفسه بإطلاق النّار من بندقيّته على الحشد الذي تمكّن أحد أفراده من طعن كوك وقتله. فما هي قراءة سالينز لهذه الواقعة من منظور الأساطير المحليّة للهاوائيّين[10]؟
لقد قام سالينز بدراسة التّقويم القمريّ المعتمد عند السكّان الأصليّين في هاواي خلال القرن 18 م، واكتشف أنّ حلول الأسطول الإنكليزي تمّ في المناسبتين خلال احتفال أولئك السكّان بحلول موسم “الماكاهيكي” (Makahiki)، وهو مهرجان دينيّ كبير يحتفل فيه بالعام الجديد حين تظهر كوكبة نجوم الثريّا (les Pléiades) في الأفق معلنة قدوم الإله ” لونو” المرتبط بالخصوبة والسّلام ليحكم العالم بدلا من الإله «كو» (Ku) المرتبط بالزّعماء وبالحرب والأضاحي البشريّة. وفي هذا المهرجان، كانت طقوس الإله ” كو” تُعلّقُ ويتمُّ استبدالها بطقوس جديدة أهمّها الدّخول في فترة زمن مقدّس يحظر فيها الاقتتال وتقدّم فيها قرابين إلى الإله “لونو” في أجواء من اللّهو الصّاخب احتفاء بفصل الأمطار وبداية حركة المدّ والجزر المبشّرة بالصّيد البحريّ الوفير وبدء فصل جني الثّمار البريّة. وفي نهاية “الماكاهيكي”، كان ملك الجزيرة، المعلّقة مهامّه لمدّة أربع دورات قمريّة هي فترة المهرجان، يلتقي الإله «لونو» ويشتبك معه في قتال شعائريّ ممسرح يتمّ فيه قتل الإله رمزيّا وتشييع جثمانه في قارب خاصّ (وتكون الثريّا آنذاك في سبيلها إلى الاختفاء من القبّة السّماويّة المنظورة) على أمل عودته في العام التّالي مبشّرا بموسم جديد للصّيد والقطاف، وحينها يستأنف الملك مهامّه من جديد تحت إشراف الإله “كو”.
وتبعا لهذا العرض، أمكن لسالينز إثبات أنّ زيارة كوك لجزيرة هاواي تمّت في المناسبتين المذكورتين – وبمحض الصّدفة- أثناء موسم “الماكاهيكي” المقدّس، وهو ما يفسّر نظر سكّان هاواي إلى البحّارة الإنكليز على أنّهم آلهة والاحتفاء المغالى فيه بهم والذي وصل حدّ تهافت النّساء الهاوائيّات عليهم في خرق صريح وعنيف للمحظورات الدّينيّة التي تمنع الجنس خلال فترة “الماكاهيكي”، إذ ساد الاعتقاد حينها أنّ من واجب النّساء تقديم أنفسهنّ قرابين للآلهة (البحّارة الإنكليز) وهو ما كان يناسب طبيعة مهرجان “الماكاهيكي” بوصفه وقتا مناسبا لممارسة شعائر الخصوبة. إلاّ أنّ قيام البحّارة كلّ مرّة بتقديم هدايا إلى نساء هاواي المتهافتات عليهم مقابل خدماتهنّ، أدّى إلى تلاشي الوهم عند الهاوائيّين بشأن إلهيّتهم: لقد خسر الإنكليز وضعهم المتميّز كآلهة منذ أن تحوّلت القرابين المقدّمة إليهم على مذبح الجنس إلى نوع من تبادل الخدمات أي إلى تجارة. ولم يُستثن من هذا الواقع إلاّ القبطان كوك بسبب اعتزاله النّساء طوال فترة إقامته في هاواي، وهو ما كان وراء تكريس المماهاة بينه وبين الإله “لونو” في رحلته الثّانية.
وهكذا عملت سيرورة الوقائع بوتيرة متوازية مع ما يقتضيه النصّ الأسطوريّ المحلّي، وهو التّوازي الذي لم يقف عند هذا الحدّ، بل تجاوزه إلى سلسلة تماثلات أخرى (غير ذات أهميّة من زاوية النّظر التّاريخيّة البحتة) أدّى تتابعها الزّمنيّ وتضافرها الوظيفيّ واشتراكها في ذات المعنى الذي يضفيه على جميعها النصّ الأسطوريّ المحليّ إلى حدوث الواقعة المؤلمة المتمثّلة في مقتل القبطان كوك. وقد كان أوّل تلك التّماثلات وصول كوك إلى هاواي تقريبا في نفس الفترة التي يزور فيها “لونو” الجزيرة مبشّرا بافتتاح موسم “الماكاهيكي” (فترة طلوع الثريّا)، ثمّ إلقاء الأسطول الإنكليزي مراسيه في خليج “كيلاكيوا” بالقرب من معبد “لونو” بعد طوافه بالجزيرة باتّجاه عقارب السّاعة تماما كما يفعل الإله “لونو” في رحلته التي تنطلق من المعبد المذكور وتنتهي فيه بعد 23 يوما، ثمّ رحيل الأسطول الإنكليزي تقريبا في نفس الفترة التي كان يرحل فيها الإله “لونو” (انتهاء فترة طلوع الثريّا)، وأخيرا الشّبه الكبير بين الأشرعة البيضاء لسفينة كوك والنّسيج الخاصّ بالرّاية (Kapa) التي كان يحملها الكهنة خلال استقبالهم الإله “لونو” [انظر الصّورة المصاحبة للمقال]، وهو ما رأى فيه الهاوائيّون تشخيصا واقعيّا وحيّا لرحلة “لونو” السّنويّة إلى جزيرتهم. فإذا أضفنا إلى كلّ هذا ردود فعل كوك وتعاليه الظّاهر في تصرّفاته تجاه السكّان الأصليّين وابتعاده عن مخالطة النّساء، وهي تصرّفات كان من شأنها تكريس رؤية السكّان المحليّين له بوصفه إلها، بات من السّهل فهم انسياق كوك غير الواعي إلى التصرّف بشكل يبدو معه تجسيدا للإله ” لونو” المنتظر.
أمّا الحادث المؤسف المتمثّل في مقتل كوك، فيرى سالينز أنّه سار أيضا وفق ما كان يقتضيه النصّ الأسطوريّ الهاوائيّ، إذ كانت زيارة الإله “لونو” السّنويّة تمثّل تحدّيا لملك الجزيرة إذ تُعلّق مهامّه طوال مهرجان “الماكاهيكي” قبل أن يستعيدها بعد الاشتباك مع الإله “لونو” في قتال شعائريّ تكون نتيجته انهزام “لونو” وإبحاره بعيدا عن الجزيرة. إلاّ أنّ اضطرار كوك إلى الرّجوع إلى هاواي يوم 11 فيفري بعد إبحاره في الموعد التّقريبيّ لإبحار “لونو” بسبب انكسار صاري إحدى سفينتيه، جعله يبدو خارج التّصنيف الذي يقتضيه النصّ الأسطوريّ الهاوائيّ، فقد كان من المفترض أن يعود كوك بعد إبحاره في العام التّالي مع طلوع مجموعة كواكب الثريّا، إلاّ أنّ ظهور سفينتيه المفاجئ من جديد كان متناقضا مع ما كان يقتضيه النصّ الأسطوريّ ومع كلّ ما حدث من قبل، وهو ما تأوّله الهاوائيّون على أنّه تصميم من الإله “لونو” على غزو الجزيرة وتنحية ملكها والقضاء على سلالته الحاكمة وتكريس عبادته مرّة واحدة وإلى الأبد بديلا من عبادة الإله “كو”. وقد ردّ الهاوائيّون على عودة كوك وبحّارته إلى جزيرتهم باقتراف سلسلة من السّرقات في تحدّ سافر للآلهة بهدف معرفة نواياها. وبالفعل فقد تحقّق الهاوائيّون من سوء نوايا “كوك/لونو” حين طلب كوك أخذ الملك رهينة إلى حين إعادة المسروقات، فقد كان هذا التصرّف مدعاة إلى الارتياب فيه من قبل الكهنة وحاشية الملك “إذ لو كان هذا حقّا الإله لونو لما قام بزيارة الملك على رأس كوكبة مسلّحة من البحّارة”، ومن ثمّ أقنع الكهنة ملكهم بعدم الذّهاب لمقابلة كوك على متن سفينته بعد أن كان موافقا على ذلك. ومع اجتماع حشد من الهاوائيّين المرتابين على الشّاطئ، أصيب البحّارة الإنكليز بالذّعر ونشبت معركة بين الطّرفين أطلق خلالها كوك نفسه النّار مرّتين، وأثناء الفوضى تمّ اغتيال كوك بطعنة من خنجر سدّدها له أحد مرافقي الملك وأخذ الهاوائيّون الجثمان وتعاملوا معه – وهنا الغرابة وعقدة الرّواية- على أنّه جثمان زعيم رفيع المستوى. وقد انتقم الإنكليز لمقتل كوك بقسوة بالغة قبل إيقاف المعارك بعد أسبوع كامل ورحل الإنكليز بعد أن استعادوا بعض عظام كوك (عظام جزئه السّفليّ) ودفنوها في البحر، إذ قام الهاوائيّون بتقسيم جسم كوك بعد مقتله إلى عدّة أجزاء استهلكوا بعضها كطعام إلهيّ مقدّس!
وعند نقطة مقتل كوك ومعاملة جثمانه باحترام وتقديس بالغين، يقدّم سالينز قراءته للحدث بوصفه إعادة للتّوازن الشّعائريّ الذي كان يقتضيه السّير العاديّ للحياة في هاواي. لقد سعى الهاوائيّون إلى إعادة التّوازن إلى النّظام الكونيّ المنتظم لحياتهم وإبعاد كلّ ما من شأنه خلخلة بنية عالمهم، فكانت التّضحية تاريخيّا بكوك بوصفه رمزا للفوضى التي توشك أن تعمّ وعدوّا لممثّل النّظام أي الملك، تحقيقا لما يقتضيه النصّ الأسطوريّ المحلّي. لقد أضحى من الواجب الأكيد قتل الإله “لونو” على يد الملك أو أحد أعوانه بصفة واقعيّة لإجباره على مغادرة الجزيرة بدرجة أولى، إذ دون مغادرتها لا يستطيع العودة كي يجدّد دورة الفصول الطّبيعيّة، ثمّ في درجة ثانية كي يستعيد “كوك/لونو” وضعه كأحد الأسلاف العظام أو الآلهة ولا ينحدر إلى مرتبة البشر باستلامه زمام الحكم عوضا عن سلالة البشر من الملوك الحاكمين. وهنا يلاحظ سالينز مدى دهشة ضبّاط كوك حين عاد الهاوائيّون بعد مقتله ودودين مرّة أخرى متسائلين بإلحاح عمّا إذا كان سيعود في العام التّالي!
وأخيرا، إذا كان لنا أن نستخلص شيئا من واقعة مقتل القبطان كوك التي تمّت على التّخوم المشتركة بين التّاريخ والأسطورة، فهو إثارة السّؤال التّالي في نطاق همومنا المعرفيّة داخل المجال الحضاريّ العربيّ: كم هو عدد الوقائع في تاريخنا العربيّ التي يمكن وصفها بأنّها مجازات “تاريخيّة” لواقع “أسطوريّ”؟
الهوامش:

1 – Clifford (Geertz) : Local Knowledge : Further Essays in Interpretive Anthropology, Basic Books, New York, 1983, p.42.
2- ويتمر (باربرا)، الأنماط الثقافيّة للعنف، ترجمة: ممدوح يوسف عمران، عالم المعرفة العدد 337، الكويت 2007، ص 93.
3 – Chelhod (Joseph) : Introduction à la sociologie de l’Islam : de l’animisme à l’universalisme, éd. Besson – chante merle, Paris, 1958, p.42.
4- Ricœur (Paul) : La Mémoire, l’Histoire, l’Oubli. L’ordre philosophique, éd. du Seuil, Paris, 2000, p.174.
5- الكبسي (محمّد عليّ)، الطّوباويّة والتّراث، دار بوسلامة للطّباعة والنّشر والتّوزيع، تونس 1987، ص 34.
6- الرّبيعي (فاضل)، أبطال دون تاريخ: الميثولوجيا الإغريقيّة والأساطير العربيّة، دار الفرقد، دمشق 2005، ص 134.
7- Bidou (Patrice) : Le Mythe : une machine à traiter l’histoire, in : l’Homme n° 100, Fasc. XXVI (4), Ecole des Hautes Etudes Sociales, Paris, 1986, pp. 65-89.
8- فانسينا (جان)، المأثور والمنقول ومنهجيّته، في: تاريخ إفريقيا العامّ، اللّجنة العلميّة الدّوليّة لتحرير تاريخ إفريقيا العامّ (اليونسكو)، جون أفريك/اليونسكو، 1983، م 1، ص 161 (صص 155- 175).
9- جزر ساندويتش هو الاسم الأوروبيّ السّابق لهاواي.
10- اعتمدنا هنا بالخصوص على التّرجمة الفرنسيّة لكتاب مارشال سالينز «جُزُرٌ في التّاريخ» :
Sahlins (Marshall): Des îles dans l’histoire, Gallimard, Paris, 1989 (éd. originale : Islands of History, The University of Chicago Press, Chicago ,1985).
وكذلك المقال المتميّز لفرانسيس زيمرمان الذي يتناول فيه الجدل الحاصل بين الأنّاسين مارشال سالينز وغاناناث أوبيسيكيري (Gananath Obeyesekere) بشأن قراءة سالينز لواقعة مقتل كوك:
Zimmermann (Francis) : Sahlins, Obeyesekere et la mort du capitaine Cook, in : L’Homme, n° 146, Paris, 1998.
كما اعتمدنا أيضا ما جاء في الفصل المخصّص لفكر سالينز والحامل لعنوان: «مارشال سالينز، التّاريخ كثقافة» من كتاب:
كوبر (آدم)، الثّقافة: التّفسير الأنثروبولوجيّ، ترجمة: تراجي فتحي، سلسلة عالم المعرفة، الكويت 2008، صص 195-200.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий