Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > المجتمع المحلّي وآخرية الدولة: محمد نجيب بوطالب.

المجتمع المحلّي وآخرية الدولة: محمد نجيب بوطالب.

د. محمد نجيب بوطالب
تونس
أستاذ علم الاجتماع – جامعة تونس المنار

ملاحظات منهجية http://www.afkaronline.org/arabic/archives/mar-avr2005/boutaleb.html

2007/09/03

أولا : نقصد بالمجتمع المحلي كل ما هو خارج المركز، والمركز منظور إليه باعتباره محطة استقطاب واشعاع سياسي وثقافي واداري واقتصادي، وقد يتشكل هذا المركز في مكان واحد أو في عدّة أماكن كما يصح ذلك بالنسبة للزمان. فالمركزي والهامشي، أو المركزي والمحلي مجالان مرتبطان بسياق تاريخي

ثانيا : إن المجتمع المحلي يأخذ مداه التطبيقي هنا من الريف التونسي بمختلف تلويناته.

ثالثا : إننا لا نعد بمتابعة صورة الدولة لدى المجتمع المحلي وصورة المجتمع المحلي لدى الدولة، بطريقة خطية أو مَسْحية بقدر ما سنركز على بعض جوانب المسألة لأسباب أساسها ضيق المجال وضيق حيز المقارنة والدراسة، حتى لا يقع تحميل العنوان أكثر مما هو ممكن ومتاح الآن.

رابعا: إن الحديث عن كلّ من الدولة والمجتمع المحلي كطرفين متقابلين يقتضي متابعة صورة كلّ منهما لدى الطرف الآخر بلغة فن التصوير وصنعه (تحميضهاتثبيتها – طبعها)، وهل يمكن الحديث فعلا عن ثقافة محلية تُحدد ملامحَ الدولة الوطنية بطريقة متماسكة، وما هي مجالات تلك الثقافة المشكّلة لرأي عام محلي؟

أ – تصور الدولة للمجتمع المحلي :

لقد تساءلت الباحثة المغربية رحمة بورقية قائلة: “هل يمكن أن نقول بأن الدولة الحالية تتسم بالقطيعة مع التنظيم القديم (المخزن) أم تكتنف بقاياه؟. على المستوى العام يمكن التساؤل عن مدى تواصل الذهنية المخزنية في أجهزة الدولة المغاربية الحديثة. فالدولة، وبمعنى آخر، تعمل على التواجد في مختلف القطاعات وتراقب مختلف أوجه النشاط السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. لكن هذه المراقبة كثيرا ما تؤدي إلى احتكار المبادرة، فيتحول الفاعلون إلى مجرد رعايا ومنفذين للبرامج.. صحيح أن “الدولة المخزنية انتهت تاريخيا كهيكل ولكنها مازالت متواصلة كذهنية تجاه السلطة وكممارسة للنفوذ…”

إن متابعة خطاب الدولة الوطنية في تونس حول الجهات الداخلية، وحول الأديان، وحول الآخر غير المركزي، والآخر غير المديني يفضي إلى ضرورة التمييز بين فترات ومراحل، ففي المراحل الأولى وعلى امتداد العشريتين الأوليين من بداية تركيز الاستقلال وصولا إلى استكمال التجربة التنموية الأولى، كان الخطاب الموجه إلى الجهة يستند إلى مخاطبة النزعة العروشية التي كانت تتحكم في المواقف السياسية وتطبع العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. لكن هذه النظرة سرعان ما تغيرت بعد ذلك لتستنكر أي وجود للجماعات القبلية وامتداداتها ووصلت في النهاية إلى الحديث عن مجتمع مدني يخترق الريف والمدينة معا عبر شبكة من المنظمات والجمعيات.

هذا الاقرار وذاك التوجه لم يلغيا استمرار بعض المؤشرات الدالة على استمرار الحذر من عودة الولاءات القبلية ومنها :

الاعتراف بالشخصية المدنية للجماعة القبلية (الفصل الرابع من القانون الفلاحي لسنة 1946) وما بعده، يخول للمجموعات تكوين مجالس تصرف منتخبة مهمتها التصرف في الأراضي الجماعية وتحويزها داخل المجموعة.

اعتماد الدولة على سياسة الإرجاء والتحويز البطيء وعدم قدرتها على حسم النزاعات العروشية حول الأراضي الجماعية. ويمكن الحديث هنا عن ضبابية السياسة المتعلقة بهذا المشكل (التحويز والتمليك التدريجي مقابل التلميح بالحفاظ على المراعي).

اعتماد مبدإ المراضاة السياسية للمجموعات بالاستناد على الإرث التاريخي القبلي للسكان (توزيع المناصب الادارية والسياسية).

السكوت عن ظواهر التحريك العروشي أثناء المناسبات الانتخابية وعدم مقاومتها بشكل حازم.

تركيز النخبة المحلية على انتمائها الى المنطقة مع توظيفها المستمر للعلاقات القبلية والقرابية، خصوصا في “اللحظات الحاسمة” من التنافس حول السلطة والتي تكون الانتخابات الإطار الملائم لها.

لقد تميزت المراحل الأولى للعلاقة بين الدولة والجماعة المحلّية بتخوف الدولة الوطنية من مزاحمة كلّ ما يمكن ان يهدد مشروعيتها وقد اعتبرت الريف المصدر الأساسي لإنتاج هذه السلط والكيانات الموازية والخطيرة. أما في مرحلة ثانية فبدأت الدولة بالاهتمام بالريف (التنمية الريفية) والجهوية لكن الريف بقي مصدرا مزعجا (النزوح الهجرة البطالة الفقر) ومصدر معارضة.

الدولة الوطنية، تحرص على جعل الأرياف منطقة “مناضلة” وهي تصرح بشكل مستمر عبر مختلف قنوات تعبيرها السياسية والإعلامية عن تقديرها “لأهالي الريفلتحمّلهم الصعوبات وعلى ما أظهروه من الصبر والمعاناة التي واجهوا بها بشكل مزدوج الطبيعة والاستعمار، بل يعترف ممثلو الدولة في مستويات عالية في بعض المناسبات بتعرض هذه الجهات وسكانها إلى بعض التهميش والإقصاء في بعض المراحل.

كما أن اعتراف الدولة بالحدود التقليدية للمجموعات الاثنية عبر التقسيمات الإدارية الحديثة يدفع إلى تأكيد اعتراف الدولة بدور المحدّدات الجماعية القرابية والقبلية في توزيع السكان إداريا. لكن التخوف هنا بقي قائما من مناطق كانت تنتج التمرّد فأصبحت الدولة تغازلها بأنها “مناطق الثورة والنضال” ورغم تلك الاعترافات الضمنية فإن ما يفسر هذه المواقف للدولة هو أنها كانت تسعى إلى استكمال الإدماج الوطني في “الجهات النائية”. لكن هذه السياسات لم تكن متجانسة، فقد نُظر إلى عملية الإدماج الوطني لسكان المنطقة “الداخلية” في العقود الأولى من الاستقلال باعتبار أن المجتمع المحلي يمتلك قدرات تمردية كبيرة تهدد الدولة المركزية. أما في المرحلة الثانية، ومع توطد أجهزة الدولة وتبلور خياراتها الليبرالية فقد تحول مفهوم إدماج سكان المناطق الداخلية ذات الرصيد التاريخي القبلي، إلى هاجس حماية السيادة وضبط الحدود وبناء “الوحدة الوطنية“.

ب – تصورات المجتمع المحلي للدولة :

قد تبدو دراسة ثنائية الأنا والآخر سياسيا بحاجة إلى إجلاء الصورة التي تبدو عليها الدولة الوطنية في وعي الفاعلين الاجتماعيين في الأرياف والجهات الداخلية. ولن تمثل هذه المحاولة شأنا سهلا لخلوّ الدراسات السابقة التي تناولت علاقة الدولة بالمجتمع المحلي من أي تحليل لصورة الدولة لدى هذا المجتمع خصوصا بعد حصول تجربة غنية من العلاقات والخبرات الجديرة بالدراسة.

لعل الصعوبة في دراسة هذه المسألة متأتية من الواقع السائد في مجتمعات “البلدان النامية” عموما، حيث أن العلاقة ذات طابع إخضاعي، وحيث لا ينظر إلى المجتمع المحلي والجهات وكذا الفئات »الضعيفة إلا باعتبارها جهات أو فئات منفعلة وتابعة. كما أن محاذير التعمق في دراسة ردات الفعل الجهوية على السياسات التنموية وأساليب التناول السياسي والاعلامي لشؤون المجتمعات المحلية البعيدة عن مركز القرار والنفوذ، تجد مبرراتها في التخوف من الوقوع في الأحكام المسقطة وغير الواقعية كالوصف بالمعارضة ونكران الجميل والخروج عن الصف الوطني.

وبالعودة الى صورة الدولة في ذاكرة المجتمع الريفي بوعيها ولا وعيها يمكن التمييز بين ثلاثة تصورات تجسدها المواقف (السائدة، المعلنة والخفية) :

1 – الموقف العام الجهوي الوطني، وهو موقف يتخذ مشروعيته من المشاركة في مقاومة الاستعمار وبناء الدولة الوطنية والاندماج في هياكلها. وبشكل عام فإن هذا الموقف ينطلق من موقع الانتماء والمواطنة، وهو يستمد ذاته من الاحتماء بكيان يحقق شروط هذه المواطنة، ولذلك يشعر الفاعلون الاجتماعيون في هذه الفضاءات بالتغيرات الحاصلة من حولهم بفعل تدخل الدولة في مناطقهم ويقرون بحصول تبدلات في حياتهم نحو الأفضل.

2 – موقف رسمي سياسي يتميز على العموم بمساندة سياسات الدولة وهو موقف يتقاطع مع مختلف مكونات المجتمع من فئات ومجموعات وتنظيمات. وقد استطاع هذا الموقف أن يجند دوائر الانتماء القبلي المنحلة كهياكل والمستمرة كأطر للانتماء اللارسمي للمجموعات. هذا التجنيد هو الذي استطاع بطريقة هادئة أن يوظّف المعطى القبلي كمعطى سوسيولوجي توظيفا سياسيا، ممثلا في التركيز على التلاحم العائلي ومنع بروز المعارضات.

ويمكن الحديث عن عدة حالات من شمولية الانخراط في الحزب استجابة لقوة الروح الجماعية التي يشرف على عملية انخراطها افراد فاعلون من الحركيين و»المشاغبين القبليين.

3 – موقف غير رسمي يشكل الرأي العام غير المعلن وعادة ما يقوم على الاحتجاج السلمي والملاحظات النقدية لسلوكات الفاعلين السياسيين الذين يمثلون الدولة. (في المركز وفي الجهة). وتتلخص مظاهر النقد في:

احتجاج على تصرف وسائل الإعلام. وهذا الموقف يعبر عن نفسه من خلال توجيه نقد إلى الإعلام المركزي، الذي يتهم بأنه لا يراعي عادات الجهات وثقافاتها الفرعية مستهجنا عمليات تحقير الثقافة الريفية واللهجة الريفية ووصفها بالتخلف.

احتجاج على تمثيلية هذه الجهات في السلطة.

احتجاج على ضعف حجم التمويلات التنموية في الجهة.

احتجاج على عملية استنزاف الموارد الريفية.

إن الرأي العام المحلي لا يَنظُر إلى علاقته بالأحداث الوطنية وبرامج التنمية في العقود الأولى من الاستقلال إلا من خلال مصلحته القريبة والبعيدة. بل إن ضعف الرؤى السياسية لدى أغلب الفاعلين الاجتماعيين المكونين لجزء هام من هذا الرأي يجعلهم يتصورون أن »الحاكم مسؤول عما تتعرض له منطقتهم من الصعوبات الاقتصادية،فالرأي العام الناقد يصف الدولة بأنها غير عادلة اقتصاديا ومتحيزة جهويا ومتمركزة اداريا. بل إن هذه الصفات قد تسحب على المستوى الجهوي فيتبلور الموقف الاجتماعي في المناطق الداخلية أكثر من غيرها. وبمثل ما توصف الدولة بالتسلط عند البعض فهي توصف بضعف الحزم عند البعض الآخر. ذلك أن كل تقييم يصدر من موقف ذاتي تحدده مصالح المجموعة أو القرية أو الفئة الاجتماعية، فهي متسلطة في فرض الضرائب والترفيع في الأسعار، وهي متسيبة في موضوع »الأراضي الاشتراكية، وهي متسلطة حينما تساند أحد الموظفين والسياسيين المحليين، وهي ضعيفة حينما تعزله وفي كلتا الحالتين توجد مجموعتان إحداهما راضية والثانية مظلومة. (*)

لا تخلو صورة الموقف الاحتجاجي من المشاهد العنيفة، فشأن أي مجتمع متغير عرف الموقف النقدي الاحتجاجي حالات من التوتر بسبب بعض الإجراءات المباشرة، وتختلفالمناطق في ما بينها في درجات التعبير عن المواقف، إذ تبدو المجموعات ذات الصلة بالطابع البدوي أكثر ترسيخا لممارسة العنف ضد الدولة. هذا مرتبط بتوترات وأزمات كبرى عرفتها البلاد في تلك الفترة. كما أن أجهزة الدولة بدورها اكتسبت قدرة ميدانية على تسيير الأزمات المحلية. وقد عرفت أواسط الثمانينات أكثر مشاهد العنف، حيث كانت تلك الفترة قد عرفت على المستوى الوطني عدة توترات نتجت عن تدهور الأوضاع السياسية والاجتماعية محليا ووطنيا.

تلك المواقف الاحتجاجية محكومة في الرأي العام المحلي باتفاق ضمني على أن المجتمع المحلي للجهات الداخلية يستحق الزيادة في اقتطاع قسط أضافي من موارد الدولة لصالحه. ويذهب الموقف الاحتجاجي الى المطالبة بعدالة في توزيع عائدات الثروة الوطنية (بترول، سياحة خدمات… الخ)، بل يذهب جزء من الرأي العام الشعبي في المناطق الأكثر تهميش إلى المطالبة بضرورة »مجازاة سكان المنطقة المحرومة لتضحياتهم تجاه الوطن بدءًا من مقاومة الاستعمار وصولا إلى مقاومة التصحر والجراد، وهو ما يمكن تسميته »بضريبة تعمير المناطق ذات الصعوبات المناخية.

ج – الذاكرة الشعبية: صورة الدولة لدى المجتمع المحلي

تشكل الذاكرة الجماعية في المجتمع المحلي الريفي مجالا خصبا لمجموعة من التفاعلات الرمزية، فهي تختزل مكونات المجتمع، تاريخه، تراثه، تجاربه وعلاقته بالمحيطين الطبيعي والبشري. ورغم أن هذه الذاكرة تتقاطع في خصائصها العامة مع خصائص ذاكرة المجتمعات المحلية المشابهة وخاصة المجاورة لها، فإنها تتميّز بخصوصية محليّة. وقد اشارت الدراسات الانتربولوجية والتاريخية إلى أهمية الصورة التي يكونها الفاعلون الاجتماعيون، حول أنفسهم، بقطع النظر عن درجات (واقعية) تلك الصورة التاريخية (الكيلاني 1990). كما أن الزمن الأسطوري (فالنسي 1977) مثل إحدى أهم خصائص هذه الذاكرة وفق نظرتها الى العالم الداخلي والخارجي.

هذه اللاواقعية هي التي عبرت عنها فالنسي حين تحدثت عن الزمن الأسطوري لدى القبائل التي درستها.

ورغم ضعف وثوقية الذاكرة الجماعية لسندها التاريخي حول الواقع الاجتماعي لحياة المجتمع المحلي، ورغم ميلها إلى صياغة التاريخ المحلي بطريقة تناسب الإمكانيات المحدودة والمصالح الضيقة، فإنها لاحقا قادرة على تضمين بعض المعطيات والحقائق التاريخية ضمن روايتها الشفوية، وفضلا عن ذلك تلعب الذاكرة الجماعية الشعبية دورا نفسيا يتمثل في حماية المجموعة والدفاع عنها معنويا وثقافيا وتحفّزها في راهن حياتها.

يمثل بناء الذاكرة الشعبية، باعتبارها قاعدة الثقافة المحلية، عملية معقدة حيث تتضافر خطوط النسب القرابي ونظام الولاية الدينية من أجل بناء نسيج داخلي للمجتمع المحلي.

هذه الذاكرة هي التي وصفها الباحث منذر الكيلاني بالتمزق والتعرض إلى النسيان بسبب فقر في التوثيق، كما وصفتها جوزلين دخلية بالذاكرة النسّاية المصابة بالتناقض أحيانا وبالتفكك أحيانا أخرى تبدو – لذلك – بحاجة إلى الترميم وإعادة البناء على حد تعبير جرار نامر، G. Namer, 1987 ، فكل جيل يعطي دلالة أوسع من مجرد ما هو موجود بما يضفي على الذاكرة خاصية الحلم والشاعرية. أما رواية الذاكرة للتاريخ المحلي في الأرياف وكذا في أوساط واسعة من المدن فهي مبنية على التداخل بين الواقعي والأسطوري عبر مجموعة من الترقيعات والاسقاطات التي تصيب رواية الأحداث والوقائع المحلية مثل :

1 – أساطير أصول السكان القادمة في أغلب الأحيان من الخارج وأقصى المشرق أو أقصى المغرب.

2 – تاريخ الصراعات مع الجيران حول الأرض وخيراتها، وهو تاريخ ذو صبغة شاعرية يجسدها إظهار بطولات الأنا ضد الجيران والخصوم.

3 – رواية معجزات الأولياء والصالحين عبر الطريقة الاثباتية في رواية الأحداث والأخبار ووصف خصائص الأشخاص الفاعلين في التاريخ المحلي. (المقاومة الأسطورية للمستعمر – مقاومة الولي للسلطة المعتدية – رايات بوجليدة).

إن الإقرار بهذه الخصائص التي تميز الذاكرة الشعبية يجب أن لا يؤدي بنا إلى القول بخلو المجتمع المحلي من تاريخ واقعي خاص به. فالوعي الجماعي يقدم بدوره بعض التصورات للتاريخ النقي ويرسمها وفق الواقع بحسب ما يتوفر له من إمكانيات التسجيل والحفظ عبر علامات محددة.

بتلك الصورة الهشة تمثل الذاكرة إحدى وسائل حفظ كيان الجماعة والدفاع عن نفسها، خصوصا حينما يواجهها تاريخ خطي تواتري هو التاريخ الرسمي والتاريخ العالِم الذي يخالف طريقة روايتها للأحداث. ومن هنا يحصل الوضع والإرباك.

وهكذا فرغم التمزق والضعف، يتضح أن المجتمع المحلي يمتلك ذاكرته التي تحتوي جزءا من تاريخه المروي بشكل رمزي. ومن هنا تأتي مشروعية مساءلة هذه الذاكرة واستنطاقها للتعرف على بعض المواقف والاتجاهات التي لا يمكن الحصول عليها بطريقة مباشرة بسبب المراقبات والتحفظات التي تجعل من بعض التفسيرات المحلية (الروايات) لتاريخ المجتمع المحلي ذات طابع مقدّس. كما أن عمليات البناء التاريخي للذاكرة المحلية تتخذ هذه الطرائق ذات الطابع الرمزي بهدف الدفاع عن الأنا المهمشة. ويزيد من تعميق البعد الروائي الأسطوري ضعف امكانات التعليم والكتابة ونقص حيز التاريخ في المجتمع المحلي لفترات طويلة. وقد ساهمت الوضعية المتردية للأرياف في صنع هذا الواقع.

ومع حصول بعض التحوّلات مع بداية منتصف القرن الماضي حصل انفتاح المجتمع المحلي عبر الهجرة والتعليم بشكل أساسي بما ساهم في إضعاف علاقة الفاعلين بتاريخهم البعيد، وعملت تلك التحوّلات على توسيع دوائر الوعي بالآخر، وكثيرا ما استبدلت معارف خطوط النسب والأصل والكرامات وأمجاد الأجداد بمعارف جديدة مغايرة لها. لكن بقدر هذا الانفتاح وذاك الحراك، ظهرت بالمقابل فئة محلية تسعى بكل جهودها إلى لملمة أطراف التاريخ المحلي وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وهو ما يقوم به الفاعلون الجدد في التأريخ المحلي.

إن صورة المجتمع المحلي للدولة خلال النصف الثاني من القرن العشرين تستمدّ كثيرا من جذورها من التاريخ السياسي لعلاقة الدولة المركزية بالريف، دولة البايات (الدولة المخزنية) ودولة الاحتلال (الرأسمالية) المتعايشتين.

فواقع الإلحاق والاستغلال والعنف المسلط على المناطق الريفية طبع علاقة الريف بالمدينة حيث تتركز الدولة بطابع عدائي (**). فالريف ظلّ قرونا عديدة يمثل محيطا ضريبيا للدولة المخزنية كما أصبح لعقود طويلة مجالا لاقتطاع الخيرات الخام (الفلاحية والمنجمية) لصالح النظام الرأسمالي في العهد الاستعماري.

وقد ساهمت التجارب التنموية المضطربة التي تبنتها دولة الاستقلال في استمرار توجّس سكان الأرياف والمناطق الداخلية ونفّرتهم من أجهزة الدولة وممثليها، رغم انخراطهم في حركة التحرير.

ويمكن تلمّس هذه المشاعر من خلال نظرة الريفيين إلى مؤسسات الدولة وطرق الانخراط فيها:

التجنيد ظلّ عملية قسرية مصحوبة بعنف رمزي كبير.

الانخراط في التنمية الفلاحية كان قسريا وفوقيا (تجربة التعاضد)، وتجارب بناء القرى الزراعية.

أن عملية الإدماج الوطني بمختلف أبعادها لم تتحقق دفعة واحدة، بل تطلب ذلك عقودا طويلة من نشر الوعي السياسي في الريف ونشر التعليم وتوحيده وتفكيك البنى الاجتماعية (القبائل) والثقافية (الزوايا والطرق) وإعادة تقسيم البلاد إداريا.

وهكذا بهتت علاقة الصّدام بين المدينة والسلطة السياسية المركزية من جهة وبين الارياف وسلطتها المحلية من جهة ثانية.

لقد اختفت التقسيمات التقليدية وخطوط التماس الخلافية مثل (البرانيالبلدي) أو (صف يوسف – صف شداد) (الآفاقي – المديني).

ورغم استمرار بعض المظاهر النفسية لصور التنافس أو الصراع هنا وهناك، فإن القطيعة السوسيولوجية المؤسسة على نفي التعارض بين الدولة والريف لم تُنجزْ فصولها الأخيرة الاّ مع بداية عقد الثمانينات حيث بدأت ملامح التغيير الاجتماعي في البروز مستفيدة من نتائج التعليم وانتشار مكوّنات المجتمع المدني وتبلور المؤسسات واختفاء النمط المركزي في التنمية.

لقد أدّت هذه القطيعة/التحول إلى ظواهر جديدة توحي بتبدّل الصورة المتبادلة بين الدولة والمجتمع المحلي ومنها:

1 – ان الدولة أصبحت تعتمد في بناء مشروعيتها على سكان الريف أكثر من اعتمادها على سكان المدن. وهو ما تجسده أساليب التعبئة السياسية وتأثير ومساندة الفاعلين السياسيين في الجهات لمشروع الدولة.

2 – أن الريف حظي بعناية خاصة في المجال التنموي وفي تقريب الخدمات مما ضيق المسافات بينه وبين المدينة.

3 – أن مؤشرات المشاركة والاندماج لدى سكان الريف أصبحت تتسم بالايجابية.

ومع ذلك فإن الصور المتبادلة بين الدولة والمجتمع متغيرة ومتبدّلة بحسب طبيعة المجتمع وحركيته. لكن هذه الصور لا تصل حدّ التطابق، لأن حالة الاندماج الكلي بين الطرفين ليست حالة واقعية رغم إمكانيات التقارب بينهما.

كما ان هذه الصور المشكلة لعلاقة آخرية بين مكوّنات لا غنى لأيّ منها عن الآخر، أصبحت اليوم محكومة بمحدّدات المصالح المتبادلة أكثر من أي وقت مضى. ولعلّ ذلك يجد تفسيره في تغيير مؤشرات الانتماء لدى الفاعلين في المجتمع المحلي من جهة وتغيير طبيعة مستندات مشروعية الحكم لدى الدولة من ناحية أخرى.

وخلاصة القول ان البحث في العلاقات الظاهرة والكامنة الخفية والعلنيّة بين الدولة والقوى والهياكل والأطراف التي تتعامل معها، ومنها المجتمع المحلي.. او بمعنى آخر إن البحث في أبعاد تلك العلاقات المتقابلة بما هي آخرية إنما هو جزء من إجلاء الصورة الحقيقية للبنيات الاجتماعية وطرق تشكلها وتبدّلها.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий