Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > المرأة العربية في منظور الدين والواقع – دراســة مقارنــة -جمانة طه

المرأة العربية في منظور الدين والواقع – دراســة مقارنــة -جمانة طه

المرأة في التاريخ

إذا عدنا إلى ما كتبه الرجال عن وضع المرأة في تاريخ بعض الحضارات القديمة، نجد في كتاباتهم اعترافا بدور المرأة الفاعل في حياة الإنسان القديم.

فهي التي ابتكرت الزراعة، وهي التي دجَّنت الحيوانات المنزلية، وهي التي علَّمت الرجل وسائل استئناس الحيوانات الكبيرة والتحكم فيها.

وأنا هنا لست بصدد العودة بشكل مفصل إلى تاريخ المرأة، ولا بصدد دراسة المتغيرات الجوهرية في أدوار الرجال والنساء، فقد أشبع علماء الاجتماع هذا الموضوع بحثاً ودراسة، وقدموا للعالم النظريات والحقائق. إنَّما أحاول أن أشير إلى بعض الملامح التي كانت تميز تلك المجتمعات القديمة، إذ لابد من الالتفات إلى المراحل الأولى التي خَطَّت فيها المرأة أثلاماً واضحة في تاريخ الإنسانية، لنتعرف على ما كان يجري مع المرأة في ذلك التاريخ القديم، لنصل إلى ما يجري في المجتمع الآن.

لكل مجتمع، مهما كان بدائيا، تنظيم اجتماعي ونظام يؤمن استمراريته . وهناك أدلة تاريخية وأنتروبولوجية كافية، تشير إلى التنوع الشديد بين الحضارات فيما يتعلق بالمهام الموكلة لجنس أو آخر، كبناء المسكن أو صناعة الثياب أو زراعة الأرض. ففي مجتمع ما قبل التدوين، كانت الأم هي العائلة، وكان الأبناء يعيشون في كنف أمهاتهم. وقد أخذ فعل الولادة بلبِّ الرجل وشغافه، ودعاه إلى تقديس المرأة وتأليهها. كذلك فعل مجتمع الحضارات القديمة مثل بلاد ما بين النهرين، ومصر الفرعونية، مع بعض النساء ورفعهن إلى مرتبة القداسة والعبادة والملك، فكانت الإلهة عشتار، والملكة سمير اميس، والفرعون حتشبسوت. لكنَّ هذا التقديس لا يعني استقرار وضع المرأة، ولا ينفي وجود نساء مقهورات ومستغَلات . فالمجتمع الذي عبد عشتار، هو نفسه الذي مارس على معظم النساء فيه نظماً قاسية وأعرافاً صعبة. فقد حتم مجتمع بابل، على المرأة التي تدخل الهيكل أن تضاجع من يضع في حجرها حفنة من الفضة، وبعد خروجها من الهيكل، يحظر عليها السماح لأي رجل أن يلمس يدها، أو يصبح جزاؤها القتل. حتى أنَّ حمورابي الذي جاء، كما قال، ليمنع الأقوياء أن يظلموا الضعفاء، ولينشر النور في الأرض، وليرعى مصالح الخلق، تنكَّر للمرأة وألحق الجور بها، وأباح للدائن أن يحبس زوجة المدين رهينة إلى أن يستوفي دينه!. وفي إحدى مواد قانونه يقول حمورابي:

((إذا أشار الناس بإصبعهم إلى زوجة الرجل لعلاقتها برجل آخر، ولم تضبط وهي تضاجعه، وجب أن تلقي بنفسها في النهر حفظاً لشرف زوجها.))(1)

وقد عُدَّت خيانة المرأة جريمة، ليس لأنَّها ضد نظام الأخلاق، بل لأنَّها ضد حق من حقوق ملكية الزوج . هذا الزوج الذي يبيح لنفسه أن يعير امرأته إلى أحد ضيوفه، أو ليس هو المالك لجسدها وروحها؟!. وكان العرف لا يتطلب من الرجل الذي يطلق زوجته، أكثر من أن يرد بائنتها إليها، ويقول لها: لست زوجتي. أمّا إذا قالت هي له: “(لستَ زوجي) وَجَبَ قتلها غرقاً.” (2).

ومقابل هذه القسوة غير المعقولة المنصوص عليها في القانون، “كان للمرأة من الوجهة العملية أن تفارق زوجها، وإن لم يكن من حقها أن تطلِّقَه، إذا أثبتت قسوته عليها مع إخلاصها له. وفي هذه الحال وأمثالها كان بوسع المرأة أن تعود إلى أهلها، وأن تأخذ معها بائنتها. وما عسى أن تكون قد حصلت عليه لنفسها بعدئذ من متاع.” (3).

وفي المجتمع الأوغاريتي، وتاريخه جزء من تاريخ منطقتنا الطويل، كانت المرأة فيه متميزة بعض الشيء عن مثيلاتها في البلدان المجاورة في ذلك الحين. ((فقد تمتعت بحقوقها السياسية والاقتصادية. فهي ملكة، وأم ملك مع كل الصلاحيات التي تخولها هذه الألقاب. وهي أيضا مالكة عقارات وأراضٍ وعبيد، وسيدة تتصرف بملكيتها بيعا وشراء ورهنا، وهي شريكة اقتصادية لزوجها في الربح والخسارة.))(4) .

إنَّما هذا لا يعني أنَّ المجتمع الأوغاريتي كان مثاليا بالمطلق مع المرأة،فالحياة الاجتماعية في تلك المرحلة مثل غيرها من المراحل السابقة واللاحقة، كانت كثيرة التنوع ومتباينة التفاصيل.

وفي المجتمع المصري القديم، كانت المرأة تُملَّك وُتوَرَّث، وكانت طاعة الزوج لزوجته، من الشروط التي تنصُّ عليها عقود الزواج. حتى أنَّ بعض هذه العقود، تنصُّ على أن يتنازل الزوج لزوجته عن جميع أملاكه ومكاسبه المستقبلية. وهذا ما دعا ماكس ملر* ليقول: ((ليس ثمة شعب قديم أو حديث قد رفع منزلة المرأة مثل ما رفعها سكان وادي النيل.))(5)

وكان كرسي الملك في مصر الفرعونية ينتقل عبر سلسلة النسب الأمومي، لا النسب الأبوي. فكل أميرة هي وارثة طبيعية للعرش، لذا كان على الفرعون الجديد أن يتزوج من وارثة العرش لتثبيت الحق فيه. ولم تشذ عن هذه القاعدة، وراثة الممتلكات المادية لدى جميع طبقات الشعب. وتوضح عقود الزواج التي وصلت إلينا من فترات مختلفة من حكم الأسر الفرعونية، أنَّ الرجل كان يحترم زوجته احتراما كبيرا، ويجعلها صاحبة الأمر والنهي في كل شيء.

ففي صك يعود تاريخه إلى الألف الثالث قبل الميلاد، يقول أحد الأزواج لزوجته : ((منذ اليوم أقرُّ لك بجميع الحقوق الزوجية. ومنذ اليوم لن أفوه بكلمة تعارض هذه الحقوق. لن أقول أمام الناس بأنك زوجة لي، بل سأقول بأني زوج لك. منذ اليوم لن أعارض لك رأياً، وتكونين حرة في غدوك ورواحك دون ممانعة مني. كل ممتلكات بيتك لك وحدك،وكل ما يأتيني أضعه بين يديك))(6).

((وفي مسائل الخطبة، كانت المرأة الفرعونية هي البادئة. فهي التي تخطب الرجل وتعرض عليه الزواج، وهي التي تحدد مواعيد اللقاء به.))(7).

وفي الهند، ووفق العصور التاريخية التي مرَّت عليها، تأرجحت مكانة المرأة بين احترام لها أو انتقاص من قدرها. وعموما كان الرجل هو السيد الكامل السيادة على الزوجة والأبناء والعبيد، في حين كانت المرأة تُشنَق، أو تُحرَق، أو تُدفَن وهي حية، كي تقوم في الحياة الآخرة على خدمة زوجها المتوفى. ويرى المشرِّع (مانو): ((أنَّ الزوجة الوفية، هي التي تخدم سيدها (أي زوجها)، كما لو كان إلهاً. وأن لا تأتي شيئاً من شأنه أن يؤلمه، مهما تكن حالته، حتى وإن خلا من كل الفضائل.)) (8) .

((ويعتقد الهنود القدماء، أنّ الزوجة التي تعصى زوجها مآلها أن تتقمص روحها جسد ابن آوى في خلقها الثاني.)) (9) .

ويُروى عن بوذا، أنَّه لم يكن يطمئن نفساً في حضرة النساء. وأنَّه تردد كثيراً قبل أن يسمح لهن بالانضمام إلى الديانة البوذية. ويذكر بطليموس في كتابه المجسطي: ((أن البراهمة كانوا يحولون بين زوجاتهم وبين دراسة الفلسفة، لأن النساء إن عرفن كيف ينظرن إلى اللذة والألم، والحياة والموت نظرة فلسفية، أصابهن مسٌّ من جنون أو أَبَيْنَ بعد ذلك أن يظللن على خضوعهن.)) (10).

وفي المرحلة الفيدية، أخذت النساء فرصتهن ومارسن كل ما فيه تنمية لمواهبهن. تقول الباحثة عصمت مهدي: ((لقد أعطى العصر الفيدي، النساء الفرص الكافية لتنمية شخصيتهن وإظهار مواهبهن، ولو تصفحنا النصوص الأدبية الفيدية لوجدنا حرص المجتمع على تعليم البنات على أساس المساواة مع الذكور.)) (11).

وفي الصين وقبل أيام كنفوشيوس، كانت المرأة محور الأسرة، فالناس يعرفون أمهاتهم ولا يعرفون آباءهم. وقد وصلت بعض النساء في تلك المرحلة إلى سدة الحكم. لكنَّ قيام نظام الإقطاع قلل من دور المرأة، وأوجد في الأسرة أسلوبا أبويا صارما.

فصار الآباء ((يعدُّون البنات عبئاً لصعوبة تربيتهن، وراحوا يتوجهون بالدعاء في صلواتهم كي يرزقوا بنين لا بنات. حتى أنَّ بعض الأسر الفقيرة كانت تترك البنات في الحقول، ليقضي عليهن صقيع الليل والوحوش الضارية.)) (12).

((وأصبح من أشد أسباب المذلة الدائمة للأمهات، أن لا يكون لهن أبناء ذكور.)) (13)

لنقرأ ماذا تقول كلمات إحدى الأغنيات الصينية عن المرأة، وكيف تصف أحوالها، ومشاعر الذين حولها:

ألا ما أتعس حظ المرأة !

ليس في العالم كله شيء أقل قيمة منها.

إنَّ الأولاد يقفون متكئين على الأبواب، كأنَّهم آلهة سقطت من السماء.

تتحدى قلوبهم البحار الأربعة، والرياح والتراب.

أمَّا البنت فإنَّ أحداً لا يسر بمولدها.

ولا تدخر الأسرة من ورائها شيئاً.

وإذا كبرت، اختبأت في حجرتها.

تخشى أن تنظر إلى وجه إنسان.

ولا يبكيها أحد إذا اختفت من منزلها.

ويصف كتاب (قوانين الجنسين) وضع الزوجة الصينية، بقوله: ((إذا كان للمرأة زوج، يرتضيه قلبها، وجب أن تبقى معه طيلة حياتها. وإذا كان للمرأة زوج، لا يرتضيه قلبها، وجب أن تبقى معه أيضاً طيلة حياتها.))(14)

وفي اليابان، كانت منزلة المرأة أعلى في مراحل المدنية الأولى منها في المراحل المتأخرة. أي قبل انتشار النظام الإقطاعي الحربي، حيث أصبح الذكر سيد المجتمع وأصبحت المرأة خاضعة للطاعات الثلاث: الوالد والزوج والابن.))(15).

وفي المجتمع اليوناني، تنوع وضع المرأة وتفاوت بتنوع الحضارة التي مرت على تلك الأرض، فإلى جانب الإلهة والملكة والسيدة الكريمة، كانت هناك القَيْن والعاهرة.

لكنَّ عمق الثقافة المعروف عن الفلاسفة اليونانيين، لم يمنع بعضهم من الوقوف من المرأة مواقف غير إيجابية أوقعت المطلعين عليها في حيرة، لأنَّ المنطق يرفض مواقف هؤلاء المفكرين، من أمثال سقراط وأفلاطون وفيثاغورث.

إذ لولا المرأة وقيمتها، ((لما قامت حروب طروادة. ولولا المرأة، لكان بطل هوميروس في الإلياذة بطلاً جلفاً ليس لـه هدف يعيش من أجله. لذا لا يمكن لمثل هذه الحضارة، أن تجهل أسمى ما في المرأة وأعمق ما فيها.))(16).

وفي التراث الإغريقي أسطورة تحتوي عناصر تاريخية واضحة الدلالة، تشير إلى الانقلاب الذكري الكبير، وإحلال حق الأب محل حق الأم: ((في صباح أحد الأيام وقبل أن يطلق على أثينا اسمها المعروف، أفاق أهل المدينة على حادث عجيب. حيث نبتت في ليلة واحدة شجرة زيتون ضخمة، وعلى مقربة منها انبثق نبع ماء غزير. وأدرك الناس أنَّ وراء ذلك سراً إلهياً، فأرسل الملك يستطلع عرافة معبد دلفي الأمر، فأجابوه بأن شجرة الزيتون هي الإلهة (أثينا) وأنَّ نبعة الماء هي الإله (بوسيدون)، وأنَّ الإلهين يخيران السكان أي الاسمين يطلقون على مدينتهم. فصوتت النساء إلى جانب (أثينا) وصوت الرجال إلى جانب (بوسيدون)،وتمَّ إطلاق اسم أثينا على المدينة لأنَّ النساء كنَّ أكثر من الرجال. وهنا غضب بوسيدون فأرسل مياهه المالحة العاتية فغطت أراضي أثينا. ولتهدئة خواطر الإله الغاضب، فرض رجال المدينة على نسائها ثلاث عقوبات: أولاً لن يتمتعنَّ بحق التصويت العام بعد اليوم. ثانياً لن ينتسب الأولاد بعد اليوم إلى أمهاتهم، بل لآبائهم. ثالثاً لن تحمل النساء لقب الأثينيات ويبقى ذلك وقفاً على الرجال.)) (17).

وفي الحضارة الرومانية، تنوعت أوضاع المرأة تبعا للمراحل السياسية والثقافية والاقتصادية، وعموما، يعد العصر الروماني عصر الرجل أو العصر الأبوي. ففيه ظهرت سلطة الرجل ظهورا بيّنا واضحا، وفيه أخذت الأسرة الأبوية سماتها المتميزة.

لكنَّ (كاتو الكبير)، وهو من أعظم كتاب النثر اللاتيني، كان ينعي على الرومانيين تخاذلهم أمام النساء، فيقول: ((إنَّ الرجال في جميع أنحاء العالم يحكمون النساء،أمَّا نحن الرومان الذين نحكم جميع الرجال فإنَّ نساءنا يحكمننا.))(18).

ثم يقول: ((لو أننا كلنا قد استمسكنا في بيوتنا بحقوق الأزواج وسلطانهم، لما تورطنا الآن في هذه المشاكل مع نسائنا. أمَّا ونحن لم نستمسك بهذه الحقوق وهذا السلطان، فإنَّ نفوذنا الذي قضى عليه استبداد النساء في البيت قد وطئته الأقدام وقُضي عليه هنا في السوق. إنَّ الساعة التي يصبحن فيها مساويات لكم هي الساعة التي يصبحن فيها ذوات الأمر والنهي عليكم.)) (19).

وهذا الكلام لا يحتاج إلى شرح وتوضيح، فهو يفسر نفسه بنفسه. وفي ظني، أنَّ الأعراف والقوانين الموجودة في معظم البلدان العربية لا تبتعد كثيرا في مفاهيمها، عن آراء هذا الكاتب الروماني. وقد صدق من قال: التاريخ يعيد نفسه مهما طال الزمان وابتعد المكان.

وفي المجتمع الفارسي القديم، كانوا لا يرغبون في البنات، ومن أقوالهم: ((إنَّ الرجال لا يدعون الله أن يرزقهم بنات، والملائكة لا تحسبهن من النعم التي أُنعم بها على بني الإنسان.)) (20).

ومع أنَّ الديانات الفارسية القديمة، الزرادشتية والمانوية والمزدكية، لم توقع على المرأة تهمة الخطيئة الأولى فقد اعتبرتها كائنا نجسا، فأوجبوا عليها وضع حجاب يفصل بينها وبين النار المقدسة لئلا تدنس أنفاسها هذه النار. وفي أيام زرادشت احتلت المرأة مقاما ساميا، ((فكانت تسير بين الناس بكامل حريتها سافرة الوجه،وكانت تمتلك العقار وتصرف شؤونه،وكان في وسعها أن تدير شؤون زوجها باسمه أو بتوكيل منه0و كان لبعض النساء الفارسيات في جميع الأوقات سلطان قوي في بلاط الملوك حتى العهود المتأخرة.))(21).

وفي روسيا القديمة، كان الوالد يضرب ابنته ليلة زفافها، ثم يقدم السوط لزوجها، ليمارس عليها هذا الحق. على مبدأ مثلنا الشعبي: (اقطع راس القط من ليلة العرس).

*  * *

في عصر ما قبل الإسلام، تباين الوضع الاجتماعي للمرأة العربية بحسب الطبقة الاجتماعية التي تنتمي المرأة إليها. فكان هناك المرأة الحرة الشريفة التي ظفرت بالاحترام والطاعة، والمرأة الجارية الرقيقة المستعبدة التي لم تنل غير المهانة والامتهان.

وفي المجمل، كانت المرأة في ذلك العصر تتمتع بحرية واسعة لا تختلف كثيراً عن حرية الرجل. من حيث الخروج والاختلاط وممارسة الجنس والطلاق. ويعود وجود هذه الحرية إلى غياب السلطة في مفهومها القمعي وسيطرتها على سلوك الفرد ورغباته.

فالمرأة قبل أن تتحصن وتتخلص من مجتمع المشاعة الجنسية، كانت هي المرجع الوحيد لصحة انتساب الولد إلى والد بعينه. ويظن بعض الباحثين، أنَّ انتساب بعض البطون العربية إلى أمهاتهم مثل: ظاعنة وثمود وجديس وقريش، جاء بسبب تهرب بعض الرجال من الاعتراف بأبنائهم.

وبعد ظهور الإسلام، تحسَّنت حال المرأة بفضل تعاليم الدين الجديد وتشريعاته. وصار الرجل أكثر رفقا بها، وأكثر تفهما لمكانتها ودورها في الوجود العام.

إنَّما لم يشمل هذا التحسن كل البيوت وكل النساء، فبقيت هناك نساء مقهورات شاكيات وعاتبات على الرجال، سوء المعاملة وفقدان الاحترام.

وفي العصر الأموي، وعلى الرغم من وجود بعض النساء البارزات أخذ نجم المرأة العربية شيئا فشيئا بالأفول، وبدأت مسيرة انحسارها عن الحياة العامة إلى الحياة العائلية الاجتماعية. وذلك بتأثير من دخول عناصر، عربية وغير عربية، من الإماء وأمهات الأولاد، إلى بنية المجتمع العربي وإلى مؤسسة السلطة الحاكمة.

وفي العصر العباسي، تراجعت مكانة المرأة العربية تراجعا ملحوظا، حين احتلت المرأة- الأَمَة دورا مميزا في قصور الخلفاء وفي قلوبهم، وصارت الأعجميات منهن أمهات الخلفاء.

ومع تردي الوضع الاجتماعي واستشراء الوجود الأعجمي، وازدياد الفتن والثورات التي انتهكت جسد الإمبراطورية العربية الإسلامية وقسمته إلى دويلات وممالك صغيرة، تردَّى وضع المرأة في المجتمع العربي، وطوَّقها التزمت والجهل والتخلف. فتأصل خضوعها وتنامى، حتى تحولت إلى كائن إنساني بغيرها لا بذاتها، أي بوالدها أو أخيها أو زوجها.

*          *          *

من خلال هذا السرد التاريخي، نلاحظ أنَّ الصراع بين الرجال والنساء لم يكن في البداية موجوداً، أو على الأقل لم يكن واضحاً وضوحه اليوم. كما لم يكن هناك عصر نساء، ولا عصر رجال بالمعنى المطلق لهذه التسمية. فوجود ربات من النساء وحاكمات من النساء، لا يعني أنَّ المجتمع كان مديناً لسيادة المرأة. كما أنَّ وجود رقيقات من النساء ومستعبدات، لا يعني أن المجتمع كان محكوماً من قبل الرجال. فالمرأة لم تكن مسيطرة تماماً ولا مضطهدة تماماً، ووضعها عموما مثل وضع الرجل، مع اختلاف النسبة العددية بينهما. فكما أنَّ هناك رجالاً قادة وأشرافاً، كان هناك رجال عبيد وأرقاء مسحوقون. فلولا سواعد العبيد، لما شيدت المعابد والهياكل والأهرامات.

وإذا تركنا الواجهة الخارجية للمجتمع، أي مجتمع، وتوغلنا في داخل البنية الاجتماعية الخاصة لكل طبقة أو فئة أو أسرة، عندها نستطيع أن نرى مَنْ يحكم مَنْ. فكم من نساء قاصرات في العلم والمعرفة يحكمن أزواجهن وبيوتهن بيد من حديد. وكم من نساء متعلمات متأدبات، يقعن تحت سطوة الرجال ولا حول لهن ولا طول. إنَّ اختلاف الزمن يجعل للذكور أدواراً، وللإناث أدواراً مثلها. وغياب المرأة عن الساحة الاجتماعية في بعض الأحوال، هو غياب ظاهري. فسلطانها الحقيقي على الرجل حاضر أبداً، من خلال وظيفتها البيولوجية في عملية الخلق والولادة، ومن خلال دورها في الأسرة، فهي الأم والمربية والمسؤولة عن تنشئة الأبناء، جسدياً وعقلياً واجتماعياً.

إنّ غياب الأم عن أبنائها وانشغالها عنهم بالعمل أو بسواه، يخلق خللا في العلاقة بينها وبينهم، وفي العلاقة بين الأبناء والمجتمع، ويؤثر في سلوكهم وتصرفاتهم وصحتهم النفسية.

وهذا ما حدث في مجتمع الاتحاد السوفييتي، حيث انهمكت المرأة-الأم بعملها خارج المنزل وأهملت أبناءها. فثورة أكتوبر في روسيا، جاءت لتلغي التمييز لصالح المرأة، وتلغي فكرة أنّ قدر المرأة أن تكون مجرد أم وربة منزل، وتحررها من جزء من عبء التزاماتها تجاه أسرتها. لكنها في الوقت ذاته ومن حيث لا تتوقع، أسست لأسرة روسية وسوفيتية مفككة، وأولاد ضائعين.

وقد تنبَّه إلى هذه المشكلة لاحقا، الرئيس غورباتشوف(رئيس الاتحاد السوفييتي سابقا)، ولفت النظر إليها في أحد فصول كتابه (بيريسترويكا، والتفكير الجديد لبلادنا والعالم)، وطالب بمنح المرأة السوفيتية فرصة لتعود إلى ممارسة دورها الطبيعي في البيت والأسرة. فيقول: ((على الرغم من أهمية الدور الريادي الذي قام به الاتحاد السوفيتي بتطبيق مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، إلاَّ أنَّه ترك ظواهر سلبية على المجتمع، تجلت في انحراف الأبناء وتخلخل النظام الأسري. إننا نفتخر بما قدمته السلطة السوفيتية للمرأة: الحق المتساوي مع الرجل بالعمل، وعدم التفريق في الأجور والحماية الاجتماعية. ولكن في غمرة مشكلاتنا اليومية الصعبة، كدنا ننسى حقوق المرأة ومتطلباتها المميزة المتعلقة بدورها، أُمًّا وربة أسرة. كما كدنا ننسى، وظيفتها التي لا بديل عنها مربية للأطفال. فلم يعد لدى المرأة العاملة في البناء وفي الإنتاج وفي قطاع الخدمات وحقل العلم والإبداع، ما يكفي من الوقت للاهتمام بالشؤون الحياتية اليومية كإدارة المنزل وتربية الأطفال، وحتى مجرد الراحة المنزلية. وقد تبيَّن أن الكثير من المشكلات في سلوكية الفتيان والشباب، وفي قضايا خُلقية وحتى إنتاجية إنما يتعلق بضعف الروابط الأسرية والتهاون بالواجبات العائلية. ومن هنا يدور الآن نقاش حاد في صحافتنا ومنظماتنا الاجتماعية، وفي العمل والمنزل، حول مسألة استعادة المرأة لدورها الأنثوي الحقيقي بالكامل. إنَّ معافاة العائلة وتنشيط دورها في الحياة وفي تطوير المجتمع تمثل الآن بالنسبة إلينا المهمة الاجتماعية الأكثر إلحاحا.))(22).

فبالتربية السليمة يُبنى الإنسان والمجتمع، وعلى المرأة أن تدرك ذلك بحدسها قبل أن تتعلمه بعقلها. وقوتها تنبع من حسن تدبرها لأمور بيتها، ووجودها الإنساني يتحقق بتربية أبنائها تربية صالحة.

***

الهوامش:

1-قصة الحضارة: جص232

2-نفسه .

3-نفسه ، ص233

4-النساء في أوغاريت، ص11

5-قصة الحضارة: جص96

6و7- المرجع نفسه، ص98

8-نفسه :جص179

9-نفسه.

10-نفسه.

11-مجلة ثقافة الهند، عدد 3، عام 1986

12-قصة الحضارة: جص266

13-نفسه، ص273

14-نفسه.

15-نفسه: جص63

16-نفسه.

17-لغز عشتار، ص37

18-قصة الحضارة: جص216

19-نفسه.

20-نفسه: جص442

21-نفسه .

22-بيريسترويكا، والتفكير الجديد لبلادنا والعالم، ص 166، دمشق: دار الفارابي، 1988م

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий