Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > المرأة والفعل الثقافي (6) مثلي الأعلى كان امرأة!

المرأة والفعل الثقافي (6) مثلي الأعلى كان امرأة!

السبت 7 حزيران (يونيو) 2008

بقلم: هاشم صالح

هل للمرأة عقل يا ترى؟ وهل لها روح أصلا؟ أم إنها معفية من ذلك ويكفيها غسل الصحون وإنجاب الأطفال والاعتناء بالسيد الرجل وربما غسل رجليه كما كانت تفعل جداتنا بل وحتى أمهاتنا، وكفى الله المؤمنين شر القتال؟.. أخطر شيء على المرأة هو العصر اللاهوتي الأصولي ثم البطريركي الإقطاعي الأبوي، وهما متلازمان. وهذا في كل الأديان وليس في الإسلام فقط. أقصد في أديان التوحيد الثلاثة المعروفة. أما أديان الشرق الأقصى كالبوذية والهندوسية والكونفشيوسية فلا أستطيع الحكم عليها لأني لا أعرفها جيدا. ولكن لا أظن أن موقفها من المرأة كان سلبيا بشكل مسبق والى مثل هذا الحد كما هو عليه الحال في اليهودية والمسيحية والإسلام. فهذه تشيع عنها أحكاما سلبية مسبقة أبدية أزلية لا تحول ولا تزول حتى يرث الله الأرض ومن عليها..
فاليهودي الأصولي يبتدئ نهاره بالدعاء أو الابتهال التالي: شكرا لك يا رب، يا اله الكون، لأنّك لم تخلقني امرأة! هذا وقد سيطرت أسطورة حواء الغاوية التي أوقعت آدم في شباكها على آباء المسيحية الكبار. ومنذ ذلك الوقت وهم يحقدون عليها لأنها كانت أول من عصى أوامر الله. وقد شبهها بعضهم بالأفعى لشدة خطورتها على الرجل المسكين المهذب. وبولس الرسول كان يقول: في أي مجمع عام ينبغي على المرأة أن تسكت فلا تأخذ الكلام في حضرة الرجال. يكفيها أن تسمع. وإذا لم تفهم شيئا ما فلتسأل عنه زوجها في البيت. وكان يقول أيضا: رئيس كل إنسان هو المسيح، ورئيس المرأة هو الرجل، ورئيس المسيح هو الله. أو: كما أن الكنيسة خاضعة للمسيح فإنّّ النساء ينبغي أن يخضعن لأزواجهن في كل شيء. أو: إذا لم تلبس المرأة الحجاب فلتحلق رأسها على الصفر. وإذا وجدت أن ذلك عار عليها فلتلبس الحجاب إذن! وبالتالي فالحجاب ليس إسلاميا فقط على عكس ما يظن الكثيرون وإنما هو مسيحي ويهودي أيضا. وفي إسرائيل هناك حيّ للمتعصبين اليهود الذين يشتمون النساء الإسرائيليات الحاسرات أو اللابسات على الطريقة الأوروبية إذا ما مررن من هناك صدفة..إنهم يبصقون عليهن ويرمونهن بالحجارة والبيض الفاسد باعتبار أنهن نجسات لا طاهرات على عكس اليهودية الملتزمة المحجبة المحتشمة.. وفي الإسلام هناك آيات وأحاديث مشابهة تعطي الأولوية للرجل على المرأة: الرجال قوامون على النساء، واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، وللذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة رجل تعادل شهادة امرأتين لأنّ المرأة ناقصة عقل ومدارك بالضرورة. الخ.. وهناك كلام منسوب إلى الإمام علي يقول: المرأة شرّ كلها وشرّ ما فيها أنّه لا بدّ منها..برافو!
وفي الحديث إذا صحّ: ما اجتمع رجل وامرأة إلا كان الشيطان ثالثهما. برافو، برافو! أحسن وأحسنين! بارك الله فيكم. عظم الله أجركم. ما كنت أعرف أني صديق للشيطان إلى مثل هذا الحد..
باختصار شديد:
المرأة عورة كلها: عورة إذا مشت، وعورة إذا حكت، وعورة إذا تنفست. كل شيء يصدر عنها مدعاة لغواية الرجل المؤمن ويشكل تهديدا بحرفه عن الطريق المستقيم، لا سمح الله..والعياذ بالله.. من هنا تركيز الأصوليين في كل الأديان على تحجيم المرأة وتقييدها وتغطيتها وتعميتها حتى لا تكاد ترى أمامها.
وهذا ليس غريبا ولا ينبغي أن يثير دهشتنا على الإطلاق لأنّ هذه النصوص الدينية كتبت في عصر كانت فيه المساواة بين الرجل والمرأة من رابع المستحيلات. كانت تدخل في دائرة ما يدعوه الفلاسفة اليوم: باللامفكر فيه أو المستحيل التفكير فيه. وبالتالي فلا ينبغي أن نسقط أفكار الحداثة المعاصرة على العصور الغابرة أو أن نطالبها بشيء ما كانت قادرة على أن تعطيه. ينبغي أن نحاكمها على أساس معايير عصرها لا معايير وقيم عصرنا. وإلا فإننا نسقط فيما يدعوه العلماء بالمغالطة التاريخية وهي أبشع شيء يمكن أن يرتكبه المفكر أو المؤرخ. بل وأضيف قائلا إنّ القرآن الكريم كان يمثل تقدما بالنسبة لعصره لأنّ وأد البنات كان سائدا في الجاهلية ونهى عنه نهيا قاطعا: وإذا الموؤودة سئلت، بأي ذنب قتلت. كما دعا إلى معاملتهن بإحسان في آيات عديدة. وحتى تعدد الزوجات نهى عنه ضمنيا في نهاية المطاف إذ قال: وان خفتم ألا تعدلوا فواحدة. ومعلوم أن العدل مستحيل بين زوجتين فكيف بين أربعة؟ وبالتالي فالقرآن الكريم كان يمثل تقدما أكيدا بالنسبة لعصره. ولكن الفقهاء الذين جاؤوا بعده كانوا يمثلون تراجعا عن المواقف الإنسانية التي اتخذها ليس فقط تجاه المرأة وإنما أيضا تجاه موضوعات أخرى عديدة. وبالتالي فإدانة المرأة أو احتقارها ناتج بالدرجة الأولى عن طبقة رجال الدين وليس عن النصوص المقدسة كالتوراة والإنجيل والقرآن. وإن كانت هذه النصوص بحاجة إلى مراجعة بالطبع وإعادة قراءة. إنه ناتج عن أقوال حاخامات اليهود أو كهنة المسيحيين أو فقهاء الإسلام المتأخرين. والدليل على ذلك أن الحجاب ليس قرآنيا بالمعنى المتعارف عليه إذا ما فهمناه جيدا. من هنا ضرورة القيام بتفسير تاريخي دقيق للقرآن الكريم. وينبغي فهم مقصده الأسمى لا الالتزام بحرفيته. القراءة الحرفية الجامدة هي سبب كل المآزق التي يعاني منها المسلمون اليوم.
فالمقصد العميق هو المهم وليس المعنى الحرفي الذي كان مرتبطا بظروف عصره بالضرورة لان الله لا يوحي لقوم إلا بلغتهم وبحسب درجة أفهامهم في ذلك العصر. فخذوا الجوهر واتركوا القشور أيها الناس! وفي القرآن آيات بينات عديدة تدعو إلى احترام المرأة وتقديرها ورفعة شأنها. وعاشروهن بالمعروف: معنى يتكرر كثيرا في القرآن بأشكال شتى. ولكن عصور الانحطاط اللاحقة فهمته على عكس ما هو عليه وقدمت عن المرأة صورة سلبية جدا. وكان أن حصدنا الطالبان وكل هذه الحركات المتزمتة التي تسيطر على الشارع اليوم.
ينتج عن ذلك انك لا تستطيع أن تنظم مجتمع القرن الواحد والعشرين على أساس أفكار ومبادئ ونصوص كتبها الفقهاء والحاخامات والكهنة قبل ألف سنة أو أكثر! ونستنتج أيضا أن القرآن الكريم بحاجة إلى إعادة تأويل على ضوء العصور الحديثة وعلى ضوء مقاصده النبيلة وظروف عصره لا على ضوء حرفيته. ونستنتج أخيرا أن المرأة لا يمكن أن تنال حقوقها في ظل العهد الثيوقراطي(أي حكم رجال الدين) وإنما في ظل العهد الديمقراطي العلماني الحديث. ولكن التوصل إلى ذلك دونه خرط القتاد. فالمرأة التي احتقرت على مدار التاريخ تقريبا لا يمكن أن تنال حقوقها كانسان بالكامل إلا على مراحل وإلا بعد انحسار الموجة الأصولية الطاغية حاليا. وقد أثبتت الباحثة الفرنسية كارولين فاوريست في كتاب ترجمته رابطة العقلانيين العرب ونشرته أن جميع الأصوليات من يهودية ومسيحية وإسلامية تكره المرأة وتشتبه بها وتحاول محاصرتها بأي شكل. بل وهناك تحالف بين الأصوليات ضد الحضارة الحديثة المتهمة بأنها متسيبة جنسيا ومنحلة أخلاقيا وكل هذا الكلام الفارغ..
وأتذكر مرة أن جدتي كانت عندنا في البيت وكانت أختي على وشك الإنجاب ونحن ننتظر النتيجة في الغرفة المجاورة. وفجأة تدخل علينا ووجهها متجهم عابس فعرفنا فورا أن أختي أنجبت طفلة وانفجرنا بالضحك فورا. ضحكنا لمنظر جدتي الذي كان يشبه التراجيديا- الكوميديا. لماذا تزعلين إلى هذا الحد؟ وهل حصلت كارثة في البيت؟ هل انطبقت السماء على الأرض؟ كان منظرها بالفعل يبعث على الأسى والحزن وكأنها تعتذر لنا عن أختي التي ارتكبت جريمة لأنها لم تستطع أن تنجب طفلا ذكرا نفاخر به بين الأمم..فكان أن تمخضت عن أضعف الإيمان: طفلة صغيرة مدانة حتى قبل أن تولد..
لماذا انزعجت جدتي، وهي امرأة، من ولادة طفلة صغيرة؟ لماذا هي ضدّ ذاتها أو ضدّ بنات جنسها في نهاية المطاف؟ ليس لأنّها غبّية أكثر من غيرها وإنما لأنها تعيد إنتاج الإيديولوجيا المهيمنة على المجتمع العربي الإسلامي الشرقي الذكري الفهلوي الخ..ينبغي العلم بأن أيديولوجيا الفئة المهيمنة على المجتمع تصبح حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش وتفرض نفسها على الجميع بمن فيهم أولئك الذين يعانون من هيمنتها. بل ويصبح المهيمن عليه بفتح الميم أكثر تمسكا بها وإصرارا عليها بحكم العادة والألفة والمازوشية والخضوع للاهوت القرون الوسطى أو فقهها القديم. وهناك عبيد يرفضون الحرية ويقبّلون أقدام أسيادهم البيض من كثرة الخنوع وتعودهم على العبودية. فجدتي ليست لها أي مصلحة في الانزعاج من ولادة حفيدة صغيرة لها. ولكن المجتمع رسخ في أعماقها الفكرة القائلة بأنّ الذكر أفضل من الأنثى وأنّ البنت مصيبة في نهاية المطاف بل ربما عار على العائلة..
ويقول لنا علماء الاجتماع الكبار من كارل ماركس وماكس فيبر وحتى بيير بورديو بأنّ أوّل خطوة ينبغي القيام بها لنقض الإيديولوجيا المهيمنة على المجتمع هي اكتشاف سر قانون الهيمنة ذاته: أي إخراجه إلى ساحة الضوء وتعريته وتفكيكه. من أين جاء؟ ومتى ترسخ؟ وضمن أية ظروف؟ ومن خلع عليه المشروعية؟ ولماذا؟ ولمصلحة من؟ الخ.. وهل هو إلهي يا ترى كما يقول المحافظون المسيطرون أم إنه أرضي بشري بل وبشري أكثر من اللزوم كما يقول نيتشه في تعرية رائعة للمسيحية وكل القداسات التقليدية؟ ولكن المشكلة هي أن المجتمع أو بالأحرى الفئة المهيمنة عليه ليس لها أي مصلحة في كشف قانون الهيمنة، أو القانون الذي يشرّع الهيمنة. بل إنها تعرض الأمور وكأنها طبيعية بديهية لا تحتاج نقاشا. إنها تعرضها على أساس أنها تمثل القانون الإلهي الأزلي الذي أراده الله للبشر. لهذا السبب ينزعج المهيمنون أشد الانزعاج من الفكر النقدي الذي يعرّي الأشياء على حقيقتها ويكشف عن القوانين المطموسة للهيمنة الظالمة ولكن التي تبدو وكأنها طبيعية لا غبار عليها. ولهذا السبب فإنّ جدتي تقف ضد ذاتها. فهذا شيء منطقي ضمن ظروف المجتمع الذي عاشت فيه. فهي كانت قد استبطنت قانون الهيمنة الذكرية منذ الصغر على أساس انه حقيقة إلهية واجتماعية مطلقة. وهذا الأمر لا ينطبق فقط على مشكلة المرأة وإنما أيضا على كل أنواع الهيمنة الأخرى سواء أكانت ذات طبيعة عرقية أم عنصرية أم طائفية أم مذهبية أم طبقية الخ..
ففي المجتمع العربي الإسلامي التقليدي، أي مجتمع ما قبل الحداثة، ينبغي العلم بأنّ: الرجل أفضل من المرأة، والمسلم أفضل بالضرورة من غير المسلم، والعربي أفضل من غير العربي أي الامازيغي أو الكردي أو الأرمني الخ..بل وحتى داخل الإسلام هناك تراتبات هرمية: فالسني أفضل من الشيعي بالنسبة للعالم العربي بمجمله، والشيعي أفضل من السني بالنسبة للعالم الإيراني بمجمله. وقس على ذلك..وأي بحث علمي راديكالي اركيولوجي يحاول تعرية الأسس العميقة للقوانين التي تشرع هذه الهيمنات كلها يجابه بالرفض القاطع من قبل أتباع الفئة المهيمنة تاريخيا على المجتمع. فهم ليس لهم أي مصلحة في انكشاف القوانين العميقة للهيمنة لان ذلك يشكل الخطوة الأولى نحو إنهاء هيمنتهم التاريخية المزمنة. من هنا أهمية الفكر النقدي في كل مجتمع بشري. من هنا حاجتنا إلى مفكري التعرية الراديكالية من أمثال نيتشه وماركس وفرويد أو ميشيل فوكو وبيير بورديو وجيل ديلوز الخ.. الفكرة أكثر خطرا من الرصاصة إذا كانت صحيحة، دقيقة، عميقة، تصيب الهدف جيدا. يعرف ذلك كل من جرب الفكر طويلا وعاناه : أي كل من نزل إلى الدهاليز السفلية التحتية التي لا ينزل إليها أحد عادة ولا يغامر في شعابها مخلوق قط. ولهذا السبب فإنّ المفكرين الراديكاليين، أي الذين ينبشون عن جذور الأشياء وأعماقها الدفينة، يحاربون عادة ويراقبون من قبل السلطات العليا سواء أكانت دينية أم سياسية أم الاثنتين معا. بل ويتعرضون للتهديد بالتصفية الجسدية إذا ما اقتربوا أكثر مما يجب من منطقة الحقائق الساخنة والمطموسة منذ قرون. لا يوجد مفكر كبير واحد في التاريخ إلا تعرض للخطر الأعظم في لحظة ما من لحظات حياته. ولهذا السبب أيضا تلاحظ انه حتى المثقفون العرب أو بالأحرى أشباه المثقفين الذين يدعون أنهم مع الحداثة وحقوق الإنسان بل ويزايدون عليك في ذلك سرعان ما يتراجعون عندما تبتدئ بالقيام ببحوث اركيولوجية جذرية تهدف إلى نقد العقل اللاهوتي التقليدي أو تفكيك مقولات الفقه القديم من أساساتها. لماذا؟ لأنهم يعرفون أن هذه البحوث سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى فضح قوانين الهيمنة التعسفية التي تشكلت يوما ما في الماضي البعيد. ويعرفون أنها ستؤدي إلى نزع المشروعية “الإلهية” عنها ونسف العالم القديم برمته وتحقيق المساواة بين البشر. وستؤدي بالتالي إلى وضع حد للامتيازات الفاحشة التي تتمتع بها الفئة المهيمنة تاريخيا لسبب عرقي أو طائفي أو جنسي(رجل/امرأة) والتي لم يعد لها مبرر وجود.
هنا تكمن عظمة الحداثة الأوروبية وعظمة مفكريها الذين تجرّؤوا على تفكيك النظام اللاهوتي المسيحي القديم وإحلال الفلسفة السياسية الحديثة محله. بدل اللاهوت السياسي الذي لا يزال مهيمنا على العالم العربي والإسلامي كله أحلّوا الفلسفة السياسية التي لا تحاكم الناس على أماكن ولادتهم ولماذا ولدوا في المكان الخطأ ولا على لون بشرتهم وإنما على ميزاتهم الشخصية وأعمالهم ومدى خدمتهم للمصلحة العامة والمجتمع ككل. لهذا السبب تقدمت شعوب وتخلفت أخرى وليس لأي سبب آخر. وما دامت المرأة العربية سجينة التقاليد العتيقة وفقه المشائخ فان نصف المجتمع سيظل مشلولا وسيظل العرب بالتالي متخلفين عن الأوروبيين.
ولكن لحسن الحظ فإنّ الأمور ابتدأت بالتحلحل والتغير. فعدد المتعلمات في مدارسنا وجامعاتنا أصبح اكبر بكثير مما كان عليه قبل عشرين أو ثلاثين سنة. وأذكر أني عندما كنت معيدا في قسم اللغة العربية في جامعة حلب قبل ثلاثين سنة كانت الفتيات قد أصبحن كثيرات نسبيا ولكن أقل بالطبع من عدد الذكور بكثير. وكن يتجرأن على الجلوس في المقاعد الأمامية ويبهرنك بجمالهن والماكياج وبعض النظرات من تحت إلى تحت إلى درجة انك تجد صعوبة في إعطاء الدرس أحيانا…هذا في قسم اللغة العربية فما بالك بقسم اللغة الفرنسية أو الانكليزية حيث توجد البورجوازيات الحلبيات؟

ومؤخرا عندما شاركت في مؤتمر عن الترجمة في جامعة قابس كان المدرج مليئا بالطلبة والطالبات غير المحجبات في قسم كبير منهن. بل وحتى المحجبات كن يستخدمن حجابا ملونا يغطي الشعر فقط وبطريقة تزيد من الإغراء والجاذبية أحيانا.. كانت هناك فئة قليلة من المحجبات بشكل ديني تقليدي واضح: الحجاب الأسود المعروف. وقد انزعجن من بعض الأفكار التي طرحت وربما انسحبن، لم أعد أتذكر بالضبط.. ولكن عموما كانت الفتيات التونسيات الجميلات اللواتي لا يقللن خطورة عن فتيات جامعة حلب يشاركن في النقاش بكل حرية وكفاءة. هذا في الجنوب التونسي فما بالك بالشمال حيث توجد العاصمة والتطور والحداثة بشكل اكبر بكثير؟ قد يقول قائل: ولكن تونس متقدمة على غيرها بفضل سياسة بورقيبة الليبرالية التي ذهبت بعيدا في إعطاء الحقوق للمرأة. وهذا صحيح. ولكن الحركة الكونية للحداثة سوف تكتسح عاجلا أو آجلا كل الدول العربية والإسلامية.

هل يمكن أن نقارن عدد الكاتبات والصحفيات العربيات قبل ثلاثين أو حتى عشرين سنة بعددهن اليوم؟ ليست لدي إحصائيات دقيقة ولكن كل الدلائل تشير إلى البون الشاسع بين الحالتين. في الماضي كان عدد الكاتبات لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة. أما اليوم فإن عدد الشاعرات والروائيات والصحفيات وحتى رئيسات التحرير والجامعيات والأكاديميات والمثقفات عموما أصبح بالعشرات والمئات. وإذن فهناك تطور لحسن الحظ. هناك تقدم في التاريخ على الرغم من كل شيء. ولولا ذلك لكنا استسلمنا للأمر الواقع ورضخنا للمقدور. بالطبع لا يزال العدد غير كاف حتى الآن. ولو أن المرأة العربية نزلت بكل قواها وإمكانياتها الخلاقة إلى الساحة لتغير وجه العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه ولتسارعت حركة التطور أضعافا مضاعفة. ولكن كل هذا آت على الطريق. وأنت لا تستطيع أن تحقق في نصف قرن ما حققته الأمم المتقدمة خلال مائتين أو ثلاثمائة سنة من التطور المتصاعد والمتلاحق.
بل وحتى داخل أوروبا هناك تباين بين بلدان الشمال الاسكندينافية الأكثر ليبرالية وبلدان الجنوب كفرنسا وايطاليا والبرتغال ولكن ما عدا اسبانيا التي حققت تطورا مذهلا في السنوات الأخيرة على يد الشاب المستنير التقدمي فعلا ثاباتيرو. فعندما وصل إلى السلطة شكل حكومة نصفها رجال ونصفها نساء: ثمانية بثمانية. الشيء المستغرب هو فرنسا. فرغم أنها سنت قانونا قبل بضع سنوات يدعو إلى تحقيق التكافؤ أو التعادل بين الرجل والمرأة في المجال السياسي إلا أن حقيقة الوضع لا تزال بعيدة جدا عما هو مطلوب. فعدد النائبات في البرلمان لا يتجاوز العشرين بالمائة وربما أقل.. أما في السويد، أرقى بلد في العالم، فان عدد النائبات يساوي تقريبا عدد النواب: 47 بالمائة. هذا في حين أن عدد الوزيرات يشكل النصف تقريبا. هذا بلد حضاري لا يخاف من المرأة ولا يشك بقدراتها وإنما يسلم مقاديره لها وتكون النتيجة فوق التوقعات. وقس على ذلك بلدان الشمال الأوروبي الأخرى كفنلندا والدانمرك والنرويج. ثم تجيء بعدها مباشرة هولندا وبلجيكا. أما سويسرا فهي محكومة حاليا من قبل امرأة رائعة..وعموما فللمرأة حضور قوي في كافة قطاعات المجتمع الأوروبي وعلى أعلى المستويات ثقافية كانت أم اقتصادية أم سياسية أم اجتماعية..
أخيرا لا يمكن أن أختم هذا المقال دون إثارة بعض الذكريات الشخصية. كنت متخلفا دراسيا طيلة المرحلة الأولى من حياتي، أي حتى سن الرابعة عشرة من عمري. كنت تلميذا فاشلا فعلا وأكره المدرسة والدراسة. وفجأة أقلعت دراسيا وأدهشت الجميع بمن فيهم أنا شخصيا! كيف حصل ذلك؟ وهل بقدرة قادر أم بضربة عصا سحرية ؟ لا هذا ولا ذاك وإنما الفضل يعود إلى اطلاعي على أحد الكتب. لحسن الحظ فإنّ برنامج الشهادة الإعدادية في سوريا آنذاك كان يحتوي على كتاب يدعى: التلميذة الخالدة، إذا لم تخنّي الذاكرة. وهو من تأليف الصحافي والكاتب المصري احمد الصاوي محمد. وفيه يروي قصة حياة العالمة الشهيرة: ماري كوري. وهي بولونية الأصل ولكنها قدمت إلى فرنسا لإكمال دراساتها العليا ثم أصبحت فرنسية بعدئذ. يصوّر هذا الكتاب القصة البطولية لهذه المرأة التي استطاعت أن تتغلب على الجوع والفقر في باريس وأن تتفوق على الطلاب الفرنسيين أنفسهم في عقر دارهم. فقد كانت تسكن غرفة الخدم وتعيش على الفتات وتتحمل كل المضايقات التي يتعرض لها الأجنبي المقطوع البعيد عن أهله ودياره. ثم أصبحت عالمة شهيرة في مجال الفيزياء النووية وحققت اكتشافات مذهلة إلى درجة أنهم منحوها جائزة نوبل مرتين لا مرة واحدة:عامي 1908و1911. أعتقد أن الكاتب المصري كان بارعا في سرد قصة حياتها ومؤثرا إلى درجة انه غير مجرى حياتي. ولا أزال أشكر حتى الآن الأساتذة الذين وضعوا هذا الكتاب في برنامجنا الدراسي آنذاك والذين أجهل أسماءهم بالطبع. لا أزال ممتنا لهم ومعترفا بالجميل. قلت بيني وبين نفسي: إذا كانت هذه البولونية قد استطاعت تجاوز كل العراقيل والصعاب ووصلت إلى قمة العلم والمجد فلماذا لا أستطيع أنا أن أتخلص من التخلف الدراسي وازدراء الناس لي وانجح في الباكالوريا على الأقل؟ هكذا أصبحت بالنسبة لي نموذجا وقدوة. فانخرطت في الدراسة بشكل حماسي منقطع النظير وتغير مجرى حياتي رأسا على عقب.. واستدركت ما فات في وقت قصير نسبيا وتغلبت على صعاب كثيرة ما كنت لأتغلب عليها لولا قراءة هذا الكتاب ولولا استلهامي لقصة حياة تلك المرأة العظيمة. فهل كنت لولاها سأظل ريفيا قرويا أرعى الغنم والأبقار في البراري والقفار؟ جائز جدا. وقد خطر على بالي مؤخرا ان أعيد قراءة الكتاب بعد أربعين سنة أو أكثر من القراءة الأولى. ولكني لا أمتلكه بين يدي. فتحيّة إلى ماري كوري وإلى أحمد الصاوي محمد…
تقرؤون في هذا الملف:

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий