المرض من منظور أنثروبولوجي

يعد موضوع المرض من الموضوعات التي تجذب اهتمام كل من الأطباء وعلماء الاجتماع من ناحية، وعلماء الأنثروبولوجيا من ناحية أخرى، ذلك ما للمرض من علاقة وطيدة بالعوامل الاجتماعية فهناك العديد من المتغيرات الطبيعية والاجتماعية والثقافية التي تساعد على الاصابة بالمرض.
فحالة الإنسان الصحية هي في الواقع نتاج تفاعل البيئة الاجتماعية والثقافية والطبيعية إذ أن تدني الحالة الصحية للكثير من الأفراد، وانتشار الأمراض يعد نتاجا لأسلوب الحياة والعديد من المتغيرات كالجهل والأمية والمعتقدات والممارسات الشعبية والسحرية، والعدات الخاصة بالصحة والمرض. فهذه المعتقدات متمكنة من أعماق النفس البشرية، وموجودة في كل مكان سواء عند الريفيين أو الحضر، عند غير المتعلمين، والذين بلغوا مرتبة عالية من العلم والثقافة. فالمعتقدات الشعبية موجودة وفي كافة الطبقات وعلى كل المستويات، وميدان الأنثروبولوجيا الطبية هو الذي من شأنه دراسة وبحث هذه المعتقدات والمأثورات الخاصة بالصحة والمرض. وكذلك ما يحدث من تداخلات عضوية وغير عضوية للمرض. وكنتاجا للأبحاث الأنثروبولوجية نجد أن المرض أصبح يعرف تعريفا بيولوجيا واجتماعيا وثقافيا يختلف باختلاف المجتمعات والثقافات.
1/ المفاهيم الأنثروبولوجية للمرض
1.1/ المفهوم الثقافي للمرض
يذهب “أكركنيشت Akerknecht” أن لكل ثقافة منظورها وتطورها الخاص بها من (المرض). فالمرض وعلاجه على الرغم من أنهما عمليتان بيولوجيتان من الناحية المجردة إلا أن بعض الحقائق المرتبطة بهما تعتمد على تحديدات المجتمعات والحقائق الاجتماعية أكثر من اعتمادها على الحقائق الموضوعية. وبالتالي للمرض مفهوم ثقافي في المرتبة الأولى ويختلف من مجتمع لآخر، ومن ثقافة لأخرى. كما يذهب “فوستر” إلى أن المرض مفهوم نسبي يختلف من ثقافة إلى أخرى، فلكل ثقافة تفسيراتها ومعتقداتها الخاصة بها. فالثقافة هي التي تحدد للمريض تقييمه وتصوره لحالته المرضية وردود أفعاله التالية اتجاه المرض فهو إما يذهب للطبيب أو يذهب للمعالج المحلي أو الساحر أو يتجاهل تماما أعراض مرضه. ويؤكد “فوستر” أن تقييم المريض وسلوكه تجاه مرضه أمر يختلف باختلاف الخلفية الثقافي والاجتماعية.
كما أنه لكل مجتمع نظرية خاصة به عن المرض وهي مشتقة أساسا من نظرية الحالة الطبيعية التي من المفترض أن يكون عليها الإنسان. وهذه النظرية نسبية تختلف من ثقافة لأخرى، وبالتالي فإن هذه النظرية نابعة من التصورات والأفكار الأساسية التي يكونها السكان عن الكون والعالم والحياة. على هذا الأساس يصعب تعريف المرض تعريفا واحدا محددا، وذلك لأن ما يعتبر مرضا في مجتمع ما لا يعد كذلك في مجتمع آخر، وكذلك فإن مفهوم سكان المجتمع للمرض والمرتبط بالثقافة يختلف عن المفهوم العلمي له وذلك لأن الثقافة تعد مسؤولة عن تحديد وتشكيل إدراك السكان لمفهوم المرض وأسبابه وطرق العلاج، فمما لا شك فيه أن المعتقدات الثقافية والأيديولوجية لها أعمق التأثير على الطريق التي يدرك بها السكان المرض. وكمثال على ذلك في قبائل يورابا حيث يعتقد أن للوقاية ولعلاج مرض الجدري لابد وأن يقوموا باستشارة إله الجدري لكي يخبرهم عن كيفية علاج هذا الوباء عن طريق إقامة بعض الطقوس والشعائر الخاصة لعلاجه. كما انهم يؤمنون بعدم جدوى الطب الحديث في علاج الجدري والحصبة.
ومن هذا فإن مفاهيم المرض تعبر عن اتجاهات عديدة في الثقافات المختلفة فمنها ما يعبر عن الوصف العام للمرض ومظاهره وأعراضه وتصنيفه وأسبابه، والأحكام الأخلاقية للمرض. ويشهد مجتمعنا الجزائري أمثلة كثيرة على هذه الأحكام الأخلاقية، فنحن نقول عن المرض بأنه ابتلاء من الله لعباده الأخيار وهو نقمة غلاهية تنصب على العصيان وهي أحكام تهم الفرد والمجتمع وتتصل بأسباب المرض ومظاهره ومعانيه ونتائجه، فالمرض إذن ظاهرة من صنع المجتمع وسيضل دائما كذلك علاوة على رسوخ حقيقة الخلفية الثقافية وراء المرض.
2.1/ المفهوم البيولوجي للمرض
للمرض معاني بيولوجية عديدة منها: أنه فقدان الإحساس الجسمي والعقلي العادين وذلك على حد تعبير “باتريك وسكامبلر” ونظر إليه “أوبري” على أنه حالة تكيف الجسم مع الظروف الداخلية والخارجية القاسية وغير العادية. كما عرفه “سنو Snow” أنه يحدث نتيجة قصور عضوي وظيفي.
وفي التعريف البيولوجي للمرض يجب التفرقة بين داء المرض بمعنى Disease وحالة المرض بمعنى Sllness فالأول يؤكد على دراسة المرض كعمليات فسيولوجية بحتة خاصة بوظائف الأعضاء. والمرض هو ذلك الاختلال في وظائف الأعضاء فهو مصطلح يشير للحالة المرضية للجسم الإنساني أو جزء منه.
أما المفهوم الثاني فهو مفهوم ثقافي يعني أن المرض هو انحراف عن الحالة الصحية الطبيعية ومع هذا فهو مفهوم يهتم بالمعتقدات الثقافية المتعلقة بالمرض وذلك لأن مدى حدوث المرض وتأثيره ظاهرة ثقافية واجتماعية وعلى هذا الأساس نجد أنه بينما يؤكد المفهوم الأول على الحالة الفسيولوجية غلا أنه نجد أن المفهوم الثاني واسع المدى يشير إلى إدراك السكان في ثقافة معينة لانحراف الحالة الفيزيقية والعقلية للجسم.
وقديما كانت وجهات النظر الطبية ترد كل الأمراض إلى الأسباب الفسيولوجية والبيولوجية، وكان مبحث أسباب المرض في كليهما يرد كل الأمراض إلى هاتين الطائفتين من الأسباب غير أن تلك النظرة أصبحت مرفوضة بصفة عامة من قبل علماء الاجتماع والأنثربولوجيا المعاصرين نظرا لإهمالها الجانب الاجتماعي حيث نجد أن “بارسونز” يرى مشكلة الصحة تكمن أساسا في اللزوميات الالوظيفية للنسق الاجتماعي وأن المرض يعتبر خلل وظيفيا في النسق، فغالبا ما يصحبه عجز في القدرة على الأداء في الأدوار الاجتماعية. ذلك أن الإنسان الذي يعاني مرضا بيولوجيا سيؤثر ذلك على تصرفه الاجتماعي وطريقة حياته و لاسيما أدواره الاجتماعية.
3.1/ المفهوم الاجتماعي للمرض
إن مفهوم المرض من المنظور الاجتماعي يتمثل في أنه انحراف سواء كان فيزيقيا أو نفسيا أو اجتماعيا عن الأداء الوظيفي السليم والسوي، وقد يكون لهذا الانحراف نتائج غير مرغوبة، حيث يتسبب في إزعاج للشخص المريض من ناحية، وقد يخلق مشكلات اجتماعية للأفراد والمجتمع ككل.
وفي النظرة لمصطلح المرض ومدى خطورته قد تعرف مشكلات شخصية معينة بأنها أمراض على الرغم من أنها لا تنطوي على خصائص مرضية كامنة أو تشكل مشكلات خطيرة للمجتمع. ومثال ذلك أن تسميات المرض تطلق أحيانا على بعض نماذج الجماعات أو الأشخاص في المجتمع كالمتطرفين دينيا أو سياسيا.
وإن المرض في طب السلالات يفهم على أنه نتيجة لممارسات اجتماعية معينة تدل على الانحراف وبالتالي هذا يؤثر على النظام الاجتماعي عند هذه القبائل ومن ثم فهناك رد فعل من المجتمع نحو الشخص المريض انطلاقا من من رؤية المرض على هذا النحو.
فالمرض ليس مجرد اضطراب بيولوجي لنظام الفرد ككائن حي ولكن يمث أزمة اجتماعية وفترة لإعادة التوافق أو التنظيم للجماعة ككل. وعلى هذا فالإطار الاجتماعي والثقافي هو في حقيقة الأمر انعكاس صادق لمعرفة كيف يعيش الناس وماذا يأكلون وماهي معتقداتهم وقيمهم، وإن فهمنا للصحة والمرض لن يكتمل إلا بعد إدراجها في السياق الاجتماعي ليظفي عليهما الصبغة الاجتماعية. فإذا كانت مهام الطب هي فهم كيفية وقوع المرض ومعالجتها وتعزيز الظروف المعيشية التي تقلل من خطر ما يهدد صحة السكان فإنها لن تكون ناجعة مالم تأخذ بعين الاعتبار العوامل السوسيوسيكلوجية.
2/ نظريات المرض
1.2/ السحر والشعوذة
ذهب “آموند” إلى أنه مع غياب التفسيرات العلمية للمرض ولاسبابه يكون الاعتماد دائما على التفسيرات الثقافية المتصلة بالسحر والدين والقوى الفوق طبيعية كمفسرات لأسباب المرض ولأسباب العلاج.
ويتمثل السحر في الاعتقاد في أن القوى الفوق طبيعية يمكن التحكم فيها لتحقيق رغبات لصلح بعض الأفراد ويتطلب القيام ببعض الشعائر والممارسات التي يقوم بها السحرة، ومن أفضل تقسيمات السحر تقسيم “ريموند فيرث” الذي يشمل السحر المنتج والسحر الوقائي، والسحر المدمر (الإصابة بالأمراض). وفي دراسة أعدها للهنود الحمر (لهالويل) وجد أنهم يعتبرون الأمراض الظاهرة أعراضها كالكسور ونزلات البرد وألم الأسنان والإمساك أمراض طبيعية وعارضة. أما الأمراض الخفية التي لها أعراض غريبة تعتبر سحرا وبالتالي يلجأ المريض إلى أحد السحرة أو العرافين لفك السحر الأسود.
وفي هذا الباب أيضا يفسر المرض بفكرة اختراق الأرواح الشريرة جسد أحد الأشخاص مسببة له المرض، وهذه الفكرة كانت سائدة لدى قدماء المصريين حيث يعتقدون أن المرض ينشأ من غضب الآلهة التي تطلق أرواح الموتى لتدخل جسم الإنسان وتصيبه بالمرض، ومن بين هذه الأمراض حالات الضعف العقلي والجنون والصرع والمزاج الحزين، وكان المجنون عند العرب في الجاهلية رجل صرعته جنية والمجنونة إمرأة صرعها جني. وبالتالي فإن هذه الأمراض تعالج بالطلاسم والرقي والشعوذة.
2.2/ انتهاك قواعد التابو والخروج عن القيم الأخلاقية
وذلك في ارتباط حدوث المرض بارتكاب المريض أو أبويه لأحد الخطايا والآثام أو الجرائم كالقتل والزنا والكذب والغش. ويكون الاعتراف للكاهن بمثابة خطوة تمهيدية لتحقيق الشفاء كما أنه في كثير من المجتمعات يظهر تأثير الدين على السلوك، حيث نجد الخروج على قواعد التابو يجلب معه العقوبة والشر والألم للعصاة. فانتهاك قواعد المحرمات يستثير غضب أرواح الأسلاف ويسقط على العصاة ألوانا من العقوبات كالعقم والمرض وموت الأولاد، والعلاج في هذه الحالة يتطلب القيام بالشعائر التكفيرية، وهذه الفكرة لا تزال حتى في المجتمعات الإسلامية إلى الآن.
3.2/ العوامل الطبيعية
إن النظريات المتصارعة الخاصة بالمرض وأسبابه يمكن التوفيق بينها وصولا للعلل الحقيقية للمرض طالما أنها لا ترجع أساسا لسبب واحد، وعلى هذا يمكن أن نشير إلى نظريتين أساسيتين لمسببات المرض هي:
*نظرية السبب الواحد للأمراض: David Dadge وWalter mortin
وتفترض هذه النظرية أن المرض ينتج عن سبب واحد محدد وفي حالة وجود هذا السبب تظهر الحالة المرضية.
- نظرية الأسباب المتعددة:
وتعد نموذج لتعدد المرض وأسبابه وهي أسباب البحث الاجتماعي للوبائيات، حيث تجمع بين العوامل البيولوجية والفيزيقية والاجتماعية، وتظم هذه المجموعة كل العناصر الطبيعية التي يعتقد الأهالي أنها تؤدي إلى المرض.
والفكرة السائدة لدى معضم الشعوب أن الصحة تتحقق بتوازن سوي بين عناصر الدفئ وعناصر البرودة داخل الجسم، والمرض يحدث نتيجة اختلال هذا التوازن. كذلك يعتقدون بالمسببات الحيوية خاصة في الأوبئة، أي أنهم يؤمنون بوجود فيروسات وجراثيم تسبب المرض (كديدان البلهارسيا). ومسببات اجتماعية ونفسية كضغط الحياة والاحساس بالمسؤولية والشعور بالقلق يضاف إلى ذلك مسببات كيميائية وعوامل تتعلق بالإنسان كالعوامل الوراثية والعادات والسن والنوع.
3/ تصنيف المرض
1.3/ في الطب الحديث
يصنف المرض إلى مجموعات يعرف المرض حيث توجد أعراضه وعلاماته بغض النظر عن الثقافة أو الحضارة وهذه الطريق وانتشارها قد ساهمت في تقدم عملية التشخيص حيث تصنف فيه الأمراض احصائيا حسب اعتبارات معينة والتي تختلف حسب العضو واخصائي المرضيات يصنفه حسب طبيعة المرض، وطبيب الصحة العامة يصفه حسب منشأ العدوى والطبيب المعالج يصنفه حسب الأعراض والعلامات.
وقد عقدت مؤتمرات صحية دولية بإشراف منظمة الصحة الدولية لعمل مراجعات للتصنيف الدولي للأمراض كان آخرها سنة 1979، وتقع الأمراض في 17 مجموعة: الأمراض الطفيلية، الأورام، اضطرابات الغدد والاتقلاب والمناعة، أمراض الدم، الاضطرابات العقلية، أمراض الجهاز العصبي، الجهاز التنفسي، الجهاز الهظمي، السموم …الخ.
2.3/ في نظم طب السلالات
هناك اختلاف في تصنيف المرض وذلك بسبب اختلاف الحدود الثقافية للشعوب، فبعض الأعراض والظواهر تعتبر أعراضا وعلامات واضحة للمرض لمجتمع ما وفي نفس الوقت نجدها علامات للصحةبالنسبة لمجتمعآخر، وقد لا تكون ذات أهمية للآخرين وقد أعطى “أكرنشت” مثلا لمرض الأسيبروشين (نوع من البكتيريا حلزونية الشكل وتسبب مرض الزهري) وهو مرض جلدي منتشر بين الهنود القاطنين شمال الأمازون، والذي يؤدي الإصابة به إلى بثور في الجلد وهي علامات الإصابة بالمرض. وتعامل هذه الحالة طبيعيا ولا تعتبر مرضا على الإطلاق، حيث ينظر إلى الأصحاء من المرضى على أنهم المرض لذلك لا يسمح لهم بالزواج.
وكذلك بالنسبة إلى مرض الملاريا الذي انتشر في وادي المسيسيبي في أواخر القرن العشرين حيث نجد أن المريض بالملاريا ليس مريضا من خلال نظرة سكان المجتمع لذلك لا توجد أي عناية أو رعاية له، كما لا يتم القيام بتحصين الأصحاء ضد هذا المرض.
كذلك لدى بعض الفئات المصرية نجدهم يعتقدون بأن المرض يجب أن يكون مصحوبا بالألم وبالتالي فإن البلهارسيا مثلا وبعض الأمراض الطفيلية لا تعتبر مرضا، وبالتالي لا تحتاج إلى علاج.
ورغم هذه الأمثلة غلا أنه لا تعني أن عملية التشخيص في أنظمة الطب الشعبي أقل حساسية لعلامات وأعراض المرض مما يجعلها أقل كفاءة في عملية التشخيص الطب الحديث. ولكنها في الواقع قد تكون أكثر أو أقل حساسية عند اعتمادهم على الظواهر، وبتحليل مجموعات المرض في مجتمعنا الجزائري نجد أن حتى الأمراض الطفيلية والفيروسية يمكن تشخيصها وعلاجها من قبل الطب التقليدي خاصة وأن مناطقنا غنية بالأعشاب العلاجية.

يمكنك متابعة التعليقات الخاصة بهذه التدوينة من خلال الخلاصات.