Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > المكان: دلالته و دوره السردي قراءة في رواية إبراهيم الكوني: البئر نموذجاَ

المكان: دلالته و دوره السردي قراءة في رواية إبراهيم الكوني: البئر نموذجاَ

الدكتور تيسير عبدالجبار الآلوسي دكتوراه الأدب العربي الحديث \ دراما

ليسَت “الحقيقةُ” التي تحيطُ بنا، هي ما نراهُ بأعينِنا من إنسانِ ِ وكائن حيّ وجماد، بل هي إلى جانبِ ذلك كلّ ما يضيفهُ الخطابُ اللغوي من قيمةِ ِ إخبارية عن هذه الكائنات والأشياء. يقولُ بوتور: ” وليس الآخرون، بالنسبة إلينا، ما رأيناه فيهم بأعيننا وحسب، بل هم إلى ذلك ما أخبرونا به عن أنفسهم، أو ما أخبرنا به غيرهم عنهم، وليسوا كذلك أولئك الذين عرفناهم، بل كل الذين ترامت إلينا أخبارهم. وهذا لا ينطبق على الناس وحدهم، بل ينطبق كذلك حتى على الأشياء والأماكن، كالأماكن التي لم أذهب إليها مثلاََ، ولكنها وُصِفتْ لي.”(1)

وعلى ذلك يتأسسُ فهمُنا لوجهَي الحوادثِ المسرودة من جهةِ وجودها المرجعي بوصفهِ وجودنا القائم بالفعل، ومن جهة وجودها (أو انتظامها) في الخطاب السردي الروائي.. وهو ما يقع في الخيالي المفترض الذي لا يتحتم فحصه على أساس من المطابقة التماثلية مع المرجعي في الحياة التي نوجد فيها… فعلاقة “الرواية بالحقيقة التي تحيط بنا، لا يمكن أنْ تتحولَ إلى هذا الواقع و[…] ما تصفه لنا الرواية [إنَّما] يمثل جزءاََ من الحقيقة، جزءاََ منعزلاََ تماماََ رمزياََ، تمكن دراسته عن كثب”(2) و”الفرق بين حوادث الرواية وحوادث الحياة ليس في أنَّنا نستطيع التثبت من صحة هذه بينما لا نستطيع الوصول إلى تلك إلا من خلال النص الذي يظهرها فحسب، بل هي إلى ذلك (أي حوادث الرواية) … أكثر تشويقاََ من الحوادث الحقيقية”(3) وهو ما يعود برأينا إلى الإضافة الجمالية قيمةَ َ مميزةَ َ يجري البحث عنها حيثما طالعتنا النصوص الجمالية ومنها الرواية وخطابها..

إنَّ هذه القيمة المستقلة نسبياََ تكمن في سمات الخطاب الجمالي وفي قوانين وجوده، وعلينا هنا البحث في تلك السمات وهذه القوانين البنائية. فالسردية ” تقوم على مجموعة من الملفوظات المتتابعة والموظِّفة المسندات (Prédicat) فيها لتـُشاكلَ ـ ألسنياََ ـ جملة من التصرفات الهادفة إلى تحقيق مشروع”(4) أي تحقيق النص السردي وعناصره البنائية التي يمكن قراءتها بوساطة نظريات نقدية متنوعة..

نشيرُ هنا إلى واحدة منها على رؤية كريماس ونموذجه العاملي في فهم السردية ذلك النموذج الذي يقسّم النص السردي على مستويين سطحي وعميق؛  ويُفصِّل فيهما ليبيِّنَ الوحدات العاملية التي يتشكلان منها مثل المؤتي الذي تكمن وظيفته في المحافظة على قيم محددة وضمان استمرارها فهو الموجِّه في العمل السردي. ويمكن أنْ نمثّل للمؤتي في رواية الكوني “التّبر”(5) بإله الصحراء وأسطورته وسطوته ما يدعو إلى سلوك محدَّد وعهد يُفرَض على “الفاعل”، والفاعل حسب هذه النظرية [نظرية كريماس] هو بؤرة النموذج العاملي وللتوضيح بهذا الخصوص نمثّل للفاعل في رواية التبر بـِ ( أوخيّد) بطل الرواية. ولأنَّ أوخيّد هذا يسيطر على بطولة الرواية وحيداََ فإنَّه سيمثّل [أيضا] المؤتى إليه في النص، في حين سيمثل معارضُه على وفق تقسيمات النظرية العاملية ذلك التاجر الذي يورّطه في التخلي عن زوجته.. وأما ما يشكل بؤرة النموذج العاملي، فضلاََ عن الفاعل، فهو الموضوع وفي التبر يكون الموضوع سطوة رأس المال وإغراءاته السلبية ممثلاََ بالتبر وصاحبه.

إنَّ هذه الوحدات التجريدية، هي سياق العمل السردي وقواعد ولادته ونموّه ثم إطلاقه في نطاق التداول حيث تولد قيمتُه الجديدة منصبة في الدلالة التي يمنحها العملُ السردي بوساطة جمالياته مجتمعة في الكون السردي فالدلالة تخضع لنظام أو سلَّم تراتبي حيث ” يُفترض تكونها من وحدات تنتظم بينها علاقات تقابل أو اختلاف فلا يُتاح فهْم إحدى هذه الوحدات بمعزلِِ عن الوحدات الأخرى وبدون معرفة نُظُم صلاتها بها..”(6)

بمعنى أنَّنا لا نبحث في المعطيات الدلالية المعجمية لا للملفوظ ولا للوحدة البنائية بشكل يفصل بين هذه الوحدات ويجعلها جزراََ متجاورة بشكل حيادي سلبي، بل نبحث في المعطى الدلالي بالاستناد إلى وحدة تكاملية بين الأدوار العاملية والأدوار الغرضية .. ولتوضيح ذلك لنلاحظ شخصية غوما في رواية الكوني “البئر”(7) [نموذجنا في هذه القراءة البحثية] وهي الشخصية المحورية المعادلة للفاعل حسب النموذج العاملي (لكريماس). وغوما في دوره العاملي يمثلُ الصحراءَ وقيمها، وفي دوره الغرضي نلاحظ دلالته على الباحث عن الهوية الذاتية الخاصة بشخصيته والجمعية العائدة لمجتمع الصحراء.. إنَّه المتحمّس لخدمة القبيلة وهي (أي القبيلة) التي تمثّل المؤتى إليه في البنية السردية.

إنَّ ما يهيِّئ اتصال الصور الموضوعة بعضها جنب بعض في خطاب واحدِِ هو وجود معانم(8) عامة تدعى المعانم السياقية. وفي هذا الإطار ترى النظرية السردية (بالتحديد نظرية كريماس) أنَّ المعانمَ المادية من الأشياء والأماكن هي مجرد “مُسْنِدات” تابعة للمعانم الدالة على الإنسان في تنويعاتِ شخصيتهِ داخل الأعمال السردية [وتقسَّم هذه المسندات بين متحرك وثابت يحدِّد الأول الوظائف فيما يحدد الآخر الأوصاف] وهكذا نقفُ حيال ما يمكن أنْ نقولَ عنه تقليلاََ ـ إنْ لم نقلْ تهميشاََ ـ في دور المكان في البنية السردية. في حين على وفق النظرية نفسها يمكن أنْ يكونَ المكانُ هو المؤتي من خلال قيمِهِ أو من خلال سطوته كما هو الحال في الصحراء عند قراءتنا لها ولمعطيات تفسيرها أو تأويلها في رواية “البئر”،  وهي [الصحراء] تتحول إلى قوة الفعل في لحظة من لحظات المسار السردي، كما سنتلمس ذلك في هذه الدراسة.

وبولوجنا إلى عملية توضيح مفهوم المكان ومعالجة تفاصيل معطياته، يُجابهنا ذلك التشعب المعرفي الذي يمكن أنْ يشكِّلَ بإسقاطاته مساعداََ في توضيح المفهوم من جهة وكشفاََ عن الدور البنائي له داخل النص السردي من جهة أخرى. وهكذا نجد أنفسنا أمام تفسيرات  متنوعة له منها هنا:ـ

ـ    التفسير الفيزيائي للمكان.

ـ    التفسير الفلسفي.

ـ    التفسير الجغرافي.

ـ    والتفسير النفسي، بما يشكّله من انعكاسات في الذات الفاعلة المتحركة في نسيج النصِّ وأنساقِهِ.

وبصدد التفسير الفيزيائي .. لا نقف عندما يؤسس له من كون المكان حيّزاََ أو فضاءََ له أبعاده التقليدية الثلاثة، وإنَّما نذهب باتجاه الإفادة من هذا التكوين وعلاقته بهندسة النص السردي؛ ولعل دخول الكتل والفضاءات أو المساحات في دلالات حافة تثير حركة سردية هو مقصود عدم الاكتفاء بحدود التعريف الفيزيائي للمكان…

أما من جهة الدلالة الجغرافية فسنلاحظ انعكاسها في تمزيق المشهد السردي أو في لملمته وخلق وحدته. وفي هذا المجال نتلمس أشكالا ثنائية ترسم جغرافية المكان من مثل:  ممتد \ منته، قريب \ بعيد، منفتح \ مغلق، منبسط \ مرتفع، ضخم \ ضئيل؛ وبناء على هذا الرسم (المكاني) تتولد قابلية الحركة ودافعيتها.. حيث يُنظر إلى الفضاء مثلما يُنظر إلى التزمين داخل بنية النص بوصفه برمجة مسبقة لمجموعة من الأحداث؛ بمعنى أنَّ التفضئ “ليس سوى تخطيب لسلسلة من الأماكن التي أُسْنِدت إليها مجموعة من المواصفات لكي تتحول إلى فضاء [مؤثر]. وبهذا يعدّ التفضئ برمجة مسبقة للأحداث وتحديدا لطبيعتها فالفضاء يحدد نوعية الفعل، وليس مجرد إطار فارغ تُصَبُّ فيه التجارب الإنسانية”(9)

ولنلاحظ في هذا السياق دور التحديد المكاني، المتجسِّد لفظياََ، في عمليات الوصل والوقف مما يستخدم إطاراََ يتضمن البرامج السردية وتسلسلاتها.. إنَّ هذا الفضاء العام هو الذي تتحدَّد فيه نقطتا البداية والنهاية التي ينتقل بينهما البطل ـ الفاعل ـ ومثالنا الدال على هذا الفضاء (البئر) مكاناََ تبدأ به رواية الكوني وحركة الفاعل غوما باتجاه المكان \ الخاتمة وهو هنا البئر مرة أخرى، ولكن بتوصيف مغاير لتوصيفه طوال رحلة غوما التي تدور لتبدأ  من جديد.

أما رحلة الفاعل ـ البطل فإنَّها تتسم بحركة يحددها فضاء آخر هو الفضاء المحلي الموضعي الذي تتجلى فيه التحولات التركيبية وما ينجم عنها سردياََ ودلالياََ. ومن أمثلة هذا الفضاء المكاني الموضعي  المخيم، البيت، الجدار، المرعى، الخباء، المقبرة… وغيرها مما يرد في روايتنا هذه  ـ البئر, وهي جميعا ترتبط بظهور ذات السرد على ضفاف التخييل المرجعي ذو البعد الأسطوري، لتلعب دوراََ في توجيه المكان نحو الفعل الحي؛ وهذا ما نعدّه أدخل في القيم السردية للأدب الجديد وخطابه الذي ارتبط بمتغيرات الواقع المعاش، حيث عمل الإبداع الحداثي على تغيير آفاق الفن الروائي وبناه بالاتفاق مع نية تغيير العالم ورؤيته. وحيث امتلك فن السرد رؤيةََ جمالية قوامها إدراك دور الكلمة في رسم هذا التغيير المنشود، عبر خلق ذاكرة روائية جديدة تستند إلى ما يعود للجذور [ولا أقول هنا التراث].

وتتكشف مثل هذه الرؤية من خلال روايةِ ِ، فضاؤها الصحراء والأسطورة وهي رواية لا تقف عند حدود الجمع الآلي لسمات مذهبية أدبية متنوعة وأوضحها هنا الواقعية السحرية مذهباََ يحتضن كلاََ من من الصحراء والأسطورة.. ولكنها ـ أي الرواية الصحراوية ـ إذا جاز اختزال التعبير تضعنا أمام استكشاف ملامح علاقة أسطورية شعائرية من نوع خاص بين فن السرد والصحراء سواء على مستوى التطورات التي تعتريهما أم على مستوى البنية وتفاعلاتها الفنية. فالصحراء هنا فوق دلالتها المكانية إطار تاريخي زمني يرتبط بمجموعة من الدلالات المفهومية التجريدية التي تملأها وقائع الرواية بمعطيات ملموسة في حركة الحدث الروائي. والبعد البصري لمشهدية المكان يعدّ هنا تشكيلاََ مقصوداََ من جهتين هما:

1.   جهة القيمة التصويرية بوصفها عاملاََ سردياََ..

2.   وجهة القيمة الدلالية بوصفها نتاجا تعبيريا مشفّراََ، أو محمّلاََ بالهوية التي أرادت رواية الكوني الإعلان عنها؛ تلك الهوية التي تعكس جدلية العلاقة (الصوفية) بين الإنسان والصحراء عندما يتحول الإنسان إلى جزئية مكان وتتحول الصحراء إلى رمز حي [ممتلكا رِئَتَهُ التي يتنفس بها].

لاحظ التداخل الروحي بينهما المعبَّر عنه في نهاية الرواية على لسان غوما وهو يخاطب “مساعدَهُ” الشيخ خليل قائلاََ:ـ  “نحن مثل السمك [إذا أُخرِج من البحر يموت] نموت إذا نزحنا من الصحراء”(10)

إنَّ الحديث عن جدلية هذه العلاقة هو حديث عن خصوصية في الهوية  وخصوصية في الوجود، بخلافها تتملكنا كوزموبوليتانية سلبية قاتمة؛ وبمعنى تأكيدي فإنَّ هذه الخصوصية في الهوية والوجود تحتـِّم بروز المكان فاعلاََ حيوياََ .. وهو الأمر الذي يمكن تلمسه في هذا العرض السريع لبعض أنماط المكان وأشكال ظهوره ومن ثمَّ الدور الذي يبدو في نطاق بنية رواية البئر. [يمكن هنا أنْ نذكّر بأنَّ نصّ الكوني يشفع لنا في الدفاع عن إبداع جيل اليوم وتحديد الهوية الإنسانية الخاصة من دون جمود أو انغلاق من مثل الإحالات إلى الجامد التراثي السكوني بوصف الوقوف عنده أوتقليده هو الهوية والخصوصية].

إضاءات في فضاء السرد (المكاني)

المألوف وغير المألوف ـ (الأليف والعدائي)

في مسار حياة الإنسان بين الولادة والنضج يتشكل الوعي على خلفية مشهدية ترتبط بالذهن بالألفة أو بخلافها .. وأول مألوف مكاني هو المكان النسبي المتحرك الذي يمثله قرب الطفل من حضن والديه وسرعان ما يألف الحجرة التي يعيش فيها ثم البيت وزواياه، ويكفي سبباََ لإثارة هذه الألفة أنَّ البيتَ يوفرُ الحمايةَ.. وكذا يوفرُ الحجابَ الاجتماعي ومن ثمَّ فالبيت هو كما يقول ريلكه [شاعر حداثي]:ـ

“البيتُ، قطعةُ المرجِ، يا ضوءَ المساءِ

فجأةََ تكتسبُ وجهاَ َ يكادُ يكونُ إنسانياَ َ

أنتَ قريبُُ منّا للغاية، تعانقُنا ونعانِقُكَ”(11)

وفي سبيل تبيّن هذه الألفة مع الفضاء الموضعي المشخّص هنا بالمألوف \ البيت نقتبس هذه العبارات من النصِّ الروائي الذي اخترناه.. يقولُ الراوي في البئر: ـ  ” أما الأطفال فكانوا أول من لجأ إلى البيوت هرباَ َ من الشيخ غوما”(12) في هذه العبارة دلالة الحماية وهي مفتتح الألفة التي ستنمو ليكون البيت \ الخيمة مكان الاحتفال والفرح .. يقول الراوي في موضع آخر من البئر: ـ   ” نصبوا خيمة خاصة لتقبّل التهاني والزيارات…”(13) وقِسْ على هذا نماج وافية بالمئات في تلك الرواية…

وبعكس الوجه المألوف من المكان المختار هنا نلاحظ المكان العدائي. والعدائي في فعل المكان هنا هو انتفاض الصحراء نفسِها عندما تكون الطبيعة غاضبةََ، وحين تخون رمالُها عابريها فتبتلعهم قرابين لذلك الغضب. وهكذا فعلت الصحراء المكان الفاعل مع الشيخ أخواد وهو يعود من حرب تحرير غات. وهذا ما لا يقف عند العداء مع الضحية وإنَّما مع أسّ النصّ وفاعله الأول ـ الشيخ غوما. [سنحاول في هذا البحث الاختزال قدر الإمكان بقصد تنوير أكبر عدد من إشكاليات المكان]

الأفقي والعمودي

كلّ شئ في الصحراء عبارة عن امتدادات متصلة ولعلَّ ذلك ما يعكس شدّة الميلِ للحريةِ والانفلاتِ عند الصحراوي، والذهنية غير المركبةِ التي تنظرُ إلى الكلي من دون حواجزِِ بخلاف الثقافة العمودية التركيبية التحليلية. ولكنّ الامتدادَ والأفقية عند الصحراوي لا تخلو من العمودي في المشهدِ المكاني وإنْ كان نادرا، وعند ذاك تصبح قيمة ما هو عمودي مكانياَ َ مميّزةََ في ارتباطه الروحي بها وذلك متأتِِ [كما ذكرنا] من افتقاد هذا المشهد ـ العمودي.. وانظر هنا؛ فهذا الشيخ غوما يلتجئ إلى الجبل بوصفهِ الأليف الذي يفرّغ كُرَبَهُ وأوصَابَهُ عندهُ فالجبل ” مكان ملائم جداََ، إنَّهُ أرحب، وصدره أكثر أماناََ من صدور البشر، من الملائم أنْ يُودِعَهُ المرءُ أحزانَهُ، …”(14)

وخلا الجبل لا شئ [عمودي] في هذه المساحات المترامية انبساطاَ َ سوى  بعض أشجار متناثرة كالنخلة والسدرة في هذه سردية هذه الرواية وتوظيفها، وقد كان لهاتين الشجرتين ـ القيمتين العموديتين ـ دورهما الملموس في المشهد السردي لنراجع في ذلك نخلة الأميرة الأسطورية تانس والسدرة التي ظللت لقاء أماستان وتارات في ربوع كيل آباد ففي كلتا الحالتين تمَّ إضفاء نمط من الخصوصية في توجيه وعي الشخصية وفي توجيه حركتها بناء على ما افترضته طبيعة المكان ..

المفتوح \ المغلق

ولعلَّ الإشكالية السابقة تحيلنا إلى ثنائية جديدة أخرى هي ثنائية المفتوح \ المغلق فكل شئ في عالم الصحراء مفتوح حتى الخيمة التي يأوي إليها ابن الصحراء، وهذا ما يجعله يرفض انغلاق أكواخ الواحات وبيوتها عليه. إنَّهُ يحسُّ عندها بفقدان التوازن والحرية وبالغربة وعدم الألفة مع ما سوى المفتوح في عالمه الخاص. وقد يساعدنا هنا لتصور فعل المكان المغلق مطاردة ذلك البيت الحلم لأوخيّد الذي يُحاصَر فيه حتى إذا ما انتهت الرواية بمقتله وتحرره من فضاء الحياة تحرر من الحصار الذي ضُرِب عليه في ذلك الحلم المتكرر.

المكان، الوجود والدلالة

وبتجاوز الإشكاليتين السابقتين يمكن أنْ نتلمس بعرض سريع غير مقصود الترتيب مسبقا حالات ظهور المكان وجوداََ ودلالاته كما وردت في الرواية النموذج:

* ” البارحة مات أماستان وُجِد منتحرا في بيته، في ذروة التظاهرة التي أقامها الأهالي في تلك الليلة لطرد الأرواح الشريرة عن وجه القمر عندما اكتسحه خسوف مفاجئ.”(15) البيت هنا ما زال يوحي بالألفة فأماستان الذي يخسر فضاء وجوده الجمعي يلجأ إلى بيته منتقلا من فضاء العدم إلى فضاء الوجود الوحيد المتبقي – رحم وجوده \ البيت.

* ” تجمعت النساء عند البئر العتيق بمجرد أنْ أُشيع الخبر… وسرعان ما أقبل الرجال أيضا ثم أقبل الأطفال أيضا ..”(16) والبئر هنا موضع جمع كل هؤلاء، موضع بدء الحدث، موضع تحريك الشخصية وموضع انطلاق السرد والحكاية المتضمَّنة فيه، وسيظل هذا المكان مركزا لأحداث أنطولوجية مهمة في معطياتها الدلالية مثلما هي مهمة في موقعها السردي مثل سلسلة الانتحارات عنده أو فيه؛ انتحار زارا، محاولة انتحار لأخنوخن، فضلا عن لقاءات العهد الذي تُشْهِدُهُ على الاتفاقات والقرارات المختلفة.

والبئر المحاط بالأحياء من جانب والأموات من الجانب الآخر يمتلك بهذا التوصيف دلالة الامتداد الزمني بين الماضي والحاضر وهو ما يسقط عليه قدسية تمنحه قوة الفعل وحيوية الكائن البشري.. وزيادة في تعميق هذه الدلالة يوضح لنا النص ((ص 45)) أنّ البئر “بُنِيت جدرانه بصخور هائلة لا يعرف أحد كيف تمكن الأولون من زحزحتها ودحرجتها من الجبل وبأي أدوات “(17) وهذا تساؤل مغروس هنا بنائيا ليثير الغموض تقديما للرسم الأسطوري الذي سيوحِّد مسار السرد الأول بالمسارات التضمينية الواقعة فيه، وهذه المسارات التضمينية عادة ما تكون حكاية أسطورية لكنها تمتلك ما يسمح باندماجها بالمسار الواقعي للنص من خلال انتمائها إلى الصحراء في جغرافيتها وتاريخها ومن ثمَّ في الوجود الطبيعي لهذه الصحراء..

والصحراء التي نجدها في رواية الكوني “البئر” هي في وجودها الطبيعي ممثلة في الخلاء والعراء، يقول الراوي: “فرمال  (زلاف) القاحلة تذكّره بأنه ذلك العراء (الذي تنقل فيه غوما) من وادِِ إلى وادِِ، ومن جبل إلى جبل، ومن خلاء إلى خلاء، ومن سراب إلى سراب… ولكن هذا العراء الخلاء بلا وجود لفضاء موضعي مميز؟

إنَّ العبارة التي يخاطب بها العم ابن أخيه غوما تؤكد أن للصحراء، على الرغم من هذه الطبيعة الموصوفة،  وجودا حيا، يقول له: ـ ” أنت لا تبحث عن العلم (في الواحة) ولكنك تبحث عن نفسك وإذا لم تجد نفسك في الصحراء فلن تجدها في أي مكان”(18). والصحراء بعد ذلك هي الحياة نفسها كما يقول النص ((ص 170))  وهي بهذا كائن حيّ له رأس قاسية ((ص 169)) ثم هي كلّ يشتمل على تفاصيل ((ص 36)) منها قيم جغرافية بحتة تضفي دلالة الإحالة على ما هو واقعي فهناك غات وغدامس وأراضي القبائل المسمات في النصّ كالفوغاس وكيل آبادا وغيرهما.

ومما تشتمل عليه الصحراء (مكانا) من تفاصيل قيم معنوية؛ فللصحراء حكمة ((ص132)) وهو أمر ينسجم مع السرد والدلالة الأخيرة التي يراد من ورائها فيه.. أما أدوات تأكيد المعطيات الدلالية فترد حيثما ورد توصيف المكان في مشهد يمتلك انسيابيته وإيقاع حركته. ” شرع ينزل السفح… بدأت سفوح سلسلة الجبال المحيطة بغات تتحرك فتبدو من بعيد كأنّ أحجارها هي التي تتحرك وتتدرحرج عبر السفح نحو الواحة الغارقة حتى تلك اللحظة في سكون الموت”(19) لنلاحظ التضاد المشهدي بين حركة الجبال وسكون الواحة، بين الحركة عند رجال القبائل والسكون بين صفوف الأعداء..

إنَّ هذا التضاد المشهدي بحد ذاته لا يشكل لوحة خلفية للحدث حسب، بل هو الحدث نفسه. إنَّ قراءة متأنية أكثر ستكشف لنا عن إجابات أشمل وأكثر تفصيلية، ويمكن على سبيل المثال لا الحصر الإشارة إلى ورود معطيات للمكان تحتاج للتوقف عند دلالتها ودورها السردي مثال ذلك المكان النسبي المتحرك..

*” أخنوخن في نشوة الرقص (يقترب من صفّ الرجال الطويل)..”(20).

*المكان بحدود جغرافية غات وما يرسمه لها غوما من حدود (21)

*المكان من جهة ثيمة الداخل والخارج وانعكاسات ذلك دلاليا في حركة الحدث أو تسلسل حركة السرد.

*ثم ثيمة المتناهي في الصغر وضده المتناهي في الكبر والانتقال بينهما في المشهد السردي.. ((ص 27, ص 29))

ودلالات لايمكن تجاوزها لأماكن مخصوصة كالمرعى , الخباء, قعر الخيمة, ظلها أي داخل الخيمة وخارجها, الجبل , المقبرة.. وهذه جميعها في الفضاء الموضعي المحلي مما يمتلك دلالات اجتماعية وأخرى نفسية وإيحاءات فلسفية…إلخ.

يمكن أنْ نختتم هذا البحث الموجز في شواهده، بتلك العبارات التي تنتهي بها رواية البئر وهي عبارات حُبلى بالأماكن والدلالات حيث غوما يتأكد من نفاد الماء في البئر ((ص 215)) :

البئر بلا قاع، إنه مجرد ظلام

يذهب إلى المقبرة ويقرأ الفاتحة على أرواح الأموات

ثم       سار بحذاء الجبل

و        ارتفعت الشمس

تحركت القافلة

سار متثاقلا مثل محكوم بالإعدام

يُدفَع مجبورا لكي يخطو نحو المشنقة

غوما يغادر المكان لأنَّ المكانَ نفسَهُ كان قد غادر غوما. قبل أنْ تغادرَ البصر كلمات هذا البحث ودعوتها للتوحّد بين غوما والصحراء.

المصادر والمراجع: (وهوامش البحث)

1   ـ      ميشال بوتور, بحوث في الرواية الجديدة, ترجمة فريد انطونيوس, منشورات عويدات, بيروت, 1982, ط2 , ص5

2   ـ      المصدر السابق, ص 8.

3   ـ       نفسه.

4   ـ       محمد الناصر العجيمي, في الخطاب السردي: نظرية كريماس, الدار العربية للكتاب, 1993, ص 35 .

5   ـ      إبراهيم الكوني, التّبر, دار التنوير للطباعة والنشر, بيروت, 1992 , ط 3 .

6   ـ      المصدر السابق, ص 29.

7   ـ      إبراهيم الكوني , البئر , دار التنوير للطباعة والنشر , ليماسول ـ قبرص , 1993   , ط 2 .

رواية البئر هذه هي الرواية الأولى من رباعية الخسوف التي تحتوي على روايات  (الواحة, أخبار الطوفان الثاني, نداء الوقوق … فضلا عن     هذه الرواية وهناك إعلان من الكاتب بأن تكون  خماسية…

8   ـ       المعنم يمكن اختزال تحديده بأصغر وحدة دلالية …

9   ـ       سعيد بنكراد, مدخل إلى السيميائيات السردية  , تانسيفت , مراكش , 1994 , ص 87 .

10 ـ      الكوني , البئر , ص 214 .

11 ـ      غاستون باشلار , جماليات المكان , ترجمة غالب هلسا , المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر, بيروت, 1987 , ط 3 , ص38

12 ـ      الكوني , البئر , ص  11

13 ـ      البئر, ص  21

14 ـ      البئر, ص  171

15 ـ      البئر , ص   9

16 ـ      نفسه.

17 ـ      البئر , ص 45

18 ـ      البئر , ص  36

19 ـ      البئر , ص 83

20 ـ      البئر ,  ص   10

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий