Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > الملامح الإفريقيّة والعربيّة في موسيقى البلوز

الملامح الإفريقيّة والعربيّة في موسيقى البلوز

حوار مع عالم الإناسة والمؤرّخ والموسيقيّ غيرهارد كيوبك

الجمعة 19 حزيران (يونيو) 2009

“غيرهارد كيوبك” (Gerhard Kubik) أستاذ الإناسة الثقافية بجامعة فيينا، وباحث في الموسيقى الإفريقيّة والأمريكيّة لما يقارب نصف قرن. نشرت له عدّة بحوث في مواضيع ومجالات متعدّدة، إضافة إلى كونه موسيقيّا يعزف على آلتي الغيتار والكلارينات، وسبق أن قدّم عدّة عروض موسيقيّة مع فرقة “دونالد كاشمبا” ((Donald Kachamba للجاز والمتخصصّة في موسيقى “الكويلا” (Kwela) الإفريقيّة بعد أن ساهم منذ زمن طويل في بلورة هذا الحقل الموسيقيّ عزفا وتأريخا وتنظيرا.

وفي إطار فتح نافذة على الموسيقى العالميّة والجذور الإفريقيّة والعربيّة لموسيقى البلوز، نقدّم إلى القارئ العربيّ هذا الحوار المترجم عن الانكليزيّة والذي أجراه الموسيقيّ “بانيينق آيري” (Banning Eyre) مع “غيرهارد كيوبك” على موجات إذاعة أفرو- بوب العالميّة في أفريل /نيسان 2007 حول كتابه المثير “أفريقيا والبلوز” (مطبعة جامعة الميسيسيبي، 2000.)

***

مرحبا “غيرهارد”، لو تقدّم لنا نفسك وتعطينا لمحة عامّة عن عملك حول الموسيقى الإفريقيّة وموسيقى البلوز ؟ أنا أدرك أنّه عمل واسع ومتشعّب، لكن حاول أن تقدّمه لنا بشكل مختصر .

كنت تقريبا في الحادية عشرة من عمري وقد بلغت الحرب العالميّة الثّانية منتهاها، حين انجذبت أوّل مرّة إلى موسيقى الجاز من خلال استماعي للبثّ الإذاعيّ لقوّات الطّّيران الأمريكيّة بأوروبّا، وارتياد بعض نوادي الرّقص التي أقامها الجيش الأمريكيّ للأطفال المحليّين. وكانت أسرتي تقيم آنذاك في المنطقة الواقعة تحت السّيطرة الأمريكيّة في الجزء الغربيّ من مدينة فيينا. في بادئ الأمر تعلّقت بأعمال “غلان ميلر” (Glan Miler) الموسيقيّة، وقد اكتشفتها من خلال فيلم “غنائيّة وادي الشّمس” (Sun Valley Serenade). وسرعان ما تحوّل اهتمامي نحو موسيقى الجاز الحديثة، وتصدّر قائمة المفضلّين لديّ موسيقيّون أمثال “تشارلي باركر”(Charlie Parker) و”ديزي غيليسبي” ((Dizzy Gillesby و”جون لويس” John Lewis)) إلى جانب الشابّ “ستان غيتز”(Stan Getz) في ألبوم “وودي هيرمان” (Woody Hermann) وهو بعنوان “سيكند هيرد” (Second Herd) الذي يحتوي على مقطوعة “الإخوة الأربعة” (Four Brothers) البديعة لعازفي السّاكسوفون “زوت سيمس” (Zoot Sims) و”هيربي ستيوارت” (Herbie Steward) و”سيرج شالوف” (Serge Chaloff) و”ستان غيتز”، وكذلك الأداء المنفرد لـ”غتز” في مقطوعة “رالف برنز” (Ralph Burns) الموسيقيّة “خريف مبكّر” (Early Autumn).

كان هذا عالمي بين الرّابعة عشرة والسّادسة عشرة من عمري. ثمّ بدأت أتعلّم العزف على آلة الكلارينات، ومن ثمّ العزف على آلة الألتو- ساكسوفون. لذا يمكنني الجزم بأنّ بدايتي مع البلوز كانت عبر الجاز، خاصّة وأنّ “تشارلي باركر” وظّف العديد من إيقاعات البلوز في الكثير من مقطوعاته التي قامت على أسس هذه الموسيقى، وكان أحد أفضل أعماله ذاك المسمّى “باركر مود” (Parker’s Mood) الذي سجّله في مدينة نيويورك في أيلول / سبتمبر 1948، وهو العمل الذي ولّد لديّ شعورا بأنّ تلك الموسيقى قد استغرقتني مذّاك.

وكانت أوّل رحلة لي باتّجاه إفريقيّا سنة 1958، وقد قطعت الطّريق من أوروبّا إلى شرق أفريقيا ومن ثمّ إلى وسط القارّة حتّى غربها طوال سنة كاملة بهدف البحث عن الأصول الإفريقيّة للبلوز والجاز. وقد كان اعتمادي أساسا في سفرتي تلك من يوغوسلافيا مرورا باليونان ثمّ مصر والسّودان، وصولا إلى أوغندا، على توصيلات السيّارات والمشي على الأقدام. وهناك في أوغندا، تتلمذت في آلة الإكسيلوفون على يد الحكيم الموسيقار الشّهير “إفوريستا موياندا” (Evorista Muyinda). ومنذ سنة 1959، وبسبب انقطاعي إلى استكمال تعليمي ثمّ الاتّجاه نحو واجباتي المهنيّة كمدرّس، كنت أزور إفريقيّا سنويّا لأقضي فيها كلّ مرّة 5 أو 6 أشهر، وقد عدت لتوّي من رحلة إلى أوغندا استغرقت ستّة أسابيع.

من المثير أن نستنتج أنّ جلّ رحلاتك كانت تستهدف أساسا استكشاف “جذور” البلوز والجاز، والحال أنّك عارضت في كتابك فكرة “جذور البلوز”. فما هي المشكلة مع هذه الصّيغة الرائجة؟

بعد استكمال دراساتي الجامعيّة في الإناسة الثّقافيّة، تخلّصت من مفهوم “الجذور”، لا فيما يصله بالبلوز، ولكن فيما يصله بعامّة الأشياء أيضا. فلفظ “الجذور” كمصطلح علميّ يعتبر ذا دلالة ضعيفة، ولا يرقى إلى مصاف المفهوم الذي يمكن اعتماده في الدّراسات ذات المنحى التّاريخي. فلكي ندرس تاريخ الشّعوب الإفريقيّة والأفرو-أمريكيّة وغيرها من شعوب العالم، يجب الاعتماد على المصادر المكتوبة والمدوّنات الشّفويّة والمصادر المسجّلة وحتّى الحفريّات الأثريّة، فحين تغيب المصادر تغيب الاستنتاجات الموثوق فيها أيضا. لذا، فإنّ لفظ “الجذور” مبهم ولا يمكن توظيفه في ما وراء مجال الرّوايات التي رسخت في الأذهان، إذ أنّ أغلب العادات إنّما تأسّست على شيء ما في مكان ما. وعلى سبيل المثال، فإنّ الحديث عن جذور البلوز في مالي يكفي لإشباع الحاجة الخياليّة للجمهور العريض، لكنّنا نريد أن نعرف بالتّحديد من في مالي أو في أيّ مكان آخر، وفي أيّ فترة زمنيّة – أواخر القرن الثّامن عشر ؟ – برزت الخلفيّة المناسبة لظهور البلوز في الولايات المتّحدة خلال القرن اللاحق. إنّ الصّيغ الرّائجة مثل “انتقال البلوز من مالي إلى الميسيسيبي” تمثّل لعنة بالنّسبة للدّراسات التّاريخيّة.

كما أنّ لمفهوم “الجذور” مضمونا أيديولوجيّا أيضا. فهو يعني ضمنيّا أنّك تستطيع دراسة ثقافة ما خارج إطار التّاريخ، مع اعتبار الثقافات الأخرى مجرّد امتداد لها، أو بوصفها مجرّد مستودع راكد لتقاليد غابرة. إنّ هذا المفهوم يوحي بوجود قارّة واحدة هي التي وفّرت جميع المادّة الموسيقيّة الخام التي ستتمّ صياغتها في أمكنة أخرى، وهذا غير مقبول لدينا حاليّا في إفريقيّا. فنحن لسنا جذورا لأحد.

لماذا لا يتحدّث أحد عن جذور “الجاز” في موسيقى جنوب إفريقيّا العصريّة مثلا؟ في هذه الحالة، يفضّل النّاس التحدّث عن “تأثيرات”. لقد ناقشت بعض هذه الأسئلة مع المغنّي وعازف الغيتار “سينوزي ملندو” ((Sinosi Mlendo، الذي يغني الكثير من البلوز في فرقتنا المختصّة في الجاز في المالاوي. وما كان أبدا ليدّعي أنّه “جذر” أو “مصدر” أيّ شيء، لكنّه يقول ببساطة كيف أصبح مهتمّا بالجاز عن طريق عمّه “دونالد كاشمبا”، وكيف يحاول إبداع موسيقاه الخاصّة به.

لقد عملت أيضا لمدّة قصيرة في جنوب الولايات المتّحدة، هل هذا صحيح؟

نعم. لقد أنشأنا فريقا أنا و”دافيد إيفانس” (David Evans) من جامعة ممفيس، إضافة إلى زميلي من المالاوي “مويا مالموسي”. سافرنا معا وقمنا بزيارة العديد من موسيقيّي البلوز خلال الثمانينات والتسعينات، وهو ما مثّل المادّة الخام لكتابي “أفريقيا والبلوز”.

في إطار حديثنا عن الكتاب، أريدك أن تقرأ لنا كامل الفقرة الأولى من الصّفحة 203.

حسنا. “كان النّاس الذين تمّ نقلهم إلى كارولينا وفرجينيا وجورجيا والميسيسيبي وغيرها من مناطق الجنوب الأمريكيّ الأخرى خلال العقود الأولى من القرن 19، يمثلون ناقلي الثقافة الموسيقيّة الإفريقيّة الجديدة التي اتصّفت بسمات من مناطق إفريقيّة متنافرة. وفي ظلّ الظروف الاجتماعيّة الجديدة، تبيّن أنّ للموسيقى الفرديّة فرصة أفضل للبقاء في مناخ اجتماعيّ متّسم بالقمع تجاه الجالية الإفريقيّة، وأنّ الأساليب الجديدة أكثر تعبيرا أيضا على الحالة النفسيّة الجديدة. وفي خضمّ هذه العمليّة، اكتسبت السّمات الثّقافية المنحدرة من منطقة جنوب غرب السّودان رواجا في المناطق الرّيفية لأعماق الجنوب، لأنّها كانت الأفضل استجابة للحالة الاجتماعيّة النّفسيّة الجديدة. وكانت موسيقى البلوز واحدة من بين العادات الجديدة التي برزت آنذاك. والمرجحّ أنّ حاملي هذه التغيّرات كانوا من بين اليافعين الأفارقة الذين أرسلوا للعمل في الحقول، وقد نما أسلوبهم وترعرع، بينما مات زرع غيرهم”.

هذه هي الفقرة كما دوّنتها في الكتاب. وأودّ أن أضيف أنّ البحث المقارن في العديد من الأماكن الأخرى في العالم، مثل أمريكا الجنوبيّة، يشير إلى حقيقة مفادها أنّه بإمكان شخص واحد أن يكون أداة فعّالة في عمليّة نقل التّقاليد، وأنّ ما يزرعه ذلك الشّخص يصبح مهمّا في تطوير نمط جديد. لذلك يمكن أن يكون عدد قليل من النّاس القادمين من السّاحل ومن منطقة السّافانا بغرب إفريقيّا، هم من كانوا أدوات النقل الفعّالة بحيث غدت تقاليدهم بطريقة ما في نهاية الأمر بذور شيء جديد تمّ تطويره فيما بعد في أقاصي الجنوب الأمريكيّ.

هذا أمر مثير. لقد تحدّثتُ مؤخّرا إلى “ماركوس جايمس” (Markus James)، وهو موسيقار أمريكيّ يقوم ببعض الأعمال بالتنسيق مع فنّانين آخرين في شمال الميسيسيبي، وقد أشار إلى الطريقة التي حافظت بها التقاليد العائليّة على تماسكها هناك. وأعطى مثالا على ذلك عائلة “أوثار تيرنر” (Othar Turner) قارع الطّبول الشّهير الذي يمثل الجيل الخامس من عائلة موسيقيّة لا تزال تواصل مسيرتها الموسيقيّة إلى يومنا هذا، وهو ما كان وراء شعور “ماركوس” بأنّ الأمور مازالت تسير كما لو كنّا في أفريقيا.

العائلات، نعم، هذا مهمّ جدا. وكما ترى، نحن نعتقد اليوم أنّ انتقال الكثير من السّمات الإفريقيّة إلى الأمريكيتين قد تمّ عبر العائلات، ويعتبر “أوثار تيرنر” مثالا على ذلك. ويمكن القول أنّه كانت هناك تقاليد داخل العائلات برزت لاحقا حين غدا الوضع مهيّئا لذلك إلى حدّ ما. وإثر بروزها، أخذت تلك التّقاليد في الانتشار في مناطق أوسع، وهكذا سارت الأمور كما تقتضي الظروف. ويمكن أن يكون هناك تقاليد أخرى داخل العائلات في أمريكا لم تبرز على السّطح بعد.

بالعودة إلى الفقرة التي قرأتها من كتابك، تحدثت عن “قمع” نشاط الجالية الإفريقيّة في نطاق هذا الإطار؟

هناك بيانات تاريخيّة وفيرة تشير إلى أنّه كان للأمريكيّين الأفارقة بمزارع الميسيسيبي هامش ضيّق من الحريّة مقارنة بالأمريكيّين الأفارقة في البرازيل كما في ريو دي جينيرو مثلا. فهؤلاء اعتادوا التّجوال في المدينة أيام الآحاد والعزف على آلة “الأنغولن”، كما كان قرع الطّبول مسموحا به في المناطق الرّيفيّة. وفي عشرينيّات القرن 19، شمل نشاط الجالية الأفرو-برازيليّة ما كان يعتبر تدريبا على العصيان، وأقصد رقص “الكابويرا”. لقد ناقشتُ المصادر ذات الصلة بالموضوع في كتابي “السّمات الأنغوليّة في موسيقى السّود: الألعاب والرّقصات في البرازيل” (Angolan Traits in Black Music، Games and Dances of Brazil)، وهو ما يتعارض مع ما كانت عليه حياة أسر الأمريكيّين الأفارقة في مزارع ما يسمّى أعماق الجنوب الأمريكيّ، وهي التّسمية التي أطلقت على المنطقة الواسعة الممتدّة من وسط جورجيا إلى غرب تكساس وصولا إلى أعالي نهر الميسيسيبي. وتعتبر الثقافة التي انتشرت بمدينة “نيو أورليانز” في أوائل وأواسط القرن 19 استثناء على حدّ وصف “جورج واشنطن كابل” (George Washington Cabel) وكثيرين غيره، حيث كانت تلك المدينة مختلطة، وكان قرع الطبول مسموحا به فيها.

فلنستعرض بعضا من التّاريخ الاجتماعيّ حتّى نوضّح الصّورة بشكل أفضل. كيف تغيّرت أمريكا بالنّسبة للعبيد السّود بعد نهاية حرب الانفصال سنة 1783؟

أشكّ في أنّ أمريكا تغيّرت كثيرا بالنّسبة للعبيد السّود بعد معاهدة السّلام بفرساي ونهاية الإمبراطوريّة البريطانيّة الأطلسيّة. ومع ذلك، ورغم أنّ فيدرالية ولايات الّساحل الشّرقي المتفككة كانت تواجه ما يكفيها من المشاكل الداخليّة، فإنّ توسّعها نحو الغرب بدأ تقريبا بعد سنة 1783. ولكن التغيير الجذري الذي مسّ الأفارقة الأمريكان والمجلوبين الجدد منهم- بعضهم تمّ جلبهم خلسة- كان صفقة لويزيانا سنة 1803. فقد مثلت الـ 15 مليون دولارا التي سلّمت إلى نابليون بونابرت مقابل التخلّي عن اللّغة الفرنسيّة في أمريكا، إلى حدّ ما، فدية ضخمة في سبيل تطوير الاقتصاد. وتسبّب بروز اقتصاد زراعة القطن في إعادة توطين جيل واسع -تدرّج من الثاني إلى الثالث- من العبيد الأفارقة المستقدمين من ولايات السّاحل الشرقي ومناطق أخرى. وبذلك، اعتبرت صفقة لويزيانا عن غير قصد حافزا للتطوّر الثقافي، الذي أدّى لاحقا خلال القرن 19 إلى بروز أنماط موسيقيّة أفرو-أمريكيّة جديدة: جاز نيو أورليانز، وموسيقى البلوز في منطقة الدّلتا بالميسيسيبي وفي مناطق أخرى.

يدرك البعض أنّه تمّ جلب موزمبيقيّين وأنغوليّين إلى أمريكا تقريبا قبل فترة قصيرة من إنهاء حركة استيراد العبيد بالولايات المتحدة. هل لك أن تحدّثنا عن هذا الأمر ومدى ارتباطه بألبوم “ماوثبو” (Mouthbow) لـ “آلان لوماكس” (Alan Lomax) الذي صدر سنة 1953.

لم يتمّ اكتشاف المصادر المكتوبة ذات الصلة بالموضوع إلاّ في مرحلة متأخرّة نسبيّا. وقد ذكرت أحدها في كتابي “أفريقيا والبلوز”. ولا يوجد شكّ في أنّه تمّ، مع الموزمبيقيّين والأنغوليّين، إضافة عنصر أسلوبيّ جديد متأتّ من جنوب أفريقيا ومن جنوبها الغربيّ إلى التقاليد الموجودة في بعض المناطق بالولايات المتحدة. وفي مقال كتبته عن ألبوم “ماوثباو” لـ “آلان لوماكس”، ثمّ نشر في كتاب “جاكلاين دجي دجي” (Jacklein Dje Dje) وهو بعنوان (Turn Up The Volume) (لوس أنجلس، 1998)، حاولت أن أقوم بتحليل دقيق لسمات الألبوم. وكانت النتيجة أنّ السّمات المحدّدة لأسلوب وتقنيات “آلان لوماكس” تشير إلى عدّة اتّجاهات، منها أنغولا. ومع ذلك، لا توجد أدلّة على أنّه كان للأنغوليّين دور كبير في بروز البلوز، على عكس الموزمبيقيّين شمال زامبيزي، وهي منطقة مهمّة لتجارة الرّقيق العربيّة ولثقافة كانت تهيمن على معظم الشّبكات التّجارية في المحيط الهندي منذ القرن العاشر الميلادي. وقد كانت منطقة شمال الموزمبيق موطنا لعازفي كمان رائعين، ووجدت فيها أيضا نوتات البلوز. فلماذا يبدو للأمريكيّين أن “ليميتد مفاندو” (Limited Mfundo)، وهو أحد أعظم المطربين في أواسط القرن العشرين والذي شرّف العازفين الآخرين في جنوب إفريقيّا، قريبا في موسيقاه من البلوز؟ إنّ “ليميتد مفاندو” أصيل جنوب غرب إفريقيّا، وقد توفّي في ثمانينات القرن الماضي، وتلقّى أسلوبه في الإنشاد من عمّه عازف الكمان، وهو ما يعود بنا إلى أواخر القرن 19. وقد سجلت بتاريخ 24 فيفري/فبراير 1984 أغنية لـ”مويا مالموسي” تعبّر عن الحزن والحداد، وكان ذلك في قريته على ضفاف وادي “شيري” الأسفل الذي يصبّ في نهر “زامبيزي”.

ما هو حسب رأيك أصل تقنية الانزلاق على الغيتار (slide guitare)؟ وهل يمكن أن يكون الأفارقة السبّاقين إليها ؟

أصبح التاريخ القديم لتقنية الانزلاق على الغيتار معروفا بشكل جيّد حاليّا. وفي الحقيقة، سبق أن كتبت بمعيّة صديقي “دايفد إيفانس” من جامعة ممفيس كتابا حول هذا الموضوع، لكنّه لم ينشر بعد. وباختصار، فإنّ استعمال تقنية الانزلاق لإيقاف وتر، وبالتّالي خلق صوت انزلاق، هو اكتشاف إفريقيّ قديم في ما يسمّى منطقة “الرّافية” غرب وسط إفريقيّا، وهي منطقة غابيّة يمثل فيها ليف شجرة الرّافية المادّة الأكثر استعمالا في صنع الأدوات المنزليّة من كراسي وطاولات وأسرّة، وآلات موسيقيّة بما فيها ذات الوتر الواحد من صنف “إيديوكورد” (Ideochord) . وتعني كلمة “إديوكورد” أنّ الآلة بجميع مكوّناتها مصنوعة من نفس المادّة، أي من ليف جذع شجرة الرّافية الذي يستخرج منه الوتر عبر سلخه. وقد أصبحت اليوم هذه الآلات الموسيقيّة موجّهة للأطفال، حيث يقوم صبيّ بضرب الأوتار بعصيّتين، بينما يقوم الثاني بتغيير الألحان مستعينا بسكّين كأداة يتمّم بها تقنية الانزلاق.

وقد نقلت كلّ من الآلة الموسيقية والتقنية من خلال تجارة العبيد الأفارقة، إلى بقيّة أنحاء العالم. وعلى سبيل المثال، فإنّنا نجد أنّ آلة “الكارانقاني” المحليّة في فنزويلا متطابقة مع نماذج من وسط أفريقيا، بينما تحوّلت هذه الآلة في الولايات المتحدة من صنف “إيديوكورد” إلى صنف “هيتروكورد” (Heterochord)، ونعني بذلك أنّ الوتر غدا يصنع من مادّة أخرى تختلف عن تلك التي صنعت منها بقية مكوّنات الآلة. ويتمثل الوتر الوحيد في سلك معدنيّ مثبت إمّا في جدار منزل أو على طول لوح خشبيّ، ويكون العزف عليه بصفة فرديّة. وقد قدّم “إيدي جونز” المشهور باسم “وان سترينغ” و”غلين فولكنر” وكثيرون غيرهما تسجيلات جيّدة تنسب إلى الأفارقة الأمريكان. وقد برزت تقنية الانزلاق من خلال تجربة الآلات الموسيقيّة ذات الوتر الواحد من صنف “إديوكورد” و”هيتروكورد” في وسط أفريقيا، ومن هناك تمّ نقل هذه التقنية إلى الغيتار عن طريق البحّارة الذين كانوا يسافرون حول العالم. وتحولت في هاواي إلى ما يسمّى “غيتار هاواي” (Hawaiin Guitare)، لتكتسب من ثمّ شعبيّة واسعة في عشرينات القرن الماضي. وقد كانت تسجيلاتها تباع في جنوب القارة الإفريقيّة في الأربعينيات، وبذلك أعاد عازفو الغيتار المحليّون الأفارقة إنتاج هذه الموسيقى معتمدين تقنية الانزلاق التي كانت توظّف في العزف على الآلات الموسيقية من صنف “الهيتروكورد”. وقد كان اسم “هوياني” يطلق على هذا الأسلوب الموسيقيّ في زمبابوي وجنوب أفريقيا ومالي، وهو لفظ مشتقّ من كلمة “هاواي”. وقد سجّلنا سنة 1967 في المالاوي عزفا بتقنية الانزلاق على الغيتار للفنّان الرّائع “دانييل ج. كاشامبا” حسب الأسلوب الهوياني.

لننتقل إلى الجانب ذي الطابع الأدبيّ من هذا الموضوع. يبدو أنّ مسألة “التّعامل مع الشّيطان” وصفقة ’”روبرت جونسن” (Robert Johnson) على “مفترق الطّرق” تخفي حقائق عميقة. هل لك أن تحدّثنا عمّا تمّ إهماله في هذا النّقاش.

لقد طرحت السّؤال الصّحيح ربّما لعلمك أنّني طبيب نفسانيّ أيضا. إنّني أرى أنّ الجانب النّفسي للبشر هو ما تمّ إهماله من قبل الكتّاب الذين تحدّثوا عن “روبرت جونسن” وصفقته مع الشّيطان. ويمكن إعادة بناء عالم ومشاعر “روبرت جونسن” الشّخصيّة ببعض التّعاطف. فقد كان يعيش في بيئة اجتماعيّة مليئة بالمعتقدات والظواهر الخارقة والخوف من السّحر، وهو ما يتّضح من خلال الصّور التي تتخلّل أغانيه. لكن، كان يجب أن يعبّر عن هذه الأفكار بلغة الرّموز المسيحيّة، أو من خلال إشارات خفيّة إلى معتقدات أخرى تتجنّبها الدّيانات التوحيدية عموما، أي استخدام لغة عصره. ويمثّل الاتفاق مع ما هو خارق للطبيعة من أجل زيادة قدرات الفرد وتحقيق نجاحه في الحياة، فكرة مألوفة في التّراثين الأوروبيّ والإفريقيّ. وفي غرب ووسط إفريقيّا، يعتقد النّاس في روح امرأة تدعى “مامي وطى” يمكّن التّواصل معها الموسيقيين من بلوغ النّجاح. وبعد مرور بضع سنوات، كما تذكر المعتقدات السائدة، تقوم “مامي وطى” باستدراج الموسيقيّ إلى بحر الموت. إنّ هذه الأسطورة توظّف لشرح الطريقة غير العادية لبلوغ فنّان ما قمة الشّهرة، ومن ثمّ موته في سنّ مبكرة. وقد انتشرت في السّتينات أغنية نيجيريّة من طراز “الهايلايف” (Highlife) بين الطبقات الغنيّة تقول كلماتها: “إذا رأيت مامي وطى، إذا رأيت مامي وطى، أبدا أبدا لا تهرب…”. وتقلد الغيتار فيها ردّ حوريّات البحر.

لقد وظّفت صفقة جونسن مع الشّيطان من قبل معاصريه في محاولة لفهم أسرار حياته المشوّشة وموته المبكر. ويمكن أن يكون الفكر الكامن وراءها نموذجا من وسط أفريقيا، لكنها ترتدي ثوب الأساطير الأوروبية مقحمة بذلك فكرة الشّيطان و”مفترق الطّرق” الشائعة في التراث الأوروبيّ. ولا أظن أن “فيننن” و”سبنسر” كانا صائبين في إشارتهما لـ”لغبا”. حيث أنّ “لغبا” تمثّل فودو [مغنّي تقليديّ] مشهور في ثقافة شعب “الفو”، فهي روح مساعدة، وحارس يقي المجتمع من المخاطر. وقد أجرى أحد أصدقائي من الطوغو ويدعى “أماقبنيو كوفي” (Amagbenyo Kofi) أبحاثا عميقة حول هذه الأفكار.

لقد ذكرت كيف أنّ البلوز “لا ينشغل بالدّين”. هل لك بيان ذلك.

أقصد أنّ موسيقيي البلوز لم يؤلّفوا الأغاني والأشعار من أجل التّبشير بالدّين ونشر أفكاره، بل للتّعبير عن مشاكل ومحن فرديّة، وقد قاموا في سبيل تعزيز التفاهم والتكاتف مع الآخرين بمعايشة نفس مشاكلهم. وقد صرّح “سيديل ديفيس” (CeDell Davis)، وهو واحد من أواخر فنانّي البلوز القدامى بمنطقة الدّلتا، في لقاء مع صحيفة “أنترناشيونال هيرالد تريبون” (International Herald Tribune) في 20 أبريل/نيسان 2001 :”إنّ البلوز يروي قصّة عن النّساء والرّجال والقاطرات والحافلات والسيّارات والطيور والأزقّة والقصص. يتمحور البلوز حول الأشياء”. من الواضح أنّ هناك اختلافا في الحافز والنّية بين جوقة الجوسبيل ومغنّي البلوز. ولهذا السّبب كان البلوز دائما موضع اشتباه بالنّسبة للمسيحيّين الذين نعتوه بـ”الشّيطان الموسيقيّ”. ورغم أنّ موسيقيي البلوز برزوا من عالم رسخت فيه الاعتقادات بالقوى الخارقة للطّبيعة، فإنّ ذلك لم يجعل موسيقاهم دينيّة بالأساس. وهناك نصوص تعتبر من وجهة نظر المؤمن بالعقيدة المسيحيّة بدعة، حيث تشبّث موسيقيو البلوز بالكثير من المعتقدات الشعبيّة المشتركة بين عدد كبير من السكّان من أصل إفريقيّ. وتعتبر أغنية “هيل هاوند أون مي ترايل” (Hell hound on my trail) أحد أشهر أعمال “روبرت جونسن”، حيث يصف فيها تجربته في التّأثير باستخدام السحر. أمّا الإصدار الموسيقي الخالد لـ “سكيب جيمس” (Skip James) بعنوان “الشيطان امتلك امرأتي” (Devil got my woman) والذي سجّل سنة 1931، فإنّ توظفيه الرّموز المسيحيّة كان للتّعبير عن وقوع امرأته تحت تأثير السّحر فحسب. ويمثل تزامن كلمات مثل “المرأة” و”الشّيطان” مع نوتة البلوز العليا شيئا مثيرا للاهتمام، ففي حين تصادف كلمة “يجري” (التي تمثل المغنّي) النّوتة الأساسيّة، أي التّكتونيّة، فإنّ التّعبير عن الأنا يمثّل أحد العناصر المحوريّة في البلوز.

لقد أشرت إلى أنّه يمكن لأيّ موسيقيّ بمفرده ذي موهبة عالية أن يكون له تأثير كبير. كما أشرت أيضا إلى أنّ “الإضافة الثقافيّة في أيّ من الأغاني التقليدية من قبل المستقدمين الجدد لا يمكن استبعادها، حتى منتصف القرن 19 على الأقل”.

من الطبيعي أن يحدّد الأفراد مجرى التّاريخ، سواء كان تاريخ السّياسة أو تاريخ الفنّ. فالفنّ ليس متحفا، وهذا أمر معترف به في تاريخ الفنّ الأوروبيّ منذ فترة طويلة، ولا يوجد سبب لاستثناء أفريقيا من ذلك. ولهذا، حذّرت القرّاء في كتابي من الرّبط آليّا بين تفاصيل عدد السكّان والعادات الثقافيّة الرّائجة. ففي بعض الأحيان تقوم ثقافة الأقلية بنقلة لتصبح ثقافة الأغلبيّة. ويعتبر هذا سببا وجيها لافتراض أنّه تمّ إدخال الكثير من السّمات العربيّة الإسلاميّة الأسلوبيّة الموظّفة في أسلوب “بينتونيا” وبوجه عام في بلوز دلتا الميسيسيبي، من قبل عدد قليل من الأفراد الذين رسخّوا طريقة معيّنة من الغناء الانفعاليّ والمتموّج والتّرتيل الملوّن بالارتفاع والانخفاض في الطّبقات الصوتيّة، إضافة إلى نظام نغميّة “البنتاتونيك” داخل عائلاتهم.

إنّك تؤكد ولادة البلوز بالولايات المتّحدة في تسعينات القرن 19. هل لك شرح ذلك باختصار؟

لا نعرف بالضّبط نوعيّة الموسيقى التي سمعت أوّل مرة والتي سيتمّ تسميتها لاحقا بالبلوز. وقد بدأ الأفارقة الأمريكيّون في تجربة العزف على الغيتار- وسبقتها آلة البانجو- بعد الحرب الأهليّة بفترة قصيرة، وقلدّوا في بادئ الأمر ما كان سائدا من موسيقى شعبيّة في القرن 19، أي القصائد القصصيّة وغيرها من فلكلور البلدان الأوروبيّة. وهكذا تمّ إضافة ثلاثة أوتار شائعة للبلوز. وقد تمّ تنظيم العروض من قبل الأفارقة المشاركين في الحرب الأهليّة، وتوجد صورة ثمينة التقطها مغني تظهر عرضا نظّموه في تلك الفترة أو بعدها بقليل بآلة غيتار وآلتي بانجو. ومن ثمّ بدأ بعض الشبّان من الجيل الثاني من عازفي الغيتار الأفارقة الأمريكيّين في إدخال نغمة أهازيج الحقول ((Field holler وغيرها من فنون العبيد الشّعبيّة إلى الموسيقى التي يعزفونها على غيتاراتهم، وقد نجحوا في ذلك غاية النّجاح. إلاّ أنّه تعيّن عليهم العثور على سبل لتكييف هذه النّظم الإيقاعية المختلفة مع بعضها البعض. فلئن كان يمكن دعم نغمة أهازيج الحقول بالنوتة الأساسيّة (Tonic) أو بالتّآلفات تحت المتسلّطة (Sub-dominant chords) بسهولة، فإنّ ذلك غير ممكن بالتآلف المتسلّط الأوروبي والـتآلف المهيمن (Lead chord). لذا، كان لا بدّ من حذف أو تعديل أو استبدال التآلف المتسلّط. وإنّنا لنجد في تاريخ البلوز والجاز إشارة إلى وجود مشكلة في كيفيّة التّعامل معه، لذا تمّ نبذه. وإذا ما استمعت إلى “البيبوب”، فستجد أنه تمّ الاستعاضة عنه دائما بشيء آخر. إنّ الجاز يحمل نغميّة البلوز، لا نغميّة “شونبرق” (Schonberg).

وعلى كلّ حال، ربّما اكتملت هذه التجارب مع مطلع هذا القرن، أي تقريبا في الفترة التي أصبح فيها “ما رايني” (Ma Rainey) مفتونا بالأنماط اللّحنيّة التي غنتها فتاة مجهولة وراء خيمة منوعتها الغنائية. كما كانت لـ “و.س.هاندي” (W.C Handy) أيضا لقاءات مماثلة مع نغميّة البلوز وعازفي الغيتار الجوّالين في الأرياف.

علام يحيلنا غياب المقاطع الزّمنيّة النّمطيّة داخل الأشكال القديمة لجذور الموسيقى الأفرو-أمريكيّة ؟

يمكن تفسير غياب مقاطع زمنية نمطية متناسقة مثل ” كون، كون، كولو، كون كولو” وغيرها، داخل البعض من أشكال الموسيقى الأفرو-أمريكيّة القديمة، ولا سيّما البلوز، بطرق مختلفة. ولكن ينبغي ألاّ ننسى أنّ المقاطع الزّمنيّة النّمطيّة لم تكن غائبة تماما في “نيو أورليانز”. وتوجد ثلاث فرضيّات لتفسير عدم وجودها في البلوز. أولاها هو أنّ معظم السّمات الإفريقيّة التي تجمعت في خضم عمليّة نشأة البلوز هي بالأساس أصيلة منطقتي السّافانا والسّاحل في غرب إفريقيّا حيث يغيب توظيف المقاطع الزّمنيّة النّمطيّة. والثانية، أنّ الظروف المعيشيّة في مزارع منطقة الدّلتا الجنوبية كانت تميل إلى تثبيط العادات القادمة من ساحل غينيا والتي توظف فيها الطبول والمقاطع الزّمنيّة النّمطيّة، من هنا سيطر حاملو الأساليب الأخرى. أمّا الفرضيّة الثالثة، فهي مبنيّة على أساس أنّ عازفي البلوز على الغيتار بدؤوا بتقليد القصص الشّعبيّة وغيرها من موسيقى أسيادهم بإيقاعات بسيطة ومقسّمة، وحين تمّ استدماج نغمة أهازيج الحقول، لم تكن هناك حاجة لإجراء تعديل جذريّ داخل تلك الإيقاعات.

لقد قمت في الفصل الخامس من كتابك بمقارنة بعض الأمثلة الموسيقيّة الرائعة من أفريقيا والولايات المتحدة.

نعم، حاولت أن أقارن بعض مقطوعات البلوز التي تعود إلى ثلاثينات القرن 19 مع بعض تسجيلاتي الميدانية في المناطق الريفية لشرق نيجيريا ووسط الكاميرون التقطتها في أوائل ستينات القرن الماضي. ولم يكن ذلك بهدف الإدّعاء بأنّ مثل هذه المقارنات هي حاسمة تاريخيّا، بل لعرض تحليل دقيق للسّمات، وهو ما لا يمنع المرء من الانجراف بسهولة بدافع الحماس. وقد عزفت خلال إحدى المحاضرات في شيكاغو أغنية “المجلخة” (Grinding Stone) أمام الجمهور، وهي أغنية لامرأة من التّيكار كنت سجلتها سنة 1964. وقد أشرت حينها إلى تلك المرأة بأن إيقاعاتها تشبه كثيرا تلك التي توجد في البلوز، وأنّ “مجلّختها” تعرض شعورا رائعا بالتّأرجح. ومن ثمّ صعد أحد أصدقائي من الإفريقيّين الأمريكيّين على المنصّة وقال: “غيرهارد، ما كان يجب أن تقول أنّ هذا يشبه البلوز. هذا هو البلوز.” لقد كان صديقي يدافع عن الهويّة المثاليّة، وقد كان مصيبا إلى حدّ ما، لأنّ الأمر كلّه متوقّف على مدى توسّعنا في الحقل الدّلاليّ لمصطلح “البلوز”. بل إنّ رأيه سيكون مقبولا تماما لو اعتبرنا امرأة التّيكار تلك شخصا عانى من الحزن (البلوز) في وحدته ويأسه، برفقة طفل صغير ودون زوج، إضافة إلى عدم وضوح المستقبل. لقد غنّت وفقا لذلك، ولكن ذلك لا يعني بالطّبع أنّ جدّها الأكبر أو أحد أسلافها ممّن سيق إلى أمريكا هو الذي نقل البلوز إلى هناك.

ما الذي نستنتجه عندما نقارن بين “بلوز بايدومنت” و”بلوز الدلتا” ؟

من قبيل المصادفة، أن يتضمّن بلوز الدّلتا عددا من السّمات القادمة من منطقتي السّافانا والسّاحل أكثر من أيّ نمط آخر من البلوز مثل بلوز بايدامونت وبلوز تكساس… ولقد تأثّر بلوز الدّلتا كثيرا بخصائص الأسلوب العربيّ الإسلاميّ الذي دخل الولايات المتّحدة عبر الأشخاص الذين تم نقلهم من مالي والنيجر وموريتانيا ومن مناطق أخرى خلال القرن 18. ومع ذلك، توجد مشكلة في مثل هذه المقارنات، وهي أنّ المقطوعات الأساسيّة للبلوز لا تغطّي سوى الفترة المتراوحة بين عشرينات وأربعينيات القرن 19، في حين لم تبرز مقطوعات السّافانا الغرب إفريقيّة بطريقة أو بأخرى إلاّ في خمسينيات القرن 19. نحن لا ندرك حقيقة ما كان موجودا قبل ذلك، لذا فإنّ استنتاجاتنا لا تقوم إلاّ على دراسة التّأثيرات، وافتراض أنّ الخصائص الأسلوبيّة (العربيّة الإسلاميّة) مثل “الملزومة” (Melisma) والإنشاد الصّاخب والأنماط الإيقاعيّة، سوف تميل إلى مقاومة أيّ تغيّر يمسّها.

والشّائع أنّه لا توجد سوى نظريّة واحدة لتفسير الاختلاف الاجتماعيّ بين بايدامونت والدلتا. فقد كانت مزارع بايدامونت صغيرة، وذلك بعكس مزارع القطن الواسعة الممتدة على طول نهر الميسيسيبي حيث كان للمزارعين الأفارقة، المقيمين هناك منذ فترة طويلة، فرص أكثر للتّعبير في ظلّ علاقات عرقيّة أفضل بكثير. وفي مثل هذا المناخ الثقافي، تزيد فرصة الاقتراض الموسيقي بين الثقافات، وهذا ما يفسّر مثلا سبب ميل التّقاليد الموسيقيّة في بايدمونت إلى النّغمات الأوروبية. أمّا على الجانب الآخر، فقد دفعت ثقافة الأمريكيين الأفارقة بالدّلتا، بغضّ النّظر عن أصول أجدادهم، إلى تعميق عزلتهم الثقافيّة، وهو ما أدّى إلى بروز تراث مختلف هو تراث السافانا الغرب إفريقيّة.

ويمكننا انطلاقا من بعض تسجيلات “جون لوماكس” (John Lumax) التي تعود لثلاثينات القرن 19 ولـ”ألان” (Alan) في وقت لاحق، أن نستنتج أنّ فرجينيا وبايدامونت كانتا تمثّلان ثقافتين مختلفتين وإن انتمت كلاهما إلى دلتا الميسيسيبي، إلاّ أنّ كلاهما كان أيضا مزيجا من ثقافات موسيقيّة متباينة. وفي حين تمثّل الأغنيات الرّائعة لـ”جيمي ستروثرز” (Jimmy Strothers) المصحوبة بآلة البانجو مرجعا يمكن اعتباره نتاجا للتّعمير – بناء الجنوب الذي بدأ في ثمانينات القرن 19-، فإنّ أغنية “ويلد اوكس ماون” (Wild ox moan) لـ “رولي لي جونسون” (Rollie Lee Johnson) هي أهزوجة حقول تدلّ دلالة قاطعة على حضور نغمة السّافانا الغرب إفريقيّة لا في منطقة الدلتا فقط، بل وفي مناطق أخرى مثل ريتشموند و فيرحينيا قبيل سنة 1936. وبالطبع فإنّ هذا يمثل رابطا مباشرا بين هذا النّوع من النّغمات والبلوز.

كما كانت الموسيقى الدّينيّة أيضا متشعبّة جدّا. فمن جهة أولى، نجد أسلوب “هوموفوني…..” في مقطوعات “جون لومكس” التي ألّفها في سجن كارولينا الشمالية بمقاطعة رالي سنة 1934، ويظهر فيها شكل الردّ والإجابة والبنية الدّائريّة، ومن جهة أخرى نجد مجموعة “قولدن قايت كوارتت” (Golden Gate Quartet) الشهيرة التي تعتمد أسلوب غناء حزين، واختصار الحروف، وحضور اللّهجات الأوروبيّة، وهو ما يوضّح السّبب الذي جعل موسيقى هذه الفرقة محبّبة عند الأذواق الموسيقيّة المعاصرة. أضف إلى ذلك أنّ “جيمي ستروثرز” يعطي في أغانيه فكرة رائعة عن الأشعار الشّعبيّة في القرن 19 المرفوقة بآلة البانجو، إذ يقول ساخرا من العبيد الأفارقة: “الزّنجيّ هوندا الحطّاب، لا يستطيع العدّ إلى سبعة. ضعه فوق سرير من ريش، فسيظنّ أنّه ذهب إلى الجنّة.”

على الجانب الإفريقيّ، ما هو الفرق بين ما تسمّيه الأسلوب “الزّنجيّ القديم” والأسلوب “العربيّ الإسلامي”، وما مدى تأثير كلّ منهما في البلوز ؟

أثناء عملي الميداني في غرب إفريقيّا خلال سنتي 1963 و1964، لاحظت وجود عالمين لهما أسلوبان مختلفان تماما في منطقة حزام السّافانا بغرب إفريقيّا. الأوّل هو نتاج مزارعي الدّخن الذين يتواجدون غالبا في المناطق النّائية والجبليّة والذين يحتمل أن يكون أسلافهم أقاموا في منطقة السّافانا خلال الفترة الزمنية التي ركّزت فيها زراعة اللؤلؤ والذرة الرفيعة والدّخن هناك في الفترة من 5.000 إلى 1000 ق.م. أمّا الأسلوب الثاني، فقد دخل المنطقة بعد القرن السّابع ميلادي بفترة وجيزة عبر طرق التّجارة الصحراوية التي أنشأها المسلمون من شمال إفريقيّا باتّجاه الدّول النّاشئة غرب القارة على طول نهر النّيجر: مالي ثمّ السونغاى ثم دولة الهاوسا، وقد كان جلّها دولا إسلاميّة. لقد أطلقت على الأسلوب الأول اسم “الزّنجيّ القديم” وعلى الثاني اسم “العربيّ الإسلاميّ”، والفرق بينها واضح إذا قارنت، على سبيل المثال، أغنية “المجلخة” لامرأة التّيكار الشابة التي سجّلتها في الكاميرون، بموسيقى البلاط الأكثر عدائيّة لـ”لاميدو أوف تونغو” (Lamido of Toungo) حاكم منطقة “فولب” في شمال شرق نيجيريا.

لقد استنتجت أنّ “الأسلوب العنقوديّ” (Style cluster) للسّمات الآتية من منطقة وسط السّودان هو الأكثر تداخلا مع البلوز. كيف تظن أن ذلك حدث بحسب ما يقوله لنا التّاريخ وبحسب ما نعرفه عن التطور الثقافي في أعماق الجنوب ؟

سيكون التفسير الوحيد لذلك هو أن الأمريكيين الأفارقة في دلتا الميسيسيبي قد عاشوا الكثير من العزلة الاجتماعيّة والحرمان. كانت العزلة هناك أكثر قسوة مما كانت عليه في أي مكان آخر. وفي مثل هذا الوضع، سيسعى الناس مهما كان موقعهم في العالم إلى إنشاء وتأسيس ثقافة بديلة تكون مختلفة إلى أقصى الحدود عن ثقافة مضطهديهم. لقد بقيت ذكرى القيم الإسلامية حيّة في “أسلوب السّافانا الإسلاميّ العنقوديّ” الذي تمّ توارثه داخل عدد محدّد من العائلات، وهو ما أهّله للقيام بمثل تلك المهمّة والتخصّص في أحد أمرين على الأقل: إمّا عزف البلوز على الغيتار، أو إنشاد البلوز، دون أيّ يشير ذلك صراحة إلى الإسلام كمرجعيّة. لقد بقي الإسلام طويلا طيّ النسيان، ولم يتبقّ منه سوى مجموعة من الرّموز السّلوكيّة بما يكفي لبناء هويّة مختلفة. ولا أعتبر لجوء الأفارقة الأمريكيّين الحضّر بعد عدة عقود لاحقة إلى البواعث والرّموز الإسلامية مجرّد صدفة، حتى ولو تمّ ذلك في إطار إعادة تأويل عميق. وهذا هو حقّا مثال البيبوب، و “إلدريدج كليفر” (Eldridge Cleaver) وحركة الفهود السّود – كان كليفر منفيا في الجزائر- ومؤخرا “لويس فرخان” ( (Louis Farrakhan وأمّة الإسلام.

لديك خريطة رائعة حول مصادر البلوز في أفريقيا في الصّفحة 101 من كتابك. هل يمكنك أن تشرح ذلك؟

لقد وضعت هذه الخريطة كي أعطي القارئ فكرة عن المناطق الإفريقيّة التي جاءت منها أغلب خصائص البلوز الرّيفيّ، بما فيها أقلّ المناطق بروزا، وهي تمثل حزاما يمتد من داكار غربا إلى نهر النّيل جنوب السّودان شرقا. وبالاعتماد على المقارنة، أظهرت المناطق التي تم منها تصدير خطوط الزّمن الإيقاعية غير المتماثلة إلى وجهات العالم الجديد، وتتمثل أهم هذه المناطق في سواحل غينيا والكونغو وأنغولا ووادي زامبيزي. كما أظهرت مناطق “الرّافية” وسط وغرب أفريقيا التي استخدمت فيها الآلات الموسيقية الوترية من صنف “مونو-ايديوكورد”، وهو ما كان مرتبطا بتطوير آلة “الجيترباق” والـ”ديدلي باو” والـ”يونتار” وغيرها من الآلات الموسيقية ذات الوتر الواحد في الولايات المتّحدة. وأخيرا، حدّدت المناطق في جنوب غرب وجنوب شرق إفريقيا حيث يعزف على آلة “قوس الفم” (Mouthbow) واللوح متصلّ مباشرة بشفاه العازفين، على غرار التقليد الموجود بجبال الآبلاش.

ما هو الدّور الذي لعبه “مسرح القناع الأسود” (Blackface Ministrelsy) في نشأة الموسيقى الأفرو-أمريكية؟

لقد كان عاملا مساعدا في إبقاء الكثير من العادات الإفريقيّة حيّة في الولايات المتّحدة. ورغم أنّ “مسرح القناع الأسود” كان يهدف إلى التّرفيه من خلال الاستهزاء بالسّود، إلاّ أنّ اعتماده المحاكاة الهزليّة هو دفع الأمريكيّين الأوروبيّين نحو إدراك بعض مهارات الزّنوج وحياتهم الثّقافيّة. فقد كان على الممثّلين تعلمّ كيف يتصرّفون ويلعبون مثل “السّود” كي يتمكنوا من السخريّة منهم. إلاّ أنّ هذا هو الوجه الظّاهر من المسألة فقط، إذ كانت القصائد الشّعبيّة تعبّر عن ذاكرة السيّد المستعمر. كما كان يوجد أيضا عامل نفسيّ خفي، أعني أنّ هذا المسرح كان يقوم بتقليد ما يظنّ أنّه السّلوك الزّنجيّ النّموذجيّ، وهو ما كان يشبع رغبة خفيّة في أن يكون الأبيض مثيل الزّنجيّ مؤقّتا ولو لبضع ساعات فحسب.

وقد وجدت في أماكن مثل مستعمرة روديسيا (زمبابوي حاليا)، ظاهرة مماثلة في خمسينات القرن 19، إلاّ أنّ الممثلين كانوا أفارقة ذوي تعليم غربيّ وكانوا يسخرون من القرويّين الأفارقة “غير المتعلّمين” من خلال تقليد نطقهم الرّديء للانكليزية وما يرتكبونه من أخطاء لغويّة، وهو ما خلّده “هيغ ترايسي” في مقطوعات رائعة.

كتبت عن نزوع “ثقافات الأقليات” نحو التفوّق في عملية التنّافس الثقافي. هل لك أن تعطينا مثالا عن ذلك ؟

لقد أردت أن أبيّن من خلال تجربة قمت بها شخصيّا، على غرار عدد من علماء الإناسة الثقافية مثل “فرانتز بواس” (Franz Boas) و”ميلفل هيرسكوفيتش” (Melville Herskovits)، أنّ حجم المجموعات المختلفة لا يمكن اعتماده مقياسا لتحديد الثّقافة التي ستهيمن مستقبلا على تلك المجموعات في حالة اتّصالها، وهو ما يشير تحديدا إلى الفنّ. فعلى سبيل المثال، غدت الأساليب الموسيقيّة الأفرو-أمريكيّة المختلفة التّعبير الشّعبيّ السّائد في جميع أنحاء العالم منذ القرن العشرين وحتّى القرن الواحد والعشرين، طبعا مع تعديلات محلّية وأخرى فرضتها المصالح التّجارية القويّة، إلاّ أنّ ذلك لم يمنع النّظر إليها بوصفها أفرو-أمريكية رغم أنّ الأفارقة الأمريكيّون يمثلّون أقليّة من حيث العدد.

لقد تحدّثت عن “التّنافر الصّوتي” (Heterophony) كسمة دارجة في الموسيقى الأفرو-أمريكية. ماذا تقصد بالضبط؟

“التّنافر الصّوتيّ” مصطلح مقارن يستخدمه مؤرّخو الموسيقى لوصف أسلوب الغناء أو العزف الذي تنساب فيه المقاطع الموسيقيّة بانسجام، لكن مع السّماح ببعض الاختلافات الضّئيلة، فلا يكرّر المغنّون نفس المقطع، بل يغيّرونه قليلا في كلّ مرّة بحيث لا تكون النتيجة مجرّد كوردات، بل زخرفة أو تنافرا وجيزا لأحد العازفين على حساب النّوتة المستقرّة التي يعزفها الآخرون. ويمكن أيضا لـ”التّنافر الصّوتيّ” أن يكون على مستوى العزف، أو بين المقطع الإنشادي للمغنّي وما يرافقه من عزف على الغيتار أو البيانو أو أيّة آلة موسيقيّة أخرى. وأعتقد أنّني قدّمت مثالا عن بعض فرق الموسيقى النّحاسيّة في نيو أورليانز، وفي غرب إفريقيا أيضا، كما أشرت تحديدا في كتابي إلى العلاقة بين المقاطع الموسيقية والمقاطع الإنشادية في أغاني “روبرت بولفورد” (Robert Bolford) ، وعلى سبيل المثال في أغنية “ولد فقير بعيد عن منزله” (Poor boy long away from home). ورغم أنّ مقاطع الإنشاد ومقاطع الغيتار تبدو وكأنّها تكرّر بعضها البعض، إلاّ أنّ الأمر ليس كذلك، فالاختلافات موجودة دون أن يعني ذلك صراحة توافق الكوردات، وهذا أمر شائع في أسلوب موسيقيّي بلوز الدلتا.

لنتناول مسألة البلوز في جانبها التّسويقي، ما الذي تستمع إليه من موسيقى “عليّ فركا توري”؟ وكيف تصفها أو تحلّلها موسيقيّا وأسلوبيّا؟

حسنا، يمكننا أن نعود إلى بداية “علي فركا توري”، في ستينات القرن الماضي بباريس. لقد كان معجبا بموسيقى البلوز لـ”جون لي هوكر” (John Lee Hooker) ومتابعيه، وقد أقنعه أصدقاء فرنسيّون بضرورة الإقرار بوجود أوجه شبه بين أسلوبه الخاصّ في العزف على الغيتار، وخصوصا في أغنيات مثل “أغنية في سونغاي وفولفلد” (A song in Songhai and Fulfulde)، ونغمة البلوز. وقد كان هذا أمرا عاديّا جدّا، فقد التقيت بالكثير ممّن يعزفون أيّ شيء ويقولون إنّه البلوز، ولعلّه من السّخرية أنّك تجد مثل هؤلاء النّاس في كلّ مكان في أوروبا. وبمعنى أوضح، أعتقد أن “علي فركا” قد تمّ دفعه دفعا إلى مثل هذا الإقرار. وعلى أيّة حال، فقد أحبّ “جون لي هوكر” واستخدم بعض ألحانه في موسيقاه.

ولكن حين ننظر إلى المسألة من منظور أوسع، يمكن للمرء أيضا أن يقول أنّ “علي فركا توري” كان مجرّد واحد من شبّان كثيرين في أفريقيا ممّن أصبحوا خلال الخمسين أو الستّين سنة الماضية، مهتمّين بأحد أشكال الموسيقى الأفرو-أمريكية. فعلى سبيل المثال، برز في الكونغو اهتمام بموسيقى “الرّومبا”(Rumba) الكوبية، وفي جنوب إفريقيا بالـ”جاز سوينغ” والـ”بيبوب”، وفي غرب أفريقيا بـالـ”كاليبسو”(Calipso)، بل وتخلّلت موسيقى الـ”هايليف”(Highlife) عناصر من موسيقى الـ”كاليبسو”. لقد حاول العازفون الشبان في بادئ الأمر محاكاة هذه الأساليب، ثمّ قاموا فيما بعد بإبداع شيء جديد، وذلك ما حدث أيضا لـ”عليّ فركا” قبل أن يتدخّل المسوّقون ويحاولوا التّرويج له على أساس أنّه يمثل التّاريخ، وأنّه يمثّل الصّلات بالبلوز، على أنّه يمثل المنبع والجذور، وهلم جرا…. وفي السّنوات الأخيرة من حياته، بدأ “علي فركا توري” في رفض هذه الأفكار، فقد كان واعيا بالتقاليد الثرية التي يقوم بتوظيفها في أسلوبه الخاص، لكنه لم يكن مدركا بأنّه بصدد تطوير شيء جديد، وأعني أن “علي فركا” كان ابن أواخر القرن العشرين لا أواخر القرن 19.

أنت شديد الاهتمام بتصحيح المفاهيم المتعلّقة بأفريقيا والبلوز. ومن ذلك معارضتك بقوّة لأولئك الذين أشاروا إلى توافق الكوردات 1 و4 و5، ووظّفوا ذلك حجّة للادّعاء بأنّ أصل البلوز أوروبيّ وليس إفريقيّا. إلاّ أنّه كان عليك أيضا أن تأخذ نفس الموقف تجاه الأفارقة وغيرهم ممّن يدّعي ملكيّته الحصريّة للبلوز. وباختصار، ما هي الطريقة المثلى حسب رأيك التي تمكّن محبّي البلوز في كامل أرجاء العالم اليوم، من تمييز ما هو إفريقيّ وما غير إفريقيّ في هذه الموسيقى؟

بصراحة، أعتقد أنه من الأفضل لمحبّي البلوز عدم التأثّر بمنهج واحد، وفهم كلّ فنان ببساطة حسب وقائعه الموضوعيّة. ففي الدّراسات التّاريخيّة، نحن معنيّون بالطّبع بكشف وفهم ما جرى في الماضي، وهذا هو الغرض الوحيد من تلك الدّراسات. إلاّ أنّه سيكون من الأفضل عدم توظيفها لبناء الهويّات وتصنيف الأفراد. وإن كان من المهمّ بالنّسبة لك الدّخول في عمليّة تحديد العناصر “الإفريقيّة” و”الأوروبية”، فدعني أعطك وصفة لذلك. استمع إلى صديقي القديم والعزيز “سينوزي ميلندو”، وحاول أن تستنج حسب رأيك ما هو “إفريقيّ” وما هو “غير إفريقيّ” في أغنية “المادوندا بلوز” (Madunda Blues) ذات الاثني عشر عمودا والتي ألفها في الجبال الصّخريّة النّائية جنوب غرب تنزانيا في آب / أغسطس 2003. أراهن أنّك لن تصل إلى شيء محدّد، ذلك أنّ موسيقاه إبداع شخصيّ، إضافة إلى أنّه لا يوجد من يضاهيه في العزف على المزمار.

والإبداع الشّخصي، بالطّبع، هو ما تمحور حوله هذا الموضوع منذ البداية. شكرا جزيلا “غيرهارد”، لقد استمتعت بهذا الحوار.

شكرا لك.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий