Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > المنهج الأنثروبولوجي.

المنهج الأنثروبولوجي.

مقدمة عن المنهج الأنثروبولوجي وتعريفه :

مناهج البحث في ميدان العلوم الإجتماعية متعددة ومتنوعة , ويصنف المنهج الأنثروبولوجي مع المنهج التاريخي والوثائقي ضمن المناهج المعتمدة على الكيف لا الكم , بمعنى أنه يعتمد على دراسة الحالة في حالتها الطبيعية وجعلها مصدرا رئيسا للمعلومات , ويتم جمع بياناته بالملاحظة المباشرة والمقابلة و التفحص الدقيق ..فهو يعرف بأنه علم ثقافة الشعوب أو علم دراسة الإنسان وأعماله .

و هناك علوم كثيرة تدرس الإنسان , مثل : علم النفس وعلم الاجتماع وعلم الأخلاق وعلم السياسة وعلم الاقتصاد، ولكن كلا منها يدرس الإنسان من ناحية معينة.

فمثلا علم النفس يدرس الإنسان من حيث السلوك فهو إذا علم السلوك، وعلم الاجتماع يدرس الإنسان من حيث كونه عضوا في المجتمع.. وهكذا.

أما علم الإنسان فيدرس الإنسان من كل هذه الزوايا عن طريق منهج المعايشة الميدانية.        والباحث في الأنثروبولوجيا كي يدرس مجتمعا فلا بد أن يكون هذا المجتمع محدودا، فيعايشه ويندمج معه ليعرف قيمه وعاداته وتقاليده ورموزه وثقافته وملامح أفراده .. إذن هو علم يرتبط ارتباطا وثيقاً بالمجتمع الإنساني الذي يوجد فيه، حيث يعكس  بنيته الأساسية والقيم السائدة فيه، ويخدم بالتالي مصالحه في التحسين والتطوير.

ولفظة أنثروبولوجيا Anthropology،  هي كلمة إنجليزية مشتقّة من الأصل اليوناني المكوّن من مقطعين : أنثروبوسAnthropos ، ومعناه ” الإنسان ” و لوجوس Locos، ومعناه ” علم “. وبذلك يصبح معنى الأنثروبولوجيا  من حيث اللفظ ” علم الإنسان ” أي: العلم الذي يدرس الإنسان. و تعرّف الأنثروبولوجيا، بأنّها : العلم الذي يدرس الإنسان من حيث هو كائن عضوي حي، يعيش في مجتمع تسوده نظم وأنساق اجتماعية في ظلّ ثقافة معيّنة .. ويقوم بأعمال متعدّدة، ويسلك سلوكاً محدّداً؛ وهو أيضاً العلم الذي يدرس الحياة البدائية، والحياة الحديثة المعاصرة، ويحاول التنبّؤ بمستقبل الإنسان معتمداً على تطوّره عبر التاريخ الإنساني الطويل.. ولذا يعتبر علم دراسة الإنسان (الأنثروبولوجيا) علماً متطوّراً، يدرس الإنسان وسلوكه وأعماله .

تاريخ العلم و تطوره :

ثمّة من يردّ بدايات تاريخ الأنثروبولوجيا إلى العصور القديمة، إلاّ أنّ الأنثروبولوجيين الغربيين، ولا سيّما الأوروبيون، يرون أنّ الأصول النظرية الأساسية لعلم الأنثروبولوجيا، ظهرت إبّان عصر التنوير في أوروبا ، حيث تمّت كشوفات جغرافية وثقافية لا يستهان بها، لبلاد ومجتمعات مختلفة خارج القارة الأوربية .

وقد قدّمت هذه الكشوفات معلومات هامة عن الشعوب القاطنة في تلك البلاد، أدّت إلى تغيّرات جذرية في الاتجاهات الفلسفية السائدة آنذاك، عن حياة البشر وطبيعة المجتمعات الإنسانية وثقافاتها وتطوّرها. وهذا ما أدّى بالتالي إلى تطوير المعرفة الأنثروبولوجيّة، واستقلالها فيما بعد عن دائرة الفلسفة الاجتماعية وظهرورها كعلم مستقل . ويلاحظ أنّ الدراسات الأنثروبولوجية الميدانية، نشطت بشكل واسع وازدهرت، في أعقاب الحرب العالمية الثانية حيث لجأت الدول المستعمِرة، ولا سيّما (أمريكا وبريطانيا وفرنسا)  إلى تشجيع هذه الدراسات على الشعوب التي تستعمرها، بغية التوصّل إلى معارف دقيقة عن الأنظمة السياسية والاجتماعية السائدة عند هذه الشعوب، والتي تنعكس في أحوالها الشخصيّة والمعيشية، وهذا كلّه يسهّل على الدول المستعمِرة إدارة الحكم في مجتمعات الشعوب المستعمَرة، واستغلال مواردها الاقتصادية ونهب خيراتها، بذريعة تنميتها وتطويرها.

إلا أن الدكتور زكي إسماعيل يخالف الأطروحات التي تعزو هذا العلم للحضارة الغربية ويؤكد أن علم الإنسان أو علم الأنثروبولوجيا الذي يدعي الغرب أنه علم غربي لم يعرف إلا منذ قرنين من الزمان، إنما هو علم عربي إسلامي أصيل؛ لأن الرواد من العلماء المسلمين الرحالة الذين جابوا الأقطار المختلفة كانوا أنثروبولوجيين بمعنى الكلمة قبل أن يظهر هذا المصطلح في أوروبا. وقد قام هؤلاء العلماء الرحالة برحلاتهم اهتداء بقول الله تعالى [أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف بدأ الخلق] [العنكبوت 20]. وقول الله تعالى [ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة] [النساء 100] فهؤلاء العلماء طافوا العالم ودرسوه جيدا وسجلوا كل شيء عن شعوبه المختلفة حسب مفردات منهج الأنثروبولوجيا الحديث.

وعلم الإنسان الذي يقوم على مقارنة الشعوب والمجتمعات بعضها ببعض، يهدف إلى الوصول إلى أن الجنس البشري واحد وأنه مؤتلف لا مختلف، وأنه يجب أن يتواصل لا أن يتباعد.

 وعن علاقة علم الإنسان بالقرآن يقول الدكتور زكي إسماعيل إنها علاقة وثيقة ؛ لأن القرآن أنزله الله لهداية البشر جميعا فمحور القرآن هو الإنسان، وعلم الإنسان علم وضعي وضعه الإنسان لدراسة الإنسان ليصل إلى نفس الهدف وهو : فهم الإنسان ..ومن خلال هذا الفهم يمكن أن يحدث التقارب لا التباعد والوئام لا الخصام , فهو يهدف إلى الوصول إلى وحدة الجنس البشري وفهم الإنسان للإنسان بلا فوارق وبالتالي فهو يلتقي مع الإسلام الذي يقول (كلكم لآدم وآدم من تراب) ويقول أيضا على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم (لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى). وهكذا فإن المفاضلة في الإسلام بين إنسان وإنسان تختلف تماما عنها في البراجماتية الأمريكية أو الرأسمالية الغربية أو الشيوعية الشرقية…

أقسام الأنثروبولوجيا :

تنقسم الأنثروبوجيا إلى أقسام رئيسية وهي : الأنثروبولوجيا الطبيعية والإجتماعية والثقافية .

والذي يعنينا هنا هو الأنثروبولوجيا الثقافية والتي تعرف بأنها : العلم الذي يهتم بدراسة الثقافة الإنسانية ,ويعنى بدراسة أساليب الحياة النابعة من الثقافة ويدرس الشعوب القديمة والحديثة , ويهدف إلى فهم الظاهرة الثقافية وتحديد مكوناتها ,ويهتم بدراسة عمليات التغير الثقافي والتمازج بين الشعوب , وتحديد سمات التشابه والتباين بينها , ويهتم أيضا بتاريخ الثقافات وأصولها ونموها وتطورها , ويفسر في ضوء ذلك كل المراحل التطورية التي تمر بها الثقافات في أي بيئة ومحيط .

وتنقسم الأنثروبولوجيا الثقافية إلى ثلاثة أقسام , هي :

1-الأركيولوجيا . (علم الآثار) .

وهذا القسم يهتم بدراسة واستقراء البقايا والأطلال المادية التي تركها الإنسان القديم , ويهتم بجمع الآثار والمخلّفات البشرية وتحليلها، بحيث يستدلّ منها على التسلسل التاريخي للأجناس  البشرية، في تلك الفترة التي لم تكن فيها كتابة، وليس ثمّة وثائق مدوّنة (مكتوبة) عنها .

ويبحث هذا الفرع من علم الأنثروبولوجيا الثقافية، في الأصول الأولى للثقافات الإنسانية، ولا سيّما الثقافات المنقرضة.

2-الأثنولوجيا . (علم الثقافات المقارن) .

تعرّف الأثنولوجيا بأنّها : دراسة الثقافة على أسس مقارنة وفي ضوء نظريات وقواعد ثابتة، بقصد استنباط تعميمات عن أصول الثقافات وتطوّرها، وأوجه الاختلاف فيما بينها، وتحليل انتشارها تحليلاً تاريخياً . فتعدّ الأثنولوجيا فرعاً من الأنثروبولوجيا، وتختصّ بالبحث والدراسة عن نشأة السلالات البشرية، والأصول الأولى للإنسان , ويدخل في ذلك دراسة أصول الثقافات والمناطق الثقافية، وهجرة الثقافات وانتشارها والخصائص النوعية لكل منها، و دراسة حياة المجتمعات في صورها المختلفة .

3-علم اللغويات .

هو العلم الذي يبحث في  تركيب اللغات الإنسانية، المنقرضة والحيّة، كاللاتينية أو اليونانية القديمة، واللغات الحيّة المستخدمة في الوقت الحاضركالعربية والفرنسية والإنكليزية.. ويهتمّ دارسو اللغات بالرموز اللغوية المستعملة، إلى جانب العلاقة القائمة بين لغة شعب ما، والجوانب الأخرى من ثقافته، باعتبار اللغة وعاء ناقلاً للثقافة. 

و يدرس علماء الأنثروبولوجيا، اللغة في سياقها الاجتماعي والثقافي في المكان والزمان. ويقوم بعضهم باستنتاجات تتعلّق بالمقوّمات العامة للغة وربطها بالتماثلات الموجودة في الدماغ الإنساني. ويقوم آخرون بإعادة بناء اللغات القديمة من خلال مقارنتها بالمتحدّرات عنها في الوقت الحاضر، ويحصلون من ذلك على اكتشافات تاريخية عن اللغة. 

الدراسة الميدانية في المنهج الأنثروبولوجي :

يسمى هذا النوع من الدراسات في علم الأنثروبولوجيا بـ”الدراسات الحقلية” , وهي تعد من الخصائص المميزة للأنثروبولوجيا الثقافية ؛ وذلك أنها تعتمد على هذه الدراسات الحقلية بشكل كبير , والتي تهدف إلى رؤية الثقافة المحلية أوالثقافات الأخرى عن قرب , فهي بمثابة التجربة العملية التي تقابل المعمَل بالنسبة للباحث في العلوم الطبيعية , فهناك أساليب للبحث الميداني تمكن الباحث من الحصول على المادة المنشودة , والتي ستكون وثيقة الصلة بالسمات والمكونات الثقافية للمجتمع المراد دراسته , ومن خلال هذه المعلومات يتمكن الباحث من تحليل المجتمع و وصفه بشكل دقيق .

يمكن أن نعرف الدراسة الحقلية بأنها : الأسلوب المستخدم لدراسة الظاهرة في مكان وزمان حدوثها , بهدف معرفة أنماط السلوك المختلفة وأسباب التفاعل ؛ حيث يذهب الأنثربولوجي لكي يقوم بعمله إلى موطن الشعب الذي اختاره موضوعاً للدراسة، فيستمع إلى أحاديثهم ويزور بيوتهم ..ويلاحظ سلوكهم العادي .. ويسألهم عن تقاليدهم، ويتآلف مع طريقة حياتهم حتى تصبح لديه فكرة شاملة عن ثقافتهم، أو يحلّل جانباً خاصاً من جوانبها. فالباحث الأنثروبولوجي في عمله هذا، يجمع المعلومات، ويحلّلها ويربطها بمعلومات أخرى، عندما يرجع من الميدان , ويخرج منها بنتائج محددة .

خطوات الدراسة الميدانية (الحقلية) :

1-اختيار منطقة الدراسة , ويفضل أن يكون مجتمع محلي صغير ؛ حتى يكون في وسع الباحث الفرد أو فريق البحث أن يغطي جميع جوانب الحياة منه في فترة معقولة .

2-اختيار الموضوع المراد بحثه بدقة .

3-الإعداد البيلوجرافي , ويراد منه أن يقرأ الباحث كل ما يتصل بمنطقة الدراسة ويخدم هدفه من البحث , وذلك ابتداء من البحوث والدراسات العلمية المنهجية التي قد تكون ربما أجريت عن هذا المجتمع , وكذلك التقارير والنشرات والمعلومات المتاحة عنه .

4-على الباحث أن يعد خطة متكاملة لمشروعة بحثه الذي يستهدفه ويطرح فيه التساؤلات الأساسية التالية :

أ-ما هو الشئ الذي يعتزم الباحث عمله على وجه التحديد؟

ب-كيف ينوي إنجاز هذا البحث؟

ج-ما هي الدراسات السابقة التي تم إنجازها من قبل بالنسبة للموضوع ؟وكيف يمكن الاستفادة منها و توظيفها في البحث ؟

د-ما هي الاعتمادات المالية التقديرية لإتمام هذا البحث؟

هـ-ما هو الإطار الزمني اللازم لإنجاز البحث؟

5-البدء في الإجراءات العلمية في الدراسة .

6-اختيار عينة الدراسة ثم التعرف على الحقل والعاملين و إقامة العلاقات معهم ؛ إذ إنّ الأنثروبولوجيا، علم منهجي والبحث الميداني من أهمّ مقومات نجاحه. وهذا يتطلّب من الباحث معرفة الطريقة التي  عليه أن يستخدمها، واضعاً نصب عينيه أنّ المشكلة التي يدرسها، هي في الأساس مشكلة إنسانية. كما أنّ الواجب البحثي يقتضي أن يتمتّع الباحث، بدرجة عالية من الحساسية تجاه قيم الناس الذين يتعامل معهم، ومعرفة القوانين التي تحكم سلوكياتهم وأساليب التعامل معهم، وهذا ما يتيح لـه بناء علاقة وديّة معهم، وتسهّل بالتالي الحصول على ما يريده من معلومات .

7-البدء في جمع المعلومات ورصدها .

8-تحليل البيانات والمعلومات الحقلية .

9-كتابة التقرير و إنجاز مشروع البحث والإجابة عن التساؤلات الكبرى التي وضعها لبحثه ليصل بها إلى النتائج والمعطيات .

أساليب وطرق الدراسة الحقلية :

لقد أقرّ علماء الأنثروبولوجيا بعض الطرائق الميدانية التي يمكن اعتبارها أدوات عمل فاعلة في العمل الميداني، ومنها : طريقة الملاحظة المباشرة، وطريقة الاستمارة، وطريقة المشاركة وطريقة الحالة الفرضية.

1- طريقة الملاحظة (المشاهدة) المباشرة Direct Observation:

هي أحد الأساليب التي يستخدمها الباحث المقيم، في دراسة الشعوب البدائية. ويقوم هذا الأسلوب على مراقبة أو معاينة ومقابلة أفراد الشعب الذي تجري عليه الدراسة، في أثناء تأدية أعمالهم اليوميّة المعتادة. وكذلك حضور المناسبات العامة التي يقيمها أبناء هذا الشعب.. ورصد الحركات والتصرّفات، وتسجيل ما يجدر تسجيله من حوارات ونحوها، وما إلى ذلك من التعبيرات التي يبديها الأفراد في هذه المناسبات .

وهذا يقتضي من الباحث الأنثروبولوجي أن يقيم فترة لا تقلّ عن (7-8) أشهر، في المجتمع المدروس، وتفهّم ما يدور فيه. فالباحث المحترف لا بدّ وأن يغرق نفسه في حياة الناس، وذلك ؛ لأنّ البحث لا يتمّ إلاّ بالإقامة الطويلة لشهور عديدة في المجتمع المحلّي. كما يفضل أن يحسن الباحث لغة التخاطب بلغة الأهالي، حتى وإن كان السلوك الذي يشاهده غير لفظي. والإقامة في مجتمع البحث، تعني ملاحظة دقائق الحياة اليوميّة كما تجري بين الناس..

2- طريقة المشاركة Participation :

وهذه الطريقة التي يتبعها الباحث الأنثروبولوجي, مفادها أن يقوم الباحث بأعمال تقوم بها الجماعة المدروسة، وذلك تقرّباً منها وكسباًً لودّها، والدخول بالتالي إلى أدقّ التفاصيل في ممارسات أفراد هذه الجماعة، الخاصة والعامة. كالقيام ببعض الأعمال التي تعدّ من النشاط اليومي للجماعة، ولا سيّما الأعمال اليدوية، الفردية والجماعية .

ومن خلال هذه المعايشة الحيّة للمجتمع المدروس، والمشاركة الفاعلة في مناشطه، يكتسب الباحث مهارة في أداء هذه الأعمال، وقدرة على كتابة تجربته الشخصيّة فيها وممارسته لها. وهذا ما يؤدّي في النهاية إلى  تصوير واقع الشعب المدروس، بتفصيلات تتّسم بالشمولية والدقّة. 

3-طريقة الاستمارة (الاستبانةQuestionnaire ) :

هي من أقدم الطرائق البحثية، وما زالت مستخدمة على نطاق واسع في كثير من الدراسات المسحية الميدانية.

وهذه الطريقة شبيهة بطرائق البحث في العلوم الاجتماعية. ففي الدراسات الأنثروبولوجية على المجتمعات المتقدّمة، يوزّع الباحث الاستمارة (الاستبانة) على الأفراد المدروسين، ويترك كلاًّ منهم يجيب عن الأسئلة بطريقته. غير أنّ أسلوب التنفيذ والتطبيق يختلف في دراسة الشعوب البسيطة (البدائية) التي لا تعرف الكتابة، حيث يقوم الباحث بطرح السؤال ويدوّن الجواب الذي يسمعه، وكما هو الحال في الحوارات والمناقشات .

4- طريقة الحالة الفرضيّة Hypothesis Case :

تقوم هذه الطريقة على بناء افتراضات حول عناصر لظاهرة اجتماعية أو ثقافية، يسعى البحث إلى إثباتها والتحقّق منها، حيث لا تظهر جماعة ما هذه العناصر إلاّ في حوادث أو حالات معيّنة.

 سلبيات وصعوبات الدراسات الحقلية :

1-صعوبة تعامل الباحث مع المجتمع المراد دراسته لاختلاف الدين والبيئة والعادات والتقاليد واللغة .

2-أن عدد من العينات المراد دراستها لا يتعامل مع الباحث وفق التلقائية التي يعيشها عادة , بل قد يظهر أمامه بمثالية وبنمطية مصطنعة .

3-طول مدة هذا النوع من الدراسات , مما يتطلب من الباحث الصبر على عناء الدراسة .

4-أنه قد يكون لدى الباحث فكرة سابقة عن موضوع البحث وعن النتائج التي تم التوصل إليها ممن سبقه , فقد يذهب للمجتمع وأحكامه الاستباقية عنده حاضره مما يؤثر في موضوعية دراسته , أو قد يؤدي إلى سوء فهم و قراءة مغلوطة المعلومات التي سيتحصل عليها .

5-أن هذا النوع من البحوث يتطلب تكلفة مادية كثيرة , وهي كبيرة مقارنة بكثير من أنواع البحوث .

6-أن على الباحث أن يفسر سلوك الأشخاص الذين يلاحظهم وفقا للمعاني التي تسود في حياتهم اليومية , وعليه أن يجعل النموذج الذي يستخدمه لتقييم سلوك الأشخاص متسقا مع الأحداث التي يلاحظها .

7- إن العمل العلمي في الحقل من الناحية الأنثروبولوجية يفرض على الباحث لحظة وصوله إليه أن يشارك في حياة المجتمع، وأن يتدرج في هذه المشاركة بمرور الزمن، من أجل تتغير مواقف المجتمع تجاهه، لكي تسير من الحذر والإرتياب إلى القبول والتعاون ،ويصبح وجود الباحث أمرا طبيعيا بينهم فيتصرفون أمامه ويتحدثون معه بتلقائية وكأنه واحد منهم.

8- إذا كان الباحث الأنثروبولوجي يتلقى المعلومات بواسطة المترجم أو (الإخباري) , فإن عليه التعامل مع إخباريين ومترجمين منتقين بعناية ؛ لأنهم يمثلون مصدرا من مصادر المعلومات وحلقة وصل للباحث في التعرف على ثقافتهم، والناس يتمايزون فيما بينهم بالنسبة إلى معرفتهم ، وتفسيراتهم لنظمهم الإجتماعية والثقافية , وفي مدى تعصبهم لمجتمعاتهم  , ومدى موضوعيتهم في نقل المعلومات و ترجمتها ونحو ذلك ، كما أنهم يختلفون في اهتماماتهم وقدراتهم على التعبير اللغوي، وبالتالي قد لا يجد الأنثروبولوجي إلا عدداً قليلا من الأفراد يصلحون كإخباريين ملائمين .

9-أن هذا النوع من البحوث يتطلب الرصد الكبير والمتواصل لكم كبير من المعلومات والقدرة الكبيرة على الملاحظة والتحليل والاستنتاج .

10- أن هذا النوع البحوث قد يتأثر بحجم العينة في محدوديتها , فتبقى قاصرة عليها وخاصة بها , ولا يصح تعميمها . 

أهداف المنهج والدراسات الأنثروبولوجية :

استناداً إلى مفهوم الأنثروبولوجيا وطبيعتها، فإنّ دراستها تحقّق مجموعة من الأهداف، يمكن حصرها في الأمور التالية :

1- وصف مظاهر الحياة البشرية والحضارية وصفاً دقيقاً، وذلك عن طريق معايشة الباحث المجموعة أو الجماعة المدروسة، وتسجيل كلّ ما يقوم به أفرادها من سلوكيات في تعاملهم، في الحياة اليوميّة .

2- تصنيف مظاهر الحياة البشرية والحضارية بعد دراستها دراسة واقعية، وذلك للوصول إلى أنماط إنسانية عامة، في سياق الترتيب التطوّري الحضاري العام للإنسان : (بدائي- زراعي- صناعي – معرفي – تكنولوجي) .

3- تحديد أصول التغيّر الذي يحدث للإنسان، وأسباب هذا التغيّر وعملياته بدقّة علمية..وذلك بالرجوع إلى التراث الإنساني وربطه بالحاضر من خلال المقارنة والتحليل، وإيجاد عناصر التغيير المختلفة .

    4- استنتاج المؤشّرات والتوقعّات لاتّجاه التغيير المحتمل، في الظواهر الإنسانية والحضارية والثقافية التي تتمّم دراستها، والتصوّر بالتالي لإمكانية التنبؤ واستشراف مستقبل الجماعة البشرية التي  أجريت عليها الدراسة.

 المنهج الأنثربولوجي والعلوم الإسلامية وكيفية استفادة المثقف والدعاية المسلم منه :

أما عن تاريخ هذا المنهج وعلاقته بالعلوم الإسلامية فيقول الأستاذ سعيد الشماسلقد اقتضت الأوضاع الجديدة التي أحدثتها الفتوحات العربية الإسلامية، الاهتمام بدراسة أحوال الناس في البلاد المفتوحة وسبل إدارتها، حيث أصبح ذلك من ضرورات التنظيم والحكم  ؛ ولذلك برز العرب في وضع المعاجم الجغرافية، كمعجم (البلدان) لياقوت الحموي. وكذلك إعداد الموسوعات الكبيرة التي بلغت ذروتها في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر ميلادي)  مثل ” مسالك الأمصار ” لابن فضل الله العمري، و ” نهاية الأرب في فنون العرب ” للنويري .

وإلى جانب  اهتمّام هذه الكتب الموسوعية  بشؤون العمران ، فقد تميّزت مادتها بالاعتماد على المشاهدة والخبرة الشخصيّة، وهذا ما جعلها مادة خصبة من ناحية المنهج الأنثروبولوجي في دراسة الشعوب والثقافات الإنسانية , وهناك من تخصّص في وصف إقليم واحد مثل/ البيروني/ الذي عاش ما بين (362 – 440 هجرية) ووضع كتاباً عن الهند بعنوان ” تحرير ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ” .وصف فيه المجتمع الهندي بما فيه من نظم دينية واجتماعية وأنماط ثقافية. واهتمّ أيضاً بمقارنة تلك النظم والسلوكيات الثقافية، بمثيلاتها عند اليونان والعرب والفرس. وأبرز البيروني في هذا الكتاب، حقيقة أنّ الدين يؤدّي الدور الرئيس في تكبيل الحياة الهندية، وتوجيه سلوك الأفراد والجماعات، وصياغة القيم والمعتقدات .

كما كانت لرحلات ابن بطوطة وكتاباته خصائص ذات طابع أنثروبولوجي، برزت في اهتمامه بالناس  ووصف حياتهم اليومية، وطابع شخصياتهم وأنماط سلوكاتهم وقيمهم وتقاليدهم. فمّما كتبه في استحسان  أفعال أهل السودان : ” فمن أفعالهم قلّة الظلم، فهم أبعد الناس عنه وسلطانهم لا يسامح أحداً في شيء منه. ومنها شمول الأمن في بلادهم، فلا يخاف المسافر فيها ولا المقيم من سارق ولا غاصب. ومنها عدم تعرّضهم لمال من يموت في بلادهم من البيضان (البيض والأجانب) ولوكان القناطير المقنطرة. وإنّما يتركونه بيد ثقة من البيضان، حتى يأخذه مستحقّه”.

أمّا كتاب ابن خلدون ” العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر ” فقد نال شهرة كبيرة وواسعة بسبب مقدّمته الرئيسة وعنوانها : ” في العمران وذكر ما يعرض فيه من العوارض الذاتية من الملك والسلطان، والكسب والمعاش والمصانع والعلوم، وما لذلك من العلل والأسباب “. وتعتبر هذه المقدّمة عملاّ أصيلاً في تسجيل الحياة الاجتماعية لشعوب شمال أفريقيا، ولا سيّما العادات والتقاليد والعلاقات الاجتماعية، إلى جانب بعض المحاولات النظرية لتفسير كلّ ما رآه من أنظمة اجتماعية مختلفة. وقد شكّلت موضوعات هذه المقدّمة – فيما بعد – اهتماماً رئيسياً في الدراسات الأنثروبولوجية…” .

أما عن كيفية استفادة المثقف والداعية المسلم منه :

يقول الدكتور زكي إسماعيل : “إن المنهج الأنثروبولوجي أصبح الآن منهجا مختارا لدراسة المجتمع على أساس معايشة هذا المجتمع ودراسة لغته وعاداته على الطبيعة والإختلاط به والتفاعل معه. والدعوة الإسلامية لن تؤدي دورها ولن تؤتي أكلها إلا من خلال هذا المنهج الأنثروبولوجي، فالداعية لابد أن يتعلم لغة القوم الذين سيدعوهم , فالداعية قد يعمل في مجتمع وثني مثل مجتمع جنوب السودان، وأوروبا كانت ترسل ولا زالت طيلة القرن العشرين علماء أنثروبولوجيين يعملون مبشرين.. وقد رأيت هؤلاء في قبائل الشلك يترجمون الأناجيل لهذه القبائل رغم أن لغتهم تنطق ولا تكتب.. ومع ذلك استطاع هؤلاء العلماء المبشرون أن يكتبوها لهم وأن ينصروهم.. وكان هؤلاء العلماء المبشرون حريصين على إقامة ثلاثة أشياء، أولا الكنيسة ليقيموا فيها الصلوات، وثانيا المدرسة ليتعلم أهل القبائل الإنجليزية ثم يستفاد من خريجيها في الأمور الإدارية، وثالثا المستشفى.

وفي أوائل السبعينات نزل التجار المسلمون على مكان عاصمة الشلك وأخذوا ينشئون الكتاتيب ويعلمون الأطفال العربية ومبادئ الإسلام وبدأت إدارات الري المصرية العاملة في السودان تستجلب عددا من العمال وتعلمهم العربية ومبادئ الدين الإسلامي ثم يدخلون في الإسلام.

وهكذا فإن الدعوة الإسلامية في حاجة ماسة إلى المنهج الأنثروبولوجي الذي يفرض على الباحث أن يعيش وسط القوم الذين يدرسهم سنة على الأقل. وكان ابن بطوطة أنثروبولوجيا من الطراز الأول فقد استغرقت رحلته 25 سنة حلل فيها المجتمعات تحليلا واستمرت رحلة علماء مسلمون ورحالة غيره عشرة وخمسة عشر عاما .

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий