Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > بدائي: Primitif

بدائي: Primitif

المصدر: شبكة النبأ المعلوماتية.
شبكة النبأ: إن مفهوم البدائية الذي يطبق على المجتمعات غير الغربية هو ابتكار القرن الثامن عشر، وهو يقوم على فكرة أن الهمجيين – وبخاصة الهنود الأمريكيين – هم الأجداد الاجتماعيون “للمتحضرين” الذين بلغوا مرحلة التطور التام، لكونهم يمثلون واحدة من مراحل مرّ بها هؤلاء المتحضرون. إن هذا المفهوم، كمفهوم الحضارة المرتبط به، لا ينفصل عن مفهوم التاريخ الذي يضم، في حركة منتظمة ومستقيمة وصاعدة، مجموع المجتمعات البشرية.

إن صفة “البدائي” القليلة الاستخدام في القرن الثامن عشر، قد أصبحت متداولة اعتباراً من العام 1850، حتى أنه يعزى إلى الإثنولوجيا النشوئية إطلاق هذا المفهوم. ومع ذلك فإن التوجه البدائي لانتروبولوجيا القرن التاسع عشر كان أقل انسجاماً من بدائية عصر الأنوار: فبسبب إطالة الفترة الزمنية التي جرى فيها تطور الإنسانية، وكذلك التأثير المتزايد للنظريات العرقية، ازداد الفارق بين الهمجيين والمتحضرين واتخذ طابعاً بيولوجياً. إن البدائيين والمتحضرين ينتمون معاً إلى تاريخ مشترك، ولكنهم لا يتشاركون نفس الجوهر والمصير.وكونهم “بدائيين” يعني أنهم قد يكونون اقرب إلى الأصول البشرية، وبالتالي فإن الهمجيين لا يجسدون سوى استعارة ضعيفة لتاريخ المتحضرين القديم، بما أنه قد حُكم عليهم بالركود الثقافي بفعل “اللعنة العضوية”. ولكن الرؤية التاريخية التي يتجذر فيها مفهوم البدائية هي مرفوضة حالياً. غير أن اللفظة لا تزال مستخدمة من قبل بعض الاثنولوجيين ومن قبل الجمهور المتمسك جداً بفكرة أن الهمجيين المعاصرين هم انعكاس حي للإنسان كما كان في العصر الحجري.

من بين عوامل أخرى تفسر استمرارية هذه الكلمة، يجب التشديد على انزلاق المفهوم نحو فكرة الأقدمية المنطقية لا التاريخية: وفي هذا الإطار يمكن اعتبار المجتمعات القديمة مجتمعات بدائية ليس لأنها “متخلفة”، بل لأنها تجسد منطقياً أولى الأشكال الهيكلية للاجتماع البشري.

بدائية الفن

Primitivisme dans l art

ظهرت لفظة “البدائية” أوائل القرن العشرين بمثابة تعبير عن نوع من الحساسية الجمالية الغربية القائمة على تقييم أشكال الفن القديم والشعبي بشكل يختلف باختلاف الفنانين، والاستلهام منها.

وتأتي هذه اللفظة كتعبير عن الاهتمام بالفن البدائي المنظور إليه كفن للبدائيين. ولا ينفصل شيوع لفظة “بدائية” من وجهة النظر هذه، على الأقل في أوروبا الغربية، عن “اكتشاف” فنون أفريقيا السوداء وأوقيانيا التي اختلطت النظرة إليها في بادئ الأمر فجمعت تحت العنوان العام: “فن زنجي” (فوشرو، 1982، لود، 1968، ليريس ودولانج، 1967).

يعتبر غوغان أن (البدائية) كانت تدل بلا تمييز على فنون الهند ومصر وبولينيزيا، أي ما هو “طبيعي” و”بربري” و”بسيط” (غولد ووتر، 1988)، أما الفنانون “الوحشيون” (فلامينك وديران وماتيس) فإنهم يضعون في نفس الإطار البدائي بعض المنحوتات الأفريقية ومشاهد الأيبينال: مدرسة “الجسر” الفنية (Brucke) و”الفرسان الزرق” ومنحوتات الشعوب الغربية بشكل عام، ورسوم الأطفال، إضافة إلى فنهم الشعبي القروي. بالنسبة لبراك وبيكاسو، كانت لفظة “بدائية” تطلق على منحوتات شاطئ العاج والغابون المنعزلة عن سياقها، كما تطلق على لوحة الجمركي روسو. في نظر فناني بداية القرن لا تتمثل “بدائية” هذه الأنواع المختلفة من الفنون فقط في النوعية البسيطة المشتركة التي تعزى لها بشكل عام، وإنما أيضاً في رفضها للنظرة “الطبيعية”: هذه “الأعمال البدائية” التي يبدو أن أصحابها لم يكونوا يحاولون البحث عن التشابه وإنما عن السماح فقط للشخصيات بأن تبقى حاضرة، تمتلك صفة متميزة “حقيقية أكثر من الحقيقة” (ليريس ودولانج 1967).

إن فناناً مثل خوان غريس يرى في “الفن الزنجي” تأكيداً لأبحاثه التشكيلية: العمل على “توصيف الأشكال”. قد يبدو طبيعياً أن المنحوتة التي تأخذ حيزاً هاماً في الفنون البدائية (القناع، النحت) تمارس تأثيراً مباشراً على المنحوتة العصرية أكثر مما على الرسم، ولكن ذلك لم يحصل، ربما لأن الابتكارات الشكلية للنموذج كانت تفرض نفسها مباشرة على النحات العصري خاصة لكونه نحاتاً وليس رساماً يعتبر أن الغرض البدائي لا يدخل إلا كعنصر غير مباشر للوحي. هذه الحال بالذات كانت حال الرسامين التكعيبيين الذين اجتهدوا في استعمال الأحجام في فن كان قد حاول تصوير المساحات بشكل أساسي. لقد كان للنحت الإفريقي دور في تشكيل فنانين أمثال برانيكوزي وموديلياني وجاكوب إبشتاين وهنري مو (الذي استوحى أيضاً من النحت المكسيكي). وإذا كانت عمليات التصوير الشكلي المباشر نادرة، فلقد تم التشديد على أن العمل الفني يجب أن يكون عنصراً مستقلاً عوضاً عن تقليد المحيط الطبيعي، وقد وجد هذا التوجيه نفسه معززاً بأمثلة عن النحت البدائي حيث تتمثل أهمية البعد السحري في تحرير الفنان إلى حد كبير من إكراهات الطبيعية.

إن ازدهار المتاحف الاثنولوجية ومعرفة الفنون البدائية (من الأجدى الإشارة، في هذه المعرفة، إلى الدور الذي حظيت به أعمال الإنكليزي بيت ريفرز والألماني فروبينيوس والألماني الآخر ك. إينشتاين) قد ترافق مع توسع الإمبراطوريات الاستعمارية. كما أن سحق الممارسات الدينية التقليدية ووضع اليد على عدد من المنحوتات الشعائرية، بالرضى أو بالقوة، قد لعبا دورهما أيضاً، مما أدى إلى وصول منحوتات لا يرقى إليها الشك إلى أوروبا.

المسيحية البدائية(1)

لن يكون هناك تركيز على الجانب التاريخي للمسيحية وجانبها الديني بالمعنى الدقيق للكلمة وكذلك ما يتعلق بشخصية المسيح بالذات … الذى لم يشأ بعض المفكرين من “بايل” إلى فولتير وإلى “رينان” , وفي العصر الحاضر “ريناك” اعتباره إلا “ديموقراطي مثالي” أو حتى “اسطورة جماعية” – كما هو رأي “كوشو” مثلا – ترمز إلى تطلعات اخلاقية معينة في العهد القديم ( عورضت هذه الآراء برأي مخالف هو صعوبة تفسير النجاح التاريخي الذى حققته المسيحية فيما لو لم تكن مبنية إلا على اسطورة بسيطة فحسب . فهو نجاح “يستعصي على الإدراك إذ ذاك كما هو شأن الإسلام مثلا لو جردناه عن شخصية الرسول ” وقد رد “بنوا” على “بايل” في حينه عام 1712 قائلا انه لو اقتصرنا البراهين التاريخية المطلقة فحسب فإن وجود “بايل” ذاته كما يورده معاصروه سيبدو اسطورة صعبة التصديق ) . وسنركز على المظهر الأخلاقي للمذهب الإنجيلي , هذا المظهر الذى يميز فيه الكثيرون اتجاهين لا يخلوان من التناقض الأول هو اتجاه تشاؤم نسبي ذلك أن الله “آب ضابط الكل خالق السماء والأرض” يلازم اعتقادا آخر بالشيطان المخلوق المتمرد الذى سقط وجر معه في سقوطه آدم وحواء … وهذا مصدر فكرة “الخطيئة الأصلية” التي نُهجت – بل وتكاد أن تكون اخترعت – من قبل القديس بولس ( ذلك أن الأناجيل لا تتضمن ذكرا لها) , وأدت إلا انه “لا سعادة في هذا العالم” كما جعلت من العالم منفى و”واديا للدموع ” .. ولذا فإن الشاغل الوحيد للمسيحي يجب أن يكون “خزن الكنوز في السماء حيث الديدان والصدأ لا تُفسد شيئا ” … [ لا تكنزوا كنوزا لكم على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ] ” انجيل متى “. وهذا ما ينتج عنه اخيرا احتقار كل ما يربطنا بالحياة , واحتقار الأهواء والحب الشهواني وكذلك احتقار الذكاء المتكبر [ طوبى للمساكين بالروح] .. بل ولعل الخلاص ذاته كما ارتآه القديس بولس –ايضا- غير ممكن إلا باللطف الإلهي , لا بالأعمال الأرضية . وحين يقول يوحنا ] أنا هو الطريق والحق والحياةأو يقول ايضا انه هو القيامة والحياة , فإن ما يقصده بذلك المناداة بأن التقبل الشامل للإيمان , دون أي نقاش , من قبل قلب طار وخاضع هو الذى يقود إلى “الحياة” الأصيلة الوحيدة .. أي الحياة في ملكوت الله . غير أن المذهب الإنجيلي مذهب متفائل ايضا لأن “البشارة” المسيحية هي أن الله قبل كل شيء أب لا متناهي الحب والناس اطفاله .. ويتلخص اصحاح الناموس والأنبياء بالقاعدتين التاليتين : محبة الله ( احبب الرب إلهك من كل قلبك) … ثم لكي نقدم له خير دليل على هذا الحب محبة الغير ( واحبب قريبك كنفسك) … وهذا ما يبرر – كما تجدر ملاحظته – ادانه كل ما قد يضلنا عن هذا الحب ( كالأهواء والثراء … ) وادانه الذكاء المتكبر الذى لا فائده منه لأن مملكة السماوات لا تفتح ابوابها إلا لمن عاغد إلى طهارة الطفل وبساطته ( الحق اقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد لن تدخلوا ملكوت السماوات ). ويمتزج وجها المسيحية المتشائم والمتفائل هذان في الأخلاقية التي ألهمت ( إن لم تكن قادت العالم الغربي) منذ ما يقرب من عشرين قرنا والتي لخصها القديس بولس قائلا 🙁 لو كنت انطق بألسنة الناس والملائكة ولم تكن فيٌ المحبة فإنما انا نحاس يطن أو صنج يرف , ولو كانت لي النبوة وكنت اعلم جميع الأسرار والعلم كله , ولو كان لي الإيمان كله حتى انقل الجبال ولم تكن فيٌ المحبة فلست بشيء , ولو بذلت جميع امواي لإطعام المساكين واسلمت جسدي لأحرمه ولم تكن فيٌ المحبة فلا انتفع شيئا ) – رسالة القديس بولس الأولى إلى اهل كورنثوس …. (وفي الحقيقة والذى يثبت الآن هو الإيمان والرجاء والمحبة هذه الثلاثة واعظمهن المحبة ) . تقوم الخلاق إذن على الإخاء وعلى الإحسان وعلى المغفرة التي يجب ألا تقف دون الطوائف أو الحدود “السامري الطيب” أو دون ” من لطمك على خدك الأيمن” أو دون ” المرأة الزانية ” … فمن الأكيد بالتالي انها اخلاق ترفعها طبيعتها الكلية الفعالة فوق المذاهب الأخلاقية الشرقية بما فيها المذهب البوذي حيث يظل “حب” الحكيم من بعض جوانبه وسيلة للخلاص الشخصي . هذه هي الأخلاق التي استلهمتها المسيحية البدائية التي بدأت ك “جمعية فقراء” أو ” أسرة من اخوة بسطاء ومتحدين” – كما تحدث عنها” رينان” – ولكن عودة المسيح واقامة ملكوت الله تأخرا فإضطرت هذه الجماعة لتنظيم نفسها حتى تطورت إلى كنيسة عالمية ( أو كاثوليكية) تبناها المجتمع المثقف في العالم اليوناني – اللاتيني شيئا فشيئا .. وتم اندماج المذهب جزئيا بالفلسفات القديمة الكبرى . حتى حين كان يبدو وكأنه يدين هذه الفلسفات بفم ” ترتوليان” على سبيل المثال ) , فكان ذلك عملا تعقيليا ضخما جرى على مراحل متعددة ( الوحي الأفلاطوني خلال القرون الخمسة للميلاد “القديس اوغسطين” ثم الإتجاهات الصوفية الأفلاطونية الجديدة من القرن التاسع حتى القرن الثاني عشر ” القديس أنسلم ” واخيرا هيمنة ارسطو بواسطة “القديس توماس” منذ القرن الثالث عشر ) . وادى في خاتمة المطاف إلى المسيحية الحديثة … وهو مسيحية يمكن أن يقال عنها من وجهة نظر اخلاقية بأنها حققت تركيبا من الإتجاه المسيحي المحض الذى يعتبر الإله أبا تنبغي محبته ومن الفكرة ( العبرانية بالحرى) التي تنظر إليه كسيد يجب خشيته ومن المفهوم اليوناني الذى يعتبر الإله الذكاء الأعلى الذى يجب عقلانيا احترام قوانينه .

فنون الحضارات القديمة(2)

1- الفنون البدائية :

بدأت فنون الانسان منذ العصور الحجرية , وقد ظهرت اثار الانسان الفنية في انحاء مختلفة في العالم منها بعض كهوف السعودية , وجنوب فرنسا , وشمال اسبانيا , ففي فرنسا توجد كهوف (لاسكو) lascaux

منذ حوالي 15000ق.م., ونرى في اسبانيا (التميرا) Atamira منذ حوالي 25000 ق.م. وسمات الفن البدائي تتمثل في سمات عديدة منها الاتي:

1- ينبثق فن الانسان على ما يعتقد العلماء من مخاوف واعتقادات كانت على عقلية الانسان البدائي , فهو يخاف من الحيوانات الضارية في رسمها كي يسيطر عليها , وايضا يحاول رسم رموز يعتقد انها تقيه شر غوائل الطبيعة , اذن فهذه الرسوم قد يدخل فيها الطابع السحري .

2- الرموز المستخدمة لها مدلول عقائدي مرتبط بالطقوس والشعور بالوجود .

3- تلقائية رسوم الفنان البدائي تختلف عن تلقائية رسوم الاطفال و رسوم الفنان الشعبي .

4- وكما يقول صدقي الجباخنجي ..” ان انعطاف الفن نحو الطبيعة , أي نحو عناصر الجمال في الطبيعة هو دليل على ان الفن القديم لم يكن وسيلة للسحر والاستقرار وحسب بل كان وسيلة للجمال “.

5- اختلفت اساليب الفن البدائي , فمنها قوية الحس والحركة ومنها هندسية متناظرة ومتكررة , ومنها محاولات للاقترب من الواقعية .

6- ومن اهم سمات الاسلوب البدائي بشكل عام استعمال خط الارض , التكرار , التسطيح , الشفافية .

وهذا سجل يوضح الدوافع لظهور الاتجاهات الفنية في العالم :

1 البدائي التقرب للمجهول

2 الاشوري فن سيادة الحكام

3 المصري القديم عقيدة البعث والخلود

4 الاغريقي المثالية

5 الكلاسية القديمة مثالية فكرية

6 الركوكو رفاهية القصور و فن البلاط

7 الكلاسية الجديدة الثورة الفرنسية والبحث عن المثالية بعد الحرب

8 الرومنسية التمرد على الواقع والاستقرار النسبي

9 الواقعية الطبيعة

10 التأثيرية ثورة العلم وبخاصة الفيزياء

11 مابعد التأثيرية العلم وفسيولوجيا الادراك

12 التأثيرية الحديثة ظهور المنطق الرياضي

13 التعبيرية الحروب والضغوط النفسية

14 الوحشية الغتراب النفسي

15 التكعيبية العقلانية والمنطق الرياضي

16 التجريدية سيادة الفلسفة في رؤية المدركات

17 الرايونيزم سيادة العلم وتقنياته

18 السوبرماتيزم التصور لما وراء الطبيعة

التركيبية العلم

المستقبلية نظرية النسبية

الداداية التمرد على الواقعواغتراب الانسان

مافوق الواقعية الخيال العلمي

السيريالية علم النفس

الكينتل سيادة الآلة

طبيعة التفكير عند الشعوب البدائية(3)

تحمل لفظة البدائي والبدائية شحنة من الدلالة السلبية التي نسقطها على من يتصف بها. وتجري العادة على وصف سلوك ما بأنه سلوك بدائي عندما يراد ازدراء هذا السلوك ورفضه. وقد يوصف شخص بالبدائي لأنه لا يرتقي إلى المستوى الحضاري للسلوك الإنساني الذي يتصف بطابع السمو والرقي. وغالباً ما تستخدم كلمة بدائي للدلالة على التوحش والوحشية، والتوحش هو حالة سابقة على الحالة الإنسانية الثقافية بما تنطوي عليه هذه الحالة من سمو وتحضر. فكلمة متوحش رديفة لكلمة بدائي وكلاهما تعبران عن حقيقة واحدة تتمثل في غياب المعيار الحضاري للسلوك الإنساني بمقاييسنا الثقافية المعاصرة. والبدائية هي أدنى مستويات السلوك الإنساني وأقربها إلى أنماط السلوك التي نجدها في عالم الحيوانات الأدنى في النوع من الإنسان.‏

تجري عادة أغلب المؤرخين وصف أحوال الشعوب جداً في التاريخ ـ أي هذه التي عاشت قبل ظهور الكتابة ـ بالشعوب البدائية أو الهمجية أو البربرية تأكيداً للأنماط السلوكية الأكثر قرابة وتجانساً مع هذه التي نجدها في عالم الحيوانات والثدييات العليا دون الإنسان. ويراد بهذا الوصف أن هذه الشعوب كانت تنتهج نهجاً لا يرتقي إلى معايير السلوك الإنساني المتحضر الذي عرفته الإنسانية مع تشكل الحضارات وظهور الثقافات المتقدمة.‏

وعلى خلاف هذا التوجه في تسمية الشعوب القديمة يرفض عدد من المؤرخين استخدام هذه التسميات الجارحة التي تحمل طابعاً أخلاقياً فيه ازدراء واحتقار معلن لهذه الشعوب وأساليبها في العيش والوجود والتكيف. ويلح هؤلاء المؤرخون على تسمية هذه الشعوب بالشعوب ما قبل تاريخية أي الشعوب التي عاشت قبل اكتشاف التدوين والكتابة. فالإنسان في هذه المرحلة كان مكرهاً على العيش في عالم وحشي جداً ومدمر جداً بأدوات بسيطة وهو في مسار صراعه مع الطبيعة والبيئة وغوائل الوجود كان مكرهاً أن يتحدى وحشية الطبيعة بما تقتضيه هذه الوحشية من مقدرة وقدرة واقتدار. وإذا كان الإنسان ما قبل التاريخ يتصف بالقوة والجبروت والشدة والبأس ويستخدم كل ما لديه من طاقة وقوة في سبيل المحافظة على الوجود. التاريخ يتصف بالقوة والجبروت والشدة والبأس ويستخدم كل ما لديه من طاقة وقوة في سبيل المحافظة على النوع وعلى الوجود فإن هذا الإنسان جدير باحترامنا وتقديرنا. أو لسنا أبناء وأحفاد هذا الإنسان القديم؟ أو لم تكن شدته وبأسه رهان وجودنا؟ ألم يكن صراعه مع النار والوحوش الكاسرة و غوائل الطبيعة وانتصاره في استمرارية الوجود سبباً في حضارتنا؟ وهل يمكن أن يلام الإنسان القديم لأنه كان ينهش لحوم الطرائد التي يصطادها حينما لم تكن هناك نار ولا أدوات لتقطيع اللحوم وطهوها؟ هل علينا أن نلوم الإنسان القديم لأنه كان يجهض المرأة في الظروف القاسية بأساليب قاسية حيث لا مستشفيات ولا أطباء ولا حكمة إنسانية؟ هل يعني أن الإنسان القديم متوحش لأنه لم يستخدم الشوكة والسكين في تناول طعامه؟ وهل يصبح الإنسان أقل أو أكثر توحشاً إذا اصطاد طريدته ببندقية أو سكين؟ هل يصبح الإنسان أكثر أو أقل توحشاً عندما ينام على أغصان في غابة لأنه لا يمتلك سريراً فاخراً وثيراً؟ أليس هذا هو المعيار الذي يعتمد في فهم التوحش والبدائية؟ لقد أملت ظروف الحياة الشاقة على الإنسان القديم أسلوباً للحياة يتناسب مع كل مرحلة من مراحل تطوره. والأدب العالمي فياض بقصص وحكايات وروايات عن أشخاص تقطعت بهم السبل فعاشوا بعيداً عن الناس في الغابات والجزر، كما هو حال قصة روبنسون كروز، وأن هؤلاء الناس ارتدوا في سيرتهم إلى أكثر مظاهر الحياة بدائية من أجل الاستمرار والوجود. فنمط الحياة الإنسانية وأسلوب التطور هو الذي يفرض على الإنسان أسلوب الحياة الممكن ومناهج التكيف المحتملة.‏

إذا كان الإنسان القديم يقتل من أجل الاستمرار في الحياة فالإنسان المعاصر يقتل حباً بالقتل. وهناك اليوم في صلب حضارتنا من يمتهن القتل. وإذا كان الإنسان القديم يقتل نداً له أو طفلاً فإن الإنسان الحديث يقتل شعوباً وأمماً ويعمل على إبادة أقوام بكاملها، والحروب الإنسانية التي دارت رحاها كلفت الإنسانية عشرات الملايين من البشر. وإذا كان الإنسان القديم يمزق طريدته بأنيابه وأسنانه فإن الإنسان الحديث يمزقها بالسكاكين المرهفة والأدوات القاطعة. وإذا كان الإنسان القديم يقتل فريسته بالسهام فإن الإنسان الحديث يقود القطعان ـ ملايين القطعان ـ إلى مذابح ومسالخ ترتعد لها الفرائص وتقشعر لها الأبدان. وإذا كان الإنسان القديم يقتل مرة في الأسبوع من أجل الطعام فإن الإنسان الحديث يقتل ألف مرة في اليوم حباً بالقتل. والخلاصة إذا أخذنا معيار التوحش بدلالته الأخلاقية العميقة فإن الإنسان الحديث يبدو أكثر توحشاً وهمجية بمعيار النظرة المتوحشة إلى الإنسان القديم.‏

ونحن في هذا السياق نفضل استخدام مفهوم الشعوب القديمة أو الشعوب ما قبل التاريخ للدلالة على نمط حياة وأسلوب حياة اقتضته الضرورة في الاستمرار والتكيف ونرى أن وجود الحضارة الإنسانية المعاصرة كانت حصاداً لملايين السنين من نضال الإنسان القديم الإنسان الذي ننعته اليوم بالبدائي. وبقي أن نقول إننا عندما نستخدم مفهوم البدائية فإننا نجرد هذا المفهوم من دلالته الازدرائية ونفرغه من مضامينه السلبية فالإنسان البدائي هو الإنسان القديم هو الإنسان المكافح من أجل استمرار الإنسانية ونموها لتكون على ما هي عليه من أصالة وعطاء وتقدم.‏

لمحة تاريخية في التاريخ البدائي:‏

إن البحث التاريخي في أصل النشأة الأولى للإنسان هو بحث في المجهول والغامض. فالنشأة الأولى للإنسان تغور في أعماق كون لا متناه من الطلاسم والأسرار. وكلما اشتد البحث الإنساني في طلب هذه الأسرار ازدادت هذه الأسرار غموضاً واشتدت فيها كثافة الأسرار. ومع ذلك كله فالإنسان مازال ماضياً في رحلة الكشف والبحث عن ماهية الإنسان وأسرار نشأته الأولى. ورغم الصعوبة الكبرى التي يواجهها الباحثون في مجال البحث عن تاريخ الإنسان الأول ومقتضيات وجوده فإنهم استطاعوا أن يكشفوا كثيراً من الحقائق وأن يبسطوا مزيداً من الفرضيات الكاشفة في ميدان الأصول الأولى للإنسان.‏

تعد مسألة تحديد البدايات الأولى للجنس البشري قضية استراتيجية مركزية في التاريخ الإنساني. ومع أهمية الدراسات التاريخية والأثرية التي تمركزت حول الكشف عن البدايات الأولى لظهور الإنسان على سطح المعمورة إلا أن ميقات هذا الظهور وصيغته الأولى بقيت وستبقى من الأسرار الكبرى الدفينة في أعمال التاريخ. فالأبحاث التاريخية الأثرية تنبه إلى وجود أشكال من الكائنات الشبيهة بالإنسان الحالي منذ ملايين السنين ولكن هذه الدراسات تؤرخ للإنسان منتصب القامة بمواصفاته الحالية منذ مليون عام على الأقل ومع استحالة الوصول إلى تحديد دقيق لنشأة الإنسان الأولى وبناء تصورات علمية عن حياته فإن الباحثين ماضون في التنقيب والبحث والتحري عن ملامح وسمات للبدايات الأولى عبر دراسات وأبحاث لا تنقطع عن الأصول الأولى للإنسان والإنسانية. وتبين أكثرية الأبحاث بأن الكائنات المشابهة للإنسان قد وصلت إلى مرحلة من التطور الحرجة التي فرضت عليها أحد احتمالين: إما أن تصبح بشرية أو أنها تعجز عن البقاء. وفي واقع الأمر فإنَّ الصنف الوحيد من فصيلة الكائنات الشبيهة بالإنسان الذي استمر في البقاء هو جنس الإنسان، والنوع الوحيد من جنس الإنسان الذي استمر في الوجود هو نوع الإنسان العاقل (الآدمي).‏

في البحث عن أصل النشأة الأولى للنوع الإنساني:‏

يصنف المؤرخون الأثريون إلى مؤرخين يبحثون في التاريخ المكتوب ومؤرخين يشدون الرحال إلى مرحلة ما قبل التاريخ. وفي دائرة هذا التصنيف يدرس علماء الآثار التاريخيون بقايا المدنيات القديمة، ويعمل آخرون منهم في دراسة مراحل أكثر حداثة، وفي بعض المواقع المعاصرة، وفي التنقيب في أعماق البحار والمحيطات. أما علماء آثار ما قبل التاريخ فإنهم يكثفون جهودهم في البحث عن مواقع تاريخية موغلة في القدم بدءاً من تلك المجتمعات التي لم تتعرف على الكتابة والموجودة حالياً في بعض أجزاء العالم، وانتهاء بتلك الخاصة بالكائنات الشبيهة بالإنسان والتي يرجع تاريخها إلى بضع ملايين من السنين. وبرز في الآونة الأخيرة توجه جديد لدى علماء آثار ما قبل التاريخ يتمثل في التأكيد على منهج علمي أكثر صرامة وفي التأكيد على دراسة المجتمعات المعاصرة تمكيناً لهم من تفسير أحداث الماضي.‏

ويرجع المؤرخون أصول الإنسان إلى الرئيسات أسلاف الإنسان وهي مصطلح يدل على الكائنات المشابهة للإنسان التي وجدت بين 10ـ 70 مليون سنة. ويفترض المؤرخون أن أسلاف الرئيسات المبكرة بدءاً من الدهر الكريتازي المتأخر أكثر من مجرد آكلي حشرات تكيفوا مع حياة شجرية. وفي عصر الباليوسين تأخذ في الظهور نزعات أكثر تحديداً للرئيسات مع الاحتفاظ بالعديد من السمات “البدائية”. وفي عصر الإيوسين اللاحق يلاحظ تنوع الرئيسات حيث يأخذ في الظهور أشباه التيمور والأسلاف المبكرين للتارسير ليبدأ بزوغهم التطوري. وإلى ذلك التاريخ، على ما يبدو، ترجع الأصول المبكرة للأنتروبويد.‏

ويعيد المؤرخون ظهور الإنسان العاقل للمرة الأولى في حوالي ثلاثمائة ألف سنة مضت والذي يعد بامتلاكه للسمات المميزة لكل من الإنسان منتصب القامة والإنسان العاقل نوعاً انتقالياً بين الشكلين. فقد وجد النياندرتاليون المبكرون في المرحلة الدفيئة “الإيميان”، وأعقبتهم أشكال انتقالية تطورت، في الغالب، باتجاه الإنسان العاقل الحديث تشريحياً ( الذي وجد بالتأكيد في العصر الحجري القديم الأعلى حوالي أربعين ألف سنة مضت). ويظهر خلال جليد “فورم” المبكر النياندرتال المتخصص أكثر من أنواع الإنسان العاقل الأخرى وذلك في أوربا الغربية ومناطق الشرق الأدنى. وقد تم الكشف عن بقايا البشريات المعاصرة للنياندرتاليين في شمال غرب أفريقيا وشرقها وجنوبها.‏

وإذ لم يكن من شأن تاريخ التربية التوغل في أعماق هذا التاريخ الذي يمتد إلى أكثر من مليون عام فإن تحديد بعض السمات العامة لهذا التاريخ وعرض بعض الموجزات في أصل نماء الإنسان وتطوره عبر التاريخ القديم يبدو لنا ضروريا لاعتبارات ثقافية إنسانية. إذ لابد للباحث المربي أن يمتلك فكرة واضحة أو غامضة عن الأصل الأول للحضارة الإنسانية المعاصرة وتاريخ الحياة على ظهر المعمورة الإنسانية.‏

فالحياة الطبيعية وظهور الكائنات الحية قد بدأت على الأرض منذ ملايين السنين وليس لأحد أن يقدر بدقة متى بدأت. وبالتالي فإن الحياة الإنسانية مسبوقة بتاريخ سحيق إلى ملايين السنين من حياة الثدييات والكائنات العليا المشابهة في التكوين للإنسان الحالي بتكويناته العضوية والدماغية. ويقدر أغلب العلماء أن أصل الإنسان الحالي بموصفاته البيولوجية يعود إلى مليون عام من التطور أما الإنسان العاقل فيؤرخ له منذ مئة ألف سنة. وهكذا نجد سلسلة متواصلة عبر التاريخ التي توجد في أصل الحياة الحيوانية ومنها في أصل الحياة الإنسانية العاقلة.‏

يميز لويس هنري مورغان (1818 ـ 1881) بين مرحلتين أساسيتين فيما قبل التاريخ هما: مرحلة التوحش ومرحلة البربرية ويقسم كل مرحلة منها إلى مراحل فرعية دنيا ووسطى وعليا قبل الوصول إلى مرحلة المدنية.‏

1 ـ مرحلة التوحش الدنيا: يرى فيها مورغان طفولة البشرية حيث عاش الإنسان في مرحلة أشبه بالحيوانية هائماً على وجهه متغذياً بجذور النباتات وبعض الثمار البرية.‏

2 ـ مرحلة التوحش الوسطى: مرحلة تقدم فيها الإنسان قليلاً عما كان عليه في المرحلة السابقة باهتدائه إلى اكتشاف النار واستخدامها في طهو الطعام وإضاءة الكهوف. نتج عن ذلك تعرف الإنسان على أنواع جديدة من الأطعمة بخاصة اللحوم والأسماك.‏

3 ـ مرحلة التوحش العليا: اكتشف فيها الإنسان القوس والسهم مما ساعده على تغيير غذائه واقتصاده بشكل عام، أصبح الإنسان في هذه المرحلة صائداً للحيوانات يعتمد على لحومها، أي أنَّ الإنسان بدأ في هذه المرحلة في تحقيق الانتقال من جامع للطعام وملتقط له إلى منتج لطعامه. ويفترض مورغان ارتباط هذا التقدم في الاقتصاد بتقدم مماثل في شكل التنظيم الاجتماعي والديني.‏

4ـ مرحلة البربرية الدنيا: تتميز بوصول الإنسان إلى إبداعات جديدة أهمها صناعة الفخار، وبخروج الإنسان من عزلته الضيقة وانتشاره في مناطق أكثر اتساعاً، وبداية نشوء جماعات اجتماعية.‏

5 ـ مرحلة البربرية الوسطى: تمكن فيها الإنسان إلى صهر المعادن وصناعة الأدوات والآلات المعدنية، وبداية اكتشاف الكتابة الصورية.‏

ويرى مورغان أن الإنسان توصل وبعد اجتياز الست مراحل تلك إلى مرحلة المدنية التي تتميز باختراع الحروف الهجائية والكتابة، وهي المرحلة التي لازالت ممتدة حتى الوقت الراهن.‏

العقلية البدائية:‏

ترمز العقلية البدائية إلى أنماط التفكير والسلوك التي سادت في مراحل تاريخية مغرقة في القدم، ولا سيما في العصور القديمة التي سبقت ظهور الكتابة والتدوين أي قبل الألف السادس قبل الميلاد. وغالباً ما يشار بذلك إلى أنماط الإنتاج الرعوية، وإلى المجتمعات الإنسانية التي كانت تعتمد وسائل بدائية جداً في الحياة والوجود ولاسيما في العصور الحجرية والبرونزية.‏

يباين الأنتروبولوجيون بين بنية العقلية البدائية في المجتمعات القديمة وبنية العقلية التي تسود في المجتمعات الإنسانية المعاصرة، ويبين برول ـ أحد كبار الأنتروبولوجيين ـ في هذا السياق بأن ذهنية البدائي تعتمد على منظومة من المبادئ والمعايير التي تختلف عن هذه التي تؤسس للعقلية الحديثة. فالبدائي لا يستطيع أن يرى العلاقات التي نراها نحن في الأشياء، وهو بالتالي يصف هذه الأشياء بطريقة مختلفة تماماً عن هذه التي نعتمدها نحن، وذلك لأنه ينظر إلى الأشياء والأحداث والعلاقات القائمة بين الأشياء على أساس من المعايير المختلفة نوعياً عن المعايير التي نعتمدها نحن. وهذا يعني أن البدائيين يمارسون وظائف ذهنية مختلفة ويحاكمون الأشياء بطريقة أخرى غير هذه التي درجنا عليها. فالوظيفة العقلية عند هؤلاء تستجمع حضورها في صورة تصورات جمعيةi.‏

فالتصورات الجمعية تكون مشتركة بين مختلف أعضاء الجماعة البدائية وهي تنتقل من جيل إلى جيل وتفرض نفسها على الأفراد ثم توقظ فيهم مشاعر وأحاسيس مختلفة. وهذه العملية ليست مجرد عملية عقلية خالصة بل نماذج مع مستويات وعناصر انفعالية ووجدانية. وهذا يعني أن العقلية البدائية تعبر عن حالة مشاركة مكثفة بين الإحساس والتجربة وهذا يتوافق مع حاجة مستمرة تعلنها ثقافتنا المعاصرة.‏

في إطار تحليله للعقلية البدائية يرى ليفي برول أن هذه العقلية تقع تحت تأثير تصورات بوجود قوى خارقة فوق طبيعية توجه الحياة وتحرك صيرورة الوجود، حيث تأخذ التجربة عند أفراد هذه الجماعات طابعاً أسطورياً: فالحقيقة تؤخذ على أنها تنبع من الإيمان بوجود قوى وتأثيرات مجهولة خفية نابعة من عوالم عليا بعيدة متوغلة في القدم. وهذه التصورات الأسطورية تتكامل فيما بينها بصورة تختلف عن المنطق الذي نعرفه في العصور الحديثة. وعلى أساس هذه التصور يستند ليفي برول في تسمية العقلية البدائية بـ “العقلية ما قبل منطقية Prelogique Mentalite”، وهذا يعني أن هذه العقلية تتوافق مع مرحلة سابقة للتفكير المنطقي، بحيث يمكنها أن توائم بين التناقضات المفارقة والتي تتنافر كلياً مع طريقتنا المعاصرة في التفكير، وهذا يعني أنها تشكل طريقة أخرى في التفكير والنظر. ووفقاً لمنطق هذه العقلية فإن الأشياء يمكن أن تكون هي نفسها وهي غيرها في الآن الواحد. فالرجل في بعض القبائل الهندية القديمة (بورورو BORORO) يعتقد في الآن الواحد أنه رجل وببغاء، وذلك لأنه يشارك في طبيعة هذا الحيوان بوصفه توتما “Totem” لوجود الخاص. وتأسيساً على هذا المبدأ فإن العقلية البدائية أقل قدرة من عقليتنا نحن المعاصرين على إجراء التحليل والتجريد وبناء المفاهيم.‏

ومن هذا المنطلق فإن عالم البدائيين عالم أسطوري تحكمه قوى فوق طبيعة (Sur -naturelle). فالرجل البدائي لا يستطيع أن يفكر كفرد خارج دائرة الجماعية التي ينتسب إليها. وهو لا يستطيع أن يرى نفسه خارج دائرة الأشياء التي يملكها، مثل الأشياء الشخصية، كثيابه وآثار أقدامه، فهي جزء منه وتدخل في بنية هويته. وعلى أساس ذلك يعتمد البدائي عمليات سحرية مؤسسة على هذه العلاقة، وهي عمليات لا تفهم إلا إذا اعتبرنا أن التفكير البدائي مختلف كلياً عن مبدأ تفكيرنا.‏

فالتأثير الانفعالي للقوى ما فوق طبيعية يوجد في أصل التطور الأسطوري وهو نفسه الذي يوقظ التجارب الخاصة ويحيها، ولاسيما هذه الشاذة فيها مثل تجربة الموت والأحلام والرؤى الأسطورية، وهي هذه التي تضع الإنسان البدائي في علاقة مع القوى الخارقة. وفي ظل هذه التجربة الأسطورية تتكون صيغة وعي جمعي قوامه نسق متكامل من الرموز والأساطير والطقوس. ولذلك فإن الإنسان البدائي لا يستطيع أن يدرك العالم بالطريقة التي ننهجها نحن، بل يدرك العالم عبر نسق من الفعاليات التي تأخذ طابعاً ذهنياً وعاطفياً سحرياً في آن واحد. فتجربة البدائيين تتكون عبر المعاناة الأسطورية وبطريقة حدسية. وبالتالي فإن منظومتهم الأسطورية ليست نتاجاً لتجربة عقلية بل هي نتاج لمركبات انفعالية ووجدانية.‏

وبالتالي فإن دور المنظومات الأسطورية لا يقف عند حدود تفسير الظواهر الطبيعية فحسب، إذ يتجلى بوصفه مشاركة وجدانية تأخذ صورة ردود فعل إزاء الخوارق الطبيعية. وتلك هي الطريقة التي يجب علينا أن نعتمدها لفهم الطقوس والرموز والمفاهيم التي تعود إلى العقلية البدائية.‏

فالطقوس تضع الأساطير في سياق فعلها، وتحقق للأفراد المشاركة بواسطة تدخل الرموز التي لا تتمايز عما ترمز إليه، أي أنها تتشكل على نحو تتكامل فيها الحقيقة والرمز: الحقيقة وما يرمز إليها شيء واحد. وهذا يعني أن الممارسات الثقافية والدينية والسحرية تكّون علاقات مشاركة بين الإنسان والقوى الأسطورية وبالتالي فإنها توجه هذه القوى لصالح الإنسان.‏

يصل برول في هذه المرحلة الأولية من تفكيره إلى نتيجة خطرة وهي وجود قطيعة كلية بين العقليتين (بين العقلية البدائية والعقلية الحداثية المعاصرة) وأنه لا يوجد هناك أي تجانس بينهماii. ولكن برول يستدرك في المراحل اللاحقة من أعماله وجود مراحل انتقالية تطورية بين العقليتين وأن القطيعة التي أعرب عنها في البداية تجانب الحقيقة الموضوعية.‏

وفي هذا المجال يطرح السؤال التالي نفسه وهو: لماذا لم يتخل البدائيون عن هذه التصورات الخيالية التي تتناقض بوضوح مع الحقائق الموضوعية الواقعية في كل لحظة؟ وهنا يجيب برول إن هذا لا يحدث لأن العقلية البدائية منفعلة أمام التجربة العادية وهي غير حساسة للتناقض.‏

ولكن ما العلاقات التي تربط بين الذهنية البدائية والذهنية المعاصرة؟ هل يمكن القول بأن العقلية المعاصرة هي حصاد تطور العقلية البدائية عبر الزمن ونتاج لها؟‏

هناك إجابات متعددة الاتجاهات حول هذه القضية. وفي هذا السياق يقدم ليفي برول منظومة من الأفكار والتصورات. يشير برول في سياق تصوراته التطورية إلى تطور نقدي حدث في عقلية البدائيين يميل إلى رفض بعض السمات السحرية والأسطورية السائدة، ومن ثم تنامي بعض المفاهيم التي مكنت هذه العقلية من الفصل المبدئي بين الرمز وما يرمز إليه وهذا الفصل يشكل بداية تطور الإمكانيات المنهجية للعقل البدائي.‏

ويبدو أن ليفي برول في هذا السياق قد تخلى عن فكرته الرئيسية الأولى القائمة على الفصل القطعي بين العقلية البدائية والعقلية المعاصرةiii. وبدا في هذه المرحلة من تفكيره يؤكد وجود مراحل انتقالية تفصل بين الثقافة البدائية والثقافة التقليدية، حيث يبين في هذا المقام أن العقلية البدائية ـ بصورتها اللامنطقية ـ لا تهيمن بصورة كليه على البدائيين، كما أن هذه العقلية لا يمكنها أن تختفي من حياتنا نحن المعاصرين. فهي تلعب دوراً أكثر أهمية عند البدائيين وأقل أهمية عند المعاصرين. وإنه لا يمكن أن نتصور أبداً بأنه يمكن للإنسانية أن تتحرر نهائياً من الفكر الأسطوري والخيالي. وما هو مهم في هذا السياق هو أن الأساطير والخرافات حاضرة في العقائد المعاصرة، وأن المؤمن يجد اليوم في عقيدته شيئاً آخر غير التفكير النقدي البارد وفي هذا مؤشر على أن العقلية البدائية لن تندثر كلياً أبداً.‏

ومع ذلك إذا كان التطور نحو العقلية المعاصرة قد تحقق وأخذ مجراه فإن تفكير الإنسان لا يأخذ الطابع المنطقي بصورة كلية وذلك لأن العناصر الانفعالية لن تختفي أبداً في بنية التفكير العقلاني المعاصرiv. ويضاف إلى ذلك كله أن العقلية الأسطورية لا تحجب عن الإنسان إمكانية التفكير والتطور العقلي المنطقي على نحو كلي. وهذا يعني أن العقلية الأسطورية تعيق التطور العقلاني ولكنها لا تمنعه بصورة كلية.‏

وقد تعرضت نظرية برول ولاسيما في أعماله الأولى، إلى انتقادات شديدة من قبل المفكرين والباحثين في هذا الميدان. وذلك لأن برول كان يفصل قطعياً بين مرحلتين من مراحل تطور المظاهر العقلية للحياة الإنسانية. وفي أصل هذا الفصل قد تكمن رؤية عنصرية أو قد تؤسس لمثل هذه الرؤية في التمييز اليوم بين المجتمعات الحديثة والمجتمعات التقليدية المعاصرة. ويمكن القول بأن هذه الانتقادات التي وجهت لنظرية برول جعلته يعدّل رأيه في أعماله المتلاحقة حول هذه القضية.‏

لقد استدرك الأنتروبولوجيون المتأخرون خطأ المتقدمين في القرن التاسع عشر الذين قسموا المجتمعات الإنسانية إلى بدائية يعوزها المنطق والتحليل، وإلى مجتمعات متحضرة لديها ملكة العقل والنقد ولا تستسلم لتفسيرات الغيب. فاعترفوا حين معاينة المجتمعات الأولى بسخف القول ببدائيتهم، حين اكتشفوا خبرات تجريبية، وجداول تصنيف معقدة للموجودات والبيئة المحيطة بهم، ونظم فهم الكون وتفسير للعالم والحياة، يقف خلفها عقل منتج يماثل العقل في بنية نشاطه وآلية عمله ووظيفته”v.‏

فأغلب الباحثين يؤكدون اليوم وجود درجة كبيرة من التجانس النوعي بين العقلية التي كانت سائدة في المجتمعات البدائية وهذه التي تسجل حضورها في المجتمعات المعاصرة. فالناس في المجتمعات القديمة كانوا يمتلكون معارف غامضة عن الطبيعة وخصائص النبات وحركات النجوم وطبائع الحيوانات، وبالتالي فإن هذه المعلومات كانت تأخذ طابعاً أمبيريقياً تجريبياً يجانس إلى حد كبير طبيعة المعلومات التي توجد في حوزة المجتمعات البدائية تباين في درجة التطور وتراكم الخبرات الإنسانية ولا يأخذ صورة تباين في النوع أو الجوهر. فالمرحلة التي يطلق عليها بدائية توجد في أصل تطور الحضارة الإنسانية ولعلها المرحلة الأكثر أهمية التي سجل فيها الإنسان حضوره الكوني، حيث استطاع وبوسائل بدائية جداً أن يسجل لنفسه الحضور والبقاء عبر سلسلة من الاكتشافات المتتابعة التي مهدت للإنسان المعاصر.‏

ويسجل ليفي ستروس Claud Leve – Strauss جهوداًَ علمية كبيرة في دراسة أوجه التباين والتجانس بين العقليتين. وهو في هذا السياق ومن أجل المقارنة بين العقلية البدائية والعقلية المعاصرة يقارن بين المهندس والفلاح القديم. فالفلاح يمتلك معلومات ومعارف عملية فعالة عن موضوع عمله، وهو بذلك يستطيع أن يصنع بعض أدواته وأن يفعل أشياء كثيرة في مكان وجوده دون أن يمتلك أية معرفة نظرية معقدة. أما المهندس فيتملك معلومات نظرية وتجريبية متقدمة جداً بالقياس إلى الفلاح التقليدي. فمعارف الفلاح هي معارف ناجمة عن الخبرة والتجربة الحياتية، أما المهندس فمعارفه ناجمة عن علم تجريبيvi. فالمعلومات التجريبية للفلاح هي حصاد ملاحظات دقيقة وصبورة وهي تتكون عبر عملية تراكم عبر الزمن. وهذا يعني أن هذه المعارف لم يتم التوصل إليها عبر فعاليات المنطق أو المخبر، بل هي نتاج عملية تغير زمنية طويلة جداً في سياق التطور الإنساني.‏

ويرفض كلود ليفي ستروس من جانبه استخدام مفهوم العقلية البدائية ويفضل استخدام مفهوم الفكر البدائي Pensee Sauvage وهو بذلك يريد أن يؤكد بأن التفكير عند البدائيين يعتمد على ذات المنطق الذي يعتمده الناس في المراحل الحديثة من التاريخ الإنسانيvii. وعلى هذا الأساس يجب التركيز من أجل التمييز يبن الذهنيتين على مبدأ الموضوعية والذاتية. وإذا كان التفكير المنطقي الخالص يعيد التجربة إلى عناصر مجردة فإن التفكير البدائي يباشر الحقيقة المعاشة دون توسطات تجريدية.‏

فالأسطورة على سبيل المثال تعبير إنساني متشبع بالدلالة والمعاني الانفعالية والسيكولوجية، حيث تنطوي على جانب من الحياة الانفعالية ومن المشاركة التي تتجانس إلى حد كبير مع نموذج العقلية البدائية. ومن هنا يمكن الحديث عن تجانس أو علاقة قرابة كبيرة بين العقائد والممارسات البدائية وبين الفلكلور والفنون الشعبية التي تؤكد حضورها في جوانب الحياة الاجتماعية المعاصرة ولاسيما في المناطق الريفية. يمكن أن نجد هذه المظاهر الأولية البدائية في الوسط المدني مثل: العرافين والمنجمين والسحرة.‏

وتأسيساً على طبيعة الحقائق التي أوردناها أعلاه فإن التمييز القطعي بين العقلية البدائية والعقلية الحديثة مفارقة علمية لا تصمد للمواجهة العقلية. ففي قلب الحياة المعاصرة اليوم، في البادية والريف والحضر، نجد مضامين العقلية البدائية التي تعتمد على مقومات وأسس سحرية وأسطورية تضرب جذورها في أعماق التاريخ الإنساني البعيد.‏

i – Lucien – leve –Bruhl, La Mentalite primitive, ALCANE, paris, 1922.‏

ii – Guy rocher: Introuction a la sociologie generale, korganisation sociale, point, 1968,p101.‏

iii ـ حدث هذا التطور في أعماله الأخيرة التي رفض فيها بعضاً من تصوراته الأولى.‏

iv – Lucien –Leve – Bruhl, la mentalite primitive, paris, alcane,1922,p7.‏

v ـ سيغموند فرويد، الطوطم والتابو، ترجمة بو علي ياسين، دار الحوار للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى، 1983، اللاذقية، ص57.‏

vi – Claude Levi – Srtauss, la pensee sauvage, Paris, 1962,pp, (26-33).‏

vii – Lucien – Leve – Bruhl, La Mentalite Premitive, Paris, Alcane, 1922, P8.ssss‏

موسوعة تاريخ الأديان(4)

بعد أكثر من عشرة كتب في حقل «علم الأديان»، منذ مغامرة العقل الأولى ولغز عشتار، حتى الحدث التوراتي والشرق الأدنى القديم وتاريخ أورشليم، يؤسِّس فراس السواح لنفسه مدرسة خاصة في البحث عن «الجوهر الأول» في معتقدات وأساطير هذه المنطقة من العالم، غير منغلق عما سواها، وصولاً إلى كتاب التاو: إنجيل الحكمة الصينية، في رحلة بحث عن صورتي الرحمن والشيطان في معتقدات الشعوب، خصوصًا: شرقها وجنوبها.

ولسوف يعترف الباحث فراس السواح، في مقدمة الجزء الأول من موسوعة تاريخ الأديان،* بحلمٍ طالما راوَدَه عن موسوعة ميسَّرة بالعربية في تاريخ الدين وأديان الثقافات الإنسانية المتعاقبة، تتوجَّه إلى أوسع شريحة ممكنة، تبدأ من القارئ غير المتخصِّص انتهاءً بأساتذة الدراسات العليا.

يحاول فراس السواح – وهو الباحث الفرد، بينما البحث: جماعة وهيئات – أن يضبط إيقاع معارفنا الضئيلة في علم الأديان المقارن بموسوعة – ستكون مترجمة بالتأكيد – يحرِّرها بانتقاء أفضل الأبحاث، بتراتبية اشتغالها على العصور، من حيث لا يمكن لفرد واحد أن ينجز تعريب وتحرير موسوعة الأديان، بمجلداتها الستة عشر الضخمة التي صدرت عن دار ماكميلان عام 1987، وأشرف عليها ميرشيا إلياده، أحد أهم الباحثين في الميثولوجيا بعد جيمس فريزر وكلود ليفي–شتراوس.

كأنما يُصبح البشر أسرى للمصطلحات التي يبتكرونها، حتى يأتي شخص مثل آشلي مونتاغيو ليزيل الالتباس عن مصطلح «البدائية»، من كونه وليد نزعة ترى محصِّلة التقدم الإنساني خطًّا صاعدًا، وليس على هيئة دوائر وحلقات.

وإذ يشمل الكتاب الأول من موسوعة تاريخ الأديان مفاهيم الشعوب البدائية ومعتقداتها، يخصِّص فراس السواح، بعد مقدِّمته كمحرِّر للـموسوعة، فصلاً خاصًّا لإزالة الالتباس عن مفهوم «البدائية»، من حيث ابتكرتْ النزعة المركزية الأوروبية هذا المصطلح لتصنيف البشر عبر التاريخ إلى «بدائيين» و«حضاريين». وكان يمكن الخروج من ذاك المأزق بإحالة بسيطة إلى «القبلية»، من حيث انتظم البشر في قبائل قبل حالتهم «المدينية» الأولى.

وللخروج من حكم القيمة الذي ينضح به مصطلح «البدائية»، يُشير فراس السواح إلى إن الحكم على كلِّ ما هو «بدائي» بأنه حالة متدنِّية ما هو إلا حكم غير دقيق بالاعتماد على مقياس التطور التكنولوجي وحده أو الحالة الاقتصادية، ليحيلنا السواح مباشرة إلى آشلي مونتاغيو: «عندما نقارن خصائص معينة في الثقافة غير الكتابية البدائية – مثل اللغة والدين والأساطير ونظام القربى والحكايات والأشعار وقصِّ الأثر وغيرها – بمثيلاتها في المجتمعات المتمدِّنة فإن أعضاء الثقافات اللاكتابية لن يقفوا على قدم المساواة مع أعضاء المجتمعات المتمِّدنة فحسب، بل سيتفوَّقون عليهم في أحيان كثيرة»، خصوصًا في المجال الفني، كما يقول السير هربرت ريد: «إن أفضل رسوم كهوف ألتاميرا ونيو ولاسكو تكشف عن مهارة فنانين كبار محدثين من أمثال بيكاسو».

أما المختص في الفنون البدائية كلود روي فيضع إصبعه مباشرة على لغز ذاك الالتباس في مصطلحات، كـ«البدائية» و«الوحشية» وغيرهما، بقوله: «لا يمكن أن ندعو أيَّ فنٍّ فنًّا متوحشًا إلا بالقدر الذي نشارك فيه نحن بوهم الوحشية».

وذاك يذكِّرنا بوهمٍ آخر ابتدعه الغرب هو «الوهم الاستشراقي»، الذي رأى في شرقنا مخيالاً لما يريد هو رؤيته. وكنت أودُّ لو أشار الباحث السواح إلى ذاك بوصفه أحد أمراض «النزعة المركزية» الأوروبية–الغربية عمومًا في نظرتها إلى الشعوب الأخرى، حتى لو كانت شعوبًا من التاريخ الغابر!

لقد ظلت أجيال من الأنثروبولوجيين على هذا الوهم، حتى خرج جيلٌ ليزيحه عن حقل البحث العلمي فحسب، من غير أن ينجحوا في إزالته من العقل الجمعي للغرب. لكنها خطوة أولى، أخذت تُظهِر أن الثقافات «البدائية» ليست مستحاثات من العصر الحجري، بل هي ثقافات تاريخية جاءت ثمرة تفكير استمر قرونًًا مديدة، ونتاج تجارب أناس واجهوا قوى الطبيعة وجهًا لوجه، وحاولوا ترويضها من خلال منظومة شكَّلتْ معتقداتهم وأديانهم.

وهو ما اختص به الفصل الثاني في هذا الجزء من الموسوعة بإيضاحه، عبر التركيز على «أهم الخصائص المميِّزة للدين في المجتمعات البدائية»، بقلم جون ب. نوسس، بترجمة غادة جاويش، في محاولة لفهم تداخل الطقس الديني عند البدائيين بأساطيرهم، من حيث إن الطقس الديني يسبق الحاجة إلى تفسيره على هيئة أساطير؛ إذ يكتفي البدائيون بالقول: «هكذا علَّمنا الآباء أن نفعل»، إلى وقت يحتاجون فيه إلى تفسير لكيفية تحوُّل الأرض إلى مكان صالح للحياة والمسكن. وهذا ما يجعل «أساطير خلق الكون» شيئًا مشتركًا عند كلِّ تلك الشعوب، على انقطاع ما بينها من اتصال في أغلب الأحيان، كما بين القبائل البدائية الأفريقية وقبائل الإسكيمو.

يزيل الباحث جون ب. نوسس الالتباس أيضًا في ثنائية السحر والدين، من حيث قال جيمس فريزر بأسبقية السحر على الدين، وقال إميل دوركهايم بإلزامية الطقس الديني واختيارية الطقوس السحرية، بينما قال مالينوفسكي بأن السحر وسيلة من أجل غاية محددة، بينما لا يتوخى الدين نتائج فورية عملية، لأنه غاية في حدِّ ذاته؛ بينما يرى الباحث بأن الساحر البدائي يمكن له، في نفس الطقس، أن يسترضي القوى ويتوسَّل إليها على الطريقة الدينية، ثم يتحوَّل إلى إصدار الأوامر إلى القوى ذاتها على الطريقة السحرية، من حيث تتنوع أشكال السحر: فثمة السحر المُحاكي، أو السحر بالمحاكاة، بتقليد إنسان أو حيوان أو حتى صوت غيمة راعدة، لإحداث تأثير مشابه في الكائن أو الشيء المقلد. ومن ذاك الصعود إلى هضبة عالية ودحرجة الصخور من قمتها بقرع الطبول وتقليد صوت الرعد، جلبًا للأمطار في سنوات القحط.

يستوفي ذاك البحث دائرته الواسعة بتكريس مفاهيم الإنسان البدائي الدينية، من خلال مفاتيحها الرمزية، كالصلوات والكهانة والاعتقاد بالـمانا والأرواحية، حيث للأرواح شكل وعقل وشعور وإرادة وأهداف، مرورًا بتبجيل وعبادة الأرواح، وبإلهة السماء، وبالتابو (المحرَّمات)، وبطقوس التطهير والقرابين والموقف من الموتى، وليس انتهاءً بـ«الطوطمية»، حيث تتخذ تلك الشعوب طواطم لها تعبدها، على هيئة حيوان أو نبات أو جماد، أو كالمطر عند قبائل أواسط أستراليا.

وهو ما سيوضحه الفصل الثالث من الكتاب بقلم إميل دوركهايم؛ بينما سيختص الفصل الرابع بـ«الشامانية» ودور الساحر الكاهن في قبيلته. أما الفصلان الخامس والسادس فسيعرضان لنماذج من الأديان في أمريكا الشمالية، ومن بعدُ للديانات الأفريقية، لتدخل الموسوعة قسمها الثاني عن ديانات العصور الحجرية، ديانات ما قبل التاريخ، كالديانة «الباليوليثية» والديانة «النيوليثية»، مع نماذج لهذه الأخيرة من أوروبا القديمة.

وفي مراجع هذا القسم الأول ببليوغرافيا للمؤلِّفين الذين تم اختيار أبحاثهم وترجمتها، حيث شارك في ترجمة هذا الجزء مجموعة من المترجمين السوريين: محمود منقذ الهاشمي، غادة جاويش، ثائر ديب، يوسف شلب الشام، وعدنان حسن.

وها نحن بانتظار الأجزاء التالية من هذه الموسوعة الغنية!

* بتحرير فراس السواح، دار علاء الدين، دمشق 2003، 330 صفحة من القطع الكبير.

موقف الدين من الاتجاهات الأنثروبولوجية الحديثة(5)

درجت بعض فروع علم الاجتماع على إمضاء (البدائية) مرحلة طبيعية في تاريخ الوجود الإنساني، ونشأت في هذا النطاق مصفوفة من النظريات والرؤى التي تبحث في المجتمع البدائي، سواء على صعيد بداياته التأريخية وجذوره الزمنية أم على صعيد حقيقة وجوهر المنهاج الحياتي والعقلي لهذا المجتمع.

ويعتمد باحثوا هذه القضية في صياغة رؤيتهم العلمية عن البدائية ومجتمعها على أقوام متواجدين على هذه الأرض يعتبرونها تحاكي أو تطابق المجتمع الانساني في بداياته التأريخية السحيقة، فضلاً عن استيحاء بعض الآثار المادية التي تركها الانسان، وهو يمارس حياته الأولى، علماً أن هذه البحوث تتخذ من الانسان العاقل الذي يرجع تأريخه ـ كما يقولون ـ إلى 000ر20 سنة، بأنه بداية الكائن الإنساني الحالي، وإن مرحلة البدائية التي يتحدثون عنها تندرج ضمن المساحة التأريخية للإنسان العاقل.

لقد تظافرت علوم الاجتماع الغربية على التعامل مع (البدائية) كحقيقة أولية لابدّ منها، وكان للماركسية الدور الأكبر في تكريس هذا التصور، وقد أفاضت في طرح التصورات والأفكار حول المرحلة البدائية للمجتمع البشري.

ـ عقبات المنهج:

على أن هذا التسالم القبلي اصطدم بجملة عقبات بعد مراجعة نقدية شاملة لقضية البدائية ومجتمعها ومرحلتها.

والعقبة الأولى ذات بعد منهجي:

إن الباحثين هنا يستندون في دراساتهم واستنتاجاتهم إلى معلومات يجمعونها أو يسمعونها عن (أقوام) معاصرة يعدونها بدائية سلفاً، وبالمقارنة بين عاداتها وتقاليدها وأنماط سلوكها، يصممون نظرياتهم عن البدائية وملابساتها.

إن أساسيات هذا المنهج لا تتمتع بالمتانة العلمية والرصانة المنطقية، وذلك للأسباب التالية:

أولاً: إن هذا المنهج ينطلق من موضوعةٍ يصعُبُ إقرارها مسبَّقاً وهي تحتاج إلى إثبات علمي، وتتجسد هذه الموضوعة في اعتبار بعض الأقوام نماذج بدائية، ولكن اختيار (الأقوام) في الكونغو والأمازون واستراليا، وإخضاعها لحكم أو عنوان اجتماعي أنثروبولوجي هو في حد ذاته عملية غير مقبولة، لأنها نوع من الحكم الأولي في مسألةٍ معقدة للغاية.

ثانياً: ليس هناك من دليل ينفي إمكانية انحدار هذه المجتمعات عن سابقةٍ أرقى نمطاً في السلوك ونماذج الحياة، ثم تحولت إلى ما عليه بفعل عوامل معينة. إن مثل هذه الإثارة تزيد من مصاعب هذا المنهج وتطالبه بمزيد من الإيضاح حول عملية الإخضاع هذه، فهي ولا ريب ذات طابع قسري.

ـ ثالثاً: إن أكثر هؤلاء العلماء يمضون مدة زمنية محدودة مع هذه الأقوام، ثم ينطلقون في وضع رؤية عملية شاملة عن البدائية وقضاياها!! وفيهم مَن كان يعتمد على المعلومات التي تنقل إليه بالمراسلة مثل (مورجان) الذي استند كارل ماركس إلى كتابه وبحوثه في تفسير المرحلة البدائية.

وفي الحقيقة إن مثل هذه الجهود ليست كافية ـ عملياً ـ في تأسيس نظرية رصينة عن أخطر قضية تتعلق بطبيعة الانسان وماضيه وروحه وفطرته، خاصة وإن التعميم في الظواهر الاجتماعية يتعرض إلى نقد حاد من داخله.

ـ رابعاً: إن أسلوب المقارنة بين العادات والتقاليد والأفكار بين المجتمعات والأقوام التي تعبر (بدائية) أضحى أسلوباً قديماً وغير مقبول لدى الأنثروبولوجي الحديث، وترتكز المقارنة لديه على العادات في صلتها بنسق اجتماعي معين، وذلك لأن العادات قد تتحد أو تتشابه في مظهرها، إلا أنها تختلف اختلافاً واضحاً من ناحية وظيفتها الاجتماعية، وأن لكل منها جذر يتصل بكل مجتمع قائم بنفسه.

إن أسلوب المقارنة بين العادات وإلحاق بعضها ببعض على أساس الأسبقية الزمنية من خلال تعدد المجتمعات يُعتبر منهج سطحي، يتناسى قوة الفكر والتأمل لدى الإنسان.

ـ عقبات التعريف:

ولكن المشكلة لم تتوقف عند حدود المنهج بل تتعداه إلى مسألة أخرى، فقد تساءل علماء الأنثروبولوجيا الجدد عن معنى (البدائية)، فليس من المعقول أن تتأسس علوم حول موضوع مجهول التعريف، فلابد وهذه الحال أن نوفر تعريفاً دقيقاً للبدائية، حتى يمكن الولوج إلى دراستها كظاهرة وتاريخ ومجتمع.

وقد تعددت التعاريف هنا بشكل مذهل، ونحن هنا نستعرض قسماً منها:

1 ـ الفجاجة، انعدام التطور،تدني التوعية.

2 ـ عدم كفاية الوسائل بالنسبة للأهداف.

3 ـ البساطة وعدم التمايز أو النقيض العام للعقيدة.

4 ـ نقطة في الزمان مبكرة أو أولى.

5 ـ ما هو أصلي أو قديم.

6 ـ إشارة إلى مجتمعات ساحقة في القدم.

7 ـ مجتمعات معاصرة تعتمد على الصيد والزراعة واقتصاد (إقطع ـ إحرق).

8 ـ اللاكتابة.

9 ـ إشارة إلى مجتمعات تفتقد الجانب التكنولوجي.

10 ـ كل الشعوب التي هي خارج نطاق المدنية الغربية.

11 ـ مجتمعات لا تمتلك تراثاً مكتوباً.

12 ـ مجتمعات فاقدة للوثائق التاريخية.

13 ـ مجتمعات ذات صبغة دينية.

14 ـ مجتمعات تقوم العلاقات فيها على أساس القربى والدم.

15 ـ مجتمعات تطورها متوقف.

16 ـ مجتمعات معزولة عن العالم.

17 ـ مجتمعات صغيرة عن العالم.

18 ـ مجتمعات وحشية.

19 ـ مجتمعات أصيلة، أي لم تختلف مع غيرها.

20 ـ مجتمعات يتعارض قانونها مع القانون الأوروبي.

21 ـ مجتمعات شعبية.

22 ـ مجتمعات تضفي على كل نواحي الطبيعة صفات روحية.

هذه بعض التعريفات العامة التي يطلقها الكتاب الاجتماعيون الغربيون على البدائية والمجتمع البدائي حتى قال أحدهم: ((اصطلاح البدائية هو الاصطلاح الأساسي في علم الأنثروبولوجيا، وأنه الاصطلاح الذي يدور حوله هذا الحقل من حقول المعرفة، ومع ذلك فإنه اصطلاح يستعصي على التعريف … ))، وعلى تعبير أنثروبولوجي آخر ((لقد أصبح الانسان البدائي شخصية أسطورية تقريباً في التراث المكتوب لمعظم اللغات الأوروبية .. )) فقد غدا هذا الانسان كالمشجب يعلقون عليه أنواعاً كثيرة من الآراء.

وعليه، فإن اصطلاح البدائية واسع الاستعمال في الأعمال التقويمية ذات الصبغة العامة، وأن المعاني المرتبطة به تصف بالغموض والتضارب.

وقد لاحظ الباحثون على جملة التعريفات السابقة المفارقات التالية:

أولاً: إن بعض الكتاب يربطون بكلمة البدائية معاني البساطة، القدم، التدني السافر، ويوحون بأنها شيء غير مرغوب فيه، مع أن بعضاً آخر، يتحدث عن صفات جيدة مثل: الإحساس القوي بالأمان الشخصي، أو مثل: العلاقات الاجتماعية القائمة أساساً على آصرة القربى، أو مثل: التعاون من أجل تحقيق الأهداف المشتركة.

ثانياً: إن العديد من هذه المعاني إلى جانب تنوعها وانعدام الصلة بينها، تُستخدم بإهمال وتضارب فيما بينها.

ثالثاً: إن بعض الكتاب يستعملون الاصطلاح بحكم العادة الاجتماعية السائدة.

وأخيراً: إن استخدام كلمة البدائي بالذات لا يُقدم أي ميزة فكرية أو تحليلية … إن استخدام كلمة بدائي لم يُعِنّا على إيجاد نظرية أو نظريات معينة محددة في علم الانسان وتأريخه الحضاري، بل العكس يشكل عائقاً دون هذا الجهد.

ـ الأسطورة:

ويأتي في هذا السياق الحديث عن الأسطورة في علم الأنثروبولوجيا الحديث، فالأسطورة تعني خواء من الفكر في أكثر أدبيات علماء الاجتماع والتاريخ سابقاً، وتُسمى أسطورة لأنها خيال لا ينطوي على واقع، أو لأنها تتنافى مع ما وصل إليه العلم!!

ولكن هذا التهوين للأسطورة فَقَدَ هيبتَهُ أخيراً، لأنها تعبر عن جهد عقلي جدي في تفسير الأشياء، أي أنها أصيلة في تيار المجهود العقلي والفكري للإنسان، وليست مزحة أو تسلية أو خيال، وكما يقول ليفي شتراوس: ((إن أصالة التفكير الأسطوري تكمن في كونه تفكيراً مفهومياً، بل الأسطورة لا تعني سوى العقل البشري الذي يضعها مستعيناً في ذلك بالعالم، وإن الأساطير تعكس لنا صورة محسوسة للعالم، وأنها قد تصل إلى بُنية المعادلة شبه الرياضية)). ويحاول شتراوس أن يحول الأسطورة على قطعة موسيقية، ومن المعلوم أن الموسيقى تنسيق ونِسَب وعلائق متوازنة، ويؤكد شتراوس في مكان آخر إن الأسطورة ((لغة من الدرجة الثانية تتجلى، لا انطلاقاً من عناصر منعزلة بل انطلاقاً من تأليفات لابد من العمل على وصف نشاطها أو سيرها الوظيفي))، بل إن الفكر العلمي والأسطوري ـ إذا جاز هذا التعبير ـ منضبطان بنسق منطقي واحد.

ولكن لماذا الهجوم على الأسطورة ما دامت نظرية نيوتن بالضوء تعتبر أسطورة قياساً إلى ما طرحه مجدداً انشتاين في هذا المجال؟

فالأسطورة من هذا المنطلق تعني نظرية عملية ولكنها خاطئة، فهي علم ولكنه غير متطابق مع الواقع بشكل من الأشكال، وتحويل الأسطورة إلى رمز هي من إضافات التاريخ بعد أن أخفقت الأسطورة في تفسير الواقع على أثر كشوفات ومعلومات جديدة.

فالأسطورة إذن محاولة كشف، محاولة تعليل وتفسير، مثلها مثل العلم.

ـ ثورة في الموضوع:

وفي غمرة هذه التحولات المفصلية في موضوعات علوم الأنثروبولوجيا، وما حصل في نفس المفاهيم من نقلات نوعية في الفهم والتفسير .. تتحدث أفكار عملاقة عن ضرورة إحداث ثورة في ذات موضوع الأنثروبولوجيا وبعض العلوم الاجتماعية الأخرى.

يقول لويس ممفرود في كتابه (أسطورة الآلة): ((لقد ارتكب الأنثروبولوجيون جريمة نكراء في حق ما قبل التأريخ عندما اعتبروا إن الأشياء المادية (العظام والحجارة بوجه خاص) البرهان الوحيد الذي يمكن قبوله عملياً على فعاليات الانسان البدائي، فالطقوس الدينية واللغة والتنظيم الاجتماعي التي لم تترك أي أثر مادي وعلى الرغم من حضورها المستمر في كل حضارة، لكن بلا شك أهم ما أنتجه الانسان بدء من أولى المراحل، فلقد كان هذا الانسان يسعى إلى صياغة (أنا) انسانية متعالية على (أناه) الحيوانية، وذلك بصُنع الرموز التي يمكن أن يستمدها من إمكاناته الخاصة كأحلامه وأصواته وانحناءات جسده)).

ويرى هذا الباحث الشاب: إن الكثير من عناصر الثقافة الإنسانية كانت متقدمة على صناعاته واختراعاته التكنولوجية، فمن الأمثلة الحاضرة نرى شعوب بوشيمان الاسترالية تمتلك تكنولوجيا غارقة في البدائية، لكن احتفالاتها الدينية منظمة تنظيماً عائلياً إلى درجة قصوى وتملك لغة غنية جداً، ومن الأمثلة القديمة نرى إن المصريين والعراقيين يخترعون فنّ الكتابة الرمزي، فيما لا يزالون يستعملون العصي للحفر، علماً إن لغاتهم كانت وسائل متقنة ومعقدة.

لقد أساء الإنسان إلى نفسه عندما سمى نوعه أو عندما أطلق على (أناه) اسم حيوان صانع الآلات، وترك مذخورهُ من الفكر والأسطورة والرمز.

ولهذا يدعو البعض إلى تأسيس أنثروبولوجيا جديدة تتولى التراث الفكري للإنسان الغابر، وليس أدواته الحجرية فحسب، والوصول إلى ذلك التراث ليس مستحيلاً رغم أنه صعب.

ـ نتائج مختصرة:

من هذا العرض الموجز يمكننا أن نلخص النتائج التالية:

أولاً: إن البدائية مصطلح قلق، ولا يمكن أن نعتمد على هذه الكلمة دونما تحديد.

ثانياً: لم يتمكن علماء الأنثروبولوجيا الجدد إلى تحديد دقيق وواضح لمعنى البدائية ثم الرجل البدائي وأخيراً المجتمع البدائي.

ثالثاً: إن الإنسان البدائي يفكر كما نفكر نحن، وهو محكوم بنفس النسقية المنطقية التي تخضع لها عملية تفكيرنا.

رابعاً: إن الأسطورة مفهوم وعلم، وتنطوي على محاولة جادة لتفسير الأشياء ولكنها قد تخفق.

خامساً: إن الإنسان يستبق إنجازاته التكنولوجية بإنجازات تأملية وعقلية وثقافية تتصل برؤيته عن الوجود.

سادساً: والمطلوب الآن من علماء الأنثروبولوجيا أن يولوا اهتماماً أكثر مساحة وتركيزاً للجنبة العقلية والثقافية على صعيد تاريخ الانسان.

هذه أهم النتائج التي يمكن أن نرتبها على جملة المقدمات السالفة، وجوهر النتائج يعطي حصيلة خطيرة مهمة، وهي إن الإنسان بدأ حياته واعياً ومدركاً ومتأملاً، وأن قوة الخلق التأملي والتكنولوجي طارئة أو جاءت بعد تطور حصلت في ذات الإنسان، فهو مخلوق مفكر وصانع في الأساس.

ـ موقف الدين:

ما هو موقف الدين من هذه الانعطافات الكبيرة في مسيرة علم الاجتماع والأنثروبولوجيا؟ خصوصاً الدين الإسلامي.

لا نريد هنا أن نجري عملية مطابقة أو توافق بين الدين وما تصل إليه العلوم الاجتماعية من حصائل علمية، فمثل هذه المحاولة ليست مطلوبة لأسباب لا مجال لذكرها الآن، ولكن نبغي تحديد الموقف منهجياً وعلى ضوء النظرية الدينية عن الانسان بشكل عام.

إن الدين يعالج التاريخ الإنساني من جملة نواحي، من أهمها تراثه الفكري والحضاري، ولذا يُسلط الأضواء على العادات والتقاليد والمفاهيم التي صبحت الانسان منذ بدء وجوده، ولم يتطرق إلى تراثه التقني والتكنولوجي إلا نادراً، فالكتب السماوية والقرآن بشكل خاص يركز على المسيرة الثقافية للإنسان عبر القرون ومن خلال صراع يصطلح على قُطبَيه الهدى والضلال، وتأكيد بعض رموز علماء الأنثروبولوجيا على تولي الإنسان من حيث هو كائن تراثي، ثقافي إنما يُجسد هذا المنهج القرآني.

والدين يرى في الانسان قوة متأملة، وإن الإنسان منذ أن فطره الله وباشر الحياة على هذه الأرض، مارس حياة حضارية ولو في حدود ضيقة، فالنبوة لازمت التأريخ البشري طوال تجلياته ومراحله، أي لم يكن الانسان في فترة من سني عمره الكوني لا يعني شيئاً، وهو حيوان بالمعنى الحرفي لهذه الكلمة، أو وُجد عاجزاً عن الإبداع الثقافي، بل وُجد مبدعاً، متأملاً، مفكراً، ولو لم يكن كذلك فإن النبوة غير قادرة على ممارسة دورها.

إن التخلي ن البدائية كصورة عارية عن التأمل أو باعتبارها ضد المنطق، يدعم الموقف الديني في رأيه عن الانسان وفي الصورة التي يرسمها له، والتي تؤكد بأن هذا المخلوق مبدع على صعيد الحياة.

إن تلك الصورة الحيوانية المجردة التي كان بعض العلماء يعرضون الانسان على طبقها (العجماوي)، لم تعد صالحة أبداً، لأنها تلغي دور العقل والأحلام والعواطف، بل تلغي حتى تركيبة قوامِهِ الداعية إلى إعمال العقل فيها.

والدين لا يؤيد أن الإنسان مرّ بمرحلة بدائية بالمفهوم الذي ينطوي على اتهامٍ له، حيث يُفيد هذا الاتهام أن (الإنسان) قد مرّ بحالة يمكن أن نُسميها (قبل التأمل) أو (قبل الثقافة) أو (قبل الإبداع الحضاري)، خاصة وأن الأسطورة التي تلصقُ بالانسان البدائي في كثير من الأحيان أخذت منحىً جديداً، يكرس مضمونها الإبداعي.

الفن البدائى والفن الحديث ..(6)

قد نعتقد عند سماع كلمة فن بدائى أنها تعبر عن فن الإنسان الأول…

ذلك الإنسان الذى عاش معاصراً للعصر الحجرى وقد يخبرنا فهمنا للفظة “بدائى” أيضاً أنه يعبر عن تلك الهمجية التى أُعتقد بأن الإنسان الأول إتصف بها .

وعلى هامش الموضوع … أحب أن أتوقف مع “ويل ديورانت” فى كتابه – قصة الحضارة –

فهو يخبرنا بتعريف أخر أو منظور أخر “للهمجية” فهو يرى بأنه حتى الهمجية هى نوع من أنواع المدنية فلطالما حرص هذا الهمجى على نقل تراث قبيلته إلى أبناءة ..

وما هذا التراث إلا أنظمته السياسية والإقتصادية والفنية وعاداتة و هو ما نستطيع أن نطلق عليه نوع من أنواع المدنية لم يخلوا منها هذا الأنسان (الفنان) الهمجى …

ومن يدري فلعلهم كذلك كانوا يوماً متحضرين ثم تبرئوا من تلك الحضارة لما لمسوه فيها من شقاء …

وعلى ذلك فينبغي أن نكون على حذر حين نستعمل ألفاظاً مثل “همجي” في إشارتنا إلى أسلافنا ونكون على حذر فى ربطها بصفة البدائيه….

كلمة فن بدائى لها مدلول أوسع من ذلك فهى تعبر عن فنون الشعوب البدائية التى قد نندهش لو عرفنا أنها تعيش إلى الأن حولنا فى أماكن متفرقة فى العالم مثل أفريقيا .. أستراليا .. كذلك هناك الجزر الموجودة فى البحار الجنوبية وأمريكا وبعض مناطق من أسيا.

ونجد أن مصطلح “الفن البدائى” نستخدمه للإشارة إلى الفن المبكر لهذه الشعوب .. فتصنيفهم على انهم بدائيون تم إستخدامه للإشارة إلى درجة تحضرهم وتطورهم الثقافى وهؤلاء الجماعات إستخدمت الفن كظاهرة جمالية لها دورها فى تناول مجموعة من المعانى والقيم تؤثر فى هذه الجماعة وكذلك الجماعة تؤمن بها .

ملاحظه أخرى جانبية ” هنا يبدء الإختلاف بين فن المجتمع البدائى وفن المجتمع المتحضر فالفن فى المجتمع المتحضر هو عمل يتصف بالفردية وترتبط بالفنان الذى هو الفرد المبدع … عكس الفن البدائى الذى يرتبط بمنظومة الجماعة وما تؤمن به” .

نعود لحديثنا .. ومن ما سبق نجد أن هناك خطأ كبير فى ربط الفن البدائى بتوقيتات زمانيه أو حقبات تاريخية من حياة لشعوب .. فهذه الكلمة “بدائى” لا تشيرأبداً إلى المضمون التاريخى أو الزمانى لكنها هنا تعنى بالمضمون الحياتى والفكرى والعقائدى لهذه الجماعات التى لا يزال منها ما هو قائم حتى الأن ويخضع لبحوث العلماء…

بل وأنه من المدهش أن بعض فنانى العصر الحديث وإلى اليوم مازالوا معتنقين لمذهب الفن البدائى كمدرسة فنية إختاروا السير على نهج قواعدها ومبادئها وخطوطها وقيمها وأصبحت الفنون البدائية هى الملهم لهم … “فهل نستطيع إطلاق لفظة همجى عليهم أيضاً؟ ”

ومن أتيحت له الفرصة لتأمل أى شكل من أشكال الفن البدائى يجد أنه يكشف عن درجة عاليه من التنوع والإختلاف سواء فى المادة المستخدمه “الخامة” أو الإسلوب المستخدم للتعبير “التكنيك” أو الموضوعات المراد التعبيرعنها.. سواء قيم جمالية لمجرد الجمال أو مفاهيم عقائدية أو تطويعها لتخدم ناحية أسطوريه أو معتقدات شعبية …

فنجد أن هناك تنوع فى الأهداف التى رمى إليها هذا الفنان البدائى بأعماله الفنية ولكن نجد أن هذا المجتمع البدائى نفسه لم يستطع الوصول إلى القدرة على التمييز بين هذه الأهداف والأساليب المختلفة وتصنيفها .

ولقد إستطاع البعض بدراساتهم أن يفهموا الفن البدائى ويصنفوا أعماله البدائية وأن يطلقوا أسماء و أوصاف عليها لكن على الرغم من ذلك إتصف هذا الفهم للأعمال الفنية البدئية بالبساطه والبطئ والسبب لذلك تتعدد أشكاله … فعلى سبيل المثال لم يتوفر لهم نظريات جمالية وقواعد ليفهموا من خلالها المبادئ والأسس التى قام عليها هذا الفن .

فهناك على سبيل المثال دراسات حاول فيها العلماء تشبيه أعمال الفنانين البدائيون بفنون الأطفال ولكن ثبت تماماً إختلاف الفن البدائى عن فن الطفل شكلاً موضوعاً وهدفاً وقيماً أخلاقية وجمالية .

ثم حاولوا التشكك فى قدرة الشعوب البدائيه وعدم تقديرها كذلك شككوا فى القيم الجماليه للأعمال البدائية الفنية وذلك على إعتبار أن المعايير الأخلاقيه والدينيه العقائدية هى الأساس فى تقدير الفن وتقييمه .

ولكن مهما كانت الأسباب والظروف فإن لاشك فى أن علاقة الفن بالديانة أو العقيدة تمثل نقطة رئيسية عند الفنان البدائى.

فسبب رئيسى لممارسة الفنان البدائى فنه هو العقيدة ومحاكاة الإله فى صوره شكلية ملموسة يدركها بحاسة اللمس .

والفن فى العصر الحجرى ينقسم إلى ثلاث مراحل قديمة ومتوسطة وحديثة وهى :

أولاً- المرحلة المطابقه للطبيعة فى الفن البدائى .

ثانياً- المرحلة الأنتقالية مابين المطابقة للطبيعة والإسلوب الهندسي .

ثالثاً- المرحلة الهندسية التجريدية

وقد ترك لنا الإنسان القديم الكثيرمن الأثار التى تدل عليه وعلى تطور فنه البدائى فى هذه المراحل الثلاث …

وهناك عالمان هما – Grevaux جريفو- Brough Smith برو سميث – هذان العالمان قاما بلفت نظر العالم إلى روعة وجمال فنون الشعوب البدائية …وما لأعمال ومنحوتات شعوب أفريقيا الزنجية من جمال وإعجاز غفل عنه الكثيرين ..

ومن يتأمل أعمال بول جوجان على سبيل المثال سيجد أن الفن البدائى بالنسبة له أصبح هو الملهم والمثير .. سيجد دور كبير للفن البدائى فى إثراء أعمال خلدتها الأكاديميات الفنية وإعترفت بعبقريتها …

وعند بيكاسو سيجد إستلهامه أنماطاً متعددة من الفن البدائى فى أنتاجه وخاصة إهتمامه بالنحت الزنجى والذى قام بإخضاعه لعمليات فكريه وإدخاله فى تكويناتة المعقدة ..

وما كان يعتبر بدائياً وساذجاً فى بعض العصور … أصبح يتمتع بالتقدير فى عصورنا الحديثة وأصبح مجالاً واسعاً لتوسيع دائرة الفن الفكرية قبل ما تتسع دائرته الجمالية .

المنهج النقدي الأنتروبولوجي(7)

المنهج النقدي في الكتاب:

يطبق الدكتور مصطفى ناصف في كتابه” قراءة ثانية لشعرنا القديم” المنهج الأنتروبولوجي أو ما يسمى أيضا بالمنهج الأسطوري ؛لأنه منهج يدرس الأساطير والرموز الخيالية التي تكون بديلا وتعويضا لماهو واقعي ومادي، في حين تكون الرموز وسائط وعلامات بين الداخل الذاتي والواقع الخارجي الموضوعي ذي الأساس الواقعي /المادي. إذا ما هو المنهج النقدي الأنتروبولوجي؟ ومامرتكزاته؟ وماهي أهم النماذج النقدية الغربية والعربية ؟ وماهي مصطلحاته ومفاهيمه؟ وماهي سلبياته وإيجابياته؟ تلكم هي الأسئلة التي سنرصدها في الصفحات التالية.

أ- مفهوم الأنتروبولجية والنقد الأسطوري:

ظهرت الأنتروبولوجية كنظرية علمية في القرن التاسع عشر وكان يمثلها إدوارد تايلورEdward Taylor وفريزرJames G.Frazer، وكان هدفها تتبع بدايات الجنس البشري وتاريخه المبكر ودراسة لمورثاته الثقافية والطبيعية بأنواعها. أي تدرس هذه النظرية الإنسان في بداياته البدائية والفطرية وتطوراته اللاحقة ومعرفة كيف انتقلت الترسبات الإنسانية الأولى وراثيا من الأسلاف إلى الأحفاد عن طريق الأجداد والآباء على غرار قوانين وراثة العالم البيولوجي مندلMendel. كما تنصب الأنتروبولوجية على دراسة اللاشعور الجمعي والعقل الباطن وكيف تترسب كثير من العادات والمعارف البشرية المشتركة في ذهن الإنسان. وتدرس هذه النظرية الطقوس والعادات والديانات والشعائر والأساطير والثقافة والطبيعة والطابو والطوطم والسحر والشعوذة والفنون والآداب…. وقد استفادت النظرية من علوم عديدة كعلم النفس وعلم الاجتماع واللسانيات والبيولوجيا والفلسفة والتاريخ….

ومن المعلوم أن الموروثات البشرية تتشكل في شكل رموز وعلامات اجتماعية” وتعرض للأفراد كأنها أحلام، وللمجتمع في أشكال حوادث تاريخية تؤثر في أغلب أبنائه تأثيرا موحدا، لأنها هي نفسها تتخذ أشكالا محددة أو أنماطا ثابتة من أنماط السلوك”.

ويرتبط هذا العلم الاجتماعي الجديد الذي يدرس الإنسان والوراثة الثقافية البشرية بالنقد الأسطوري المختص بدراسة العلاقة الموجودة بين اللاشعور الجمعي المشترك وتصورات الجنس البشري البدائية والأثر الأدبي. وتتمظهر هذه العلاقة في بنية الأساطير وهي عبارة عن رموز خيالية يخلقها المبدع ليكشف مشاعره الباطنية وأغوار النفس البشرية. وهذا الاتجاه النقدي الأسطوري تطور انطلاقا من الأنتروبولوجية الثقافية أو الطبيعية(كلود ليڤي شتراوس K.L.Strauss، وموكاروفسكي Mokarovsky،…) ، وفلسفة الأشكال الرمزية عند إرنست كاسيرر Ernest Cassirer الذي اعتبر الإنسان حيوانا رامزا، ونظرية اللاشعور الجمعي عند كارل يونغJung. .

وإذا أردنا أن نعرف اللاشعور الجمعي الذي يعد خزانا للرواسب الثقافية البشرية البدائية، فإننا نعرفه بأنه عبارة” عن صور ابتدائية لا شعورية أو رواسب نفسية مختلفة لتجارب ابتدائية لا شعورية أسهم في تركها أسلاف العصور البدائية وورثت – بطريق ما- في أنسجة الدماغ، ويتم التعبير عن الوقائع العصرية في حياة أي مجتمع عن طريق ربطه بهذه النماذج، إذ لابد أن يعرف الجديد بالقديم على أساس أن الجديد غامض غريب والقديم واضح مألوف”. ويعني هذا أن مجموعة من النماذج العليا البدائية ترد عند الأفراد المعاصرين وخاصة الفنانين والمبدعين في قصائدهم الشعرية وأعمالهم الفنية في شكل رواسب رمزية وحلمية وخيالية تختفي داخل النص عبر الصور الشعرية والفنية لتخلق عالما من الرموز الأسطورية التي تذكر الإنسان الحاضر بماضيه. وهذا يؤكد ترابط الحاضر بالماضي وارتباط الإنسان المعاصر ثقافيا وطبيعيا بالإنسان البدائي الأول. فكل القوالب الفنية المتكررة والمطردة تدل على هذا الترابط اللاشعوري بين الناس . و تتحول هذه النماذج العليا المشتركة إلى رموز جماعية إنسانية تتجاوز الظاهر والزمان والفضاءات المكانية الضيقة لتصبح كل الدوال والعلامات ظواهر جماعية مشتركة متعالية تتجاوز الزمان والمكان بطريقة ميتافيزيقية. وهذا يبين لنا بأن الإنسان يخلق وهو مزود بقدرات عقلية بدائية فطرية تذكره دائما بولادته الأولى و بأجداده وآبائه وما يشترك معهم من مميزات ثقافية وطبيعية. ومن ثم، فالثقافة لها أصل طبيعي والعكس صحيح أيضا. ويصبح الإنسان ضمن هذا الطرح له تاريخ وبداية وثقافة وذاكرة وماض وتقاليد وشعائر وطقوس ويخضع لتطورات بيولوجية وثقافية حسب منظور التطور الدارويني . و يكرر الإنسان المعاصر نفس المتعاليات الطقوسية عبر مجسدات تعويضية عدة كالفن والشعر والسحر والدين والفلكلور واللعب والسيرك والمسرح والرقص والأساطير والأحلام والرسم…ويعبر من خلالها عن ذاته وصراعها مع الواقع الموضوعي وتوقها إلى الوحدة الملحمية البدائية التي تتجسد فيها كلية الذات والموضوع.

ب‌- خطوات المنهج الأسطوري:

يعتمد المنهج الأسطوري الأنتروبولجي كالمنهج النفسي على خطوتين أساسيتين إجرائيتين، وهما: الفهم والتفسير. ويعني الفهم قراءة النص الإبداعي وفهم دلالاته اللغوية ومضامينه المعنوية وتفكيك شبكة صوره البلاغية ورموزه الخيالية ورصد كل المفاهيم المتكررة والمطردة وما تنسجه الصور من تيمات وموضوعات متواترة ومتكررة ثابتة. وبعد ذلك يأتي التفسير ليقوم بعملية التأويل ضمن التصور الأسطوري باحثا عن النماذج العليا ومفاهيم العقل الباطن ورواسب اللاشعور الجمعي قصد ربطها بالنماذج العليا البدائية والفطرية أي بالثقافة الأولى. كما يعمد الدارس إلى دراسة الرموز والمتعاليات والصور الخيالية كرواسب ثقافية بدائية تذكر الإنسان المعاصر بالإنسان البدائي وتطوراته الحضارية وما بينهما من طقوس مشتركة موروثة. وتشكل هذه الأنماط المتعالية ” أحد الأسس التي قام عليها التفسير النمطي أو التفسير الأسطوري الذي أصبحت مهمة الناقد فيه إنسانية في المقام الأول، فالناقد لا يكتفي بمجرد البحث عن جماليات العمل الفني ولا يقنع بشرحه وتفسيره ولا يرضى بإيجاد الروابط بينه وبين صاحبه أو أحوال مجتمعه ولكنه يتجاوز ذلك كله حين يبحث عن الماضي الثقافي والاجتماعي والإنساني لهذا العمل الأدبي”. و يتبين لنا من خلال هذه القولة مجموعة من خطوات المنهج الأسطوري وهي:

* شرح النص وتفسيره؛

* البحث عن جماليات العمل الفني؛

* ربط النص بصاحبه وأحوال مجتمعه؛

* التعامل مع ظواهر النص لا كظواهر فردية بل كظواهر جماعية؛

* تحديد شبكة الصور الفطرية والبدائية ذات الطاقة الخيالية الرمزية والأسطورية؛

* تأطير النماذج العليا والأنماط البدائية التي تشكل مقولات طقوسية وأسطورية؛

* البحث عن الماضي الثقافي والاجتماعي والإنساني لهذا العمل الإبداعي.

ج- مصطلحات المنهج ومفاهيمه الإجرائية:

يشغل المنهج الأسطوري في مقاربة النص الإبداعي كثيرا من المفاهيم الاصطلاحية التي يستعملها التحليل النفسي اليونجي والأنتروبولوجية الاجتماعية كاللاشعور الجمعي والعقل الباطن والنماذج العليا والنماذج البدائية والطقوس والميثوديني والأسطورة والشعائر العقائدية والطابو والطوطم والأنماط العليا والرغبات اللاواعية والقران المقدس والرموز والبنيات الخيالية والصور الخيالية والرؤى الأسطورية والتعويض والبدائية والإسقاط والترميز والحدس والإحيائية والإبداع الكشفي والتجارب الأولية البدائية والتجارب الأصيلة والصور البدائية الفطرية وأنماط التحول والميلاد الجديد أو العبور والتفسير النمطي والأحلام والنفس البشرية والظواهر الجماعية والأنا والعالم…….

د- الاتجاه الأسطوري في النقد الغربي:

ساهم كثير من الدارسين في إرساء النقد الأنتروبولوجي والأسطوري داخل الحقل الثقافي الغربي منهم إدوارد تايلورTaylor، وأندرو لانج Andrew Lang ، وهارتلاند Hartland ، وكرولي Crawley ، وفريزرFrazer صاحب الغصن الذهبي ، و إرنست كاسيرر، وكلود ليفي شتراوس Claude L. Strauss ،وكارل يونج K.Yung، وهاريسون J.E.Harisson ، وكونفورد F.M.Karnford ، وجلبرت موري Gilbert Murray ، ولورد راجلان Raglan ، وكينيث بيرك Kenneth Burke ، وهيردر Herder ،وفيكو Vico ، وسوزان لانجر…

وقد تجسدت كثير من الأفكار الأسطورية النظرية في كتابات النقاد الغربيين كما نجد عند فور بوركين في” نماذج نمطية الأصل في الشعر” سنة 1949م، وفرانسيس فيرجسون Francis Fergusson في” فكرة المسرح” سنة 1949، ونوثرب فرايFraye في” التماثل المزج” سنة 1947، وفيليب هولرية في ” النافورة المحترقة” سنة 1954، ورولان بارت Barthes في “الأساطير” سنة 1957… وكانت هذه الدراسات تهدف إلى إرساء نظرية عامة للأدب الأسطوري.

وهناك من الدارسين في الغرب من حلل الأسطورة من الناحية المضمونية ومعطياتها الدلالية الرمزية والوظيفية ويوجد من هؤلاء الكثير والكثير، وهناك من درس الأسطورة من حيث البنية الشكلية كما فعل كلود ليڤي شتروس وفلاديمير بروب.

هــ- الاتجاه الأسطوري في النقد العربي:

ظهرت دراسات كثيرة تحاول دراسة الأدب العربي قديمه وحديثه على ضوء المنهج الأسطوري في العقود الأخيرة من القرن العشرين كمصطفى ناصف في كتابه:” قراءة ثانية لشعرنا القديم”، وعبد الفتاح محمد أحمد في كتابه” المنهج الأسطوري في تفسير الشعر الجاهلي” ، وأحمد كمال زكي في ” التفسير الأسطوري للشعر القديم” ، وسمير سرحان في” التفسير الأسطوري في النقد الأدبي” ، وفريال غزول في” المنهج الأسطوري مقارنا” ، وإبراهيم عبد الرحمن في” التفسير الأسطوري للشعر الجاهلي” وعلي البطل في ” الصورة في الشعر العربي حتى آخر القرن الثاني الهجري” ، والدكتور مصطفى عبد الشافي الشورى في” شعر الرثاء في العصر الجاهلي” ، والدكتورة ثناء أنس الوجود في” رمز الأفعى في التراث العربي”، ونصرت عبد الرحمن في “الصورة الفنية في الشعر الجاهلي على ضوء النقد الحديث”، والدكتور عبد الجبار المطلبي في” مواقف في الأدب والنقد”، والدكتور محمد نجيب البهبيتي في” المعلقة العربية الأولى أو عند جذور التاريخ”…

وما يلاحظ على هذه الدراسات الأسطورية أن هناك من الكتابات النقدية التي سقطت في الانطباعية وانعدام التوثيق مثل دراسة الدكتور مصطفى ناصف ” في قراءتنا لشعرنا القديم” الذي حدد مجموعة من الأنماط العليا والنماذج البدائية كالفرس والطلل والناقة والمطر والمرأة، ولكنه تحدث عنها بطريقة انطباعية سطحية بدون توثيق تاريخي وعلمي ورؤية منهجية متكاملة محددة القسمات. أي إن المنهج الأسطوري في كتابه يصعب تحديده بكل وضوح للقارئ البسيط والمبتدئ بل حتى المثقف منه؛ لأن الدارس لم يحدد منهجه في مقدمة الكتاب بشكل دقيق ومركز ليفهم القارئ منظور الناقد ومرتكزاته النظرية والمنهجية والتطبيقية. كما ساهم التطويل والإسهاب والاستطراد والإطناب في تضخيم حجم الكتاب ونفور القارئ منه بسبب جفاف اللغة الواصفة التي تخاطب العقل والمنطق والإدراك الذهني دون استدلال تاريخي أو ثقافي على هذه الرموز في الجزيرة العربية. ويساير الكاتب في هذه الانطباعية كل من الدكتور نصرت عبد الرحمن والدكتور أحمد كمال زكي، بينما اهتمت دراسات كل من الدكتور المطلبي والدكتورة ثناء أنس الوجود بأمر التوثيق والنبش التاريخي والعلمي على حساب الغرض المقصود من الدراسة الأسطورية. بينما تبقى دراسة الدكتور علي البطل للصورة في شعر ما قبل الإسلام” أبرز هذه الدراسات حتى وقتها من وجهة نظر البحث على ضوء المعايير السابقة( الخلو من الانطباعية، والتوثيق، وتكامل الرؤية المنهجية)، حيث قدمت دراسته على ضوء هذا المنهج رؤية متكاملة للشعر الجاهلين على أساس فهم واضح لطبيعة الصورة فيه مع العودة إلى بدايات النمو”الميثوديني” والكشوف الآثارية.

وعلى الرغم من جدة وقيمة ماوصلت إليه هذه الدراسات، فإن فروضها في بعض الأحيان تحتاج إلى توثيق بعودة أشمل إلى العلوم الأركيولوجية والنقوش القديمة والأساطير السامية.”

و- تقويم المنهج الأسطوري:

من إيجابيات المنهج الأسطوري أنه يسعفنا في تحليل النص الأدبي أنتروبولوجيا واجتماعيا وثقافيا وإنسانيا ، ويساعدنا على تأويل صوره الفنية والشعرية انطلاقا من ربط الحاضر بالماضي ، ورصد شبكة الصور التي تتحول إلى رموز ونماذج عليا التي تذكر المبدع بأصوله الإنسانية الفطرية والطبيعية وبثقافته الأولى. كما يتجاوز المنهج الدلالات السطحية ويعمد إلى تفكيك الظاهر وتجاوزه نحو الباطن وذلك باستقراء اللاشعور الجمعي والعقل الباطن. وتتحول القصيدة أو النص الأدبي إلى وثيقة أسطورية وأركيولوجية تحفر في الذاكرة وتنبش ماضي البشرية و تكشف طقوس الإنسان وعاداته وشعائره وثقافته وطبيعته البدائية.

هذا، ومن شروط نجاح النقد الأسطوري خلوه من الانطباعية والأحكام الذاتية الخاضعة للتأويل الشخصي، والاعتماد على التوثيق، وتماسك المنهج وتكامل الرؤية.

بيد أن هذا المنهج له سلبيات تتمثل في إهمال الجوانب الفردية للمبدع التي يهتم بها الجانب النفسي الفرويدي، ويقصي النص أيضا كبنية وعلامات سيميائية التي يركز عليها المنهجان البنيوي اللساني والمنهج السيميوطيقي، ويغفل دور المتلقي في بناء النص الذي تهتم به كل من جمالية التقبل وجمالية القراءة. لذلك يعد المنهج التكاملي أفضل المناهج النقدية؛ لأنه يحيط بالنص الأدبي من جميع جوانبه ومستوياته التركيبية والبنائية ( العتبات، والمبدع، والنص، والقارئ).

استنتــــــاج نهائـــــي:

وعلى الرغم من سلبيات المنهج الأسطوري والنقد الأنتروبولوجي في فهم النص الأدبي وتفسيره وتأويله، فإنه يبقى منهجا ناجعا في مقاربة رموز العمل الإبداعي من خلال تحديد نماذجه التصويرية البدائية وربط حاضر المبدع بماضي الإنسان البشري والتغلغل في أعماق النص العرفانية والباطنية والفلسفية والاجتماعية والوراثة الثقافية قصد رصد الظواهر الجماعية ، ولكن بشروط علمية ضرورية كالابتعاد عن الانطباعية واللجوء إلى التوثيق التاريخي والأركيولوجي واحترام خطوات المنهج الأسطوري تصورا ورؤية وتطبيقا. ولكن يبقى المنهج النقدي التكامل أفضل المناهج في مقاربة النصوص الأدبية؛ لأنها يحيط بالعمل الإبداعي من كل جوانبه الدلالية والفنية والمناصية والمرجعية.

—————————————————-

المراجع

– د. أحمد كمال زكي: النقد الأدبي الحديث أصوله واتجاهاته، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ط 1981، ص:278؛

– د. سمير حجازي: قضايا النقد الأدبي المعاصر، الجزء الأول، مطبعة الفكر الحديث، ص:103؛

– د. أحمد كمال زكي: نفس المرجع، ص:287؛

– عبد الفتاح محمد أحمد: نفسه، ص:38؛

– نفس المرجع، ص:256-257؛

– نفس المرجع السابق، ص : 206؛

المصادر الاقتصادية للتفاوت الاجتماعي(8)

1- المشاعات البدائية القائمة على الفقر

طوال القسم الأعظم من وجوده ما قبل التاريخي، عاش الإنسان في شروط من الفقر المدقع. ولم يكن للبشر من وسائل للحصول على القوت الضروري لعيشهم سوى القنص وصيد الأسماك وقطف الثمار. كانت البشرية تعيش بالتطفل على الطبيعة، حيث لم تكن تزيد الموارد الطبيعية التي كانت أساس بقائها. بل لم يكن لديها أية سيطرة على هذه الموارد.

كانت المشاعات البدائية منظمة بشكل يضمن بقاءها الجماعي في شروط عيش بالغة الصعوبة. وكان كل فرد يشارك إلزاميا في العمل حيث أن عمل كل فرد ضروري لبقاء المشاعة، وإنتاج القوت يكفي بالكاد لإطعام الجماعة. ولو وجدت امتيازات مادية لحكمت على قسم من القبيلة بالمجاعة وحرمتها من إمكانية العمل بصورة عقلانية ونسفت بالتالي شروط البقاء الجماعي. هو ذا السبب الذي جعل التنظيم الإجتماعي، في تلك المرحلة من تطور المجتمعات البشرية، ينزع إلى المحافظة على حد أقصى من المساواة داخل الجماعات البشرية.

وقد لاحظ علماء الأناسة الإنكليز هوبهاوس ووهيلر وغينسبرغ، بعد دراستهم للمؤسسات الاجتماعية في 425 قبيلة بدائية، لاحظوا غيابا تاما للطبقات الاجتماعية لدى جميع القبائل التي جهلت الزراعة.

2- ثورة عصر الحجر المصقول

هذا الوضع من الفقر الأساسي لم يعدل بصورة ثابتة إلاّ بعد تكون تقنيات زراعة الأرض وتربية الحيوانات. إن الفضل في اكتشاف تقنية زراعة الأرض، وهو أكبر ثورة اقتصادية في وجود البشرية، يعود إلى النساء، كما يعود لهن فضل سلسلة من الاكتشافات الهامة الأخرى في ما قبل التاريخ (لاسيما تقنية الخزافة والحياكة). وقد تدعمت الزراعة منذ 15 ألف سنة قبل الميلاد، تقريبا، في أمكنة عديدة من الكرة الأرضية، بدءا على الأرجح بآسيا الصغرى وبلاد ما بين النهرين وإيران وتركستان، وامتدت تدريجيا إلى مصر والهند والصين وإفريقيا الشمالية وأوروبا المتوسطية. ويسمى انتشار الزراعة بثورة عصر الحجر المصقول لأنه حصل في عصر من العصور الحجرية كانت فيه أدوات عمل الإنسان الرئيسية مصنوعة من الحجر المصقول (وهو أحدث العصور الحجرية).

لقد جعلت ثورة عصر الحجر المصقول الإنسان قادرا على إنتاج قوته بنفسه وقادرا بالتالي -إلى حد ما- على التحكم ببقائه. وقد قلصت ارتهان الإنسان البدائي بقوى الطبيعة. وسمحت بتكوين مخزونات من المؤن، الأمر الذي سمح بدوره بتحرير بعض أعضاء المشاعة من ضرورة إنتاج قوتهم. هكذا أصبح بالإمكان تطور تقسيم اقتصادي للعمل، أي تخصص مهني، يزيد إنتاجية العمل البشري. هذا التخصص لا يبدو بعد سوى ملامحه في المجتمع البدائي، لأنه كما قال أحد الرحالة الإسبان الأوائل في القرن السادس عشر، متحدثا عن الهنود: « يريد البدائيون استعمال كل ما لديهم من الوقت لجمع المؤن، لأنهم لو استعملوه بطريقة أخرى لعانوا من الجوع ».

3- النتاج الضروري والنتاج الاجتماعي الفائض

إن ظهور فائض كبير ودائم من المؤن هو الذي يحدث انقلابا في شروط التنظيم الاجتماعي. فعندما يكون هذا الفائض صغيرا نسبيا ومبعثرا بين قرية وأخرى، لا يغير البنية المتساوية للمشاعة القروية. إنه يسمح فقط بإعالة بعض الحرفيين والموظفين، أمثال الذين بقوا خلال آلاف السنين في القرى الهندية.

لكن عندما يتم حصر هذه الفوائض على مساحات كبيرة من قبل زعماء عسكريين أو دينيين، أو عندما تتكاثر الفوائض في القرية بفضل تطوير أساليب الزراعة، تستطيع خلق شروط ظهور تفاوت اجتماعي، يمكن استعمالها لإعالة أسرى الحرب أو أسرى عمليات القرصنة (الذين كانوا يقتلون سابقا بسبب قلة المؤن). ويمكن إجبار هؤلاء على العمل لأجل المنتصرين لقاء قوتهم: هكذا ظهرت العبودية في العالم الإغريقي.

ويمكن استعمال الفائض ذاته لإعالة طائفة من الكهنة والجنود والموظفين والأسياد والملوك: هكذا ظهرت الطبقات المسيطرة في إمبراطوريات الشرق القديم (مصر، بابل، إيران، الهند، الصين).

عندها يستكمل التقسيم الاقتصادي للعمل بتقسيم اجتماعي. وينتهي استعمال الإنتاج الاجتماعي بمجمله لسد حاجات المنتجين. بل ينقسم هذا الإنتاج بعدئذ إلى قسمين:

الناتج الضروري، أي قوت المنتجين الذين لولا عملهم لأنهار المجتمع بأسره.

النتاج الاجتماعي الفائض، أي الفائض الذي ينتجه المنتجون والذي تحتكره الطبقات المالكة.

هاكم وصف المؤرخ هايشلهايم لظهور المدن الأولى في العالم القديم: « يتألف سكان المراكز المدنية الجديدة… بقسمهم الأعظم من شريحة عليا تعيش من الريوع (أي أنها تتملك فائض نتاج العمل الزراعي – أ.م.) مؤلفة من أسياد ونبلاء وكهنة. ويجب أن نضيف إليهم الموظفين والمستخدمين والخدام الذين تعيلهم هذه الشريحة العليا بصورة غير مباشرة ».

هكذا يؤدي ظهور الطبقات الاجتماعية – الطبقات المنتجة والطبقات المسيطرة – إلى ولادة الدولة التي هي المؤسسة الرئيسية لحفظ الشروط الاجتماعية القائمة، أي التفاوت الاجتماعي. إن انقسام المجتمع إلى طبقات يتدعم بتملك الطبقات المسيطرة لوسائل الإنتاج.

4- الإنتاج والتراكم

إن تَكَوُّن الطبقات الاجتماعية وتملك النتاج الاجتماعي الفائض من قبل جزء من المجتمع ينتجان عن صراع اجتماعي ولا يستمران إلاّ بفضل صراع اجتماعي دائم.

بيد أن ظهور الطبقات يشكل في الوقت نفسه مرحلة – حتمية – من التقدم الاقتصادي، لكونه يسمح بفصل وظيفتين اقتصاديتين أساسيتين هما وظيفة الإنتاج ووظيفة المراكمة.

في المجتمع البدائي، كان جميع الرجال والنساء القادرين يعملون في إنتاج القوت بصورة رئيسية. ولم يكن بوسعهم، في تلك الشروط، أن يخصصوا سوى القليل من الوقت لصنع أدوات العمل وتخزينها والتخصص في صنعها والبحث المنهجي عن أدوات عمل أخرى والتمرس في تقنيات عمل معقدة (كعمل التعدين مثلا) والمراقبة المنهجية لظواهر الطبيعة، الخ…

إن إنتاج نتاج اجتماعي فائض يسمح بمنح قسم من البشرية ما يكفي من وقت الفراغ ليتفرغ لمجمل تلك النشاطات التي تيسر ازدياد إنتاجية العمل. فأوقات الفراغ هذه هي أساس الحضارة وتطور أولى التقنيات العلمية (علوم الفلك والهندسة والمياه والمعادن الخ…) والكتابة. ويرافق انفصال المجتمع إلى طبقات انفصال العمل الذهني عن العمل اليدوي، الذي هو نتاج أوقات الفراغ تلك.

يشكل إذن انقسام المجتمع إلى طبقات شرطا للتقدم التاريخي، طالما أن المجتمع أفقر من أن يتيح لجميع أعضائه التفرغ للعمل الذهني (لوظيفة المراكمة). غير أن ثمن هذا التقدم باهظ. فحتى عشية الرأسمالية الحديثة، لا يستفيد من منافع ازدياد إنتاجية العمل إلاّ الطبقات المالكة. وبالرغم من كل تقدم التقنية والعلم خلال السنوات الأربعة الاف التي تفصل بين بدايات الحضارة القديمة والقرن السادس عشر، نجد أن وضع الفلاح الهندي والصيني والمصري، بل حتى اليوناني والسلافي، لم يتبدل بصورة حسية.

5- سبب فشل كافة ثورات الماضي من أجل المساواة

عندما لا يكفي الفائض الذي ينتجه المجتمع البشري، أي النتاج الاجتماعي الفائض، لتحرير البشرية بأسرها من الكدح المرهق الدائم، فإن أية ثورة اجتماعية تهدف إلى إعادة المساواة البدائية بين البشر ثورة محكوم عليها بالفشل سلفا. فهي لا تستطيع أن تجد سوى مخرجين من التفاوت الاجتماعي القديم.

أما تدمير كل نتاج اجتماعي فائض عمدا والعودة إلى الفقر المدقع البدائي. عندها سوف تؤدي إعادة ظهور التقدم التقني بسرعة إلى التفاوتات الاجتماعية ذاتها التي كانت الغاية إلغاءها.

أو نزع ملكية الطبقة المالكة القديمة لصالح طبقة مالكة جديدة.

هذا بالضبط ما حصل في انتفاضة عبيد روما بقيادة سبارتكوس، وفي أولى الشيع المسيحية والأديرة، وفي مختلف الانتفاضات الفلاحية التي تتالت في الإمبراطورية الصينية، وفي ثورة الهراطقة المسيحيين في بوهيميا في القرن 15، وفي المستعمرات الشيوعية التي أسسها المهاجرون في أمريكا، الخ.

ودون أن ندعي أن الثورة الروسية أدت إلى الوضع ذاته، فإن إعادة ظهور تفاوت اجتماعي حاد في الاتحاد السوفياتي اليوم تجد تفسيرها الأساسي في فقر روسيا غداة الثورة، في عدم كفاية مستوى تطور قواها المنتجة وفي انعزال الثورة في بلد متأخر بنتيجة إخفاق الثورة في أوروبا الوسطى خلال مرحلة 1918-1923.

إن مجتمعا متساويا قائما على الوفرة وليس على الفقر – هو ذا هدف الاشتراكية – لا يستطيع أن يتطور إلاّ على قاعدة اقتصاد متقدم يكون النتاج الاجتماعي الفائض مرتفعا فيه إلى حد أنه يسمح بتحرير جميع المنتجين من كدح مرهق ويمنح المجتمع بأسره ما يكفي من أوقات الفراغ ليتمكن هذا الأخير من القيام جماعيا بالوظائف الإدارية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية (وضيفة المراكمة).

لماذا احتاج الاقتصاد البشري إلى 15 ألف سنة من النتاج الاجتماعي الفائض حتى تمكن من الانطلاق الضروري لظهور ملامح حل اشتراكي للتفاوت الاجتماعي ؟ سبب ذلك هو أنه طالما تملكت الطبقات المالكة النتاج الاجتماعي الفائض بشكل منتجات (قيم استعمالية)، شكل استهلاكها الخاص (استهلاك غير منتج) سقف ازدياد الإنتاج الذي رغبت بتحقيقه.

إن معابد وملوك الشرق القديم، وأسياد العبيد في العصور القديمة اليونانية والرومانية، والأسياد النبلاء والتجار الصينيين والهنود واليابانيين والبيزنطيين والعرب، والنبلاء الإقطاعيين في العصر الوسيط، جميعهم لم يجدوا مصلحة في زيادة الإنتاج طالما كدسوا في قصورهم وبلاطاتهم ما كفاهم من المؤن والملابس الفخمة والتحف الفنية. فثمة حدود لا يستطيع الاستهلاك والترف تجاوزها (مثل مضحك: في المجتمع الإقطاعي لجزر هاواي، اتخذ النتاج الاجتماعي الفائض شكل الغذاء حصرا وكانت المكانة الاجتماعية مرهونة بالتالي بـ…وزن كل فرد).

وعندما يتخذ الناتج الاجتماعي الفائض شكل النقد -شكل فائض القيمة- ويصبح بالإمكان استعماله ليس لاقتناء سلع استهلاكية وحسب بل أيضا سلع تجهيزية (سلع إنتاجية)، عند ذلك فقط تجد الطبقة المسيطرة الجديدة -البورجوازية- مصلحة في ازدياد غير محدود للإنتاج. هكذا تولد الشروط الاجتماعية الضرورية لتطبيق جميع الاكتشافات العلمية في الانتاج، أي الشروط الضرورية لظهور الرأسمالية الصناعية الحديثة.

6- اضطهاد النساء، أول شكل واسع للا مساواة الاجتماعية.

بين المجتمع الشيوعي البدائي للجماعة والعشيرة، والأشكال الأولى للمجتمع القائم على سيطرة طبقية على أخرى (كالمجتمع العبودي مثلا)، هنالك مرحلة انتقالية لم تكن قد تطورت خلالها بشكل كامل طبقة مسيطرة مالكة، لكن تأسست إبانها لا مساواة اجتماعية واضحة. يشهد على وجود هذا النموذج من المجتمعات العديد من الآثار والأوصاف الماضية التي ما تزال بارزة على وجه الخصوص في الأساطير والخرافات والديانات « البدائية »، لكن كذلك المجتمع القرابي القائم اليوم في جزء من أرياف إفريقيا السوداء، وإن بشكل أكثر فأكثر تشويها، تبعا لاندماجه بالمجتمع الطبقي المسيطر في كل البلدان التي ما يزال على قيد الحياة فيها.

هذا الشكل الأول المؤسس للا مساواة والاضطهاد الاجتماعيين هو شكل اضطهاد النساء على يد الرجال في المجتمعات البدائية التي بلغت هذا الطور من التقدم. واضطهاد النساء لم يكن موجودا منذ البدء، فهو ليس ناتج جبرية بيولوجية تلقي بثقلها على الجنس النسوي. لا بل ثمة معطيات كثيرة تعود إلى ما قبل التاريخ وإلى مجتمع شيوعية العشيرة وتؤكد أن المساواة بين الجنسين بقيت قائمة زمنا طويلا. ومع أنه تنقصنا المعطيات التي تسمح لنا بتعميم هذه الظاهرة على مجمل البشرية البدائية، فثمة دلائل ساطعة على أن النساء لعبن دورا اجتماعيا مهيمنا في العديد من المجتمعات على الأقل. ويكفي أن نتذكر الظاهرة واسعة الانتشار لـ« الهة الخصب » كسيدة للسماء، لدى فجر الزراعة التي اخترعتها النساء، من أجل الاستنتاج أن الإحلال المعمم للآلهة الذكور (ثم للاله الواحد) محل هذه الالهة، لا يمكن أن يكون عرضيا. إن الثورة في السماء تعكس ثورة حدثت على سطح الأرض، وقلب المفاهيم الدينية ناتج عن قلب الشروط الاجتماعية للعلاقات المتبادلة بين الرجال والنساء.

ويمكن أن يبدو غريبا للوهلة الأولى أن يفتتح شيئا فشيئا عصر استعباد النساء الاجتماعي حين يتكرس دورهن الاقتصادي المهيمن عن طريق وظيفتهن الأساسية في أعمال الحقول (الثورة النيوليتية). إلاّ أنه ليس ثمة أي تناقض حقيقي.

فبمقدار ما تزدهر الزراعة البدائية تصبح النساء المصدر الرئيسي لثورة القبيلة، بشكل مضاعف: من حيث هن المنتجات الرئيسيات للأغذية ومن حيث هن منجبات للأطفال. ذلك أن التطور الديموغرافي لم يعد يستشعر به كتهديد، بل كنعمة محتملة انطلاقا فقط من قاعدة تمون بالأغذية مضمونة إلى هذا الحد أو ذاك، ولقد أصبحت النساء بفعل ذلك موضوعات جشع اقتصادي وهو ما لم يكن ممكنا في عصر الصيد وقطاف الأثمار.

وليمكن إنجاز هذه التبعية، توجب حدوث سلسلة متلازمة من التحولات الاجتماعية. تم نزع سلاح النساء، أي أن مهنة الأسلحة أصبحت حكرا على الذكور. وهذا الواقع لم يكن سائدا منذ البدء، تشهد على ذلك الأساطير العديدة المتعلقة بالأمازونات [28] والتي لم تزل تحيا في أذهان الناس في كل القارات. كما أن وضع المرأة قد تغير بشكل عميق بفعل تعديلات جذرية أدخلت على قواعد الزواج وإضفاء الطابع الاجتماعي على الأطفال، بغية ضمان هيمنة نظام الأبوة.

ومع تطور الملكية الخاصة، ومن ثم توطيدها، اتخذت العائلة البطريركية [29] بالتدريج الشكل النهائي الذي احتفظت به، رغم تعديلات متتالية، على امتداد قسم مهم من تاريخ المجتمعات الطبقية. ولقد أصبحت هي ذاتها واحدة من المؤسسات الرئيسية، التي لا يمكن الاستعاضة عنها، والتي تضمن استمرار الملكية الخاصة عبر الإرث والقمع الاجتماعي بكل صوره (بما فيها البنى الذهنية التي تؤبد الموافقة على السلطة « الآتية من عل » والطاعة العمياء). غدت منطلقا لعمليات تمييز لا تحصى على حساب النساء في كل دوائر الحياة الاجتماعية. والتبريرات الأيديولوجية والمسبقات المنافقة التي تنطوي على هذه التمييزات جزء لا يتجزأ من الأيديولوجية المسيطرة المرتبطة بالطبقات المالكة جمعاء التي تعاقبت في التاريخ. وهي بذلك قد طبعت، جزئيا على الأقل، ذهنية الطبقات المستغَلة، بما فيها ذهنية البروليتاريا الحديثة في النظام الرأسمالي وغداة إطاحته.

المراجع:

ك. ماركس ف. إنجلس البيان الشيوعي.

انجلس، دحض دوهرينغ (الجزء الثاني والثالث).

غوردن شايلد، ماذا حدث في التاريخ ؟

غوردن شايلد، الإنسان صنع نفسه.

غلوتز، العمل في اليونان القديمة.

بواسوناد، العمل في العصر الوسيط.

أ. ماندل، النظرية الاقتصادية الماركسية (الفصول الأربعة الأولى).

مفهوم الهدية(9)

الفصل الأول : التبادل

الفصل الثاني : مفهوم الهدية والمناسبات التي تقدم فيها .

الفصل الثالث : العلاقات الاقتصادية .

الفصل الرابع : العلاقات الاجتماعية .

………………………………..

الفصل الأول

التبادل :

كان الاقتصاد في المجتمعات البدائية يعتمد في نفس الوقت على الإنتاج والاستهلاك والتبادل سواء في الأسرة أو القبيلة ولذلك كان للأسرة والقبيلة اكتفاء ذاتي حيث كانت تقريباً تحصل على كل شئ من التبادل مع الجماعات الأخرى([25]).

تتميز المجتمعات البدائية بنظام اقتصادي قديم ويعرف باسم المقايضة وهذا يعنى أن يقوم الشخص بتبادل سلعة لديه مع سلعة أخرى لدى شخص آخر كأن يعطي شخص لآخر كمية من القطن ليحصل في مقابلها على مقدار معين من القمح وبهذا يستطيع الفرد أن يستفيد من هذه المقايضة بإشباع حاجاته الأساسية أو غيرها من الحاجات .

ولكن تطور المجتمعات البشرية وازدياد عدد السكان وكثرة الحاجات الإنسانية واتساع نطاق التخصص وتقسيم العمل بين الأفراد أدى إلى خلق فائض لديهم مما جعلهم يقومون بمبادلة السلع والخدمات مع الفائض الإنتاجي لمجتمعات أخرى أو للأفراد الآخرين .

وبدخول عملية النقود تغير مفهوم المقايضة أو التبادل وتحولت العملية الاقتصادية إلى بيع وشراء بحت وأثر ذلك على العلاقات الاجتماعية الناتجة عن التبادل الاقتصادي التي كانت منتشرة بين الآخرين في المجتمعات البدائية .

التبادل في المجتمعات البدائية :

لا يخلو أي مجتمع إنساني مهما بلغت درجة تخلفه من النظم الاقتصادية فالإنسان يأكل ليعيش والإحساس بالجوع يدفعه للبحث عن الطعام . ويفضل الطعام توفر عوامل أخرى يستمر الإنسان حياً ([26]).

وتختلف النظم الاقتصادية في المجتمعات البدائية فيما بينها في مدى بساطتها فأبسطها نظام جمع الطعام ثم الصيد ثم أكتشف الإنسان نظام آخر وهو الزراعة واستئناس الحيوان ويتميز الاقتصاد في المجتمعات البدائية بالتنوع فقد يزاول السكان الجمع والالتقاط بجانب الرعي أو الزراعة بجانب الصيد ([27]).

ويرى بعض العلماء أن المجتمعات البدائية لا تعرف التخصص في الإنتاج مع أن التبادل يلزمه وجود درجة معينة على الأقل من التخصص في الإنتاج ([28]) وتقسيم العمل هو اساس عملية التبادل . إلا أن التبادل بين الجماعات العائلية والقرابية يختلف بطبيعة الحال عن عمليات التبادل التي تتم بطريقة لا شخصية في السوق وبخاصة في المجتمعات الحديثة والمتحضرة .

والتبادل عملية اقتصادية في أساسها يتم بمقتضاها انتقال السلع والخدمات بين الأفراد والمجتمع أو بين الجماعات المختلفة .

وعند تحليلنا لهذا التعريف نجد أن العمليات الاقتصادية لا تنعدم في المجتمعات البدائية . وعلى الرغم من أن معظم هذه المجتمعات تكون مكتفية ذاتياً إلا أنها من حين لآخر تفتقر إلى بعض السلع والخدمات التي لا يمكن الحصول عليها إلا بالتبادل مع الجماعات الأخرى المتخصصة في إنتاج سلع أخرى ([29]).

وشعب الزابوتيك بالمكسيك الذي اشتهر بالتجارة والأسواق ، يستعين أحياناً بأساليب التبادل . ففي المناسبات الهامة كالزفاف أو مواجهة الالتزامات التي تفرضها الطقوس قد يلتمس الشخص المساعدة من الأقارب والأصدقاء والجيران وقد تتخذ هذه المساعدة شكل النقود أو المواد الغذائية أو المشروبات الخفيفة .

ويتوقع المانح أن ترد إليه هذه الأشياء في مناسبة تالية عندما يحتاج إلى المساعدة ولا يستطيع القيام بالتزامات معينة بمفرده ويتوقع ايضاً أن يتلقى نفس السلع التي أعطاها لغيره في هذه المناسبة وإذا كان هناك فرق في القيمة فأنه يعوض بنقود أو سلع أخرى ([30]).

قام كثيراً من الباحثين بدراسة النظام الاقتصادي في المجتمعات البدائية وركزوا على ما يستخدمه المجتمع كوسيط للتبادل فالنقود لم تكن موجودة في المجتمعات البدائية والريفية وأوضحت هذه الدراسات إلى أن بعض المجتمعات تستخدم أنواع معينة من الخنازير في بولينزيا والملح في القرن الإفريقي ([31]) . وتكلم كذلك الباحثين إلى استخدام ما أسموه أشباه النقود أي النقود التي تستخدم لأغراض خاصة وهي نقود يقتصر تبادلها واستخدامها كوسيط نقدي على مجالات معينة فبين سكان غينيا الجديدة يقول سالزبري أن بعض السلع يمكن مبادلتها في مقابل عناصر ضرورية مثل الأكل والشرب والمسكن والبعض الآخر يمكن مبادلته مقابل عناصر غير ضرورية وغير اساسية مثل الملابس ، والذهب . كما أن هناك مجموعة ثالثة من السلع يمكن مبادلتها مقابل عناصر من نفس المكانة الاجتماعية أو المركز الاجتماعي مثل المواشي والعبيد والقضبان النحاسية وقالوا أنها تلعب دور الوسيط لقطاع عريض من التبادل ([32]).

ونتيجة لكثرة المبادلات التي تتم بين الأفراد يرى العالم أميل دوكايم أنه مهما بلغت الحياة الاقتصادية من البساطة أو التعقيد فأنها تحتاج إلى درجة من التعاون والاشتراك في العمل ([33]).

وأن تقسيم العمل يرتبط بالتخصص وأن التخصص لا يتوقف فقط على الحياة التكنولوجية وإنما يعتمد على وجود فائض في الإنتاج يمكن تبادله للحصول على السلع التي يحتاج إليها أناس آخرين ([34]).

ويرى ابن خلدون أن تقسيم العمل هو الوسيلة التي يتمكن فيها الإنسان من الحصول على ما يحتاج إليه وأن التعاون يساعد أبناء المجتمع على أن يتخصص كل منهم في ما يجيد على أساس أنه سيجد من يعاونه بقبول ما ينتج لقاء ما يحتاج.

وعندها يتخصص الإنسان في عمل معين يجيده مما لا يجيده غيره فأنه يفعل ذلك لأنه متأكد إلى أن الآخرين محتاجين لما هو متوفر عنده وهو محتاج كذلك إلى ما ينتجه الآخرين . ويركز ابن خلدون على التعاون أو التساند والاعتماد المتبادل بين أفراد المجتمع الواحد ([35]) . فالتبادل عند ابن خلدون هو العنصر الأساسي أو العملية الأساسية في التعاون القائم على تقسيم العمل والتخصص .

فعن طريق التبادل الذي يعتبر لب عملية التعاون يصبح من الممكن التخصص وتقسيم العمل وبدون التعاون يصعب عمل ذلك .

ويعبر ابن خلدون عن التبادل كعملية اجتماعية وليست اقتصادية فقط بأنها قيام الإنسان بتحصيل حاجاته وضروراته بدفع الأعراض عنها ([36]).

حيث أن المتخصص في عمل معين سيحصل بمقتضى عمله على موارد يستخدمها في إشباع حاجاته من خلال استخدامه في عملية مبادلة عوضاً عن حاجاته وضروراته ([37]).

وظهرت في السنوات الأخيرة الكثير من المدارس التي تهتم بالتبادل من الناحية الاقتصادية والاجتماعية فظهرت مدرسة التبادل الاجتماعي في السنوات الأخيرة على يد فريدريك بارث وسيربل بيلشو وغيرهم من العلماء ([38]).

وتركز نظرية التبادل الاجتماعي على فكرة التبادل في دراسة المجتمع فيرى بيلشو مثلا أن كل تفاعل بين الناس يربطهم اعتماد متبادل يمكن النظر إليه على أنه تبادل اجتماعي وأن جميع الوظائف التي تنسب إلى العائلة من التناسل والإشباع الجنسي والتنشئة الاجتماعية وغيرها من الوظائف الهامة التي تقوم بها الأسرة لا تمنع العائلة من التفكك والتشتت ولكن ما يحافظ عليها ويمنعها من التفكك هي حالة المبادلة التي تتم بين أفراد الأسرة . وينتج من عملية التبادل نوعين من السلع هي سلع مادية وسلع اجتماعية فالجانب المادي يشتمل على النقود والسلع أما الجانب الاجتماعي فيشتمل على الخدمات والمراكز والتعاون والمحبة التي تربط بين الأفراد ([39]).

ويرى الكثير من أنصار هذه النظرية التمييز بين المبادلات الاجتماعية والمبادلات الاقتصادية ويعتبر العالم مالينوفسكي أول من أشار إلى هذا التقسيم.

وقد اعتبر العالم مالينوفسكي أن الدوافع الاقتصادية ليست لها قيمة في مجال التبادل الاجتماعي وأوضح أن قيمة السلعة المتضمنة في مجال التبادل الاجتماعي سواء كانت أساور أو عقود هي قيمة رمزية ومادية حين تدور هذه النظرية حول ما تمثله بين الماضي والمستقبل وليست ما تستحقه السلعة في ذاتها . ومن هنا فإن مالينوفسكي ينكر قيمة الدوافع الاقتصادية في مجال التبادل الاجتماعي . حيث يرى أن سلع التبادل الاجتماعي ذات قيمة رمزية فقط . وأن وظيفتها تتمثل في إيجاد التعاون والتساند والتضامن الاجتماعي بين الأفراد والجماعات المشتركة في عمليات التبادل الاجتماعي ([40]). فيعتبر التبادل والتزاور والمساعدة في وقت الحاجة عوامل تعمل على تقوية التماسك الاجتماعي بين الجماعات . فنظام التبادل يتخلل البناء الاجتماعي ويمكن بذلك اعتباره شبكة اجتماعية تشد أجزاء المجتمع بعضها إلى بعض وتجعلها في حالة رائعة من التعاون والتساند ويظهر ذلك بوضوح في المجتمعات البدائية التي تتميز بالبساطة بكل نظمها حيث أنها تقوم بالتبادل عن طريق صور ومظاهر كثيرة منها تبادل فائض الإنتاج ([41]).

صورة تبادل فائض الإنتاج :

إن الفائض خضع في استهلاكه إلى حركة تبادلية ليس فقط بين أفراد المجتمع العشائري الواحد ، ولكن بين أبناء ذلك المجتمع وأبناء مجتمعات قبلية أخرى واتخذت هذه الحركة التبادلية لفائض الإنتاج الصور التالية على مر العصور .

أولاً الهدايا :

وغالباً ما ارتبطت هذه الهدايا بالمواسم والأعياد وغيرها من المناسبات فالهدية تعتبر في نظر المهدي والمهدى إليه ديناً واجب الوفاء .

ولم يقتصر دور الهدايا على النواحي المادية فقط بل امتد أثرها إلى الروابط والصلات الاجتماعية حيث أن تكرار المناسبات ومواسم الهدايا سواء من حيث الأخذ أو العطاء قوى الصلات العشائرية .

ولم يكن تبادل الهدايا غنماً كله ، فصفة الإلزام التي صاحبتها جعلتها واجبة الأداء وأن نظام الهدايا الملزمة كان في أصله نظاماً دينياً مقدساً من هنا جاءت صفة الإلزام ([42]).

ثانياً : المقايضة :

وهناك نوع آخر من التبادل وهو المقايضة التي تميزت بها المجتمعات البدائية وكانت هذه الظاهرة منتشرة إلى وقت قريب ولكن هذا النظام فقد الكثير من أهميته بتعدد الحاجات الاقتصادية .

وكان للمقايضة كثيراً من الآثار منها أنه قضى على الإلزام الذي كان موجوداً في الهدايا الملزمة ومنح الحرية للأفراد والجماعات كما شجع على ظهور الكثير من التخصصات التي اعتمدت على ما يتوفر في البيئة المحلية وعند الجماعات البدوية . وأدى تحسين الفائض إلى صعوبة الاعتماد على نظام المقايضة وحده كأساس للتبادل السلعي([43]) .

ثالثاً : النقود :

أن النقود تؤدي وظائف محددة فقط في المجتمعات الغربية لأنها تمثل معياراً واحداً للقيمة بالنسبة لكل أنواع السلع ولكن انعدام النقود في المجتمعات البدائية لا يعني أنه ليس هناك بديل لها . ففي كثير من جماعات الهنود الحمر في كاليفورنيا نجد العقود الصدفية تمثل قيمة محددة أو مقننة نسبياً ويمكن تخزين هذه العقود بوصفها ثروة متراكمة ثم استخدامها في شراء بعض أنواع السلع الأخرى .

وفي مناطق أخرى من العالم تستخدم الأسنان أو الأصداف الصفراء في أغراض مماثلة . أما عند قبائل التيف فأن قضبان النحاس الأصفر تمثل نقوداً ذات غرض محدد . وفي أمريكا الوسطى كانت حبوب الكاكاو والرؤوس النحاسية تستخدم كأساليب للتبادل ([44]).

تعتبر النقود وسيطاً عادلاً في عملية التبادل أو عملية الشراء حيث في إمكان أي فرد أو جماعة أن يشتري ما يلزمه أو يبيع ما هو في غنى عنه . ونظراً لما تتمتع به النقود – كوسيط – من مميزات وهي ثباتها النسبي في تقدير الأشياء من جهة ، وفي قبول طرفي عملية الشراء لها من جهة أخرى وسهولة حملها ، تعطيها قوة شرائية كبيرة يمكن بواسطتها الحصول على كميات كثيرة من السلع ، وأيضاً سهولة حفظها وعدم تعرضها النسبي للتلف يمكن من الاحتفاظ بها لفترات طويلة دون أن تتلف أو تفقد كما أن النقود وسعت نظام التبادل ، حيث لم يعد مقصوراً على الأفراد والأسرات العشائرية وحدها بل امتد هذا التبادل حتى شمل جماعات ومجتمعات محلية وقومية وعالمية أخرى ([45]).

وظهر الاستقرار في المجتمعات البدائية وأصبح هناك درجة من الكفاية الزراعية وفائض الإنتاج وأصبح الأفراد أكثر حرية في تنمية حرفهم ومهاراتهم .

وظهرت التجارة وتختلف كل الاختلاف عن الأسلوب المتبع في المجتمعات المتقدمة ويتمثل ذلك في إهداء فائض المحصول للأقارب والمعارف ([46]).

وظهر نتيجة لذلك الكثير من النظم الاقتصادية الخاصة في بعض المجتمعات ومن تلك النظم ظهور البوتلاتش عند مجتمعات الهنود الحمر في الجزء الشمالي الغربي من أمريكا وظهور نظام الكولا عند السكان المالينزيين ([47]).

وقبل الانتقال إلى المجتمعات الحديثة نرى أنه من الجدير تلخيص الأفكار السابقة . لا يوجد مجتمع بدون تقسيم عمل ، فهناك تقسيم العمل الطبيعي الذي يقوم على النوع والعمر وهناك تقسيم العمل الحقيقي الذي يعتمد على التكنولوجيا المعقدة بحيث يسمح بوجود تخصص وإنتاج فائض يمكن تبادله ., ففي المجتمعات التي لا يوجد فيها تقسيم عمل حقيقي نجد أن التجارة الداخلية والخارجية لا تتطور إلا بشكل بطئ حيث تتخذ شكل تبادل الهدايا أو التبادل الرسمي . وعندما يصبح هناك فائض تتخذ هذه المجتمعات طرقاً خاصة لإعادة التوزيع ([48]).

وترتبط التجارة الخارجية الواسعة أو تطور الأنساق الإقليمية ارتباطاً واضحاً بتقسيم العمل الحقيقي . أما المجتمعات المنعزلة ولديها تجارة داخلية معقدة فإنها لا تعرف سوى تجارة خارجية محدودة.

التبادل الاقتصادي في المجتمعات الحديثة :

مع تطور المجتمعات وتطور نظام التجارة والاقتصاد أصبح التبادل يأخذ شكلاً مختلفاً عن السابق أي عن شكله في المجتمعات البدائية. فبدخول النقود بمعناها الحديث أصبح التبادل مختلفاً وطغت عملية الربح والكسب الشخصي في هذه العملية . وأصبحت التجارة عملية اقتصادية بحتة تخلو من العلاقات الشخصية الحميمة وانعدمت المكاسب الاجتماعية التي كان البدائيون يبحثون عنها أو يحاولون الحصول عليها في عمليات التبادل .

وهناك شكلان من أشكال التجارة في الاقتصاد الحديث وهي التجارة الداخلية والتجارة الخارجية . فالتجارة الداخلية تتم بين التجار داخل المنطقة التي يسكنون فيها . أما التجارة الخارجية فتقوم بين التجار في منطقة ما والتجار في منطقة أخرى حيث يذهب التاجر ببضاعته إلى منطقة أخرى ويتاجر فيها حتى يحصل على الأموال . ويدخل في هذه العملية الاقتصادية الحديثة الكثير من العوامل مثل:

مظاهر التبادل الدولي :

إن العلاقات الاقتصادية بين الدول تكون على شكلين إما أن تكون على شكل واردات أو صادرات .

ولا تقتصر العلاقات الاقتصادية بين الدول على مجرد تبادل السلع والخدمات ولكنها تتعداها إلى بعض عوامل الإنتاج .

ومن أهم عوامل الإنتاج رأس المال الذي ينتقل إما على شكل استثمار أو تقوم به المؤسسات ، وأما ينتقل على شكل قروض تمنح من دولة لأخرى([49]).

ولكي نتعرف على أهمية التجارة الدولية لابد أن نطلع على إحصائيات من حيث كميات السلع المستوردة أو المصدرة . وكذلك التعرف على أصل السلعة أي البلد الذي صدرت منه الواردات .

فالباحث لا يستطيع المقارنة بين إحصائيات التجارة الخارجية بين دولة وأخرى وخاصة من حيث التعاون الزمني والتعاون في الوزن وكذلك قيمة السلعة الواحدة([50]).

وللتجارة منافع كثيرة حيث يحقق البلد الذي يدخل في عملية التجارة دخلاً كبيراً نتيجة لبيع صادراته والسلع بأسعار عالية . والحصول على الواردات من الدول الأخرى بسعر منخفض وبواسطة التجارة أيضاً تحقق الدولة مزيدا من التوازن . وهكذا فإننا نلاحظ أن قيام التجارة بين بلدين يسفر عن زيادة مستوى الإشباع الاستهلاكي من نفس القدر من المواد ([51]).

الخلاصة :

يرتبط التبادل بوجود التجارة وبتقسيم العمل والتخصص في الإنتاج . وقد كان النمط السائد للتبادل في المجتمعات القديمة هو التبادل المتكافئ حيث يتم تبادل سلعة بسلعة أخرى تساويها في القيمة وإذا لم تساويها فإن المهدي إليه يحاول تعويضها بسلع أخرى إضافية ([52]).

ويتصل التبادل بظاهرة هامة من الظواهر الأخلاقية والاجتماعية وهي تبادل الهدايا ويترتب على هذا التبادل نتائج اقتصادية وسياسية واجتماعية في الحياة الجماعية ([53]).

وقد يبدو لنا أن ظاهرة تبادل الهدايا ظاهرة اقتصادية ولكن مارسيل موس ينظر لها من زاوية اخرى ، فهو يرى أن ظاهرة التبادل كما استعرضناه في الكولا واليوتلاتش . الولائم والاعياد وغيرها ترجع إلى مبدأ كامن في قرار العقل البشري . وهو مبدأ الاخذ والعطاء وهذا المبدأ يمثل الاساس لعلاقات التماسك بين الأفراد والجماعات ([54]).

_____________

([25]) الحسيني ، حسن أحمد ، 1410 ، تطور النقود في ضوء الشريعة الإسلامية مع العناية بالنقود الكتابية ، 19.

([26]) فاروق مصطفى اسماعيل ، التغير في المجتمع الصحراوي. دراسة انثروبولوجية في منطقة امتداد مربوط .

([27]) رشوان ، حسين أحمد 1979 الانتثروبولوجيافي المجال التطبيقي ، المكتب الجامعي الحديث ص149.

([28]) أبو زيد ، أحمد ، مرجع سابق ، ص 226.

([29]) بيلز ، رالف وهاري هوبجر ، ترجمة الجوهري والحسيني 1976 مقدمة في الانثروبولوجيا العامة ، الجزء الأول ، نهضة مصر للطباعة والنشر ، ص 428.

([30]) بليز ، رالف وهاري هوبجر ، نفس المرجع ، ص428.

([31]) غانم عبد الله 1993 ، علم الاجتماع الاقتصادي في دراسات المسلمين ، المكتب الجامعي الحديث، ص 18.

([32]) غانم عبد الله ، مرجع سابق ذكره ، ص 19.

([33]) سعفان ، حسن ، شحاته ، 1975 ، تاريخ الفكر الاجتماعي دار النهضة العربية ، ص25-257.

([34]) نفس المرجع ، ص 256-257.

([35]) غانم عبد الله ، مرجع سبق ذكره ، ص 119.

([36]) نفس المرجع ، ص 122.

([37]) الخشاب ، أحمد ، التفكير الاجتماعي ، دار النهضة العربية ، ص 311-312.

([38]) غانم عبد الله ، مرجع سابق ، 28.

([39]) غانم عبد الله ، مرجع سبق ذكره ، ص219.

([40]) أبو زيد ، أحمد ، مرجع سابق ، ص 246-247.

([41]) غانم عبد الله مرجع سابق ذكره . ص 215.

([42]) الفوال ، صلاح مصطفى ، 1974 ، البناء الاجتماعي للمجتمعات البدوية ، دار الفكر العربي .

([43]) الفوال ، صلاح مصطفى ، مرجع سبق ذكره .

([44]) بيلز ، رالف ، مرجع سابق ، ص 451.

([45]) الفوال ، صلاح مصطفى ، مرجع سبق ذكره .

([46]) اسماعيل ، فاروق 1975 ، التغير والتنمية في المجتمع الصحراوي.

([47]) رشوان ، حسين أحمد ، 1989 ، الأنثروبولوجيا في المجال الطبيقي ، المكتب الجامعي الحديث ، ص386.

([48]) بيلز ، والف ، مرجع سابق ، ص425.

([49]) حشيش ، عادل أحمد ، محاضرات في العلاقات الاقتصادية الدولية .

([50]) حسين ، وجدي محمود ، العلاقات الاقتصادية الدولية .

([51]) نفس المرجع .

([52]) حسين ، وجدي محمود ، مرجع سبق ذكره .

([53]) موسى ، مارسل ، مرجع سابق ، ص12.

([54]) ابراهيم ، فتحية ومصطفى الشنواني ، 1988 ، مرجع سبق ذكره ، ص26.

«الأسطورة البدائية» لليفي – برول: منطق أهل اللامنطق(10)

ما هي الأسطورة؟ ما هي سماتها الأساسية؟ ما هو دورها وما هي وظيفتها في المجتمعات القديمة؟

هذه الأسئلة التي واصل المفكر والفيلسوف الفرنسي لوسيان ليفي – برول طرحها على نفسه وعلى فكره طوال ثلاثة عقود، على الأقل، من السنين، تمكن في النهاية من الإحساس بأنه وجد إجابات عنها، في الكتاب الثالث من ثلاثيته الشهيرة التي صنعت له مكانة في عالم الفكر الأوروبي خلال النصف الأول من القرن العشرين. كان عنوان الكتاب «الأسطورة البدائية» وهو صدر في سنة 1925. واعتبر صدوره في تلك السنة، استكمالاً وتطويراً، واستنتاجاً، لمجموع الطروحات والأفكار التي كان ليفي – برول نفسه، طرحها في الكتابين الأولين من هذه «الثلاثية»: «الوظائف الذهنية في المجتمعات الدنيا»، و «الذهنية البدائية». وكان الأول صدر عام 1910، والثاني عام 1922. ونذكر هنا أن كتاب ليفي – برول الأول «الوظائف الذهنية في المجتمعات الدنيا» ترجم إلى الإنكليزية عام 1926 بعنوان «كيف يفكر البدائيون؟ «ليثير ضجة كبيرة في الحلقات الجامعية الأنغلو – ساكسونية، لا سيما القديمة منها، إذ شعرت هذه على الفور ان الباحث الفرنسي إنما يرمي إلى تقسيم العقل الإنساني – أو ذهنية البشر – إلى فئتين: البدائية والغربية، معلناً أن العقل البدائي لا يمكنه التفريق بين ما هو خارج الطبيعة وما هو واقعي، إلى درجة أنه يستخدم «المساهمة الغيبية» بغية التعامل مع العالم ووجوده في هذا العالم… ناهيك بأن العقل البدائي، في نظر ليفي – برول، لا يبالي بمفهوم التناقضات. أما العقل الغربي فإنه على العكس من هذا يستخدم التأمل والمنطق. وهذا كله كان يعني، في نظر تقدميي الأنغلو – ساكسون، ان ليفي – برول هو مثل غيره من منظري الربع الثاني من القرن العشرين يؤمن بلاهوت تاريخي تطوري يقود من العقل البدائي إلى العقل الغربي. والغريب أن عالم الأناسة الكبير انانس بريتشارد، كان في ذلك الحين في مقدم منتقدي ليفي – برول، ولو عبر تأكيده على أن العقل البدائي يبالي بالتناقضات، كالعقل الغربي تماماً، ولكن بطريقة مختلفة. وفي معرض انتقاده لليفي – برول، لمّح بريتشارد يومها إلى دنو فكر الباحث الفرنسي من بعض النظريات الفاشية. غير ان برول، الذي رحل عن عالمنا عام 1939 ، رد على ذلك الاتهام حتى من قبل أن تصبح الفاشية الفكرية، ملعونة بوصفها مسؤولة عن الانحطاط الإنساني والمذابح كما تجلت خلال الحرب العالمية الثانية.

> غير ان دفاع ليفي – برول عن نفسه لم يعن انه تخلّى عن جوهر فكره المفرِّق بين العقليتين، كل ما في الأمر انه وجد لزاماً عليه ان يدلي بشيء من التوضيح. ومن هنا كانت أهمية كتاب «الأسطورة البدائية» (أو في شكل أكثر تحديداً، «الميثولوجيا البدائية»)، الذي استخدم فيه الأسطورة، على اعتبار أنها العنصر الأكثر تعبيراً عن العقلية البدائية، لتأكيد فكرته، ومن ثم تخليصها من أية شائبة قد تربطها بفكر غربي فاشي التوجه.

> من أجل الوصول إلى هذا الهدف انكبّ المؤلف على دراسة بعض الأمثلة المستقاة من الأساطير البدائية لدى العديد من الشعوب، وبخاصة لدى الاستراليين القدامى ولدى النيوغينيين. ومنذ بداية كتابه أوضح ليفي – برول انه لا يتوخى وضع كتاب في تاريخ الأديان أو في تاريخ سوسيولوجي لتلك المناطق. بل أوضح بداية ان هدفه انما هو «الدنو من الميثولوجيا البدائية في علاقاتها مع الطبيعة، وفي توجيهها للذهنية الخاصة بـ «البدائيين». وهو، انطلاقاً من هذه الرغبة، وصل إلى طرح الأسئلة العديدة المرتبطة بالأسطورة، والتي جاءت في مفتتح هذا الكلام. وفي معرض محاولة الباحث الإجابة عن هذه الأسئلة، استند أساساً إلى كتابات سلفه الكبير دوركهايم، وكذلك إلى نظرياته هو الخاصة المتعلقة بما سماه في كتابه السابق «الذهنية البدائية»، حتى وان كان قد واصل، وحتى في نصوص الأخيرة التي نشرت عشر سنوات بعد وفاته في عنوان «كراسات ليفي – برول» (1949)، تسميتها في سياق النصوص «الذهنية الما – قبل – منطقية»، وذلك بالتعارض مع وصفه الذهنية الغربية اختصاراً بـ «الذهنية المنطقية». إن أول ما أكده الباحث في كتابه الجديد، إذاً، بعد تعريفه الأكاديمي للأسطورة، إنما هو سرية هذه الأسطورة. فهي لا تكون أبداً مشاعة ومتداولة، بل إن عجائز القوم هم الوحيدون الذين يمتلكونها ويمتلكون تفسيرها وربطها بحركة الناس اليومية طقوساً وعادات وأدياناً وما شابه. علماً بأن «القبيلة كلها ستفنى وتهلك إذا ما دُنست الأسطورة… لأن الأسطورة حين تُدنس، تبتذل وتفقد بالتالي أساس قوتها الفاعلة». ومن هنا التأكيد التالي على ان الأسطورة مقدسة. وهي مقدسة بخاصة لأنها جزء من التبجيل – والعبادة بالتالي – الذي «يحيط بالمعارف الفوق طبيعية التي يكتسبها المرء خلال نومه من خلال رؤى الأحلام»، بحسب تعبير ليفي – برول نفسه. وانطلاقاً من هنا تمكن ملاحظة كيف ان الباحث يلاحظ من فوره أن المصدر الأول والأوثق للأسطورة إنما هو الحلم، الذي يتوازى في هذا مع كل ما هو فريد وغريب في الطبيعة أو خارجها، هذا الفريد الغريب الذي غالباً ما تكون له دلالة رمزية معينة يمكن الحكماء تفسيرها وتحديدها، ما يجعلها بسرعة جزءاً من الأسطورة. وهنا لا يفوت ليفي – برول أن يؤكد لنا ان القوى الخارجة عن الطبيعة ليست شخصية ولا هي غير شخصية في الوقت نفسه، بيد أن «الخلط والعجز عن التحليل اللذين تتميز بهما الذهنية البدائية تمنعان الفصل بين هذه القوى اللاطبيعية، وبين مجريات الحياة اليومية للناس، أي عالم الخبرة الدنيوية»، بحسب التعبير العلمي الذي يستخدمه ليفي – برول. وبهذا، يكون صحيحاً أن عالم الخبرة الدنيوية اليومي، وعالم القوى الفوق طبيعية، عالمان متمايزان. غير ان الذهنية البدائية تكون عاجزة عن إدراك ذلك التمايز. وبالتالي ينشأ الشعور بأن التمايز لا يعني الانفصال ويكون العالمان متصلين ببعضهما البعض على رغم تمايزهما. أما الأسطورة فإنها تتنطح هنا لتؤمِّن عملية العبور من عالم إلى العالم الثاني، موحدة بينهما، كجزء من الحياة نفسها. حتى وإن كان من المنطقي القول إن الأسطورة لها، على أي حال، زمنها الخاص وحيزها الخاص. ما يصنع حالاً من الخروج عن الزمان والمكان اليوميين، للدخول في حال من الزمان والمكان المرتبطين بالأسطورة وقد أضحت الصورة الرمزية – إنما اليومية – في التعامل مع الكون.

> طبعاً قد يبدو هذا التحليل كله، اليوم، جزءاً أساسياً من التعامل الأكاديمي مع اليومي والدراسات الأنثروبولوجية المعمقة، حتى من دون ان تسمه أية أبعاد إيديولوجية وأحكام مسبقة. لكنه خلال الربع الثاني من القرن العشرين، في أزمان كانت لا تزال استعمارية يتم فيها الحديث العنصري من دون ان يتخذ أية سمات عنصرية بعيدة المدى والمفعول، كان مثل هذا الكلام يثير سجالات وصراعات. ولوسيان ليفي – برول (1857 – 1939) أثار طوال حياته الكثير من السجالات والصراعات، التي أدلجت فكره، وغطت تماماً على قيمته العلمية التي اتسمت بتجريبية ميدانية مميزة. مهما يكن فإن خصوم ليفي – برول أنفسهم اعترفوا له، لا سيما في نهاية حياته الطويلة بأهميته في مجالات التقريب بين علم الاجتماع وعلم الأعراق وعلم النفس وذلك من خلال كتبه التي نالت شهرة كبيرة – على قلة عددها – وترجمت إلى لغات عدة. ومن بين هذه الكتب، إضافة إلى ما ذكرنا: «الروح البدائية» (1927) و «الما فوق طبيعي والطبيعة في الذهنية البدائية» (1936) و «التجربة الصوفية والرموز لدى البدائيين» (1938).

مسوغات تعدد الزوجات عند العرب والشعوب القديمة(11)

تشير الحقائق التاريخية الى أن الإنسان البدائي لم يكن يعرف الزواج بمفهومه الشعبوي، وكان يعيش في فوضى جنسية، مثله مثل الحيوان. وحتى تاريخ قريب لم تكن فكرة الزواج لدى السكان في عدد من المناطق في افريقيا وأميركا اللاتينية، واردة في رؤوسهم، ولم يستسيغوها كناظم لحياتهم الاجتماعية. ولكن هذا الأمر زال في مرحلة مبكرة من التاريخ الإنساني عند شعوب عديدة، وحل محله بالتدريج علاقات زوجية، كانت فيه المرأة هي رب الأسرة، وهي التي تتزوج رجلاً أو أكثر، وكان الزواج تجريبياً خالصاً، بمعنى أن كلاً من الزوجين له الحق في فض العلاقة الزوجية متى شاء.

فعلى سبيل المثال كانت النساء في قبيلة “بايلا” الإفريقية ينتقلن من رجل الى رجل، ويتركن زوجاً لينتقلن الى زوج آخر بمحض اختيارهن. والفتيات اللائي لم يتجاوزن العشرين من أعمارهن، تجد للواحدة منهن، في كثير من الحالات، أربعة أزواج او خمسة كلهم أحياء.

وهناك حالات قليلة عند بعض القبائل البدائية لزواج جماعي.. بمعنى أن تتزوج طائفة من الرجال ينتمون الى جماعة من طائفة من النساء تنتمي الى جماعة أخرى، بحيث يكون الزواج جمعياً بين الطائفتين. وفي منطقة “التبت”، على سبيل المثال، كانت العادة أن تتزوج طائفة من الأشقاء طائفة من الشقيقات، ويحق لكل رجل أن يعاشر كل إمرأة.

فما الذي حدا بالناس أن يستبدلوا بالحالة البدائية، التي كان الزواج فيها أقرب شيء الى الفوضى زواجاً فردياً؟

مما لا شك فيه أن الشهوة الجسدية، ليست هي التي دفعت الناس الى نظام الزواج، لأنك لا تجد في الكثرة الغالبة من الشعوب الفطرية، الا قليلاً من القيود المفروضة على العلاقات الجنسية قبل الزواج. ولأن الزواج، بكل ما فيه من قيود، يستحيل عليه أن ينافس مشاعية الجنس، اذن فلا بد أن يكون الدافع الى الزواج وتطوره عوامل اقتصادية قوية الأثر، ارتبطت بنشأة نظام الملكية.

وجاء الزواج الفردي نتيجة لرغبة الرجل في أن يجد لنفسه امرأة تخدمه، وتلد له أطفالاً يرثونه عند مماته. وظهر من حالات الزواج حالة تبيح للعشير أن يتعدد عشراؤه، فاتخذت صورة تعدد الأزواج للزوجة الواحدة، كما مر معنا، وهي عادة ظهرت حينما زاد عدد الرجال على عدد النساء زيادة كبيرة، لكنها عادة سرعان ما تنتفي على يد الرجل، ولم يعد يُرى من نظام تعدد العشراء للعشير الواحد، الا احدى صورتيه، الا وهي تعدد الزوجات للزوج الواحد.

وهنالك أسباب عدة عملت على تعميم هذا النظام ونشره، لعل أوله أن حياة الرجال في المجتمع البدائي كانت أشد عنفاً وأكثر تعرضاً للخطر بسبب اضطلاعهم بالصيد والقتال، ولذا زاد الموت في الرجال عليه في النساء. واطّراد الزيادة في عدد النساء وضع أمام المرأة اختياراً بين حالتين: فإما تعدد الزوجات للرجل الواحد، وإما عزوبة عقيمة، لكن مثل هذه العزوبة للمرأة لا تنظر اليها بعين الرضى شعوب تريد نسبة عالية من الولادات تقابل بها نسبة عالية من الوفيات، ولذا ترى أمثال تلك الشعوب تزدري المرأة العانس العقيم. وثاني هذه الأسباب هي أن الرجال يميلون الى التنوع. كذلك يحب الرجال أن تكون زوجاتهم في سن الشباب، بل إن النساء أنفسهن يحبذن تعدد الزوجات، حتى يباعدن بين فترات الولادة، دون أن ينقصن عند الرجل شهوته وحبه للنسل. وأحياناً ترى الزوجة الأولى، وقد هدها عبء العمل، تشجع زوجها على الزواج من امرأة ثانية حتى تقاسمها مشقة العمل، وتلد للأسرة أطفالاً يزيدون من انتاجها وثرائها. فالأبناء عند هؤلاء الناس كسب اقتصادي، والرجال ينتفعون من النساء كانتفاعهم من رأس المال، يستولدونهن الأبناء، الذين يقابلون الربح في رأس المال.

ففي الأسرة الأبوية لا تكون الزوجة وأبناؤها الا بمنزلة العبيد لرب الأسرة، وهو الرجل. وكلما ازداد الرجل زوجات ازداد مالاً. وكان الفقير في المجتمعات البدائية يتزوج من زوجة واحدة، لكنه كان ينظر الى ذلك نظرته الى وصمة العار، وينتظر اليوم، الذي يعلو فيه الى المنزلة العالية، التي ينزلها صاحب الزوجات الكثيرة في أعين الناس.

ومما لا شك فيه أن تعدد الزوجات لاءم حاجة المجتمع البدائي أتم ملاءمة، لأن النساء فيه يزدن عدداً من الرجال. وقد كان لتعدد الزوجات فضل في تحسين النسل، أعظم من فضل الزواج من واحدة، ولهذا استطاع أن يطول بقاؤه بين الشعوب البدائية كلها تقريباً، بل ويتطور مفهومه في وقت لاحق… ولم يبدأ بالزوال عند بعض الشعوب، الا في عصرنا الحاضر، لأنه قد تضافرت على زواله بعض العوامل، فجباية الزراعة المستقرة حدّت من عنف الحياة، التي كان يحياها الرجال، وقللت من أخطارها، فتقارب الجنسان عدداً، وأصبح تعدد الزوجات المكشوف، حتى في الجماعات البدائية، ميزة تتمتع بها الأقلية الغنية وحدها. أما سواد الناس فلا يجاوزون الزوجة الواحدة، بينما ترى أقلية أخرى آثرت العزوبية، راضية أو كارهة، فعادلت بهذا الامتناع ما يستولي عليه الأغنياء من زوجات كثيرات. وكان عدد الجنسين كلما اقترب من التعادل زادت الغيرة في الرجل على زوجته، والحرص في الزوجة على زوجها، لأنه لما كان العدد قريباً من التساوي في الجنسين تعذر على أقوياء الرجال أن يعددوا زوجاتهم، لأنهم في مثل هذه الحالة لا يجدون كثرة من الزوجات، الا إذا اغتصبوا زوجات الآخرين، أو من سيكن زوجات للآخرين. وفي هذه الحالة يتعذر تعدد الزوجات، الا أنه لما ازداد تراكم الثروة في أيدي بعض الرجال، وخشية هؤلاء من أن يبعثروا ثروتهم في توريث عدد كبير من الأبناء لا يصيب الواحد منهم قدراً ضئيلاً، آثروا أن يفرقوا بين الزوجات، (زوجة “رئيسية” ومحظيات)، حتى لا يقتسم الإرث إلا أبناء الزوجة الرئيسية. ولبث الزواج على هذه الحالة، في بعض مناطق آسيا، حتى بدايات القرن العشرين، ثم أصبحت الزوجة الرئيسية بالتدريج هي الزوجة الواحدة. وأما المحظيات فقد تعرضن لإحدى حالتين، فاما بقين خليلات وراء الستار، واما صرف النظر عنهن، وذلك فضلاً عن أثر المسيحية، حين دخلت عاملاً جديداً فجعلت نظام الزوجة الواحدة، بدل تعدد الزوجات هو النظام الذي يرتضيه القانون.

ومهما يكن أمر الصورة، التي يتخذها الزواج فقد كان اجباراً بين الشعوب البدائية كلها تقريباً، ولم يكن للرجل الأعزب منزلة في المجتمع. كذلك كان اجباراً على الرجل أن يتزوج من غير عشيرته. وغير معروف ان كانت هذه العادة نشأت لأن العقل البدائي داخله الشك فيما يترتب عن زواج الأقارب من مشاكل صحية، أو لأن التصاهر بين الجماعات أوجد تحالفاً سياسياً مفيداً بينها، وبهذا ازداد التنظيم الاجتماعي تقدماً، وقلل من أخطار الحروب. وعلى كل حال فقد كان هذا التحديد في اختيار الزوجة عاملاً شاملاً لكل الجماعات الأولى تقريباً، الا انه على رغم أن الفراعنة والبطالسة، والانكا في أمريكا اللاتينية، حطموا هذا النظام بإقبالهم على زواج الأخ بأخته، الا أنه ظل قائماً بين الرومان، كما اعترف به القانون الحديث في بداية القرن العشرين، وهذا التقليد لا يزال له أثره في سلوكنا- عن شعور أو لا شعور- حتى يومنا هذا.

* * *ومبدأ تعدد الزوجات عند العرب كان سائداً في العصر الجاهلي، وفي المرحلة، التي سبقت ظهور الإسلام. وهو مبدأ ينسجم ويتوافق مع النظام الأبوي، الذي كان يسود القبائل الرعوية، على وجه العموم. وأعطى نظام الأسرة البطريركية في المجتمع القبلي، وفي الأسرة العربية الأولوية للرجل (الزوج) وبوأه مركز السيادة، كربّ للأسرة. فكان يملك عدداً من الزوجات الحرائر، بالإضافة الى السراري.

هذا الواقع جعل من الزوجة مملوكة ومسودة، واجتث من نفسها أي شعور بالاعتداد أو المكانة، أو حتى أي احساس بالكينونة والتميز في محيط الأسرة، وغرس فيها بذور الاستكانة والاستسلام والطاعة والتبعية المطلقة والرضى بالوظيفة، التي حددها لها الزوج، وهي المتعة الجسدية والأنسال، الى جانب الخدمة وتربية الأطفال.

لقد عرف عن العربي، في الجاهلية، ولعه بالنساء وعدم استساغته لمبدأ تحديد عدد الزوجات. ولما جاء الإسلام عمل على تعميق عملية تحويل النظام الاجتماعي بقضائه على بقايا النظام الأمومي، وتأكيد النظام الأبوي، فاحترم رغبة العربي واحتواها، وأقر تعدد الزوجات المشروط كما ورد في القرآن: “وان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا” (سورة النساء – الآية3).

وهناك من المفسرين للآية السابقة من قال ان مفهوم التعدد في هذه الآية مطلق وغير محدد، ولا يعني الوقوف عند أربع زوجات فقط. لأن صيغة ما طاب لكم من النساء تفيد العموم، وان “مثنى وثلاث ورباع” كلمات معدول بها عن أعداد مكررة الى غير نهاية، ذكرت بعد صيغة العموم، على سبيل البيان بالمثال، لا على سبيل التحديد، وان مجيئها على الوجه المذكور يفيد رفع الحرج عن المسلم في زواج من شاء من النساء الى غير حد. بينما ذهب مفسرون آخرون الى أن مثنى وثلاث ورباع يفيد الجمع، وهو تسع، فيباح للرجل أن يجمع بين تسع زوجات، وحجتهم في ذلك أن النبي محمد جمع بين تسع.

ولكن ما أكد عليه معظم المفسرين هو حصر التعدد في الاكتفاء بأربع زوجات من الحرائر في وقت واحد، وبعدد لا حصر له من ملك اليمين (أي الجواري).

ومع ذلك استطاع الرجل العربي الإفلات وتجاوز قيد تعدد الزوجات، وحصره بأربع. وجاء نجاحه في التخلص من هذا القيد عن طريق الزواج والطلاق كوسيلة للتعدد. حيث أكدت النصوص الشرعية على حق المسلم في أن يطلق ويتزوج ويطلق ويتزوج الى ما شاء، شرط ان لا يجتمع لديه في وقت واحد أكثر من أربع زوجات. لذلك وجدنا بين المبشرين بالجنة وعدداً من الصحابة والتابعين وغيرهم من تزوج أعداداً وفيرة من الزوجات، بخلاف ملك اليمين، وكان في مقدمتهم الخلفاء الراشدون.

فعلى سبيل المثال تزوج أبو بكر الصديق أربعاً من النساء (اثنتين في الجاهلية، واثنتين في الإسلام). وتزوج كل من الخلفاء: عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، تسع نساء.

غير أن عدوى مبدأ تعدد الزوجات، في عهد الخلافة الإسلامية، استشرى في شكل واسع يدعو الى الاستغراب ويلفت النظر، حيث وصل الى حدود المبالغة وفاق كل تصور. فقد قيل –حسب د.سليمان حريتاني في كتابه “الجواري والقيان في المجتمع العربي الإسلامي”، نقلاً عن تاريخ الخلفاء للسيوطي- ان الحسن بن علي تزوج من 90 امرأة خلال عمره، الذي بلغ خمسين عاماً، وقيل ايضاً ان الوليد بن عبد الملك “كان كثير النكاح والطلاق، يقال انه تزوج ثلاثاً وستين امرأة غير الإماء”.

ويروي ابن الأثير: “ان مجد الدولة البويهي، ملك الري، تجاوز حدود الشرع في تعدد الزوجات فجمع بين خمسين امرأة حرة”.

وعلى الرغم من المسوغ الشرعي لمبدأ تعدد الزوجات وملك اليمين، الا أنهما كانا معولاً عمل على زعزعة أسس العلاقات الأسرية السوية. وقد بدأ المجتمع الإسلامي يلفظه تدريجياً، على رغم مغريات المتعة الشرعية الذكورية، حتى غدت العلاقة الأسرية الأحادية هي السمة الغالبة لمنحى التطور الأسري الحالي عند المسلمين، وقد أدرك الرجل المسلم، عموماً، أن الاقتصار على زوجة واحدة يعني توازن الحياة الأسرية وانضباطها واستقرارها وصفاءها على الصعد كافة.

ونجاح الحياة الأسرية يعنى تأكيداً للذات في مجتمعيتها، ما يساعد أكثر فأكثر على بناء المجتمع الأفضل وتغذيته بكل ما هو ايجابي ومثمر، ويسهم في تحديد هويته الاجتماعية، لأن العلاقة الزوجية ليست مجرد اتصال جنسي بهدف المتعة فقط، بل عبارة عن مؤسسة تشمل المجتمع بأسره.

…………………………………………………………………..

المصادر/

1- ويكي الكتب

2- موجز الفنون والمدارس والاتجاهات الفنية البدائية والقديمة والمعاصرة ./ التذوق والنقد الفني /د.احمد رفقي

3- أ.د.علي أسعد وطفة/ جريدة الاسبوع الادبي السورية/ العدد 915 تاريخ 10/7/2004

4- نجم الدين سمان / مجلة معابر

5- غالب الشابندر/ موقع البلاغ

6- موقع ابناء مصر

7- الدكتور جميل حمداوي/ منتديات واتا الحضارية

8- موسوعة الماركسية

9- موقع الهدية

10- ابراهيم العريس/ جريدة الحياة اللندنية

11- نعيم ناصر/ موقع الطريف

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий