Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > بشر مهدورون… وشوكولا ساخنة

بشر مهدورون… وشوكولا ساخنة

الاثنين 17 كانون الثاني (يناير) 2011

بقلم: محمد غيث الحاج حسين

يعتقد الكثير من الناس في الوقت الحاضر أن العبودية انقرضت منذ زمن بعيد، ولت وغارت مع أمراض وأوبئة طالما فتكت بالإنسان كالكوليرا والطاعون وغيرها. والعبودية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالمجتمعات البشرية في تحاربها وتقاتلها فيما بينها على الأرض والغذاء ومصادر المياه فكان الأسرى والمهزومون من وسائل الإنتاج الفاعلة في خدمة المنتصرين. ثم صارت سمة ملازمة لأنماط الإنتاج التي سادت العالم القديم، وفق التقسيم الماركسي التقليدي، واستمرت حتى النظام الإقطاعي الذي صار فيه العبيد أقناناً يعملون في الأرض ويقدمون للإقطاعي كامل نتاج عملهم مقابل وجودهم على أرضه ورعايته لهم. في هذه المراحل من التاريخ القديم والوسيط كانت ملكية البشر للبشر بوصفهم وسائل إنتاج وأدوات عمل، شائعة وعامة، ينحدر من خلالها العبيد إلى مرتبة دنيا في التسلسل الاجتماعي والاقتصادي تضعهم بمستوى أشياء ومقتنيات يمكن امتلاكها وبيعها وتوارثها والاستفادة من إنتاجها وجهدها.

اليوم وفي ظل أعلى مراحل الرأسمالية : الإمبريالية، والنظام العالمي الجديد بقطبه الواحد، اكتست العبودية حلة جديدة مختلفة عن العصور السابقة. وهي موضوع الكتاب الجديد الصادر عن دار قدمس بعنوان “بشر للرمي (disposable people)” لمؤلفه كيفن بيلز وفيه يرسم الكاتب صورة قاتمة ومخزية لجحيم بشري حقيقي يمتد بكامل أبعاده على مناطق واسعة من العالم. ما يلمسه القارئ مباشرة ومنذ الصفحات الأولى من الكتاب هو ايمان المؤلف واخلاصه المتفاني لفكرة أن العمل لمحاربة العبودية أمر مجدٍ وفعال مع أن الوضع السائد يكاد يجعل تحققه مستحيلاً. جهود الأفراد والجماعات والمنظمات الدولية مجتمعة تستطيع التخلص من العبودية والأهم من ذلك الإرادة السياسية للدول والأجهزة الحكومية بقوانينها وتشريعاتها والأهم تطبيقها “العبودية ليست خاضعة للنقاش، فيجب أن تنتهي. وهنا تحول سؤالي ماذا يمكن أن أفعله كي أنهي العبودية؟ قررت أن أستخدم مهاراتي بوصفي باحثاً اجتماعيا وبدأت مشروعاً قاد إلى هذا الكتاب” ص44.

تصل التقديرات العددية للعبيد في العصر الحاضر بحسب المؤلف إلى 27 مليون وبحسب تقديرات أخرى إلى 200 مليون إنسان. وعدد الأطفال في العالم الذين تقل أعمارهم عن أربعة عشر عاماً ويعملون أكثر من ثماني ساعات في اليوم، يتراوح بين 65 مليون و100 مليون طفل. فمن هم عبيد العصر الحديث؟

العبيد العصريون هم أفراد من رجال ونساء وأطفال، عائلات بأكملها أحياناً، تعمل في أماكن محددة (مواخير، مزارع، مناجم، غابات، خدم منازل… ) ممنوع عليهم الخروج منها وترك العمل إن أرادوا، تحت تهديد السلاح واستخدام العنف، يعملون دون مقابل تقريباً كونهم مدينين للمالك أو صاحب العمل بمبالغ تتزايد ولا تنقص ولا يستطيعون سدادها نتيجة التلاعب بالأرقام. يعيشون في ظل ظروف غير إنسانية من ناحية المأكل والمشرب والإقامة، مع عدد غير محدد من ساعات العمل اليومي الشاق. وطبعاً الرعاية الصحية غير مطروحة أصلاً للنقاش. أخيراً وليس آخراً يُلقى بالعامل – العبد خارج مكان العمل بعد سنوات قليلة من مباشرته للعمل الإكراهي الذي أجبر عليه، بسبب تدهور صحته وإصابته بالعديد من الأمراض التي تمنعه من المتابعة فينتظره مصير بائس لا يزيد كثيراً عن أي جحيم موعود . . .

المفارقة أن مقارنة سريعة بين وضع العبيد في العصور القديمة وعبيد العصر الحديث، عصر الرأسمالية المتوحشة، تظهر لصالح العبيد في العصور القديمة فحالهم أفضل بما لا يقارن. لنلق نظرة على مقارنة عقدها المؤلف في كتابه:

العبودية القديمة العبودية الحديثة

الملكية القانونية مؤكدة الملكية القانونية غير مؤكدة

تكلفة الشراء مرتفعة  تكلفة الشراء منخفضة جداً

أرباح منخفضة أرباح مرتفعة جداً

نقص في البشر الآيلين إلى عبيد تزايد في البشر الآيلين إلى عبيد

علاقات طويلة الأمد علاقات قصيرة الأمد

يتم الحفاظ على العبيد العبيد مهدورون

الفروق الإثنية هامة الفروق الإثنية غير هامة

ص 52

ما سر هذا التحول والانتقال من وضع سيء وغير إنساني أساساً إلى وضع أشد سوءاً رغم كل التشريعات والقوانين والدساتير التي ترفع عالياً شعارات حماية الإنسان وصيانة كرامته ورعاية حقوقه المشروعة؟ ربما أحد الأجوبة الأساسية يتمثل في الربحية التي يجنيها المالك أو صاحب العمل من العبيد . . . ولكن ألم تكن الربحية، متوخاة أيضاً في حسابات المالكين في العصور القديمة؟ طبعاً، ولكنها كانت سمة من سمات النظام الإقطاعي وعلاقات الانتاج السائدة فيه، أما في العصر الحديث فهي سمة الرأسمالية المتوحشة في أصعب مراحلها وقد أنتجت أبشع صور وأشكال نظم العبودية التي ترافقت مع عوامل مساعدة مثل الانفجار السكاني الهائل الذي يشهده العالم والثورة العلمية بأساليبها التقنية التي قلصت هامش فرص العمل والكسب اللائق وأخيراً نهم الرأسمالية الذي لا يشبع ليد عاملة رخيصة تقلل من التكلفة.

عبيد العصر الحديث أرقاء يغطون مساحات جغرافية هائلة من العالم اتخذ منها الكاتب نماذج وحالات قام بدراستها بتفصيل وإسهاب، عاهرات ومواخير في تايلندا، العبد بصورته الكلاسيكية في موريتانيا، عبيد الفحم في غابات البرازيل المطرية، صنَّاع الآجر في باكستان، المزارعون في الهند. في كل نموذج من هذه النماذج التي اختارها المؤلف بعناية ودقة، تتشابه الظروف والحكايات والتفاصيل. نفس الأجساد النحيلة وملامح الوجوه، موشاة بالخوف والرعب. العنف والقسوة يسقيان لجميع العبيد من مختلف الثقافات واللغات والأديان، بجرعات كبيرة حتى يفقدوا أي قدرة على التمرد والمقاومة. الأساليب ذاتها والتواطؤ ذاته بين ملاك العبيد والجهات الرسمية النافذة والنتيجة عبودية وقتل واغتصاب . . .

“إن رفاه كارولاينا الجنوبية أو اسكتلندا مرتبط بعمق برفاه شتوتغارت أو كوالامبور، والقيم الاجتماعية الحقة للبشر الكاليفورنيين أو السويديين يحدده ما تم السماح به والتغاضي عنه في مصانع تايلاند أو بنغلاديش” ص 298. جزء كبير من الحياة المرفهة والهانئة التي تحياها بعض الشعوب يستند في أساسه على عمل العبيد والأرقاء في بقاع أخرى من العالم.. أنواع الشوكولا الفاخرة، الذوابة بمذاقها الرائع.. الماس، الذهب، ببريقه الساحر يخلب قلوب وعقول الأثرياء، الورق بكل استخداماته الهامة، والكثير الكثير غيرها من ضرورات عصرنا ومستلزماته، تقوم عليها وترعاها حيوات كاملة لعائلات وأسر برجالها ونسائها وأطفالها فنيت وتفنى لتحافظ على..طزاجة كأس من الشوكولا الساخنة نشربه في لحظة متعة.

في بعض النماذج المدروسة (تايلندا، موريتانيا) تلعب الخصائص الثقافية والدينية والتقسيمات الاجتماعية، دوراً هاماً وأساسياً بحسب الكاتب في زيادة فاعلية الاسترقاق، بل وتضفي عليه مشروعية تساعد على تقويته وتدعيمه، كونها تخدم من ناحية مادية، طبقة الملاك والأغنياء وتدفع العبيد، من ناحية معنوية، إلى الاستسلام الإرادي إلى قدرهم المشؤوم يكفرون من خلاله عن ذنب يفترض أنهم اقترفوه في حياة سابقة (البوذية). عدا عن سيادة النظرة الدونية إلى المرأة في المجتمعات المدروسة، فكونها كائن لا قيمة له بالأساس، فلا بأس إذن من التضحية بها مجدداً على مذبح العبودية. “ينتاب المرء شعور بأن الحصول على فتاة هنا في هذا المكان هو مثل شراء علبة سجائر” ص 117

اللوحة ليست بهذه القتامة حقاً بل الإمكانية مفتوحة للعمل كي يتم وقف هذا النزيف الحاد للكرامة البشرية. وهذا الكتاب الذي ترجم إلى إحدى عشر لغة، لاقى صدىً واسعاً، وساهم مساهمة كبيرة في زيادة حدة النقاش والتفاعل في قضية العبودية الحديثة، وخاصة بعد إنتاج فيلم سينمائي استوحيت أحداثه من بعض فصوله. استجابة لهذا النداء الأخلاقي رفض العديد من الأفراد والجماعات في بعض الدول الغربية استخدام المنتجات والسلع التي يثبت بشكل قاطع أن مصنعيها يستخدمون العمال كعبيد. عدا عن تقديم المعونات والمساعدات للمنظمات التي تضع هذه القضية في سلم أولوياتها والتي نجحت فعلاً في الهند وموريتانيا وباكستان وغيرها من البلدان في تحرير عدد من الأرقاء من العبودية. وهي جزء من خطة عمل يقترحها الكاتب على القراء والنشطاء كي يساهموا بجهودهم المتواضعة في بناء عالم أكثر إنسانية في المستقبل.

“بشر للرمي”

تأليف: كيفن بيلز

ترجمة: صخر الحاج حسين

إصدار دار قدمس للنشر والتوزيع

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий