Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > بيار بورديو السوسيولوجي الغائب كاشف “زيف” العَقْلَنَة الغربية

بيار بورديو السوسيولوجي الغائب كاشف “زيف” العَقْلَنَة الغربية

الوعي أهمُّ من الحقيقة الموضوعية، ولا وقائع اجتماعية قائمة بذاتها.

الدولة ليست مفهوماً مقدساً، وشرعية الهيمنة ليست فعلاً حراً.

علي سالم

غيَّب الموت،  أحد كبار مفكِّري العصر الحديث: عالِم الاجتماع الكبير بيار بورديو. سقط بورديو في صراعه مع المرض… لكن فكره لا يزال، في المقابل، في أوج توقُّده – رغم ما أثاره ويثيره من مجادلات ومناقشات وخلافات؛ بل إن هذه المناظرات تدل على مدى قوة التفكير الذي يمتلكه وعظمة “الثورة الرمزية” التي أحدثها في ميادين العلوم الاجتماعية والإنسانية كافة.

كانت اهتماماته متنوعة: في العلم والسياسة والتربية والفن والأدب والموسيقى والصحافة والتلفزيون والرياضة… وعلى القدر نفسه من العطاء والفرادة. وشكَّلتْ قدراتُه ومعارفُه في مجالات الثقافة والفلسفة والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع باعث قوة وتجديد في الفكر السوسيولوجي الفرنسي.

لم يرُقْ لبورديو وصفُه بـ”الباحث الاستثنائي”؛ فحاول أداء عمل المثقف النقدي المشاكس، على غرار سارتر وفوكو، وانخرط في الصراع الاجتماعي السياسي. وهنا تُطرَح أسئلة: هل الانخراط السياسي أو الاجتماعي يؤثر في العلم إيجاباً أم سلباً؟ وهل القناعة السياسية توازي القناعة العلمية؟ وهل يوازي وزنُ الحديث السياسي وقوتُه وزنَ الحديث العلمي وقوتَه؟ إلا أن تلك التساؤلات، على أهمِّيتها ودلالاتها على التحول في الفهم العلمي لديه، لا تدفعنا إلى التقليل من أهمية الجانب العلمي في فكره أيضاً؛ ومحاولاتُ إسقاطه لمجرد الأهداف السياسية، من غير اللجوء إلى الواقع لدحض ملاحظاته، هي محاولات سياسية أكثر منها علمية.

طرح بورديو إشكاليات معينة وفرضيات عديدة، وألقى أضواء وقدَّم مساهمات مميَّزة إلى علم الاجتماع وأسلحة نظرية مهمة (مبادئ منهجية، تحديد قواعد إبستمولوجية، مفاهيم جديدة، تفسيرات، شروحاً)، وأظهر أسلوباً جديداً في الفهم، أو نمطاً جديداً من التفكير، عاملاً على نقل علم الاجتماع من مستواه النظري إلى مستوى التحليل الملموس. ورغم ذلك، ينطوي فكرُه على تناقضات وصعوبات وغموض. وبقيت عدة مسائل في إطار التساؤلات والدراسات والأبحاث للتحقق؛ إذ لم تكن الحلول المقدَّمة كلها مُرضية. بذلك لا يُعتبَر عملُه نموذجَه ومثالَه النهائيين اللذين كان يعتبرهما بعمله المتواصل في تحول مستمر. كما لم تتبلور نظريته في فراغ اجتماعي، بل جاءت في إطار اجتماعي وفكري محدَّدين (أحداث اجتماعية وسياسية وتيارات فكرية مهيمنة: الفينومينولوجيا، البنيوية، الماركسية).

تدعونا عظمة فكر بورديو السوسيولوجي إلى التوقف قليلاً عند أبرز المحطات التي طبعت مسار أعماله الإبداعية.

في إطار الفهم السوسيولوجي[1]

يتميز بورديو عن سواه من علماء الاجتماع في أنه يمثِّل رؤية جديدة في الفهم تقوم على ربط ما هو ذاتي بما هو موضوعي؛ إذ لا وجود لذاتية مستقلة في فهم الواقع الاجتماعي، كما هو الأمر لدى ماكس فيبر أو تالكوت بارسونز، ولا لموضوعية قائمة بذاتها، بحسب ما بيَّن ماركس. والحقيقة الاجتماعية، تبعاً لذلك، في حال من الصراع، وبالتالي من التغير الدائم. والحقيقة الذاتية لا تُفسَّر ذاتياً، بل على أساس ارتباطها بالحقيقة الاجتماعية، أي على أساس أنها جزء منها. والتناقضات في المفاهيم غير منفصلة عن التناقضات في الواقع الاجتماعي. يميِّز فكر بورديو أن الذاتية التي يعيد إليها الاعتبار لا تشكِّل عنصراً من الحقيقة الاجتماعية وحسب، إنما تتصف بالحركة وبالإبداع. فهي التي تهب الواقع معنى جديداً وتؤدي إلى مفاهيم جديدة. ولهذا السبب فإن المفاهيم نسبية والحقيقة غير ثابتة أو أزلية.

يقترب بورديو من ماكس فيبر حين يعيد الاعتبار إلى العنصر الذاتي الفردي؛ إلا أنه يبتعد عنه حين يربطه بالحقيقة الاجتماعية والظروف الاجتماعية. ويقترب من ماركس حين يربط الذاتي بالموضوعي على أساس جدلي، ويبتعد عنه حين لا يقر بوجود حقيقة موضوعية قائمة بذاتها. لذا، لا تُعتبَر مقاربته “توفيقية” بقدر ما هي جديدة، تدعو إلى إعادة النظر في أمور كثيرة، كما تدعو إلى مناقشات وأبحاث وآراء جديدة.

ويؤكد بورديو على صفتي النسبية والتغيير في القانون، وعلى بعده التاريخي. فعلماء الاجتماع الذين يقولون بالقانون الأبدي يتجاهلون حقيقة أن أي قانون مرتبط بوعي محدَّد وتصورات محدَّدة، وتتغير حقيقتُه بقدر ما يتغير هذا الوعي أو تلك التصورات. وذاك ما دفع بعضهم إلى اعتبار أن ماركس يمنح الحقيقة الموضوعية أهمية على حساب الوعي الذاتي؛ في حين أن بورديو يمنح الوعي أهمية على حساب الحقيقة الموضوعية. واستناداً إلى ذلك، فإن العلم، بنظر بورديو، عبارة عن قوانين ذات اتجاهات تعكس أوضاعاً في لحظات معينة. وفي هذا الموقف، يقترب من جورج غورفيتش في مقاربته التجريبية للواقع. فلكي نكون على صلة وثيقة بالحقيقة الاجتماعية علينا أن ندرك طبيعة هذه الحقيقة المتبدلة بقوانين غير ثابتة. والجديد في موقف بورديو هو دور الوعي الذاتي في إلغاء القوانين وإحداث أخرى جديدة.

فما هو الدور الجديد الذي يحاول بورديو منحَه لعلم الاجتماع؟

نظراً لأهمية المعرفة الذاتية بالقوانين في الحصول على قدر أكبر من الحرية في تغيير الواقع الاجتماعي فإن المهمة الجديدة لعلم الاجتماع تتمثل في كشف الضرورة والقَدَر والمصير، أي في كشف الظروف الاجتماعية والتاريخية للقوانين، وفي مواجهة الإرادوية غير المسؤولة المتمثلة في التأكيد على حقائق يمكن أن تكون موضع تساؤل في لحظات مختلفة، وكذلك في مواجهة العلموية scientisme أو الادعاء بكشف قوانين علمية. وعلى علم الاجتماع أن يدرك وجود طوباوية معقلنة في كل اللحظات.

ما الذي يميِّز بورديو عن ماركس أو دوركهايم في شأن فهم الوقائع الاجتماعية؟

على العكس من ماركس ودوركهايم، يعتبر بورديو أن “الوقائع لا تتكلم عن نفسها”؛ أي لا وجود لوقائع اجتماعية قائمة بذاتها؛ بل إنها على علاقة جدلية بالوعي الذاتي، أو هي حتى نتيجة خيار ذاتي، معرفي وتقويمي، أي مرتبط بالقيم والتصورات الذاتية. ويعتبر بورديو أن هذا الخيار واضح في الحقول الاجتماعية المختلفة. ولن يتقدم العلم ما لم تحصل القطيعة مع النظرة الكلِّية والشمولية للأمور، أو مع القوانين العامة التي تحدِّد فهم أي واقعة؛ إذ عليه أن يركز على خصوصية الواقعة، أي على فهمها مباشرة.

وحول المشاكل العديدة التي يعانيها علم الاجتماع وتمنعه من الترسخ كعلم، يشير بورديو إلى العائق الأساسي، بل الخطر الرئيسي المتمثل في الاتجاه نحو النبوءة. فالعلم، في رأيه، لا يعبِّر – ولا يُفترض به التعبير – عن عقائد أو مذاهب، لأن ذلك لا يكشف الواقع أو الظواهر الاجتماعية فيه، بل يعمل على تغطيته وتشويهه وإبرازه على غير ما هو عليه. وكما هو معروف، فالدعوات التنبؤية ليست أفكاراً أو مفاهيم علمية؛ إذ لم تتشكل علمياً بواسطة مناهج علمية بقدر ما تتشكل من أفكار غامضة تعبِّر عن رغبات وتصورات ومطامع وأهداف. وإلى هذه المشكلة يمكن التحدث عن تعددية المعنى والنتائج السلبية التي تفضي إليها. وموقف بورديو هذا يعبِّر عن الرغبة في محاربة المناهج التقليدية التي ما فتئت مستمرة حالياً، وفي استخدام مناهج حديثة أكثر علمية.

وهو يعتبر أنه من غير الجائز أن يتوجَّه عالِم الاجتماع إلى أصحاب العقول البسيطة ليكسب رضاهم ومودتهم وتأييدهم له. فغايته ليست المعرفة العامية البسيطة، أو المعرفة العفوية الغامضة، إنما المعرفة العلمية التي تتجاوز المصالح الضيقة. وهو يدين في شدة موقف غير الاختصاصيين من علماء الاجتماع، لأن دور عالِم الاجتماع ليس التأكيد على أفكار غامضة وحقائق مشوشة، بل كشف ما هو موجود في الواقع وقول ما هو جديد.

وهو ينتقد الفهم الموضوعي التقليدي للوقائع الاجتماعية (تيار الحتمية) والفهم الذاتي (تيار الحرية المرتكز على إرادة الإنسان ووعيه)، داعياً إلى تجاوزهما معاً، لا لمجرد الرغبة في ذلك، بل لأن الواقع يؤكد هذه الحقيقة. ويتم التجاوز من خلال الدمج بين النظرية والواقع.

وفي هذا الصدد، لا تطال اتهامات بورديو الماركسيين فقط بل ماركس أيضاً. محور هذا الانتقاد أن الاقتصاد، كعامل، غير كافٍ في تفسير الواقع الاجتماعي، لأنه لا يوجد اقتصاد بحت، أو حقيقة اقتصادية بحتة، بل ثمة حقيقة اجتماعية متعددة الجانب. ويتميِّز موقف بورديو هذا بأنه ألقى أضواء جديدة على طبيعة الوقائع الاجتماعية والسياسية، وكشف أن تشكُّلها أو تشيُّؤها لا يحصلان بمعزل عن تصورات الأفراد وتصرفاتهم حيالها – وهو الاكتشاف المهم الذي أتى به. من هنا كانت دعوته إلى رفع الشبهة الذاتية عن علم الاجتماع من خلال استخدام مفاهيم وسيطة بين الذاتي والموضوعي، أي مفاهيم تشمل المعاني الذاتية والموضوعية معاً، تصف كيف تتموضع الذاتية، أو كيف تؤدي تصورات الأفراد ومواقفهم وآراؤهم إلى تشكُّل الوقائع الاجتماعية وتشيُّؤها؛ ومن ثم كيف تستبطن الموضوعية الذات، أو كيف تؤثر الشروط الموضوعية عليها، وكيف تتشكل المعاني.

وينتقد بورديو حالة التأرجح التي يعيشها علم الاجتماع بين “النظرية الاجتماعية” من دون ركائز تجريبية، والتجريبية من دون توجُّه نظري. وهذا الجديد هو ما يميِّزه عن سواه من علماء الاجتماع. وهو يقوِّم إيجابياً مبدأ ماركس في التحليل المتمثل في فهم الظاهرة الثقافية أو الاجتماعية انطلاقاً من شروطها التاريخية والاجتماعية، وكذلك مبدأ دوركهايم في تفسير الاجتماعي بالاجتماعي.

في إطار علم الاجتماع السياسي[2]

يتميَّز بورديو، من خلال بعض النصوص التي تندرج في إطار علم الاجتماع السياسي، بجملة من الخصائص: فهو يُظهِر أسلوباً جديداً في الفهم، أو نمطاً جديداً من التفكير، يتمثل في علم اجتماع الحقل السياسي وفي استخدام بعض المفاهيم الجديدة، كمفاهيم الحقل، و”نظام الاستعدادات والتصورات” Habitus، ورأس المال الرمزي، ورأس المال الثقافي، والأهلية السياسية، والتجريد السياسي، والتشيُّؤ (التيمية) السياسي، وفي البحث عن نظرية محدَّدة وعن كيفية الفهم السوسيولوجي للسياسي، وفي تحديد القواعد الإبستمولوجية التي تحكم بناء الموضوع السوسيولوجي أو السياسي، وفي الأهمية المعطاة للتطبيق العملي في علاقته بالمبادئ، وفي الكشف عن ملابسات بعض المفاهيم الكلاسية المستخدَمة في علم السياسة (من خلال الكشف عن الإواليات الاجتماعية التي تتسبب فيها، أو الكشف عن العلاقات الطبقية أو الهيمنة الطبقية في الحقلين المدرسي والسياسي).

وهو يعمل على كشف الجوانب المختلفة للحقيقة السياسية، وتحديد الأسباب التي تؤثر على التصرفات السياسية، وكشف الاستراتيجيات والإواليات السياسية والعلاقات التي تربط بين المهيمِنين والمهيمَن عليهم، وإبعاد صفة القدر عن العالَم السياسي أو الاجتماعي، وتقويض الخرافات التي تلبس ممارسة السلطة وتؤبِّد الهيمنة.

والتحليل الذي يقدمه بورديو لبعض الظواهر السياسية، على أهميته العلمية وخاصيته التطبيقية، يشمل الكثير من الأفكار والمفاهيم التي هي في حاجة إلى مزيد من التحليلات المتعلقة بالتفاصيل الدقيقة، ولا يخلو من مسائل غير محلولة أو غير مفهومة.

ينطلق بورديو من مفهوم “الحقل” كأداة لفهم النشاطات الاجتماعية ويهبه معنى خاصاً، ويشدد، في الوقت نفسه، على علاقة الترابط ما بين الحقول، ويعتبر البحث التجريبي (الذي يعتمد على الملاحظة للتحقق من الفرضيات) أساساً للبحث العلمي، مع الإشارة إلى تميُّزه عن البحث لدى التجريبيين. فاستخدام بورديو مفهوم الحقل يعني في وضوح الاعترافَ بوجود أنواع من النشاطات أو الممارسات أو العلاقات، وبأنه ثمة صفة أساسية معينة لكل نوع وصفات ثانوية له، وبأنه، تبعاً لتلك الصفة الأساسية، يحصل التصنيف. وتؤكد موقفَه هذا العلومُ الاجتماعية حديثاً لناحية تعدُّد العلوم الموضوعات، أو لناحية وجود نواحٍ مختلفة لكل موضوع. واعتراف بورديو بوجود أنواع معينة من النشاطات لا ينفي فكرة الترابط بين الحقول، خاصة إذا أدركنا التأثيرات المتبادلة بينها، أو استحالة عزلها بعضها عن بعضها الآخر. ويقترب في مفهومه، ضمن نطاق معين، من مفهوم المنظومة أو النسق أو البنية لدى النسقيين أو البنيويين–الوظيفيين. والحقل، بالنسبة إليه، يعني منظومة معينة من العلاقات، أو ميزاناً للقوى، أو شكلاً مبنياً من الصراعات.

ويؤكد بورديو على أنه لا قيمة للحرية إن لم تكن مرتبطة بظروف أو إمكانات محددة. وهو يطرح فكرة أساسية تتعلق بتقسيم العمل السياسي في المجتمعات الرأسمالية الغربية. فثمة محترفون للسياسة أو متخصصون فيها؛ وثمة أفراد أو جماعات مجردون من السياسة. ويعتبر ظاهرة “الرأي العام” ظاهرة مصطنعة لأنها تتجاهل حقيقة الرأي كحالة من ميزان للقوى بين طبقات وفئات اجتماعية، أو كحالة تعبِّر عن الهيمنة. وتشكل اللعبة السياسية له موضوعاً أساسياً في الحقل السياسي (موجودة في كل الظواهر السياسية)، وهي ذات خصائص محددة.

والصراعات الفكرية والسياسية بين الفئات المهيمَن والفئات المهيمِنة عليها هي نتيجة طبيعية للاختلاف في المصالح والمنافع والأوضاع؛ والمجابهة بين المعتقَد الجديد والمعتقَد القديم لا تحصل إلا من خلال التساؤل، أو النقد الذي يسمح وحده بتهديم أشكال اجتماعية معينة أو مفاهيم مشيَّأة، وبإنشاء تحديدات أو تعريفات اجتماعية جديدة للوجود الاجتماعي أو أشكال جديدة.

ويدين بورديو الفهم الذي يعتبر السياسي انعكاساً للاجتماعي أو يرى في السياسة صورة حقيقية للعلاقات الاجتماعية. فلِمَ اعتبارُه مسألة التمثيل غير ديموقراطية أو لا تعكس حقيقة الواقع؟ ذلك لأنها تعبِّر عن مصالح محدَّدة ولا تعكس حقيقة العلاقات الاجتماعية، وتمنح السياسي أهمية على حساب الاجتماعي. ويتقاطع موقفُه هذا مع موقف هايدغر، حيث يبيِّن أن التمثيل هو مظهر للذاتية التي تتجه إلى منح الأفراد موقعاً من الموضوعية والوضعية من شأنه أن يجعل منهما أشياء موجودة من أجل إرادة الإرادة. ويتقاطع كذلك مع الموقف الماركسي الذي يرى في التمثيل مظهراً لعلاقات السوق كعلاقات تجمع أفراداً من خلال تعارضهم وتميزهم في تبادل القيم.

أما بخصوص مفهوم استراتيجيات إعادة الإنتاج فيرفض بورديو الرؤية البنيوية أو الموضوعية التي تردُّ الأهمية في إعادة الإنتاج الاجتماعي إلى تأثيرات البنى أو الظروف وفق آلية “المرجعية الذاتية”، أو “التنظيم الذاتي”، أو “الانسجام الذاتي”، أو الصفة العفوية كصفة أساسية وحيدة لتلك العملية. كما يرفض الرؤية التجاذبية أو الذاتية التي تهب العنصر الذاتي القيمة كلَّها (الذات كمصدر للإبداع)، أو عامل الإرادة. ويرفض كذلك أن تكون علاقات الهيمنة نتيجة تأثيرات أحادية الجانب. فظروف الهيمنة وحدها لا تصنع علامات الخضوع أو القبول أو الطاعة أو الاعتراف أو الاعتقاد؛ إذ لا تفعل فعلها على نحو مستقل عن إرادة الأفراد ووعيهم، أو عن البنى الذاتية للفاعلين.

في إطار صوغ المفاهيم، والعلم، والمنهج[3]

في هذه المسائل يطرح بورديو موقفاً يتمثل في ضرورة استخدام مفاهيم مفتوحة وإجرائية ومحددة في الحقل. وهذا الأسلوب أكثر واقعية وأكثر علمية لأنه يشتمل على مفاهيم محددة من خلال الواقع أو التجربة. ومما لا شك فيه أن هذا الأسلوب يتناقض مع الأسلوب الوضعي الذي يمحض المنطق العقلي أهميةً على حساب التجربة أو الواقع. وبذلك نستشف تحوُّلاً مهماً في التفكير يتناقض مع الاتجاهات الذاتية والمثالية التي تعطي الأهمية كلها للتفكير في عملية المعرفة. وموقف بورديو من المفاهيم المفتوحة ومن صفتها الإجرائية ومن نسبية المعرفة شبيه بموقف باشلار الذي يقول إنه ليس ثمة توافق كامل بين العقلي والواقعي، وبموقف جان بياجيه القائل بضرورة إدراك المعرفة في نموها. ومفهوم العلم، بالنسبة إليه، لا يعرف سوى منظومات قوانين، أي القوانين تبعاً لحقول وظروف محددة، أو القوانين المفتوحة العرضة للتعديل أو التغيير نتيجة تغيير الواقع أو نتيجة ما يحصل من أبحاث واكتشافات جديدة، أو القوانين التي ترفض التعارض بين الاقتراحات أو المبادئ الأمبيريقية (التركيبية) والصياغات أو الأسس المنطقية (التحليلية)، أو التعارض بين التجربة أو الواقع والنظرية، أو رفض التماثل بين الكائن والمعرفة الذي يلغي وجود فرق أو مسافة بينهما.

ويرى بورديو أن فهم الواقع على أساس فهم العلاقات هو الطريقة المثلى أو الفضلى في العلم لأنها تتوافق مع حقيقة العالَم الاجتماعي، ذاك العالَم الذي يتشكَّل من علاقات. فكل الظواهر والوقائع فيه، على اختلافها، عبارة عن علاقات. وهذا النمط من التفكير يتوافق مع التغيير، وبالتالي مع الحقيقة؛ في حين أن النمط البنيوي يفترض مفاهيم مثل الثبات والانسجام الداخلي والتنظيم الذاتي، وينطلق من حقيقة العالَم الخارجي. وينطلق النمط الذاتي من “نظرية” الفعل العقلاني” أو “التصورات الذاتية” ويتجاهل الأسس التاريخية للعلاقة بين البنى الذاتية والموضوعية. فالعالَم ليس نتيجة تصورات وإرادة وقرارات، كما يقول شوبنهاور، كما لا يعكس نفسه أو لا يتكون من بنى أو أشياء مستقلة قائمة بذاتها؛ وتأثيره على الأفراد ليس أحادي الجانب، كم هو لدى دوركهايم أو ماركس.

مفهوم العنف الرمزي

العنف الرمزي قضية محورية في أعمال بورديو. ففي معرض تعريفه بالدولة، يعطي العنف الرمزي معنى الضغط أو القسر أو التأثير الذي تمارسه الدولة على الأفراد والجماعات بالتواطؤ معهم. ويبرز هذا المعنى على نحو جليٍّ في التعليم الذي يمارسه النظام المدرسي لناحية الاعتقاد ببديهيات النظام السياسي، أو لناحية إدخال علاقة السلطة إلى النفوس كعلاقة طبيعية من وجهة نظر المهيمنين. وهو يعتبر رفض الاعتراف بممارسة العنف الرمزي محاولة للاستمرار في ممارسته. في تعبير آخر، يتجسد العنف الرمزي في البنى الموضوعية (من خلال القوانين التي تحفظ سلطة المهيمنين) وفي البنى العقلية “الذاتية” (من خلال مقولات الإدراك والتقدير التي تعترف بالهيمنة أو القوانين المفروضة). ويرى بورديو أن الدولة ليست مفهوماً مقدساً أو جوهراً قائماً بذاته، بل مفهوم ذو بعد اجتماعي. والاعتقاد بشرعية الهيمنة ليس فعلاً حراً وواعياً، كما يعتقد فيبر، إنما يعود إلى توافق مباشر بين البنى المُدخَلة التي أصبحت لاواعية وبين البنى الموضوعية.

رأس المال الرمزي

يعني رأس المال الرمزي، على ما يرى بورديو، القبول أو الاعتراف أو الاعتقاد بقوة أو بسلطة من يملك مزايا أكثر، أو شكلاً من الاعتراف بالشرعية، أو قيمة معطاة من الإنسان. ويرتبط هذا المفهوم بمبدأ السلطة ومبدأ التميُّز أو الاختلاف (في الخصائص) ومبدأ الأشكال المختلفة لرأس المال. ويدخل في مختلف الحقول وفي مختلف أشكال السلطة أو الهيمنة، أو في أشكال العلاقات. واعتبار الدولة مصرفاً من رأس المال الرمزي يُعتبَر بعداً جديداً من أبعاد الدولة.

التلفزيون وخلفه سلطان الصحافة[4]

ينطلق بورديو من فكرة أن التلفزيون يشكل راهناً أداة للقمع الرمزي (نظراً للمستوى الثقافي أو المعرفي المتدنِّي للمشاهدين الذين يميلون إلى تصديق ما يعرض عليهم بعامة). وهو يأمل في أن يتحول التلفزيون إلى أداة للديموقراطية المباشرة لو تم رفع المستوى العلمي للمشاهدين وتقوية استقلالية التلفزيون عبر إدراك الإواليات التي تعمل على ضرب تلك الاستقلالية. والإواليات غير المرئية التي تُمارَس الرقابة من خلالها تجعل من التلفزيون أداة عظيمة لتثبيت النظام الرمزي (تواطؤ المتلقِّين والذين يمارسونه). وهكذا يغدو التلفزيون أداة لخلق الحقيقة وللتحكيم الاجتماعي والسياسي، وليس، كما يُدَّعى، أداة لتسجيل الواقع. وهو ليس ملائماً للتعبير عن الفكر أو الرأي؛ إذ يمنح أهمية للتفكير السريع وللغذاء الثقافي السريع المقترن بأفكار مسبقة. وحول هذا الموضوع يقدم بورديو أفكاراً للتحديد وللتحقق منها، بوصفها أموراً معقدة جداً لا يمكن معرفتها إلا من خلال عمل أمبيريقي مهم، ارتكازاً على ملاحظات من الواقع. كما أن الأفكار المقدمة تتعلق بالمجتمعات الغربية الأوروبية عامة والمجتمع الفرنسي خاصة.

ويبرز لدى بورديو اتجاهان، علمي وإصلاحي؛ ويتمثل الأول في موقف الباحث السوسيولوجي الحيادي (وهو الغالب والأساسي) الذي يعتمد على مبادئ سوسيولوجية أساسية، مثل:

1.    فهم الظاهرة الاجتماعية كما هي في الواقع، أي من دون الانطلاق من مفاهيم مسبقة؛

2.    شرح الظاهرة الاجتماعية بأسباب اجتماعية (مع التركيز على العاملين الاقتصادي والثقافي)؛

3.    الواقع كمقياس للحقيقة؛

4.    تقسيم العالَم الاجتماعي إلى حقول مستقلة نسبياً؛

5.    كشف المستور؛

6.    استخدام بعض المفاهيم (العنف الرمزي، ميزان القوى الرمزي، الهيمنة الرمزية والوزن الرمزي).

ويتمثل الثاني في إيلاء التربية والوعي أهمية كوسيلة للتحرر من الإواليات التي تضغط أو تؤثر في الصحافيين، وباقتراح برنامج من الفعل يوفِّق بين الفنانين والكتَّاب والعلماء والصحافيين، بحيث إن مساهمة كهذه تسمح على نحو فاعل بنشر المكتسبات الأكثر شمولية للبحث وبالتعميم العملي لشروط الوصول إلى الشمولي. ومما لا شك فيه أن الموقف الإصلاحي إياه ورد في إطار العمل على تعزيز استقلالية الحقول المتخصصة أو تطوير المعرفة والعلم في الاتجاه الصحيح.

نار مضادة[5]

في كتابه هذا ينتقد بورديو الليبيرالية الجديدة والدولة الفرنسية (يصفها كقوة غريبة) والسياسيين، ويؤكد على مفهوم المسؤولية الجماعية وعلى تعريف جديد للمثقف ودوره السياسي، وتعريف جديد للفلسفة والفيلسوف، ويدافع عن إمكان المثقف النقدي وضرورته؛ إذ ليس ثمة ديموقراطية حقيقية من غير سلطة نقدية–مضادة. وهو ينتقد “المثقفين غير المسؤولين” و”المثقفين المتعدِّدي الموضوع والشكل”، ويعتقد أن العالَم سيربح كثيراً لو انتقل منطق الحياة الفكرية، منطق الحجة والرفض، إلى الحياة العامة.

وهو يدافع عن الأجانب في فرنسا، ويكشف زيف العقلنة الغربية (حق احتكار العقل واحتكار العنف الشرعي)، ويدين الإمبريالية الغازية المحتلة، ويدعو إلى الانتهاء من تسلُّط “الخبراء”، من نوع البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، وإلى القطع مع المعتقد الجديد أو الحتمية التاريخية التي يُعلِّمها منظِّرو الليبرالية (أعداء الحتمية التاريخية الماركسية سابقاً)، ورفض البديل الجديد: إما ليبرالية وإما بربرية. وهو يعتبر الدولة الأمريكية دولة قمعية بوليسية. وينظر إلى الدولة في شكل عام كحقيقة غامضة، ويشير كذلك إلى التأثيرات السلبية للسياسة الليبرالية الجديدة، ويشرح قوة الإيديولوجيا الليبرالية الجديدة المرتكزة على نوع من الداروينية الجديدة الاجتماعية. ويرى أن الرؤية الليبرالية الجديدة ما كانت لتُفرَض لولا التواطؤ (السلبي) بين رجال السياسة والصحافيين والمواطنين العاديين.

وهو يحدد دور علم الاجتماع بالعمل على معرفة كيفية عمل المجموعات واستخدام قوانين تعمل وفقها، بغية إبطالها. ويصف الليبرالية الجديدة بالإمبريالية، مشدداً على ضرورة إعادة خلق الأممية التي صادرتها “الإمبريالية السوفييتية” وحوَّرتها، وخلق أشكال من التفكير النظري وأشكال من الفعل العملي. ويدافع عن الدولة الاجتماعية والعاطلين عن العمل، ويشكِّك في إمكان أن يكون العالَم الاقتصادي نظاماً صافياً وكاملاً، وفي أن تشكِّل الليبرالية الجديدة – من خلال النظرية الاقتصادية التي تعلن عنها – وصفاً علمياً للواقع.

وكما هو ظاهر، ثمة موقف نضالي مسبق يبرز في وضوح من خلال عنوان الكتاب الذي يحمل دعوة إلى المقاومة أو الثورة. وموقف بورديو هذا مختلف نسبياً عن مواقفه في الكتب السابقة؛ ولعل الأمر عائد إلى تزايد إدراكه لضرورة التغيير. ودعوتُه إلى القطع مع الإجماع الذي يمنح الخطاب المهيمن قوة رمزية هي دعوة جديرة بالاهتمام.

الاستخدامات الاجتماعية للعلم[6]

في الإجابة عن بعض التساؤلات المتعلقة بالحقل العلمي، ينطلق بورديو من فكرتين أساسيتين: الربط بين التيار الموضوعي والتيار الذاتي وفكرة الحقل. وهو يدعو إلى تجاوز خيار “العلم الصافي” المحرَّر من أي ضرورة اجتماعية و”العلم المرتبط بالمنفعة” الخاضع لكل الطلبات السياسية الاقتصادية. ويرى أن بنية العلاقات الموضوعية في الحقل العلمي هي التي توجِّه وجهات النظر والمداخلات العلمية وأماكن النشر والأشخاص الذين نختارهم والموضوعات التي نهتم بها أو التي تحدِّد ما يقدر عليه الفاعلون وما لا يقدرون عليه. ويحدِّد الرأسمال العلمي بنوع خاص من الرأسمال الرمزي، ويتحدث عن خصائص الحقل العلمي في حالتي التبعية والاستقلالية، ويميز بين نوعين من الرأسمال العلمي: رأس مال علمي “صافٍ”، ورأس مال علمي مؤسَّساتي.

وتتصل الحقول، في رأيه، بغموض بنيوي: الصراعات الفكرية غالباً صراعات على السلطة. ويدعو إلى تبني وجهة النظر المتفهمة والمتسامحة مكان الرؤية الجزئية والمتحيِّزة والخاطئة، وإلى الكفاح عملياً أو سياسياً من أجل منح العقل قوة، أو من أجل الدفاع عن الاستقلالية والشروط الاقتصادية والاجتماعية للاستقلالية. وهو يحذِّر من خطورة “تسييس” الحقل العلمي والصراعات التي تحصل داخله.

من هنا يشدد بورديو على أهمية المناقشة الجماعية، ويرى فرقاً بين وضع المعلِّم (الذي يلقي محاضرات في الجامعة) ووضع الباحث، وكذلك بين التعليم (حيث النقل المقنَّن والنمطي للمعرفة) والبحث. ويستشهد بفيبر لناحية أن الأستاذ ينمِّط خطاب المبدع ويبتذله بإخفاء الشيء الأساسي الذي يطرحه المبدع؛ وكذلك الأمر بالنسبة إلى رجل الدين الذي ينمِّط نداء النبي. وهو يولي استقلالية العالِم أو الكاتب أهمية كبرى، مؤكداً على ضرورة إدخال وجهة النظر العلمية حيث تحضَّر القرارات العامة، وينتقد الطريقة التي تنتج بها المشكلات.

الهيمنة الذكورية[7]

ينطلق بورديو في بحثه من موقع الأنثروبولوجي أو الأنتولوجي ليكشف الإواليات أو السيرورات أو المؤسَّسات التي تؤبِّد المفهوم الذكوري أو المفهوم الأنثوي. ويتحدث عن العنف الرمزي الذي يتمثل في الاعتراف بالهيمنة الذكورية أو في الاعتراف المعطى للرجال أو في الصور الملازمة لنظم الاستعدادات والتصورات التي تعمل كصور للإدراك والتفكير والفعل لكل أفراد المجتمع وكصور استعلائية. وتثير هذه المسألة انتقادات من جانب أولئك الذين يقولون بالوعي الإرادي. وهو يحدِّد مبدأً منهجياً أساسياً يتمثل في كشف البعد التاريخي لما يسمى بـ”لاتاريخية” الاستعدادات. وطريقته في نقل النتائج (الانتقال من المجتمع الجزائري القبائلي إلى المجتمعات الأوروبية) تثير الشكوك والتساؤلات.

وهو يرى أن الجسم كحقيقة جنسية هو إنتاج المجتمع وأنه مشكَّل ومحدَّد ومبني من العائلة والمدرسة والكنيسة والدولة. وتُطرَح آراؤه تساؤلات عديدة حول دور المدرسة أو الدولة؛ إذ يرى بعضهم أن تحليلات بورديو (لناحية الأدوار الذكورية والأنثوية) لا تتجاوز تحليلات سيمون دو بوفوار.

لماذا يُعتبَر بورديو عالِم اجتماع جديداً في عالَم جديد؟

نظراً إلى ما هو سائد حالياً في ميدان علم الاجتماع، حيث لا جديد مهماً يظهر بالنسبة إلى النظريات السابقة، وحيث إن علماء الاجتماع الحديثين لا يتخطون كثيراً أساتذتهم، فإن بيار بورديو، بما أنتجه وتميَّز به من مقاربة لفهم هذا العالَم، بمستجدَّاته وتعقيداته الحديثة، ومن غير أن ينسى خصائصه السابقة، يُعتبَر بحق أستاذاً جديداً في هذا العالم يستحق البحث الجدي والتعمُّق في إنتاجه ومنهجه المميَّز.

وإذا كان الفكر البورديفاني قد شكَّل تياراً أو مدرسة فإن ذلك يعود إلى المساهمات التي قدمها بورديو في حقول علم الاجتماع المختلفة (البنيوية التكوينية أو البنائية النقدية كمقاربة للاقتداء): علم اجتماع الفن، علم اجتماع المجموعات الاجتماعية، علم اجتماع الموسيقى، علم اجتماع التربية، علم اجتماع الثقافة، فضلاً عن تأثيره الذي يتجاوز علم الاجتماع ليطال علوماً إنسانية أخرى (العلوم السياسية مثلاً) وشهرته العالمية التي تبلورت من طريق التواصل والتفاعل بين علماء الاجتماع على المستوى العالمي.

والانتقادات العديدة التي وُجِّهت إليه (لناحية بعض المفاهيم، مثل مفهوم الطبقة الاجتماعية، ومفهوم الصراع الطبقي، وتعريف المجموعات الاجتماعية، ودور المدرسة، ومفهوم إعادة الإنتاج…) من جانب هنري ماندراس وآلان تورين وريمون بودون وجانين فرديه لورو وسواهم، لا تقلِّل من عظمته وتألقه.

*** *** ***

عن النهار، الجمعة 8 شباط 2002

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий