Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > تأنيث الأمّة وتذكير الدولة: مصر نموذجا (2/1)

تأنيث الأمّة وتذكير الدولة: مصر نموذجا (2/1)

الاربعاء 7 نيسان (أبريل) 2010

بقلم: أحمد زكي عثمان

حين شرع بعض رجال القانون المصريين في صياغة المادّة الأولى من أوّل قانون انتخابي في عهد مصر المستقلّة، لم يكن أمامهم أيّ شك ربّما في أنّ اللغة بالغة الاختصار التي صاغوا بها المادة ستلقى استحسان الجميع.

صدر القانون في 30 أبريل من 1923 بتوقيع مشترك لملك البلاد فؤاد الأوّل ورئيس الوزراء يحيى إبراهيم باشا، ونصت مادّته الأولى على أنّ “لكلّ مصريّ من الذكور بالغ من السن إحدى وعشرين سنة ميلادية كاملة حقّ الانتخاب”، شكّلت هذه المادة والقانون عموما لحظة احتفاء حقيقية. فبوصفه نقطة انطلاق لتحقيق مطلب العقود الأربعة التي سبقت صدور القانون، أي الاستقلال عن بريطانيا، أعلى الكتاب والمثقفون من مختلف أطياف الحركة الوطنية المصرية من شأن هذا القانون. فبموجبه تمكن المصريون- حسب “الخطاب الوطني” الذي راج وفتها- من انتخاب مرشّحيهم إلى برلمان من صنع أيديهم وذلك بعد التضحيات غير المسبوقة التي رافقت الثورة المصرية الأكبر عام 1919.

ليس هذا فقط، بل إنّ توابع هذا القانون على غرار عملية تشكيل الدوائر الانتخابية سيكون لها لاحقا دور كبير في تقوية اللحمة الفعلية للمناطق البعيدة جغرافيا.
وبموجب الانفجار القانوني اللاحق (تشريعات مجلس النواب) سجري إعادة تشكيل الاقليم المصري كلّه وتقسيمه وراء الخطوط السياسية والحزبية والإدارية التي فرضتها القاهرة، لتعمّق علاقة الأطراف بالمركز ( الصعيد على وجه التحديد) من ناحية، ولتمنح مفردات مثل المصريين والأمّة المصرية مصادر جديدة بعد صعودها غير المسبوق في وقت الثورة.

لكن بدت المشكلة الوحيدة في مادة هذا القانون الانتخابي، والكلام هنا للصحفيّة الشابّة وقتها منيرة ثابت (1906-1967)في أنّ القانون نزع حقّ الانتخاب والترشيح من النساء رغم تضحياتهن إبان الانتفاضة الثورية التي عمّت البلاد.

منيرة ثابت (صاحبة لقب عميدة الصحفيات المصريات) استبقت صدور القانون لتكتب في الجريدة المصرية الأهمّ “الأهرام” سلسلة مقالات تدفع بأهلية النساء في حقّ الانتخاب، موجّهة نظرها إلى “الأمم الراقية” التي منحت النساء هذا الحقّ.

تدلل عملية “تذكير حقّ الانتخاب” أو إقصاء النساء عن هذا الحقّ على “ذكورية الدولة” التي ولدت من رحم ثورة 1919 والاستقلال النسبي الذي تقرّر بموجب هذه الثورة، كما أنها تشير بوضوح إلى ذلك التناقض الذي ولد من رحم الثورة حيال النساء.

وبدا من خلال هذا القانون أن الدولة المصرية التي باتت أطرها تتشكّل بالفعل كنتاج لثورة 1919 ما هي إلا مجرّد حيز لسياسة الذكور. هذه السياسة جرى انتاجها وإعادة إنتاجها من خلال القنوات المعروفة للفعل السياسى، أي البرلمان والوزارات وأطر واسعة من السياسات العامة في محاولة لتعريف مصر والمصريين.

ووقفت خطابات إقصاء النساء وذكورة الدولة التي سلكها النظام السياسي المصري ما بعد الثورة على النقيض تماما من عملية “تأنيث الأمة” التي وصلت لذروتها في نفس الفترة التي أعقبت ثورة 1919.

بدأت هذه العملية بخطبة الزعيم سعد زغلول عقب عودته من المنفي، والتي قال فيها “لتصيحوا جميعا: ” لتحيا السيدة المصرية”.

التحية الرمزية “للسيدة المصرية” كانت تعبيرا عن تقدير الرجل لمساهمة النساء المصريات في أحداث الثورة التي بدأت في اليوم التالي للقبض عليه هو ورفيقيه يوم 8 مارس 1919 ونقلهم في إحدى السفن الحربية المتجه إلى منفاهم في جزيرة مالطا.

الخطوط العامة لما حدث وفقا لروايات مستفيضة وأخرى مبتسرة، تشير إلى أن مساهمة النساء شملت السقوط كشهيدات مثلما حدث يوم 14 مارس حين استشهدت السيدتان حميدة خليل وشفيقة محمد. كما شملت الخروج إلى الشارع كمتظاهرات يومي 16 مارس و20 مارس.

خلّد التاريخ المصري هذه اللحظات. وقدّمت الدولة هدية رمزية بتسميتها يوم 16 مارس يوما للمرآة المصرية، والذي يأتي بعد ثمانية أيام من الاحتفال السنوي بيوم المرأة العالمي.

ويوم المرأة العالمي هو بدوره تخليد لذكرى الخروج العفويّ لمجموعة من النساء العاملات الأمريكيات فى مدينة نيويورك سنة 1857 مطالبات بيوم عمل يتكون من 8 ساعات بدلا من 12 ساعة، كما حملت مطالبهنّ أيضا المساواة فى الأجور مع العمال الذكور.

هناك وجه شبه يجمع ما بين اليوم المصري واليوم الأمريكي، فكلا الحدثين يعد خروجا عن العرف السائد. صيغة خروج النساء كمتظاهرات في الحالة الأمريكية والمصرية تمثل محاولة لتحطيم مفهوم الشارع كإمتداد استعاريّ لسلطة وحضور عالم الذكور.

هناك أيضا أوجه خلاف بين الحدثين. هناك الاختلاف الحادث نتيجة للفجوة الزمنية الفاصلة ما بين الحدثين (أكثر من 60 عاما). هناك الاختلاف فى طريقة تعامل السلطة الحاكمة مع المظاهرتين سواء بالضرب والقسوة والاعتقال فى الحالة الأمريكية ، أو التهديد فى الحالة المصرية. هناك الاختلاف في مضمون المظاهرتين ثم الآثار اللاحقة. فى تظاهرة نيويورك كان المطلب نقابيا صرفا، ويرتبط بشكل أساسىّ بقيمة المساواة. أما فى لحظة 16 مارس المصرية فقد كانت التظاهرة تحمل الهمّ الوطنيّ العامّ، تحمل معنى واضحا وصريحا لمعاناة النساء المصريات من آثار الاحتلال. أي أنّ الرجل المصريّ ليس هو الوحيد المتضرّر من الاحتلال. ومن ثمّ لم يكن على النساء المصريات الخروج فقط إلى الشارع للتعبير عن السخط السياسي، بل كان على بعضهنّ أن يدفعن حياتهن ثمنا لإعلان سخطهن على جيوش الإحتلال. تحطيم سطوة تقاليد الإقصاء المجتمعى كان هدف المتظاهرات الأمريكيات، وتحطيم سطوة جيش الاحتلال كان هدف المتظاهرات المصريات.


الصراع على تذكير الدولة والمجال العام :

في الفترة الطويلة التي أعقبت ثورة 1919، جرت محاولة “تذكير الدولة” في مجالات التشريع القانوني بإقصاء النساء عن جملة الحقوق الممنوحة للرجال. حدث هذا أوّلا في قانون الانتخاب، ثم القوانين التي تعرّف من هو المصري في محاولة لفكّ الاشتباك القانوني بصورة شبه كاملة مع الإرث العثماني (قانونا الجنسية الأوّل والثاني الصادران عامي 1926 و1929 على التوالي). وجاءت جملة قوانين العمل التي بدأت بقانون شامل ينظم عمل النساء في 1933 لتثبت ارتباك الدولة الواضح حيال عملية الخروج الكبير للنساء إلى معترك المجال العامّ. أما قوانين الأحوال الشخصية فقد كانت تعبيرا عن النموذج الذي طرحه نجيب محفوظ في ثلاثيته لشخصية “سي السيد” الداعمة لمنطق وجود “الذكر” صاحب القول الفصل في أيّ منازعة. واتّخذت السياسة العامة منحى شديد التحفّظ تجاه فكرة التوسع في المدارس وإلحاق الفتيات بالتعليم، تاركة هذه المهمّة للمنظمات الوسيطة.

لكن، مقابل خطوات “تذكير الدولة” جرت عمليتان أخريان أكملتا سيرة النساء المصريات في النصف الأوّل من القرن العشرين.

أما العملية الأولي فكانت في عملية متسارعة لتأنيث الأمة المصرية تكاد تطابق استراتيجيات تأنيث الأمة الفرنسية أزمنة ثورتها الشهيرة عام 1789.

وفي تحليله لاستراتيجيات تأنيث أمة يقودنا جون جيرفيس في كتابه “Transgressing the Modern ” (ترجمة مقترحة ربما تفكيك العصر الحديث) إلى استكشاف المناطق التي جرى بها ربط المجاز (الأمة) بالنساء.

فما تقدمه مثلا لوحة “الحرية تقود الشعب” للرسام الفرنسي أوجين ديلاكروا (1798-1863)، هو تصوير العنف الدمويّ للطبقات المختلفة في فرنسا، وهو عنف يجد مفرداته في طريقة النظرة وإلى الأسلحة المحمولة. وتقف ماريان الرمز الفرنسي بنهدين عاريين وهي تقود الشعب.

الرجال في الصورة هم الدولة، أمّا الأنثي فهي الأمّة. هي الرمز والرجال هم المعنى. هي الشعار وهم التطبيق.

اللوحة لا تخفي حقيقة وجود نساء حظين بكونهنّ “بطلات” إبان الثورة الفرنسية. لكنها بطولة من نوع مختلف. هي بطولة المشاعر القوية المنفلتة التي تحتاج دائما إلى الرجال كي يحكموا السيطرة عليها.

إذن الاستراتيجيات هنا هي عملية تمثيل للأمة على أنها امرأة. ويقود عملية التمثيل هذه النخب الحاكمة، وهي نفس النخب التي تحاول التحكم فيما قد يبدو من انفلات للمشاعر المتدفّقة للنساء.

بسهولة بالغة يمكن تطبيق ذلك على مصر. نعم من الصعب تحديد نقطة محددة في التاريخ الحديث لبدء عملية النظر إلى الأمّة على أنّها أنثى. لكنّها على أقلّ تقدير تبلورت بالتوازي مع الخطاب السياسي الرافع لشعار “مصر للمصريين”. مصر هي المؤنث في هذه العبارة. هي ليست مجرّد وطن (صيغة مذكرة). هي-وتحت التأثير القوي للنموذج الفرنسي- أمة بكل معنى الكلمة.

الخديوي إسماعيل (حكم من 1863 إلى 1879) أسير الهوى الفرنسي، وافق على فكرة النحات الفرنسي فريدريك أوجست بارتولدي Frédéric Auguste Bartholdi بتصميم تمثال ضخم يرمز لمصر ليوضع في مدخل قناة السويس. ولم يكن الرمز المطروح سوى أنثي أو تحديدا فلاحة مصرية تحمل مشعل التنوير.

لكن علي أيّة حال، فشل المشروع بسبب أزمة الديون المصرية، وجرى استكمال التمثال على شكله الحالي لتهديه فرنسا إلى الولايات المتحدة بمناسبة مرور مائة عام على استقلالها.

تعثّر المشروع وبقيت الفكرة في أصلها الفرنسيّ. وبعد قرابة نصف قرن استجاب نحّات مصر شاب يدعي محمود مختار (1891-1934) لغواية فن النحت بأجساء النساء، وأنجز “تمثال نهضة مصر”. حيث نرى البلاد في تمثال مصر المؤنثة على هيئة فلاحة تنظر للمستقبل وهي تحتضن الرمز التاريخي الممثل بأبي الهول.

وليس من العسير أن نرى مصر المؤنثة حاضرة بقوّة في إنحازات روّاد الفنّ التشكيليّ في مصر راغب عياد (1892- 1982) ومحمود سعيد (1897-1964). وكانت محاولة الأول لافتة في مزج الفنون المصرية القديمة (الفرعونية والقبطية) بحثا عن تفرد للأمة المصرية بنفس اللغة أى بلغة المؤنث.

لم تقتصر مظاهر تأنيث الأمة على الفنون (النحت أو الفنون التشكيلية)، فقد شملت أيضا اللغة التي باتت منوطة بمهمة إعادة اكتشاف الهوية المصرية والتعبير عنها شعرا ونثرا.

في العقد الأول من القرن العشرين وظّف مصطفي كامل قوته البلاغية لعملية تأنيث منظم للأمة المصرية، عملية بلغت أوجها فيما بات يعرف لاحقا بخطبته الوداعية عام 1907 التي قال فيها مأثرته الشهيرة “بلادى بلادى لك حبّي وفؤادي لك حياتي ووجودي لك دمي ونفسي لك عقلي ولساني لك لبّي وجناني فأنت الحياة، ولا حياة إلا بك يا مصر”. مصر الحياة تحوّلت أيضا إلى مصر الحبيبة: “يقول الجهلاء والفقراء فى الإدراك إنّى متهوّر في حبّها وهل يستطيع مصريّ أن لا يتهوّر فى حبّ مصر”.

الرائد الموسيقي سيد درويش لم يكتف بصياغة النشيد الوطني من مفردات مصطفي كامل، حيث ساهم بابتكار أغنيات تحمل مصر المؤنثة. التضاد في المنادي والمنادى عليه واضح بشدّة في “قوم يا مصري مصر دايما بتناديك”.

الحضور الأنثوي لمصر كان طاغيا في الشعر. “شاعر الوطنية” مصطفى صادق الرافعي (1880-1937) نظم قصيدة شهيرة برز فيها واضحا حضور مصر كمؤنث: “اسلمى يا مصر إننى الفدا” وهي القصيدة التي باتت النشيد الوطني للبلاد ( منذ 1923 حتي 1936). وأحمد شوقي يستفسر من منفاه الجبري: وسلا مصر : هل سلا القلب عنها/ أو أسا جرحه الزمان المؤسى؟

صيغة المؤنث لم تكن مجرد صيغة مألوفة، بل طاغية. اكتسبت قوة جديدة مع قصيدة حافظ إبراهيم “مصر تتحدّث عن نفسها” التي اختار لها مطلعا: وقف الخلق ينظرون جميعا/ كيف أبنى قواعد المجد وحدي، قبل أن تكتسب زخما إضافيا في أوائل العهد التالي لثورة 1919 أي مرحلة ما بعد ثورة يوليو حين غنتها أم كلثوم في أكتوبر عام 1952.

وشملت عملية التأنيث أيضا الوضع الرمزيّ لزوجة سعد زغلول صفية مصطفي فهمي (صفية زغلول) التي جري نعتها بأمّ المصريين.

كما امتدت للمجال الاقتصادي الذي لم يسقط من عملية “تأنيث الأمة”. ففي خضم عملية الاحتفاء بإنشاء بنك مصر بوصفه خطوة نحو الاستقلال الاقتصادي ونفش التبعية، ظهرت مجلة اللطائف المصورة وهي تحتفي بالبنك الوليد مصورة إياه على أنّه طفل رضيع يتغذّى من ثدي أمه التي لم تكن سوى مصر.

إلى هنا تظهر أمامنا استراتيجية واضحة لكنها متناقضة، فهناك عملية مستمرة لـ “تذكير الدولة” عبر إنتاج صيغ مؤسسية تقصي النساء، في الوقت الذي يجري فيه توظيف الخطاب الوطني سياسيا وثقافيا وإعلاميا بهدف التأكيد على الصوت المؤنث للأمة المصرية.

لم تمرّ هذه الاستراتيجية بسلالة وذلك لعملية الخلخلة التي تعرّض لها المجال العامّ بفعل محاولات النساء لاقتحامه.

فقد ساهمت ثورة 1919 فعليا فى تشكيل فضاء جديد للنساء المصريات. ومثل الظهور العلني للصديقتين صفية زغلول وهدي شعراوي مؤشرا لبدء المرحلة الأولى من سياسات النساء في التاريخ المصري.

صفية مصطفى فهمى( 1876- 1946) أو صفية زغلول، حاولت التملّص من السيرة السيئة للغاية لوالدها مصطفى فهمى باشا(رئيس وزراء قمعي سابق). محاولة إثبات جدارتها بلقب أم المصريين.

أما هدى شعراوي (زوجة علي شعراوى باشا القطب الوفدي الكبير) فأسّست الإتحاد النسائى المصرى. التنظيم النسائى المصرى الوحيد الذى ظلّ حتى الحرب العالمية الثانية يحظى بدرجة كبيرة من الشرعية السياسية والمجتمعية.

وقد يظهر تحفّظ على نوعية هؤلاء السيدات من خلال أصولهنّ الطبقية التي قلصت من دوائر حركتهن. لكنّ سيرة ومسيرة هدى شعرواي بالذات تشير إلي خطوات نضالية بالفعل.

فمن ناحية أولي مهّد قرار انفصالها عن الوفد وتكوين الاتحاد النسائي المصري (حتى لو كان الانفصال راجعا لتباعد آراء زوجها مع الوفد لاحقا) لعملية بناء مؤسسية للحركة النسائية المصرية.

كما كانت هدى شعراوي واجهة نسائية تحظى بكثير من الاحترام لدى العديد من الفاعلين الاجتماعيين فى مصر الأمر الذي يسّر لها أن تنتزع مكانا لقضايا النساء فى المجال العام والتي بلورت منها خمسة مطالب هي تقنين تعدّد الزواج والطلاق والمعاشرة الاجبارية (بيت الطاعة‏)، هذا إضافة إلى إطالة مدّة الحضانة وتحديد سنّ الزواج. وقد قدّمت هدى شعرواي هذه المطالب بصورة مباشرة عام 1926 إلى رئيس الوزراء ووزارة الحقانية في إجراء اسمته الصحف بقضية “عرض مطالب المرأة‏”.‏

ولا ينسي دورها في ربط النساء المصريات بمحيطهنّ العربي (تأنيث التضامن العربي) منظمة في عام 1938 على سبيل المثال مؤتمرا نسائيا للنظر فيما يحدث للشعب العربي الفلسطيني. كذلك النظر إلى تجارب دول العالم على صعيد المساواة بين الجنسين (تجربة حضورها مؤتمر الاتحاد النسائى الدولى فى روما).

هذا علاوة على دورها في تمهيد الطريق للجيل الأصغر سنّا من الناشطات. هناك مثلا تلميذتها نبوية موسى (1886-1951)، الشخصية التى ساهمت فى إحداث نقلة نوعية فى النظرة إلى تعليم الفتيات من ناحية وعمل النساء من ناحية أخرى. وظهرت سيزا نبراوى(1897-1985) التى شاركت هدى شعراوى ونبوية موسى فى السفر إلى روما فى مايو 1923 لتمثيل المراة المصرية فى المؤتمر النسائي الدولي. إلى جانب مشاركتها فى تأسيس الإتحاد النسائى المصري.

لكن حركة النساء المصريات لم تكن ترتكز على الإتحاد النسائي المصري فحسب. فهناك مجموعة النسوة ممن ساهمن عن طريق مبادراتهنّ الفردية فى انتزاع مساحة للاعتراف بدور النساء فى المجال العامّ. أبرز هؤلاء السيدات هى فاطمة اليوسف التي لم تمنعها مهنتها كممثلة مسرحية من أن تخترق مجالا يهيمن عليه الرجال شكلا ومضمونا وهو الصحافة . فأسّست فى عام 1925مجلة سياسية هى روز اليوسف.

مارست هولاء السيدات طوال الفترة الممتدة من 1925 (على وجه التقريب) وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية عملية خلخلة منظمة للتقاليد المجتمعية القديمة الخاصة بوضع النساء فى المجتمع. فقدّمن من ناحية أشكالا يحترمها السواد الأعظم من الشعب وذلك لدورهنّ الرمزيّ (صفية زغلول) ، أو لدورهنّ الاجتماعيّ والوطنيّ (هدى شعراوى).كما قدمت النماذج الأخرى محاولة للتفاوض على نصيب أكبر من المشاركة في المجالات التي طالما هيمن عليها الرجال مثل الصحافة أو التعليم.

وفي الفنون لا يمكن إهمال قصة الكفاح الحقيقية التي خاضتها فئات من النساء لخوض غمار التمثيل وصناعة سينما وطنية هي الأسبق والأكثر تنوّعا في المنطقة.

ويكفي أن ننظر من خلال ما قدّمته لنا المخرجة ماريان خوري في فيلمها “عاشـــقات الســـــينما” إلى التجربة التاريخية والكفاح للسداسي عـزيـزة أميـر وفاطمـة رشـدي وبهيجـة حافـظ وأمينـة محمـــد و آسيــــــــــــــــا ومـاري كوينـي، لندرك سريعا الطبيعة الكفاحية التي ميزت سيرة هؤلاء الفنانات.

ولم يقف التصلّب الاجتماعي في ذلك العهد حجر عثرة أمام طموح فلاحة مصرية لم تنل حظّها من التعليم من أن تتبوّأ مكانة رفيعة في تاريخ الغناء الشرقي (بمفردات تلك الأيام) وهي أمّ كلثوم.

جاءت عملية الخلخلة هذه في إطار سياق أوسع من عملية إعادة تشكيل المجال العامّ في فترة عشرينات القرن العشرين. هناك التيارات السياسية التي تبلورت ما بين ليبرالية الوفد والأحرار الدستوريين، وخطاب الإسلام السياسي الذي بدأ مع رشيد رضا قبل أن يمضي حسن البنا مؤسّسا جماعة الإخوان المسلمين، والأفكار اليسارية التي وجدت لها صدي بين العمال والمثقفين ممّا أسفر عن تشكيل الحزب الاشتراكي المصري (1921) ثم الحزب الشيوعي المصري.

ومثلت صياغة الأفكار مساحة للصراع الاجتماعي والسياسي. طه حسين يكتب “في الشعر الجاهلي” داعيا إلى تطبيق المناهج الجديدة في الفكر. وعلي عبد الرازق يكتب عن “الإسلام وأصول الحكم” مؤيدا فكرة الدولة الوطنية الحديثة التي لا تعير اهتماما لدولة الخلافة.

في هذا السياق جرى خلق مفهوم “المرأة الشرقية” والتأكيد على حجم الفواصل الأخلاقية والاجتماعية التي تفصلها عن المرأة الغربية.

في الملفّ الذي افتتحته مجلة الهلال (1923) حول قضية “المرأة الشرقية” نجد الصراع على خلخلة ممارسات “سي السيد” و”تذكير” المجال الخاص، بعد “تذكير” المجال العامّ. ونجد أيضا حالة القلق من ذلك الصعود النسائي.

والمدهش في الأمر أن ّالأفكار خرجت لتشكّك في شرعية الإدارة القمعية للمجال الخاص حيث لا مجال للتفاوض أو المساومة. وكان واضحا انشغال الجميع نساءً ورجالا بقضايا المجال الخاص (الزواج، الطلاق، معاملة النساء داخل الأسرة، العنف ضدّ النساء، الحضانة).

ولم تجد شخصيات كبرى في التاريخ الثقافي المصري (مثل أحمد لطفي السيّد، طه حسين، محمد حسين هيكل، عباس محمود العقاد، سلامة موسي، محمد فريد وجدي) أيّ عيب في التطرّق إلى قضايا المجال الخاص، على العكس من الزمن الراهن والذي يندر أن نجد فيه مثقفا أو باحثا أو روائيا يتحدّث مدينا جرائم ختان الإناث أو الجرائم المسماة بـ “جريمة الشرف”.

كانت رغبة المثقفين في العقود الأولي من القرن العشرين تكمن في إحداث حركة التحوّل الاجتماعي وتسريعه عن طريق الاشتباك مع البني التقليدية في المجتمع. لكن مع تحور دور المثقف في العقود الأخيرة الماضية ظهرت حالة التنكّر المذهلة لقضايا المجال الخاص وممارسة الغزل مع البنى التقليدية (خاصة فيما يتعلق بالقبيلة أو العائلة).

مع انتهاء الحرب العالمية الثانية، تبلورت في المجال العام أزمة مجتمعية شديدة (طبقية في المقام الأوّل) عجزت المؤسسة السياسية المكوّنة من الوفد والملك والانجليز من حلها. إضافة إلى تبلور خطاب فكريّ أكثر جذرية من الخطابات السابقة.

في تلك اللحظة ظهرت على الساحة أسماء جديدة لنساء قدّمن خطابات مختلفة حول المجتمع و السياسة. وخضن الصراع من أجل تفكيك البنية الذكورية للمجال العام. وكان الرافد المشترك بين معظم هؤلاء النسوة هو استفادتهنّ الكبيرة من التعليم الجامعي ومحاولة ربط المعرفة بالممارسة. هناك درّية شفيق1908)- 1975) التي حصلت على درجة الدكتوراة في الفلسفة من جامعة السربون عام 1940. ساهمت درية في عملية مأسسة جديدة للحركة النسوية المصرية في شقّها الليبرالي. كما عملت لطيفة الزيات (1923- 1996) وإنجى أفلاطون (1924-1989) على تقديم نموذج مركب للغاية تتمثّل أضلاعه في اسهامات أدبية ونقدية (عند لطيفة) وإسهامات فنية تشكيلية (عند إنجي)، علاوة على حركية سياسية ممزوجة بخطاب واضح المعالم حول تحرر النساء. من جهتها حاولت زينب الغزالى (1917-2005) تقديم خطاب نقيض للجناحين الليبرالي واليساري للحركة النسوية، وعملت بعد انفصالها عن هدى شعرواي والإتحاد النسائي المصري على غرس أول بذور عمليات “أسلمة نساء المجال العامّ”.

وشهدت هذه الفترة أيضا تبلور ظهور النساء كمثقفات وأكاديميات وكاتبات وصحفيات ممّن حفرن اسمائهن في التاريخ الثقافي المصري عامة وليس تاريخ النساء المصريات فقط.

أمينة السعيد (1910 – 1995) كانت نقلة حقيقية في عالم الصحافة المصرية. بقدرة مذهلة على الكتابة والتحرير الصحفي ورغبة أصيلة في طرح قضايا النساء فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما سهير القلماوي (1911-1997) فكانت المصرية الأولى التي تحصل على درجة الماجستير في الآداب عام 1937، قبل حصولها على الدكتوراه عام 1941 فاتحة المجال للنساء لاختراق الحيز الجامعي. وطبعا لا يمكن نسيان عائشة عبد الرحمن “بنت الشاطئ” (1912-1998 م) أوّل امرأة تحاضر بالازهر الشريف، والمتخصصة البارزة في الدراسات الإسلامية،

تكمن أهمية هؤلاء النسوة فى أنهنّ طرحن لأوّل مرّة وبغضّ النظر عن اختلافاتهن الإيدلوجية، انفصالا ما عن التقاليد التي سيطرت على الحركة النسائية المصرية من إعلاء للشقّ الاجتماعي على الجانب السياسي والثقافي. فظهر لأوّل مرّة خطاب حول حتمية المساواة، وصدرت العديد من المجلات التى تناقش قضايا النساء، وأفردت بعض الصحف الكبرى صفحاتها لتناول موضوعات عن الحقوق السياسية والاجتماعية للنساء، لكن يبدو أنّ التاريخ لم يكن كريما على الإطلاق مع النساء المصريات، فمحاولات خلخلة “تذكير المجال العام” ورغم نجاحها في استقطاب نساء الطبقة الوسطي في مجالات العمل والنشاط السياسي والاجتماعي، إلا أنّ بنية الدولة على مدار العقود الثلاثة اللاحقة لثورة 1919 لم تغيّر من موقفها حيال النساء. ظلت قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بأحكام الزواج والطلاق أسيرة لمقاومة لا تلين من قبل القوى المحافظة في المجتمع ( خاصة قضاة المحاكم الشرعية)، ولم تحقّق النساء أيّ تقدّم يذكر في المطلب القديم لمنيرة ثابت والخاص بالحقوق السياسية للنساء، رغم الخطوة الجريئة التي قادتها درية شفيق بالسير نحو البرلمان للمطالبة بنيل هذا الحقّ. وظلت البنية القانونية المنظمة لعمل النساء شديدة التعسف. لدرجة أنّ النظام الأساسي لـ “جمعية الهلال الأحمر المصرى الأهلية” حرم النساء من العمل في الجمعية وحصر دورهنّ في أن يكنّ مجرد أعضاء الشرف، أو محسنات أو مشتركات.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий