Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > تقرير حول أطروحة الدكتوراه “الحركات السلفية في المغرب 1971-2004”

تقرير حول أطروحة الدكتوراه “الحركات السلفية في المغرب 1971-2004”

عبد الحكيم أبو اللوز.. شاهد على البؤس الثقافي!!  - Hespress

أ. عبد الحكيم أبواللوز

جامعة الحسن الثاني- كلية الحقوق- الدار البيضاء

فهرس الأطروحة

حتى بعض انقضاء وقت طويل من بداية الاشتغال حول هذا الموضوع، لم نفلح في العثور على تعريف مناسب للمفهوم المركزي في هذا البحث وهو السلفية، لكنه وبتقدم البحث الميداني في أوجه نشاط الحركات السلفية العاملة في المغرب ، خلصنا إلى صياغة مقصودنا من هذا التعبير ، إذ يدل مفهوم السلفية على  نزعة احتجاجية على التطويرات التي طرأت على مستويين من مستويات الدين ، المستوى العقائدي والتعبدي، فمن الناحية العقائدية تهتم النزعة السلفية بعملية إعادة تقنين الدين، هادفة إلى الترشيد الميتافيزيقي والأخلاقي للعقائد المعاشة.

وعلى المستوى التعبدي، تهتم النزعة السلفية بعملية إعادة تقنين الشعائر الدينية، بتوحيد نماذجها، كلماتها، إشاراتها، وإجراءاتها، لكي يحافظ على النشاط الشعائري الأصلي في مواجهة البدع المستجدة.

من الناحية السوسيولوجية تتمظهر هذه النزعة الدينية وتتجلى في حركات ذات طابع طائفي، وهي حركات تحاول ضمان الاستقلالية تجاه العلاقات الاجتماعية السائدة، إنها حركات اجتماعية تتبنى تدينا طائفيا ترفض بموجبه المؤسسات الاجتماعية والسياسية، وتنزع إلى الحفاظ على أقصى حد من الحرية تجاه ما درج عليه المجتمع الرسمي من عادات وسلوكيات دينية،  مستوحيا طقوسه الخاصة من مذهبية دينية أخرى، أو من تأويل مختلف للديانة الرسمية.

من حيث أهمية هذا البحث، يمكن اعتبار موضوع الحركات السلفية أحد مواضيع الساعة، فقد أثارت أحداث 11 شتنبر2001  بالولايات المتحدة الأمريكية انتباه العالم إلى هذه الحركات، واعتبرت العديد من الأوساط أن المذهبية التي تعتنقها هذه التنظيمات مسؤولة أدبيا عن ما جرى، لأنها وفرت  المرجعيات النظرية التي تشبع بها مرتكبو تلك الأحداث. لذلك، أصبحت الظاهرة مثار اهتمام كبير، وموضوعا ترسم في ضوئه الاستراتيجيات الدولية، وتوضع السياسات الوطنية خصوصا بعد تكرار تلك الأحداث في أكثر دولة، بما فيها الدول العربية والإسلامية. كالمغرب الذي ازداد فيه الجدل بشأن الحركات السلفية مباشرة بعد أحداث 16 مايو 2003 بالدار البيضاء.

وبقدر ما استأثرت الظاهرة بالاهتمام الدولي والوطني، بقدر ما أنتجت طلبا اجتماعيا كبيرا لفهم هذه الظاهرة ومسبباتها، مما يجعل أهمية البحث تنبع من كونه يطمح إلى أن يكون جسرا للتبادل بين البحث الأكاديمي والطلب الاجتماعي الذي قد لا تسعفه المقاربات الأخرى في الوصول إلى فهم واقعي وهادئ لظاهرة الحركات السلفية خصوصا وأن مساهمات الصحفيين وركوب السياسيين للموضوع أضفت عليه إشهارا قويا؟

كما أنه من خلال الاهتمام بهذه ظاهرة الحركات السلفية، سعينا إلى إثراء البحث حول الإسلام المغربي وفهمه من خلال فهم بعض مظاهر التدين السائدة في تخوم هذا المجتمع، هذا التدين الذي يعبر عن نفسه ومناسباته وطقوسه بطرق متنوعة ومتعددة.

أما عن إشكالية البحث فلم يتم صياغتها إلا بعد مراحل متعددة، ابتدأت بالاهتداء بالخلاصات المستنتجة من التراث النظري المتحصل  دراسة الطوائف الدينية من جهة، وبالاستئناس بالأبحاث التي اهتمت بالتجربة الدينية بالمغرب على قلتها من جهة ثانية، ثم بعد المعالجة الذاتية  للمادة التي توفرت بفضل البحث الميداني من جهة ثالثة.

فبغية الابتعاد عن السجال الدرامي الذي احتل الساحة الإعلامية والسياسية حول هذا الموضوع، قمنا بتأطير  البحث في خانة محددة، تعاد فيها صياغة الأسئلة بطريقة تغدو معها الحركات السلفية موضوع الدراسة مؤشرا على التحولات التي يعرفها واقع التدين في المغرب.

ذلك أن  الممارسات الدينية في المغرب تظهر تعددا سوسيولوجيا يتعلق بأشكال التدين الموجودة في المجتمع، فهناك أنماط تدين متنوعة غير قابلة لأن تحصر في قالب مذهبي محدد، ولكن وسط هذا الواقع المتحول، وجدت حركية أدت إلى إضعاف أنماط التدين التقليدية وبروز أخرى أنتجت  تصورات دينية ورموز غير مرتبطة بالبيئة المحلية ضرورة، لكنها مسايرة للواقع الاجتماعي المغربي من حيث اتجاه حركة التدين إلى حياة دينية مؤسسة على الفردية وتحقيق الذات.

فإلى أي حد تترجم الحركات السلفية التي كانت محل الدراسة هذه الحركية التي يعرفها حقل التدين في المغرب؟

أما عن فرضية البحث التي كانت محل اختبار فتمت صياغتها كالتالي:

لا يعتبر بروز السلفية ، بأي حال من الأحوال، مؤشرا على أي انشطار عقدي أو مذهبي بالمغرب على نحو ما تصوره السجالية المجتمعية ، بقدر ما هي تعبير عن بعض  مظاهر التحول السوسيولوجي الذي تشهده أنماط التدين في المغرب، فقد غدت النماذج الكلاسيكية للتدين في المجتمع المغربي ضعيفة ولم تعد تمارس دورا معياريا، الأمر الذي عنى بالنسبة لنا أن تلك النماذج هي في الطريق إلى أن تغدو كلامية ومتحجرة وتتجه شيئا فشيئا إلى فقدان تأثيرها، ومن تم تشكل السلفية محاولة لسد هذا الفراغ، ووسيلة لكي يسترجع الدين دوره المعياري إذ بواسطة هذه المذهبية، وعبر خطابها وأنماط فعلها وتنظيمها، يجد الدين فرصة للمقاومة والتحول والاستيلاء على مواقع ومجالات جديدة بما فيها مواقع التدين التقليدية.

ولقد اختارت هذه الدراسة تناول موضوع الحركات السلفية بالمغرب من منظور أنثر وبولوجي سوسيولوجي. مستهدفة قراءة هذه الحركات كظاهرة اجتماعية وثقافية ونفسية، ثم قياس حجمها الحقيقي ومدى حضورها وسط الشرائح الاجتماعية، وقدراتها على الاستقطاب و التعبئة المذهبية، إذ لا ينبغي للباحث أن يعتبر الاهتمام الذي حظيت به من قبل السياسات الدولية والوطنية مؤشرا كافيا على أهمية الظاهرة، لأن ذلك لا ينهض معيارا على كونها ذات شأن من حيث المعطيات السوسيولوجية بالضرورة، بل لا مناص له من النزول إلى الحالات الميدانية، وتتبع أساليب البحث الجزئية الصعبة حتى يتمكن من قياس تلك الأهمية.

و بد من الإشارة في هذا التقديم، إلى حجم المشاكل التي اعترضت البحث الميداني، والتي حتمت التضحية ببعض بالخطوات المنهجية المعتادة في البحث السوسيولوجي التي لم تعد تجدي في حالتنا هذه، مما حتم  إجراء تغييرات راديكالية  في معظم محطات هذا البحث.ويمكن اختصار هذه المشاكل بقطتين أساسيتين:

– لزوم التكيف مع المناخ الطائفي الذي تعمل فيه هذه الحركات خصوصا وذلك على المستويين التعبيري المظهري، حتى لا تمثل شخصية الباحث أية عرقلة أمام بحثه، بما يقتضيه ذلك من إظهار قدر من مشاركة المستجوبين في رؤيتهم للعالم، وهي مهمة يصعب التكيف معها من الناحية النفسية كما تسبب معاناة من الناحية الوجدانية.

– انغلاق ميدان البحث مباشرة بعد  حدث 16 مايو 2003 الإرهابية بالدار البيضاء  حيث أصبحنا محل شك العديد من الأطراف التي سبق إقناعها بفكرة البحث وبالتعاون معنا، فرغم إلحاحنا المتكرر على إعادة شرعنة صفنا البحثية بعد 16 ماي، فإن الظرف كان أقوى من أية حجة يمكن تقديمها أو المفاوضة بها لحل هذا الأشكال.

وقد دفعتنا هذه المشاكل إلى تبني استراجية بحثية تترك جانبا الخطوات المنهجية المعتادة في البحث السوسيولوجي وتتبع أساليب غير مباشرة ومنها:

–       إخفاء الهوية البحثية والدخول في التنظيمات السلفية على هيئة التابع.

–   تغيير دار القرآن التي كنا نتردد عليها مرارا، مما كان يمكن من متابعة البحث الميداني في دور أخرى مع الانتقال الدوري بينها مخافة جلب الانتباه.

–       البحث عن وسطاء تخلف علاقتهم من الشخصيات والتنظيمات المقصودة بالبحث وتقصي المعلومات من خلالها.

ومن حيث هندسة البحث، فقد تم تقسيمه إلى قسمين أساسيين، تمت العناية في أولهما بالسلفية باعتبارها إيديولوجيا دينية، وهو ما يعني أننا لم نعالج السلفية باعتبارها مجرد وثوقيات تنشد الترشيد العقائدي والتعبدي، ولكن كمنظومة تقوم بتأطير ذلك المجموع المتناسق من الصور والأفكار المصاغة في مفاهيم ومعايير ينطلق منها المشروع السلفي لصياغة رؤيته للعالم.

وانطلاقا من هذا الاعتبار، كان سعينا في هذا القسم متمثلا في مهمتين رئيسيتين وهما:

1-   تفكيك الجهاز الإيديولوجي للخطاب السلفي، وبسط ما يحتويه من رموز ومعاني.

2- اكتشاف نوع البراديغم الذي يشكل الناظم الداخلي للعقيدة السلفية،  وذلك من أجل الوقوف على الشكليات التي يتم من خلالها إنتاج قضايا هذه العقيدة، و محاكمة الأفكار السائدة من حولها، والتصريح بصوابها من عدمه.

وهذه بعض الأسئلة التي أخضعناها للتحليل ضمن هذا القسم:

– فكيف ترتسم فكرة الله في الذهن السلفي ؟ وما هو البراديغم الذي ينتجه الاعتقاد بهذه الفكرة ويصدر عنه الذهن السلفي عندما ينتج المقولات الأخرى المرتبطة بهذه العقيدة ؟

– إذا كان المقولات المركزية الإيديولوجيا السلفية متمحورة حول هذا التوحيد باعتباره أهم مكونات التدين، فما هي  المعاني  الظاهرة والرمزية لفكرة التوحيد عند السلفية؟ و إلى أي حد ساهمت هذه الفكرة  في بناء باقي الأفكار السائدة داخل هذا النسق الاعتقادي؟

– إذا علمنا أن فكرة التوحيد فكرة الله هي أساس الفكرة الأساس عند كل التشكلات الإيديولوجية الإسلامية، فبماذا تتميز الفكرة التوحيد كما يتبناها السلفيون؟ هل ينتج الانطلاق منها تعددا في أسلوب الاعتقاد بالفكرة أم أن هناك تمثلا واحدا لهذه العقيدة؟

وقد خلصنا من خلال معالجة هذه الإشكاليات إلى استنتاج عام مفاده أن ما يجعل من الإيديولوجيا السلفية محل جاذبية كبيرة هي أنها تعمل على إعادة صياغة معتقدات الإسلام في شاكلة أكثر تبسيطا، فهي مذهب ديني موجه لا إلى النخبة المتمكنة من وسائل التنظير و الحجاج، وإنما إلى أناس في حاجة إلى فهم لما يعتقدون، في حاجة إلى عقيدة بسيطة بإمكانهم إدراكها حسب إمكانياتهم الذاتية والتحدث عنها مع الآخرين من أمثالهم، بدون أن يتيهوا في الكثير من المتاهات الإيديولوجية.

من هذه الوجهة يمكن القول أنه من خلال مسالة التوحيد، فإن السلفية تستبطن إعادة تشريع العلاقة بالأشياء المقدسة من خلال ربط المؤمنين بمفاهيم بسيطة، مادام أن  الاعتقاد بالتوحيد عندها لا يتطلب سوى الاعتقاد بالله كما وصف به نفسه في الكتاب والسنة من دون تأويل ، كما أنه من خلال هذه المقولة ، يصبح الإيمان عند السلفية وحدة كمية قابلة للقياس،بحيث يمكن في كل وقت وحين اختبار سلوكيات المؤِمن وممارساته التعبدية والنظر فيما إذا كانت موافقة لتعاليم عقيدة التوحيد.

وفي سياق تفكيك الجهاز الإيديولوجي السلفي تم رصد ومعالجة السمة العامة للخطاب السلفي وهي التصلب المذهبي، والذي أرجعناه منبعه  مبدأين تتسم بهما الإيديولوجيا السلفية:

–       رفض الشرك والإصرار على التوحيد الذي يجب أن يخضع له كل سلوك بشري.

–       الرؤية الصارمة جدا والملتزمة بحرفية القرآن وفق التقليد الحنبلي ، والذي يجعل كل شيء يعود إلى منطوق القرآن السنة.

وتكتسب السلفية تصلبها من كونها محاولة  نشطة لتكوين أورتدوكسية واحدة لكافة السكان،.. نوع من الإصرار على تأسيس مذهب فقهي متجانس مع العقيدة، وثورة على التقليد الدينية الكلاسيكية واعتماد الإسلام النصوصي الذي يحيل على القران والسنة كمناط كل تفكير وسلوك.

وفي فصل آخر من نفس القسم، وقع الاهتمام بالمصادر المؤسسة للإيديولوجيا السلفية، وكان الغرض هو الوقوف على كيفية مساهمة المصادر في بناء هذه النزعة الدينية، واكتشاف أثر الظروف التاريخية والثقافية التي أحاطت بهذه المصادر في تشكيلها لهذه الإيديولوجيا.

وقد مدنا تتبع تحليل سير ومسارات الآباء المؤسسين للإيديولوجيا السلفية بإمكانية تصنيف الحركات السلفية العاملة اليوم بحسب نوع التأثير الذي مارسه هؤلاء عليها والطرق التي تلقت بها أفكارهم، فمن هذه الحركات من تأثر بالجانب العملي في فكر هؤلاء أي مقارعة المذهبيات المخالفة، ومنها من تأثر بالجانب العملي والبحثي، ومنها أخيرا، من تأثر بالجانب الجهادي ضد ما يعتبر في متن السلفية ب “أعداء الإسلام” في الداخل والخارج.

كما اهتم البحث في إطار تحليله لايدولوجيا الحركات السلفية باكتشاف البراديغم الذي يخترق الخطاب السلفي، وقد قصدنا بالبراديغم هنا ذلك الطابع الذي تصدر به  الإيديولوجيا السلفية، إنه الأنموذج الذي يساعد الخطاب على حل جميع المعضلات المعرفية التي تعترضه. والذي يتحول إلى عقل مركزي حاكم على مجموع الإنتاج الفكري السلفي على جميع المستويات، وقد أمكن وصف النظام التي تصدر عنه السلفية بوصفين جامعين هما  النصوصية والشكلانية.

وفي إطار إخضاع الإيديولوجيا السلفية للتحليل الانتروبولوجي، أولى البحث اهتماما كبيرا بالطقوس التي يتعبد بها السلفيون، فمن خلال الاطلاع على الوثائق المذهبية للحركات السلفية محل الدراسة وملاحظة ممارستها الطقسية التي تقام داخل مقراتها، تبين لنا أن من الأهداف البيداغوجية الكبرى لدى هذه الحركات هو النجاح في  أن يعكس أداء الأتباع ذلك السلوك النموذجي المرغوب فيه والتعبير عنه بواسطة سلوكيات قابلة للملاحظة ، فالسلفي الحقيقي عند هذه الحركات هو ذلك الشخص  الذي يحرص على ظاهر الأشياء، ولا يقبل أن ينسب إلى التدين شيء مخالف لما هو نمطي ومحدد بقواعد.

إن اهتمام الإيديولوجيا السلفية بالعبادات والطقوس التي يجب أن يقوم بها التابع يجعل منها مشروعا ذا إستراتيجية شاملة يرمي إلى إصلاح جميع أوجه الحياة الدينية اعتقادات كانت أو سلوكيات، تحمل السلفية إذن تصورا  سلوكيا للحياة الدينية يتوجب أن تتحول التعاليم السلفية إلى سلوكيات ملموسة، وليس إلى مجرد تعلق عاطفي بالدين لا أثر له في السلوك.

وإزاء الواقع العبادي الموجود التي تعتبره السلفية بدعيا، تعبر السلفية عن حركة رفض للتجليات الثقافية والسوسيولوجية للإسلام المحلي لصالح الانتصار للإسلام المجرد، فبصفة ضمنية يقول السلفيون بأن الإسلام فقد على الأرض نقائه وصفائه الأصليين، ليصبح مرتُعا لأنواع من القداسة المحلية التي تستمد مشروعيتها من مجرد التأثر  بظروف الزمان والمكان وليس من المقتضيات الأصلية للإسلام.

وبغض النظر عن التبرير الديني الذي تستند إليه هذا الهجوم على الطقوس البدعية ، فإن له أثار سوسيولوجية وهي التقليص من قدر العبادات إلى حدودها الدنيا التي تتطلبه التعاليم الدينية. ومن ذلك يمكن اعتبار السلفية نزعة عبادية تقشفية وحركة احتجاج على التطويرات المحدثة قي مجال العبادة.

وقد كان  الفصل الأخير من القسم الأول فرصة لدراسة طرق تلقين الإيديولوجيا السلفية كما تم تفصيلها في الفصول السابقة، ويختزل الخطاب السلفي مضمون هذا التلقين وطرقه في مصطلح الدعوة، وهو في العمق عمل نضالي وسيلته الأساسية الوعظ الديني البعيد كل البعد عن الإعداد والتأهيل السياسيين، وهو عمل دائم ومستمر. كما كنا نقوم في كل لحظة من لحظات هذا الفصل بمقارنة عملية التلقين الديني السلفي مع التلقين الديني الذي يتم في المدارس والمعاهد التقليدية في المغرب حتى نقف عند أوجه الاختلاف الواقع في تلقين المعرفة الدينية في المغرب

وعلاوة على الدروس الدينية المعطاة عبر مختلف دور القرآن والمعاهد التابعة للتنظيمات السلفية، يتم التلقين عبر آلية بسيكولوجية هي التماهي. فعند الطوائف السلفية، يعتبر التماهي إحدى الأواليات التي تؤدي إلى بناء الهوية الطائفية بما هي محصلة نهائية لمسلسل طويل من علمية التلقين المستمرة، إذ بواسطة التماهي يتعلم التابع الكثير من الأنماط السلوكية المطلوبة وذلك عبر مشاهدتها عند غيره وتسجيلها في شكل إدراكات حسية أو استجابات رمزية، يستخدمها في تقليد السلوك الذي يلاحظه، أو في الحصول على المعلومات التي تمكنه من استخدام ذلك السلوك  في مواقف أخرى، ويتحقق هذا التماهي من خلال الأداء الجماعي والموحد للطقوس الدينية، واستعمال المقابلات الرمزية التي تعوض الأسماء الحقيقية للأتباع، والتمظهر بسمت واحد ، مما يمكن  معه اعتبار السلفية ذات نزعة تدينية استعراضية وممارسة عيانية العقيدة.

وفي نهاية هذا القسم انتهينا إلى خلاصتين عامتين نوجز من خلالهما كل ما قيل بشكل تركيبي. وهكذا فبعد معالجة الإيديولوجيا السلفية واكتشاف معانيها الصريحة والرمزية خلصنا إلى نتائج محورية نذكرها تباعا:

–    يصدر الخطاب السلفي عن إيديولوجية واضحة تتلخص في عقيدة التوحيد، والتي تضع كهدف نهائي تجريد الأشخاص والأشياء والأفكار من صفة القدسية، وإعادة توظيف العاطفة الدينية في أشكال محددة بدقة يعتبرها السلفيون ترجمة صحيحة للتعاليم الإسلامية الأصلية.

–    يِؤدي وضوح هذا الهدف الإيديولوجي إلى تماثل كبير بين الأفكار السلفية أيا كان القائلون بها، بحيث نجد لديهم مقاومة كبرى للتغير الذي يمكن أن يطال هذا السقف الإيديولوجي، وبذلك لا يمكن التمييز بين الخطابات السلفية، من حيث مرونتها وتشددها، إلا من خلال تفاصيل صغيرة جدا.

في القسم الثاني، وبدل الواقف النظرية، وقع الاهتمام أكثر بالمواقف الملموسة للسلفيين المغاربة، وذلك من خلال وصف مكثف للممارسات التي يكشفها الواقع وإبراز القيمة التداولية لهذه الممارسات في الحياة اليومية.  وعلى هذا الأساس، حضيت الحياة الدينية للمجموعات السلفية محل البحث بنفس القدر من الاهتمام الذي أوليناه لإيديولوجيتها.

كما سعينا من خلال هذا القسم إلى تحقيق قيمة إثنوغرافية مضافة من خلال المعطيات التي نجحنا في جمعها عن طريق البحث الميداني، ومن خلال ما أنجزناه من وصف مكثف لواقع التنظيمات السلفية محل البحث.

هكذا أولت الدراسة اهتماما كبيرا بالحركات السلفية في نشأتها وامتدادها وتوزيعها الجغرافي  في مدينة مراكش ، وتعززت هذه الدراسة المونوغرافية بخريطة تفسر شكل امتداد وتوزيع مقرات التنظيمات السلفية في مدينة المشمولة بالبحث وهي مدينة مراكش، كما نجح البحث الميداني في وضع خريطة أخرى توضح توزيع المقرات التابعة لهذه التنظيمات على المستوى الوطني.

وبعد العرض الاستطلاعي، انتقلنا إلى دراسة الحقل الديني لهذه المدينة بشكل عام، على اعتبار أن الاستعراض المونوغرافي وإن كان يعرف بالتجليات السوسيولوجية  للحركات السلفية، فإنه يبقى قاصرا على إدراك حجم هذا التجلي وأثره بالنسبة إلى باقي المؤسسات والوقائع والطقوس التي تشترك في تأثيث الحقل الديني. لذلك، كان حريا بنا دراسة هذا الحقل عبر سلسلة من المونوغرافيات التي توخت بيان التأثيرات المختلفة لظهور وانتشار الحركات السلفية على مختلف القوى والمؤسسات والطقوس التي تتنازع هذا الحقل.

كانت البداية بالزوايا والأضرحة، وكان الهدف من هذه الدراسة الإجابة عن السؤال التالي: وما هو تأثير ظهور انتشار الحركات السلفية الحاملة لمشروع تغيير نمط التدين الشائع على ظاهرة عبادة الأولياء والزوايا السائدة والتي توجد مقراتها بكثرة في المدينة؟

وقد خلص البحث إلى نتيجة عامة وهي أنه وبالموازاة مع  الانتشار التدريجي للمبادئ و السلوكيات الإسلامية في صيغها السلفية، حدث تراجع كبير لإشعاع الزوايا والأضرحة، إذ بدأت التنظيمات السلفية عملها في السبعينيات بضرب المرتكزات الاجتماعية والثقافية والنفسية التدين الممارس في الزوايا والأضرحة، مما كان له كبير الأثر  قدرة هذه المؤسسات التقليدية في ممارسة نفس الفعالية. وإن كانت البحث قد وقف على استثناءات عديدة لا تنسحب عليها هذه الخلاصة.

شملت الدراسة الثانية الكتاتيب القرآنية، وكان الأمر الهام الذي اكتشفناه بفضل الزيارات التي تم القيام بها لعدد من الكتاتيب هو استثمار العديد من خريجي دور القرآن السلفية في الكتاتيب القرآنية وفي مؤسسات التعليم الأولي بفعل توفرهم على المستلزمات القانونية التي تؤهل لفتح هذه المؤسسات، كما لا حضنا التفاف المعلمين السفليين على المقررات الجديدة التي وضعها قانون التعليم العتيق ، بحيث يتم تحويل هذه المقررات إلى على كراسات صورية أو تفسر تفسيرا سلفيا ، ولقد وفر استثمار السلفيين في الكتاتيب القرآنية ورياض الأطفال الفرصة للحساسيات السلفية من أجل معاودة الحضور الفعلي في التعليم ضمن إطار مؤسساتي وقانوني. خصوصا بعد إغلاق دور القرآن والمعاهد الدينية السلفية عقب أحداث 16 مايو 2003 بالدار البيضاء.

كانت الجمعيات الإسلامية المحطة الاهتمام التالية في دراسة الحقل الديني بمراكش، وقد ببين من خلال التحليل الميداني استفادت الجمعيات السلفية كثيرا من التناقض الكبير الذي ظل يطبع تدبير الدولة للحقل الديني لفترات طويلة ، ويتمثل هذا التناقض في منع الحركات الإسلامية من ممارسة العمل السياسي بشكل طبيعي، في الوقت الذي استمر فيه بالسماح لتيارات أخرى بالدعوة داخل مجتمع تعتبر مسلما. وهو التناقض الذي أفاد الجمعيات السلفية حيث ظلت تشتغل بكل حرية  تحت شعار تحفيظ القرآن الكريم، وتعليم العلوم الشرعية ومحو الأمية  تعليم السنة والإسهام في تربية النشء تربية دينية سلفية. مما أعطى لعملها فعالية من حيث القدرة على التعبئة.

وقد كانت المساجد محل دراسة مونوغرافية أخرى، بحيث تم الوقوف على عدة مساجد ما تزال تحت السيطرة السلفية، بالرغم من كل الإجراءات التي جاءت بها السياسة الرسمية من أجل تأميم المساجد، إذ تستفيد المساجد السلفية في هذا الإطار مما ينسجه السلفيون من شبكات تواصلية دعائية تشجع على رعاية وتجهيز  تلك المساجد و بناء أخرى. مما يغني هذه الأخيرة عن إعانات الدولة. و يساهم تعزيز الحركة السلفية على مستوى القاعدة وفي الأحياء وشبكات التعاضد المتآلفة حول المساجد.

انسحب البحث أيضا على التعليم الأصيل الذي يعد بنية من بنيات التعليم في المغرب، وقد تبين أن من روافد التعليم الأصيل الحالية نجد الكتاتيب القرآنية ودور القرآن والمعاهد الدينية والمدارس العتيقة والتعليم العام. مما يعني أن قبول حفظة القرآن الكريم المنتمين إلى دور القرآن والمعاهد الدينية السلفية بمؤسسات التعليم الأصيل يمثل اعترافا غير مباشر بشرعية هذه المؤسسات، كما تم اكتشاف انطباع مستوى المادة التعليمية المقررة في التعليم الأصيل بروح سلفية واضحة.

ولإتمام الدراسة المونوغرافية للحقل الديني لمدينة مراكش، تم الاهتمام بالمدارس الدينية العتيقة المتواجدة بجهة مراكش تانسيفت الحوز، فقد أبان البحث  بعض دور القرآن السلفية تقتات على الأزمة التي يعيشها هذا التعليم، إذ يعد ولوج في تلك الدور أحد الخيارات المتاحة أمام طلبة التعليم العتيق،  خصوصا بعدما تم تضييق الخناق عليهم بفتح المجال أمام حاملي الإجازة من مختلف الكليات التي تدرس العلوم الشرعية  لولوج المهن الدينية الرسمية.

بعد إتمام دراسة الحقل الديني بمراكش و قياس درجة حضور وتأثير الحساسيات السلفية فيه، انتقلنا إلى دراسة أسواق الاستقطاب التي ينحدر منها أتباع الحركات السلفية، ففي البداية حددنا عينتين تنتمي  كل واحدة  منهما  إلى الحركتين السلفيتين التي اهتمت بهما هذه الدراسة، وهما جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة و جمعية الحافظ بن عبد البر، وكان من أهم أهداف المقابلتين الجماعيتين اللتين أجريتا مع أتباع التنظيمين معرفة سن الأعضاء ومستواهم الدراسي وتكوينهم الديني وغيرها من المتغيرات التي رجحت انضمامهم إلى الحركتين المذكورتين، فخلصت الدراسة إلى التقارب الشديد بين سن الأتباع المنتمين إلى الجمعيتين ، إذ تعد فئة الشباب سوق انتداب ممتازة بالنسبة للحركات السلفية.

أما على المستوى التعليمي، فقد  أتضح أن أغلب أتباع الجمعيتين قد  تلقوا تربية دينية، ومن أهم مظاهرها ارتياد المدارس العتيقة ودور القرآن،  مع تسجيل خروج نسبي عن هذه القاعدة بالنسبة لجمعية الدعوة، فانسجاما مع هدفها في تبليغ الدعوة إلى العموم، تستقطب جمعية الدعوة نسبة من مريديها المترددين على دور القرآن من أوساط واسعة ليس لهم سوى حظ يسير من التربية، فهم كانوا إما عاطلين عن العمل، أو شباب يافعين فقراء يعبرون عن احتجاجهم بتعاطي الكحول والمخدرات والانحراف، قبل أن يتحولوا بفعل الدعاية السلفية إلى مبشرين ووعاض هدفهم إرجاع البقية إلى جادة الدين، في حين أن ما يقدمه المعهد التابع لجمعية الحافظ من إمكانية لولوج مستوى الباكلوريا هو الذي يفسر الإقبال عليه من طرف زبناء محددين هم طلبة المدارس العتيقة الحافظين للقرآن حصرا، بحيث يمكن اعتبار المعهد جسرا يعبر منه طلبة المدارس العتيقة إلى الكليات النظامية.

أما من حيث المستوى الاقتصادي للأتباع، اتضح وجود حرمان اقتصادي يعانيه أتباع الحركتين، وهو حرمان تواجهه الحركات السلفية بالوعظ الديني، وبذلك فإن هذه الحركات تقوم، في واقع الأمر، بإخفاء الأسباب الحقيقية التي رجحت الإقبال عليها، إنها تقوم بمكافحة الفقر بالمعاني الجمعية التي  تتشكل من خلال العيش داخلها  ، فليس من مصلحة الحركة أن يعي أتباعها طبيعة الحرمان الذي كان في مصدر انتمائهم لها، لأنها ستضطر عندئذ إلى وضح حلول عقلانية ودنيوية للتغلب على الحرمان مما سيقضي عليها كحركة دينية، فالحل الديني الذي يتمثل في حالتنا بخطاب الوعظ هو في الحقيقة تعويض عن الشعور بالدونية الاقتصادية أكثر منه مجهودا للتغلب عليها.

وفي الأخير، خلصنا أن سر الاستقطاب هو أن كل إلى أن كل حركة سلفية تقوم بإشباع حاجيات مختلفة، بحيث تقوم جمعية الدعوة باستقبال أصحاب “النفسيات القلقة”، لتلبي لهم حاجيات الأمن والاستقرار والثقة بالنفس  والتحرر من مشاعر الخوف والقلق السائدة لديهم، في حين تعتبر جمعية الحافظ، وبفعل براغماتية أتباعها ،  مجرد جسر سرعان ما يغادره هؤلاء عند قضاء حاجتهم وهي الحصول على الباكلوريا.

وفي فصل آخر وقع الاهتمام بقضيتي التنظيم وأنماط القيادة عند الحركات السلفية محل الدراسة، ففي داخل تنظيم جمعية الدعوة وقع التركيز على علاقة القائد بالأتباع لتفسير مسألة التنظيم داخل هذه الجمعية، حيث تبين عمودية العلاقة بين القائد والأتباع، بشكل يجعل كل القرارات تتمركز في يد القائد، وتنعدم فيها مشاركة الأتباع. فما يلفت النظر في هذه الحركة هو وجود قيادة مركزية تغيب فيها تراتبيات السلطة. يتعلق الأمر، إذن،  بنوع من القيادة الأتوقراطية التي من سماتها: فرض الرقابة المباشرة على التنظيم، اتخاذ جميع القرارات المهمة، الحرص على ضمان الولاء للقائد.

وبفضل هذا النمط من القيادة تمتلك قائد تنظيم جمعية الدعوة قدرة كبيرة على ضبط المجموعة وجعلها تسير على الإيقاع الذي يريده، ما دام الزعيم يمتلك القدرات لتزويد التنظيم بالموارد المالية والرمزية المتمثلة أساسا في العلاقات التي تساعدها على العمل في أشد الظروف. فتنوع الموارد وتعددها وارتباطها بالقائد هو الذي يحسن مرودية التنظيم، على الرغم ما يرافق ذلك من شخصانية وفردية ولامؤسسية كمظاهر تنظيمية.

وتسود لدى تنظيم جمعية الحافظ ابن عبد البر للعناية بالتراث الإسلامي صورة مخالفة تماما، إذ وضعت نخب هذا التنظيم مبدأ تنظيميا جديدا وهو اللامحورية، حيث تم استبدال مفهوم القيادة المطلقة بمفهوم القيادة الاندماجية التي تقوم على نظام الاعتماد المتبادل، تكون القيادة فيه تعاونية يعمل فيها القائد كخادم للجماعة، فالكل يشارك كأقران في صنع القرارات. كما يتحمل الكل المسؤولية الناجمة عن تلك القرارات. مما جعل علاقات السلطة داخل جمعية الحافظ بسيطة لا تترك مجالا لتحكم جهة محددة. مما يجعل قراراتها مطبوعة بالتوفيقية التي تأخذ بعين ليس فقط نمط توزيع السلطة القرارية داخل التنظيم، ولكن أيضا متطلبات الوضع الاجتماعي العام.

ولقد كان من غير الممكن ادعاء القيام بمعالجة سوسيولوجية للموضوع دون استعراض مسارات النخب السلفية في مدينة مراكش عن طريق التحليل البيوغرافي، هكذا تم التركيز على شخصيات نموذجية  سواء كانت منتمية إلى الحركات السلفية أو كانت مستقلة، وقد تم اكتشاف أنه من الممكن تقاس الشخصيات التي شملتها الدراسة على النخب السلفية الأخرى، وذلك نظرا للمسارات المتقاربة لهذه الشخصيات، بالرغم من أن هذه النخب، مثلها مثل الأتباع، قد انتمت إلى التنظيمات السلفية عبر مسارات فردية وليس على أساس قاعدة مشتركة. وفي هذا إطار هذا الفصل تم استعرض القدرات المعرفية  والمادية التي تكون رأسمال هذه الشخصيات ويجعلها تتمتع بنفوذ مادي أو رمزي كبير في التنظيمات السلفية داخل المغرب وخارجه.

وفي الفصل الأخير من القسم الثاني تم استعمال علم السياسة لدراسة علاقة القائمة بين السلفية والعمل السياسي، لكن الافتقاد إلى الخطاب السياسي، كان عائقا في وجه دراسة العلاقات السياسية للحركات السلفية محل الدراسة، وزاد من حدة هذا العائق انحصار نشاط هذه الحركات في حلقات التدريس ونشر وتأليف الكتب وغيرها من المناشط المليئة بالوعظ الديني، فما ظل يستقطب اهتمام الحركات السلفية هو  الاستقامة الفردية وليس الفعل الجماعي الذي يتوخى أهدافا دنيوية، وهذا ما يجعل منها حركات تزدري السياسة وتبعدها من اهتماماتها. لصالح العمل على تكوين طوائف تكون التضامنات الأهلية والجماعية فيها مؤسسة على التجربة الدينية الشخصية وتحقيق الذات بعيدا عن الإعداد والتأهيل السياسيين.

لكن البحث اكتشف أنه إذا كانت السياسة غير موجودة على مستوى الخطاب، فإن ذلك لا يعني غيابها، فهي تنتمي إلى مستوى آخر، مستوى الممارسة اليومية، بحيث يمكن أن نجد بعض مدلولاتها في أشكال العمل اليومية، والطقوس، والتنشئة، والعلاقات الاجتماعية، ولذلك عمل البحث على الكشف عن عناصر الفعل السياسي السفلي في هذه المستويات.

ومن خلال مختلف المواضيع التي تم التطرق إليها في القسم الثاني، خلصنا إلى إقامة أن الحركات السلفية التي كانت محل الدراسة هي نوع من الحركات الاجتماعية الدينية الوعضية الذي تتبنى فعلا جماعيا يسعى إلى تغيير القيم وتجديد الأخلاق. لكن أنماط عملها تبين حقيقة أخرى، فإلى جانب الدوافع المثالية التي تحرك هذه الحركات، فإن ثمة مصالح نفعية دنيوية تعتبر الأساس المفسر لقدرتها على التعبئة الاجتماعية.

و مما لوحظ على الحركات السلفية أيضا، مرورها بمرحلتين مهمتين في سياق تطورها. فقد كانت المبادرات التنظيمية في البداية لا مركزية وغير منسقة وتطبعها التلقائية، حيث لم تكن تتميز إلا بشيء قليل من التنظيم، وانعدام الوضوح في الأدوار والأهداف. وفي مرحلة ثانية، بدأت مرحلة العمل المنظم والبناء الاجتماعي الذي تحددت فيه الأدوار، وتبلورت الأهداف في إطار أيديولوجية متكاملة.

سجلنا أيضا وجود اختلافات في مستويات أداء الحركات السلفية ودرجات فعالياتها؛ وذلك في ضوء الأهداف التي سعت إليها، والآليات التي استخدمتها، والسياق الاجتماعي الذي عملت ضمنه، واللحظة التاريخية التي نشأت فيها أو مرت بها… إلخ، ولكن الصعوبة الكبرى التي واجهتها، ولا تزال، هي أنها تعمل بعيدا عن الأطر الرسمية للنظام السياسي، بمعنى أنها تفضل العمل من خارجه، لا من داخله، وهي وإن كانت بمثابة قاعدة لانطلاق النقد الاجتماعي وممارسته بشكل فعال ، إلا أنها تظل في أغلب الأحوال تشكل في مجموعها الكلي حركات غير محددة الملامح وغير متجانسة إلى حد كبير، الأمر الذي يؤدي إلى آثار سلبية متعددة منها انكفاء هذه الحركات على ذاتها، وتقليل فعاليتها بصفة عامة وتعرضها للانشقاق المستمر.

فقد شهدت الحركات السلفية محل الدراسة موجات انشطارية متوالية أفضت إلى توزع المعسكر السلفي إلى عديد من الاتجاهات يصل الاختلاف بينها إلى حد التناقض، إذ لم يعد معطف السلفية قادرا على أن يجمع سلفية “جهادية” تدعو إلى الانقلاب على أنظمة الحكم وزلزلة عروشها، وسلفية “تقليدية” و”علمية” ، تتبنى الفكر الانسحابي، وتدعو إلى طهارة المعتقد، وعدم منازعة الأمر أهله، فلا يجوز لديها مناكفة السلطان، سواء أكان ذلك بالوسائل الخشنة أم بالأدوات العامة، فكلاهما يشكل في نظرها نزعة خوارجية تتعاكس مع المنطق السلفي الداعي للطاعة، وعدم شق عصا الجماعة.

و خلصنا أيضا إلى أن التيار الغالب والأكثر انتشارا بين السلفية المغربية هو تيار ما يعرف بالسلفية التقليدية (جمعية الدعوة إلى القرآن والسنة) الذي يركز علي قضية تصحيح الاعتقاد ومسائل العبادات، ويليه تيار السلفية العلمية (جمعية الحافظ ابن عبد البر) وهو تيار يعتمد على إحياء التراث وتحقيقه وتكوين نخبة علمية سلفية.والتياران يشتغلان دونما أي مقاربة للسياسة جدلا أو اشتغالا…مع تسجيل أن الانتقال سهل وميسور من السلفية التقليدية والعلمية إلي الجهادية..لأسباب عدم وضوح فكرة السلفية التقليدية والعلمية من مسألة الجهاد، والفراغ السياسي – رؤية وممارسة- الذي يتركه هذان التياران من خلال ابتعادهما عن السياسة، و عدم وجود تصور للتعاطي لهذه الأمور عند رموز وشيوخ ما يعرف بالسلفية التقليدية والعلمية، مما يشجع بعض الأتباع للتحول نحو إطار سياسي يعطي لفكرة الجهاد موقعا في عقيدته.

وإذا كان من الممكن انسحاب بعض هذه الخصائص على حركات أخرى منتشرة في أقطار عربية وإسلامية أخرى، خصوصا من حيث المبادئ الأساسية المؤطرة للفكر والموجهة للعمل، فإن فهم منطق اشتغال الحركة السلفية في المغرب، وبيان مساراتها وأوجه تفاعلها مع واقعها لا يتأتى إلا بتتبع الناطقين باسمها ومناحي فكرهم ودراسة تنظيماتهم وأنماط سلطاتهم وشبكاتهم الاجتماعية ، كل ذلك على المستوى القطري أساسا، آنذاك فقط يمكن اكتشاف خصوصية كل تيار من التيارات السلفية العاملة داخل المغرب، خصوصية يرفضها مسار هذا القطر التاريخي وبناؤه الاجتماعي، وذلك رغم ادعاء الإيديولوجيا السلفية التعالي عن معطيات الزمان والمكان واحتكارها التعبير الصحيح عن عقيدة الإسلام.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий