Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > تمثيل الأنبياء بين غياب النصّ وحضور الفتوى أو التّجريب الاجتهادي

تمثيل الأنبياء بين غياب النصّ وحضور الفتوى أو التّجريب الاجتهادي

بقلم: سامي براهم

تمهيد:

طلب بعض المحامين التّونسيين تدخّل سماحة المفتي لإيقاف بثّ مسلسلات تجسّد الملائكة والأنبياء على شاشات تونسيّة، ممّا أثار جدلا واسعا. ولا شكّ أنّه من حقّ أيّ مواطن تونسي أن يتوجّه إلى أيّ هيئة وطنيّة أو مؤسّسة دستوريّة أو جمعيّة مدنيّة لممارسة دور مدني، تحفّظا كان أو احتجاجا أو تظلّما. وإن كانت المسألة المطروحة متعلّقة بالإبداع الدّرامي، وهو مثل أيّ سلوك إنساني وأيّ نشاط مدنيّ معرّض للنقد والرّقابة والضّبط، فإننّا مع ذلك نعتبر أنّه ليس من حقّ طرف دون آخر أن ينفرد بتحديد تلك الضّوابط والحدود التي تحسم في سياق الجدل والحوار الوطني الذي يشارك فيه المثقفون وأهل الخبرة والفاعلون في الشّأن العامّ على اختلاف مرجعياتهم ومشاربهم الفكريّة، بشكل يعبّرون فيه عن ضمير المجموعة الوطنيّة، ليفضي حوارهم إلى تراكم يفضي بدوره إلى صياغة قيم مشتركة كشكل من أشكال استفتاء الإرادة العامّة للمجتمع والاقتراب، بما يمكن اعتباره إجماعا وطنيا حول القضايا الخلافيّة.
المقدّس بين ثقافة الكلمة وثقافة الصّورة :

تثير مشكلة فزع الضّمير الإسلامي- على الأقلّ السنّيّ- من عرض الأنبياء وخاصّة النبيّ محمد وصّحابته، على شاشة السنما أو التلفزة إشكاليّة تتجاوز المجال الدّيني إلى مجال النقد الأدبي في علاقة بالصّورة، من خلال المقابلة بين ثقافة الكلمة وثقافة الصّورة أو على وجه أدقّ المقابلة صورة الكلمة وكلمة الصّورة أي التّصوير بالكلام من خلال الصّورة الشّعريّة والكلام بالتّصوير من خلال الصّورة الدّراميّة في السنما أو الشّاشة التلفزيّة ممّا يطرح أسئلة عن الضّمير الإسلامي والذّائقة الإسلاميّة في علاقة بالصّورة التي تجسّد الرّأسمال الرّمزي لجمهور المؤمنين. وهي وضعيّة تذكّر بالجدل الحادّ والتّدافع والصّراع الذي وقع في بداية عصر التّدوين بين أنصار المشافهة وأنصار التّدوين حيث عدّت المشافهة عبر الرّواية الطّريق الشرعي الأمثل لنقل المعرفة الصحيحة وعدّ ما في الصّدور أوثق ممّا في بطون الكتب وبقيت الثقافة العربية الإسلاميّة ردحا من الزّمن حبيسة سلطة المشافهة ورهينة قوالبها في بناء الخطاب، وبقي أرباب الرواية أصحاب السلطة المعرفيّة ولكنّ تطوّر الزمن فعل فعله وانتقلت الثقافة العربيّة الإسلاميّة من عصر المشافهة إلى عصر التدوين بشكل نهائيّ وحاسم.

أمّا قضيّة الحال التي تضع ثقافة صورة الكلمة مقابل ثقافة كلمة الصّورة فتقوم على التمييز بين الصّورة الشّعريّة القائمة على التّخييل والتّمثيل المفضي لتكثير المعنى وتكثيفه عبر المجاز والاستعارة والانزياح ومخاتلة الواقع والسّرد القصصي، والصّورة السّنمائيّة القائمة على تجسيد الواقع ومحاصرته وتثبيته واختزاله في أبعاد الصّورة التي تؤدّي إلى تسطيح المعرفة واستهلاك المعلومة.

وهي قضيّة تتجاوز فقهاء الدّين إلى القضيّة النقديّة التي أثارها ظهور السّنما مقابلا للأدب، ونذكر في هذا السياق نصّا بديعا لسيمون دو بوفوار 1908/1986 في كتابها الشّهيرtout compte fait انتصرت فيه للصّورة الأدبيّة على حساب الصّورة السّنمائيّة التي تفقّر المعنى ولا تغوص في التفاصيل الداخليّة للشّخصيّة، وتفتقر بالتالي للإحاطة بالواقع ولا تنقل المعرفة مثل الصّورة الأدبيّة.

صحيح أنّ سيمون كتبت كتابها قبل أن تواكب الفتوحات التقنيّة والإبداعيّة في مجال الصّورة، حيث تطوّرت تقنيات الصّورة بشكل لافت واكتسبت العديد من خصائص الكلام كالإبهار والإدهاش واستثارة ملكة التخييل إلى درجة الفنطازيا والعجائبيّة، فضلا عن دقّة تقمّص الواقع وتشخيص الأحداث وتجسيد الشّخوص، ولكن أنّى لها أن توظّف خبرتها المتراكمة وتخترق عالم المقدّسات بكلّ كثافاته الرّمزيّة وشحنته العاطفيّة الرّوحيّة ورموزه المتعالية، لتقنع الضّمير الدّيني خاصّة الإسلامي والسنّيّ منه على وجه أخصّ بمصداقيّة ما يمكن أن تتناوله من عوالم دينيّة فتنال رضى المؤمنين ولا تشوّش عليهم طمأنينة ضمائرهم وصفاء معتقداتهم، ممّا يطرح بكلّ جديّة جملة من الأسئلة :

*هل ما زالت ذائقة المؤمنين أو تحديدا ذائقة أصحاب السلطة الفقهيّة تميل إلى التّصوير بالكلمات ناظرة بعين الرّيبة للتصوير السنمائيّ؟
*إلى متى يمكن أن يصمد الضّمير الإسلامي أمام طوفان الصّورة الذي يخترق عالم المعرفة وكلّ مجالات الحياة المعاصرة؟

*إلى أيّ مدى سيتمكّن الفقهاء والمستأمنون على العقائد من المحافظة على سلطة المنع والمصادرة؟
*لماذا يشتغل المقدّس في كلّ ثقافة بطريقة مختلفة بل داخل نفس الثّقافة؟

* هل ما يثار من جدل حول موقع الصّورة يدلّ على أنّنا لم ننخرط بعد في ثقافة الصّورة وما تتطلّبه من تجريد وتجرّد وحياد وقدرة على الانخراط في عقد العمل الدّرامي وما يقتضيه من تمييز بين الشّخص “هويّة متقمّص الدّور” والشّخصيّة الفنيّة والمرجع التاريخي الذي يتناوله العمل الدّرامي؟

بين تقديس الإنساني وتأنيس المقدّس :

الباحث في لفظ مقدّس والحقل الدّلالي لمشتقاته -في القرآن والسنّة وكتب التفسير وسائر العلوم الإسلاميّة- لا يجد صعوبة في التّمييز بين مفهوم المقدّس في الثّقافة العربيّة الإسلاميّة ومقابله في ثقافة الدّيانات الأخرى. إذ يدلّ في تلك الثّقافات على المفارق والمنفصل والمغيّب والخفيّ والقهريّ والجبريّ والممنوع والمكرّس والملغز والمبهم والغامض والخفيّ والسريّ والمكتنف بالأسرار وغير الملموس وغير القابل للفهم والتفسير والإدراك والتّعليل … هو حقل دلاليّ مشحون بالأسراريّة والخفاء والخوف والمفارقة الحادّة، ممّا يساهم في جعل عالم القداسة عالم المفارقة والطّهرانيّة والرّهبة بامتياز، مقابل العالم الدّنيوي المدنّس، عالم الخطيئة الموروثة من زمن البدايات.

يقتصر اللفظ في السياق العربي الإسلامي على معنى التّنزيه والتطهّر عن كلّ نقص إذا تعلّق بالذّات الإلهية : في كلمة قدّوس، أو في فعل التقديس المخاطب به “نسبّح بحمدك ونقدّس لك”، ولكنّه يعني في عموم المدوّنة الطّهارة والتطهّر. فالقدس تعني الطهارة، ومنه بيت المقدس، يعني : بيت الطّهر، أي البيت الذي فيه الطّهر، ويعني لفظ أمّة مقدّسة الذي ورد معناه في الحديث النبوي مطهرة “لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقّه”(1) أي : لا طهرت

ونجد ما يقابل لفظ القداسة والمقدّس -الدّخيلين على ثقافة الإسلام- لفظ الحرام والحُرمة، كأن نقول البيت الحرام والشّهر الحرام والحرم النبوي، أو حرم أيّ جامع، وحرمة الرجل أي كرامته الآدميّة التي تقتضي عصمة دمه وماله وعرضه، وحرم الرجل أي زوجته ومحارمه المذكورون في الآية 18 من سورة النّساء

انطلاقا من هذا التحليل نفهم لماذا لم يُضْفِ القرآن على الرّسول محمّد وبقيّة الرّسل والأنبياء صفة القداسة ولم يطلب من المؤمنين تقديس أشخاصهم، بل قصارى التكليف في حقّهم ما ورد في الآيتين الثامنة والتاسعة من سورة الفتح حيث خاطب الله النبي قائلا : (إنا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا. لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا) أي لتنصروه وتجلّوه وتحترموه وتنزلوه منزلته من التكريم والطاعة. وكثيرة هي الآيات والأحاديث التي تؤكّد بشريّة الرّسول ومخالطته للناس المستضعفين منهم على وجه الخصوص، وليست عصمته بمنقصة من بشريته، إذ هي عصمة وظيفيّة لحماية الوحي ممّا يمكن أن يعتري الإنسان من خطأ أو نسيان وإغراء بتحريف الكلم عن مواضعه، وهو محفوف بالعناية الإلهية التي اقتضى لطفها أن تكون النبوّة الإصطفائيّة غير المكتسبة متجسّدة في أرض الواقع وسط غمار الأخذ بالأسباب والتعرّض والمحن التّدافع وسلوك طريق السّعي لتقديم نموذج للبشريّة عن البشر الرّسول لا الرّسول البشر أو الكلمة التي كانت في السماء فتجسّدت بشرا وصارت أقنوما للذات الإلهية.

وينطبق نفس التّوصيف على القرآن الكريم، وقد سبق أن أشرت إلى ذلك في مقال سابق منشور حيث أكّدت أنّ “إنّ الصّلة بين عالم الشّهادة وعالم الغيب هي نصّ التّنزيل الذي وسم في الدّيانتين اليهوديّة والمسيحيّة بالكتاب المقدّس، ولعلّ مردّ ذلك الوصف أنّ أجزاء من التّوراة ــ كما يعتقد اليهود والمسيحيّون ــ كتبت بيد الله في شكل ألواح أنزلت من السّماء واعتبرت مقدّسة لذاتها فضلا عمّا حوته من تعاليم. وبقيت تلك الألواح محلّ تقديس وتبرّك في شكل طقوس جماعيّة خاصّة نجد صداها إلى اليوم في الشّعائر اليهوديّة. إنّ هذا المعنى للقداسة لا يعبّر بصدق عن تمثّل الضّمير الإسلامي لكتابه، إذ يعدّ وصفه بالمقدّس غير دقيق فلم يطلق الله على نصّه اسم الكتاب المقدّس بل هو القرآن والفرقان والكتاب والتّنزيل والذّكر … كما وصفه بالحكيم والكريم والمبين والهدى … وجميعها سمات وظيفيّة تؤكّد وصف القرآن من خلال أثره الموضوعيّ المفترض في التّاريخ.

وتتأكّد هذه السّمات من خلال الدّعوة لتدبّر آياته والنّظر فيها وتعقّلها والاهتداء بهديها. وهذا التّصوّر عن القرآن بعيد عن القداسة بالمفهوم الذي عليه التّوراة في اليهوديّة والمسيحيّة، إذ القداسة في أبرز معانيها تقوم على الإعلاء والإطلاق والبداهة والجبريّة والنّهائيّة والخرق والرّهبة والحجر، وهي معان وإن كان التديّن الفِرقي والعامّي يجيش بها فإنّ مباشرة النّصوص لا تصدّقها بل توازيها دلالات وقيم تأويليّة أخرى:

ففي مقابل تلك المعاني يقوم نصّ التّنزيل على عالم دلاليّ يزخر حيويّة ويتشكّل من شبكات معنويّة متقابلة مثل الحقيقة والمجاز، والمحكم والمتشابه، والمجمل والمفصّل، والعامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، والمبيّن والمفسّر والنصّ، والظّاهر والباطن، والفحوى والمشترك … وكلّها مستويات من الدّلالة ترسّخ جملة من القيم يمكن إجمالها في النّقاط التّالية :

* مراعاة معطيات التّاريخ وتحقيق المصالح التي استدعت النصّ وتركت عليه بصماتها وإن كان إلاهيّ المصدر.

* النسبيّة في تمثّل مقصود صاحب النصّ، وهي نسبيّة في منزلة وسطى بين العدميّة “أي انعدام المعنى “والوثوقيّة” أي بين ثبوت المعنى ”

* الحريّة والمسؤوليّة في فهم النصّ وتمثّل معانيه دون وسطاء يصدرون عن سلطة فوقيّة يحتكرون النّطق باسم الإرادة الإلهيّة.

* انفتاح النصّ على مصادر أخرى للمعرفة والحقيقة مشدودة إلى العقل والواقع والاجتهاد، ويعود ضبطها جميعا إلى المجهود البشري العقلي الذي تتفاوت المنظومة الأصوليّة في ضبط حدود تدخّله وتفعيله.

يؤكّد هذا التّحليل حسب تقديرنا أنّه لا يمكن أن يدّعي مدّع أنّ ما فهمه من المعاني مطابق بشكل مطلق للمقصود الإلهي كما أنّ القطعيّات نفسها ــ وهي المعاني التي لا يحتاج مدلولها اللغوي إلى تأويل كبير ــ قد تنفتح على إمكانات تأويليّة متعدّدة خاصّة على مستوى تنزيلها أو مراعاة مآلاتها والموازنة بينها وبين ممكنات الواقع ضمن قواعد ضبطها علماء الأصول

وليس قصدنا من هذا الجدل وضع علويّة النصّ وعصمة صاحبه موضع تساؤل وتشكيك إذ تتعلّق بما في ضمير النّاس من معتقد هم أحرار في تبنّيه، بل نفي القداسة عن المعرفة الدّينيّة المكتسبة بالنظر والتّأويل والتي أضفت صفات القداسة والتّقديس “بمحمولاتها الدّينيّة الدّخيلة” على الرّسول وعلى كتاب التّنزيل، وشوّشت المفاهيم وشوّهت المعتقد.

هنا يتبيّن لنا أنّ الرّسل في التصوّر الإسلامي فضلا عن أهليهم وصحابتهم ليسوا جزْءا من عالم القداسة المفترض المقابل لعالم الدّنس. وليس هذا من باب المصادرة على المطلوب واستباق نتائج البحث، بل تحديدا للمفاهيم وضبطا للدّلالات ودعوة لتأنيس المقدّس، لأنّ المقدّس إن صحّت نسبته للثقافة العربيّة الإسلاميّة يفترض أن يكون في خدمة الإنسان لا أن يكون الإنسان في خدمة المقدّس لاستغناء المقدّس على الإنسان، وإلا انتفت عنه صفة المقدّس.

فهل المشكل تبعا لما سبق وارتباطا بسياق الندوة هو في تمثيل دور الأنبياء في حدّ ذاته أو في مدى التّوفيق في حسن ذلك التّمثيل بالشكل الذي يحترم وقار صورتهم وهيبة أشخاصهم في قلوب المؤمنين وما ثبت من حقيقة سيرتهم؟ وهل بشريّة الأنبياء قابلة لهذا الضّرب من النقل الفني باعتبار أنّهم -وإن كانوا معصومين من النقص الخُلقي فليسوا معصومين من بشريّتهم التي عاشوها بكلّ ما فيها من معاناة و نصب وكدح وجهد وتدبير ونقص بشريّ- وليس أدلّ على ذلك وصف الرّسول بالذي يأكل الطّعام أي كناية على انّه يعتريه ما يعتري البشر من قضاء الحاجة البشريّة ويمشي في الأسواق كناية على مخالطته العوامّ من النّاس؟

جدل الفقهاء بين غياب النصّ وسدّ الذّرائع :

هو جدل قديم متجدّد، ولعلّ أوّل صدى له كان بمناسبة محاولة الممثل المصري يوسف وهبي أداء دور النبيّ محمد في فيلم سينمائي سنة 1926 تموّله شركة ألمانيّة حيث أصدر الأزهر فتوى تحرّم ذلك، وكانت تلك الفتوى استجابة لمشاعر الغضب والامتعاض لدى عموم المصريين غذّته الصحافة التي كانت تظهر يوسف وهبي في أدوار مسرحيّة سابقة مناقضة لصورة النبيّ، وأصرّ يوسف وهبي على تجسيد شخص النبي محمّد لكنّه رضخ في نهاية الأمر لإرادة الأزهر.

ثمّ تكرّر الأمر مع أفلام ومسلسلات تاريخيّة يفترض أن تجسّد رموزا دينيّة إسلاميّة مثل آل البيت النبوي وزوجات النبيّ والخلفاء الرّاشدين والصّحابة المبشّرين بالجنّة وعموم الصّحابة والتّابعين والأولياء الصّالحين. هذا فضلا عن الملائكة والذّات الإلهية “في الموقف الذي يكلم الله فيها موسى مثلا”.

وليس آخرها فلم الرسالة للمخرج السوري مصطفى العقاد الذي أنتج سنة 1976، وشارك في كتابته مجموعة من كبار الكتاب على رأسهم – توفيق الحكيم، وعبد الحميد جودة السحار. وقد منع عرضه في مصر طيلة 30 سنة لتجسيده شخصيّة حمزة عم الرسول وبعض الصحابة، كما وقع التحفّظ على مسلسل خالد بن الوليد في السنة الماضية، وفي هذه السّنة وقع منع تجسيد شخصيّة عمر بن الخطاب في مسلسل تلفزيوني كما وقع التحفّظ على ظهور شخصيّة أبي بكر الصدّيق في مسلسل القعقاع رغم أنّ ظهوره من القفا كان من خلال لقطة قصيرة أشبه بالفلتة. كما وقع الإعلان هذه السّنة عن الشّروع في إخراج فيلم عالميّ عن النبيّ محمّد سيتمّ تصويره في هوليوود بتكلفة تقدّر بـ 200 مليون دولار ولكن وفق المواصفات الفنيّة المعتادة في نقل أفعال النبي وتقريراته وأقواله من خلال حكاية الأقوال على لسان شخصيات أخرى مصاحبة. وقد فاجأ المخرج الإيراني الكبير ماجد مجيدي جمهور السّنما الإيرانيّة باستعدادات مكثّفة لإنتاج أوّل فيلم يركّز على مرحلة الطفولة للنبيّ محمّد، تليها أجزاء تستعرض كافة مراحل حياته. ويبدو أنّ المراحل التحضيرية للفيلم تشي بتوقّعات عرضه في منتصف 2011.

ومنذ ذلك الوقت والجدل الفقهيّ نشط في هذا المسألة تشارك فيه مختلف المجامع الفقهيّة ومؤسّسات الإفتاء وعلماء الفقه وأصوله، ويتراوح بين المنع المطلق والجواز المطلق والجواز مع الضّبط والتقييد في ما يخصّ الصّحابة.

كما بدأ عدد من النقاد السنمائيين والأدبيين والمثقفين يساهمون في هذا الجدل.

و إذا عدنا إلى الجدل الفقهي نلاحظ ما يشبه الإجماع على عدم وجود دليل من القرآن أو السنّة أو القياس أو الإجماع على تحريم التقمّص السنمائي للشخصيات الدّينيّة التاريخيّة سواء كانوا من الأنبياء وآل بيتهم أو الصّحابة فضلا عن الملائكة.

فالمسألة حادثة بحدوث الصّورة ولا نصّ عليها إلا من باب التمحّل والتأوّل أو في ما يتعلّق بحكم التعرّض للأنبياء والصّحابة بالأذى، وما فيه من نصوص صريحة سحب حكمها على العمل الدرامي الذي يجسّد تلك الشخصيات الفذّة في ضمير أتباعها.

ممّا يدلّ على أنّ للجدل الفقهيّ حول المسألة أهمية بالغة، لأنّه يكشف كيفية تعامل العقل الفقهي الإسلامي مع القضايا الحادثة التي لا نصّ فيها وإن كانت ممّا تعمّ به البلوى ويضع مؤسّسة الفتوى على محكّ التجريب والاختبار.

أدلّة المنع :

ورغم عدم وجود أدلّة تتعلّق بالمسألة تلميحا أو تصريحا من قرآن أو سنّة أو إجماع أو قياس -لأنّ المسألة حادثة بحدوث فنّ السّنما ولا يمكن قياسها مثلا على الجدل حول الصّورة الذي ارتبط بالوثنيّة القائمة على التجسيم عبر التّصوير والنّحت- فإنّ المانعين وجدوا في عدد من النصوص ما يستشفّ منه المنع بالإضافة إلى تفعيل بعض مصادر التشريع التكميليّة مثل باب سدّ الذّرائع أو تقدير المصلحة واحترام العرف العامّ.

وقد وقع الاستناد إلى النصوص التي ترفع من شأن الملائكة، والأنبياء وآلهم ونسائهم الذين اتّبعوهم، والصّحابة عمومهم والمبشّرين منهم بالجنّة على وجه الخصوص.

وهي نصوص كثيرة تبرز أنّهم مشمولون برضى الله ومغفرته ونيل ثوابه الأخروي وترفع من مكانتهم ومقامهم ومواهبهم في واقع الدّعوى، بشكل يجعل من العسير تقمّص شخصيّاتهم دون الإزراء بها والتّنقيص من شأنها وفق أصحاب هذه الفتاوى… فهم خير أمّة وهم خير القرون ولا يمكن لمن هم أقلّ خيريّة منهم أن يجسّدوا أشخاصهم.(2) ويعتمد على هذا النصّ الذي يكرّس تصوّرا تدهوريّا للتاريخ رغم وجود نصوص أخرى تطلق خيريّة الأمّة منها “مثل أمتي مثل المطر لا يدرى الخير في أوله أو آخره” أو ” الخير فيّ وفي أمّتي إلى يوم القيامة”

كما وقع اعتماد الحديث النبوي الذي يحيل على عدم إمكان تمثّل الشيطان بالنبيّ في المنام :

“من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي”، وهو حكم ينطبق على جميع الأنبياء إذ لا يتمثّل الشيطان بأحدهم. وقد وقع استنباط حكم للسنما انطلاقا من تأويل معنى التمثّل : فإذا كان الله قد حال بين الشياطين وبين التمثّل بالأنبياء مع أنه أعطاهم القدرة على التشكّل والتقمّص والتشخّص على الهيئة التي يشاؤون، فكيف يستبيح الإنسان لنفسه أن يكون أخبث من الشيطان بتمثيل الأنبياء أو الملائكة!!

وفي ذلك خلط واضح بين تمثّل الشياطين بالرّسول في المنام ليلبس على المؤمنين عند من يرون إمكان رؤية الرسول في المنام ويشتاقون لذلك، وبين العمل الفنّي القصدي القائم على تخطيط ودراية ودراسة، وإذا كان الله بقوّته القهريّة قد أفقد الشياطين القدرة على التمثّل بالأنبياء رغم دخول ذلك ضمن دائرة مواهبهم “الشّياطين”، فقطعا قد جعل ذلك في مستطاع البشر وأدرجه ضمن دائرة تقديرهم واختياراتهم سواء كان الأمر حلالا أو حراما. فهذا الحديث لا يصلح أن يكون دليلا لاستنباط حكم التمثيل الدّرامي.

لذلك نشط الفقهاء في اعتماد أدلّة تكميليّة أعادت البحث إلى دائرة الجدل الاجتهادي البشري المتعلّق بالمصلحة والأعراف والأذواق والوعي الإبداعي.

إذ وقع الاستناد إلى العرف الإسلامي العام الذي يعدّ تجسيد الأنبياء إهانة لهم أو مزريا بقدرهم … وهو عرف متعلّق بمشاعر المؤمنين وضميرهم الجمعي في علاقة بأشدّ الرّموز حميميّة وهيبة في قلوبهم. وقد ورد في فتاوى رشيد رضا صورة معبّرة عن الحرج الذي يمكن أن يثيره تقمّص شخص النبيّ في الحياة العامّة حيث يقول “فإن فرضنا أنّ جمهور أهل العرف لا يرون تمثيل الأنبياء إزراء بهم على إطلاقه أفلا يعدون من الإزراء والإخلال بما يجب لهم من التعظيم أن يسمى السي فلان أو الخواجة فلان إبراهيم خليل الله أو موسى كليم الله أو عيسى روح الله أو محمدا خاتم رسل الله ؟ فيقال له في دار التمثيل : يا رسول الله ما قولك في كذا . . . . . . فيقول كذا .. . ولا يبعد بعد ذلك أن يخاطبه بعض الخلعاء بهذا اللقب في غير وقت التمثيل على سبيل الحكاية أو من باب التهكم والزراية، كأن يراه بعضهم يرتكب إثما فيقول له : مدد يا رسول الله! ألا إن أباحة تمثيل هؤلاء الناس للأنبياء قد تؤدي إلى مثل هذا، وكفى به مانعا لو لم يكن ثم غيره” (3).

ونجد عديد الفتاوى تعكس ضعف وعي محرّريها بالعمل الدّرامي، وضعف القدرة على التّمييز بين أطراف العمليّة الإبداعيّة، من خلال المماهاة مثلما أسلفنا بين الممثّل والدّور الذي يتقمّصه والشّخص المعني بالتقمّص. بل ذهب بعضهم إلى حدّ الخلط بين الإبداع وبين الغيبة والكذب ونقل أقوال الكفر إذ العمل الدّراميّ “يتضمن ضرورة أن يقف أحد الممثلين موقف أبي جهل وأمثاله ويجري على لسانه سبّ بلال وسبّ الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم وما جاء به من الإسلام، ولا شك أن هذا منكر، كما يتخذ هدفا لبلبلة أفكار المسلمين نحو عقيدتهم وكتاب ربّهم وسنّة نبيّهم محمد صلى الله تعالى عليه وسلم(4).

كما ركّز القائلون بالمنع على إمكان تحريف سيرة الأنبياء وأهل بيتهم وأصحابهم من خلال عرضها سنمائيّا دون تحقيق تاريخيّ دقيق، وإذا كان الإخلال بذلك متفاوت الخطورة إذا تعلّق بالصّحابة فإنّه مخلّ بالعقائد والثّوابت والأصول الدّينيّة إذا انسحب على الأنبياء وقد ذهبت لجنة الفتوى بالأزهر إلى حدّ اعتبار التّحريف والكذب واقعين لا محالة “لأنّ التمثيل أو التخيّل ليسا إلا ترجمة للأحوال والأقوال والحركات والسكنات، ومهما يكن فيها من دقّة وإتقان فلا مناص من زيادة أو نقصان، وذلك يجرّ طوعا أو كرها إلى الكذب والضلال، والكذب على الأنبياء كذب على الله تعالى، وهو كفر وبهتان مبين والعياذ بالله(5).

ولعلّ ما يعمّق هذه الشّبهة أنّ قصص الأنبياء الواردة في القرآن لم ترد على شكل سرديّ متناسق يسمح بتجسيدها في عمل درامي لغياب الحبكة القصصيّة الدّراميّة المسترسلة في نصّها، فضلا عن التتابع الزمني والتاريخي والحدثي، إن هي إلا شذرات متفرقة بقصد العبرة ممّا يمكن أن يدفع بالمخرج إلى سدّ هذه الثغرات ليستقيم عمله فنيا من كتب التفسير أو الإسرائيليّات أو من خياله وهذا التدخّل مدعاة للكذب.

بالإضافة إلى ما أحالت عليه الفتاوى من “غرض المتاجرة والتكسّب والتربّح وقانون العرض والطّلب الذي سيطغى على تقديم الصورة الصحيحة ومراعاة الدقّة العلميّة لفائدة الحبكة الدّراميّة التي تشدّ المتفرّج وتمتّعه”

وقد عكست عديد الفتاوى وعي محرّريها بالعمل الفني الدّراميّ فإذا هو لهو وعبث و تسلية وهزل وإشباع للغرائز (6) كما أثارت الفتاوى والبحوث التي ناقشت المسألة واقع أهل الفنّ عموما، وهو واقع يتّسم حسب غالبيّة أهل الفتوى بالفساد والانحلال الأخلاقي. ففضلا عن الموقف من الاختلاط بين النساء والرجال في الأعمال الدّراميّة والموقف من قيام نساء بأدوار تمثيليّة، تنقل لنا الفتاوى صورة قاتمة تعميميّة عن عالم السّنما تشيطن هذا الفنّ، وقد ورد في أحد هذه البحوث “إنّ المتتبع لحياة الممثلين يخرج بنتيجة هي أن غالبهم سقط من الناس ليس للصلاح والتقوى مكان في حياتهم العامة ولا للأخلاق الإسلامية والعربية محلّ في دائرة أخلاقهم، ولا للقيم الإنسانية اعتبار عندهم، فإذا تقمص أحدهم شخصية صالح أو نبيل أو شهم أو عفيف أو جواد فذلك لأجل ما سيتقاضاه ثمنا لذلك، ثم يعود إلى سيرته الأولى ضاحكا لاهيا ساخرا معرضا عن الجوانب المشرقة في حياتهم” (7) لذلك فإنّ واقع الفنّ وأهله لا يسمح حسب الفتاوى بتمثيل الفترات المشرقة من تاريخ الإسلام وتجسيد رموزها. لذلك اشترط مجيزو تقمّص أدوار الصّحابة مثلا أن يكون الممثّل حسن السيرة والاستقامة ملتزماً دينياً وأخلاقياً وهو ما اشترطه الشيخ القرضاوي. كما أضاف مجمع البحوث والإفتاء بالأزهر شرطا آخر طريفا إذ على متقمّص هذا الدّور أن يعتزل التمثيل بعد ذلك. وطالما أنّ هذه الشّروط مستحيلة التّحقيق في سياق واقع الفنّ الدّرامي اليوم كما يراه الفقهاء فإنّ تقمّص دور الصّحابة صار ممنوعاً هذا فضلا عن الأنبياء.

لقد فتح هذا التّشخيص الاستباقي لتبعات تجسيد الرّموز الدّينيّة على خشبة المسرح أو السّنما باب سدّ الذرائع ودرء المفاسد المقدّم على جلب المصالح، إذ يمكن أن يفضي ذلك إلى “تشكيك المؤمنين في عقائدهم وتبديد ما وقر في نفوسهم من تمجيد هذه المثل العليا، إذ أنهم قبل رؤية هذه المشاهد يؤمنون حقّا بعظمة الأنبياء ورسالتهم، ويتمثلونهم حقا في أكمل مراتب الإنسانية وأرفع ذراها -إذا هم بعد العرض قد هانت في نفوسهم تلك الشخصيات الكريمة، وهبطت من أعلى درجاتها إلى منازل العامة والأخلاط، وقد تقمصهم الممثلون في صور وأشكال مصطنعة مما يتقلص معه ظلّ الدين والأخلاق”، كما أنّه يؤدّي إلى” إثارة الجدل والمناقشة والنقد والتعليق حول هذه الشخصيات الكريمة وممثليها من أهل الفنّ والمسرح تارة، ومن النظارة تارة أخرى” (8).

بعد هذا العرض لأطروحة أهل الفتوى يمكن القول أنّ مسألة عرض الأنبياء ورموز التّاريخ الإسلامي على شاشة السّنما أو التّلفزة هي قضيّة ذات بعدين :

بعد اجتماعي وبعد فني:

*أمّا البعد الاجتماعي فالمقصود به مدى تقبّل جمهور المؤمنين لعرض سيرة رموزهم مجسّدة في شكل صور سنمائيّة حيّة. وهذا ينطبق على الرّموز الدينيّة والسياسيّة وحتى الفنيّة إذ كثيرا ما تعترض عائلات وورثة المشمولين بتمثيل دور أحد أبنائهم المشاهير سنمائيا أو تلفزيّا على العمل الفني برمّته أو على بعض المقاطع و المواقف التي يرونها مخلّة بسيرته أو مجانبة للحقيقة التاريخيّة، وقد يلتجئون للقضاء لحسم الخلاف وقد يتجاوز التحفّظ والاحتجاج دائرة القرابة الدّمويّة إلى دوائر أوسع مثل المتشيعين فكريا أو سياسيّا أو حزبيّا أو المنتسبين جهويّا للشخص المعنيّ، وهي أمور صارت دارجة ولكنّها لم تمنع هذا الضّرب من العمل الدّرامي من التّواصل لأنّ الشّخصيات العامّة والرّموز المشتركة هي إرث جماعيّ غير قابل للمصادرة والملكيّة والوصاية… وقضيّة الحال تندرج من النّاحية الفنيّة والتّقنيّة في نفس الإطار وإن تعلّقت بأكثر البشر رمزيّة وقداسة في ضمير أتباعهم الذين يمثّلون عامّة المجموعة الوطنيّة وجمهور المواطنين في كلّ مجتمع … هي مسألة تعود إذن إلى الأعراف الاجتماعية وأذواق عموم النّاس ووعيهم وقدرتهم على التّجريد والتّمييز بين الشّخصيّة الفنيّة والشّخص الذي يؤدّي الدّور على سبيل التّمثيل لا التّجسيد والتّشخيص، وقد رأينا أنّ الضمير الدّيني الشّيعي والثّقافة الشّعبيّة الشّيعيّة لا يجدان غضاضة في ذلك لتعوّد الذّائقة الشّيعيّة منذ قرون على تمثيل فاجعة كربلاء من خلال مشاهد ممسرحية في كلّ ذكرى عاشورائيّة من كلّ سنة ولاعتبارات عقائديّة وسياسيّة تاريخيّة ليس هنا مقام تحليلها… المهمّ أنّ المسألة اجتماعيّة وليست دينيّة …

أمّا البعد المتعلّق بالإبداع فيتمثّل في مدى التزام العمل الإبداعي بالوفاء لروح السيرة النبويّة كما ترسّخت في الوعي الجمعي طالما أنّ العمل الفني ليس تجريبا بحثيا أو دراسة تاريخيّة تحقيقيّة، بل يتوجّه إلى عموم الناس لغايات إبداعية فنيّة تراعي ذوق الجمهور ووعيه، ممّا يتطلّب الاجتهاد في اعتماد التحقيق التاريخي اللازم بالاشتراك مع المختصّين وأهل الرّأي وأصحاب الخبرة الفنيّة والتقنيّة التي تمكّن من تحقيق رؤية فنيّة متقدّمة على جميع الأبعاد، فتستجيب بذلك لتطلعات عموم المشاهدين وتوفّق بين حساسيّة الموضوع وما تقتضيه من حذر ورقابة ذاتيّة و العمل الإبداعي وما يقتضيه من حريّة في تمثّل الواقع. وهذا ما يجعل النقاش يخرج من دائرة التحليل والتّحريم إلى دائرة الضّوابط والشّروط الفنيّة والعلميّة والمعرفيّة والمنهجيّة والأخلاقيّة والقيميّة لأعمال من هذا النّوع. وقد أشارت لجنة الفتوى بالأزهر إلى ذلك، حيث أثارت صعوبة تمثيل بعض مواقف الأنبياء الغامضة أو الخارقة أو الحميميّة، وهي تحفظات تبدو قديمة حيث يعود تاريخ نشر القرار الذي تضمّنها إلى 10 من جمادي الآخرة سنة 1374 هـ الموافق 3 من فبراير سنة 1955 م، فهي لم تواكب التقنيات الفنيّة ومستوى الحبكة الدّراميّة في بعض المسلسلات التي أقدمت على ذلك. ونقتصر في هذا السّياق على أحد التحفّظات الواردة في قرار لجنة الفتوى بالأزهر حيث تساءل محرّرو القرار وكيف يمثل يوسف الصديق وقد همّت به امرأة العزيز، وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربّه؟ وما تفسير الهمّ في لغة الفنّ؟ ونجد الجواب على ذلك في مسلسل يوسف الصدّيق الذي أنجزه المخرج الإيراني فرج الله سلحشور حيث كان الموقف مهيبا ومطابقا لأليق التفاسير التي تنزّه الأنبياء عن الرّجس والفواحش، ولم يكن في الموقف أيّ منزع إيروتيكيّ يفضي لاستثارة الغرائز، بل كان انتصارا للفضيلة والكرامة الإنسانية – على اعتبار أنّ موقف الإكراه الذي وضع فيه يوسف كان بسبب الاسترقاق- والقيم السّامية فضلا عن جماليّة التمثيل الفني .

هو دليل حيّ ملموس على إمكان توفّر العمل الفنّي على الشروط التي تخوّل له خوض غمار القصّة الدّينيّة التي تتضمّن سير الأنبياء والصّالحين، ولكنّ لجنة الفتوى بالأزهر حافظت على نفس مضمون القرار الآنف.

ونجد في فتوى الإمام رشيد رضا الذي وإن لم يجز تمثيل الأنبياء على نفس النهج الذّرائعي الذي عرضناه آنفا، فقد فتح الباب لإمكان وجود عمل فنّي يراعي الشّروط والمحاذير والهواجس التي تدور في ضمير المؤمنين ولاسيما علماء الشّريعة والناطقين باسم الفتوى، إذ يقول في تفسير المنار “فعلم من هذه الوجوه أن جواز تمثيل قصة رسول من رسل الله عليهم السلام يتوقف على اجتناب جميع ما ذكر من المفاسد وذرائعها بحيث يرى من يعتد بمعرفتهم وعرفهم من المسلمين أنه لا يعد إزراء بهم، ولا منافيا لما يجب من تعظيم قدرهم صلوات الله وسلامه عليهم وعلى من اهتدى بهم(9).

وقد تضمّن نصّ قرار لجنة الفتوى بالأزهر الشّريف مثل هذا الاستشراف الذي يعلّق هذه المهمّة الثّقيلة على كاهل رجل الإبداع، فإن لم يؤدّها على وجه الكمال فعليه أن لا يخوض غمارها، وقد ورد ما نصّه أنّ “القدرة على تمثيل الصحابة بأشخاصهم عمل صعب فنيا لأنّ الله وهب الصحابة قدرات خاصة كي يكونوا أهل لصحبة النبيّ وهذا لا يمكن تصوّره في العمل الفني … ونحن للأسف لم نصل بعد إلى الدرجة التي ننتج فيها فيلما خطيرا تصل نسبة الكمال فيه إلى درجة عالية، ولذلك يجب أن تقتصر تجاربنا على الموضوعات العادية، ولا نقحم الدين في هذه التجارب …”

وفي بحث بحث للأستاذ محمد علي ناصف نشر في مجلة الأزهر في عددها الصادر بتاريخ المحرم عام 1342 بعنوان “قصص الأنبياء في السينما”، ورد نصّ مبحث اللجنة الدّائمة لهيئة كبار العلماء رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوى والإرشاد بالمملكة العربية السعودية عبّر فيه عن هذه الرّغبة الدّفينة حيث قال “إنني أول من يمنّي النفس بكتابة قصة عمر رضي الله عنه للسينما، ولكن في الوقت ذاته أعتقد أن قصورنا الفني لن يحقق في الوقت الحالي مثل هذه الأمنية، وحينما نستطيع أن نخرج أفلاما عن أمجادنا الدينية في نفس المستوى الذي يخرج فيه الغرب أمثال هذه الأفلام عن أمجاده، فإن التردد والاعتراض يكونان وقتئذ خطأ كبيرا. فبات من الواضح إذن أنّ القضية باتت تدور حول دائرة واحدة، علينا أن نبحث فيها، دائرة الضوابط، والشروط مع مراعاة مشاعر المؤمنين ومحاولة إعادة تكييفها في أجواء الحوار السلمي والمثاقفة عبر الأشكال الإبداعيّة التي ترسّخ الحسّ الجمالي وتعلي من قيم الفضيلة.

ولا نعدم وجود أصوات جريئة ولكن نادرة من داخل المؤسّسة اللإفتائيّة السنية تحاول النّظر للمسألة ضمن أفق نظر اجتهادي أوسع، ونقصد بذلك مثلا مقال الأستاذ عصام تليمة الذي صرّح في آخر مقاله “أردت بهذا المقال الموجز، الدعوة إلى دراسة الموضوع من جديد، في ظل اجتهاد جماعي، يراعي الزمن وتطوراته، وما جدّ من متغيرات في العصر الحديث، فكم من فتاوى بنيت على واقع وتغير، هل نأمل من الأزهر، ومؤسساتنا الدينية المستقلة أن تعود لبحثه مرة أخرى بعيدا عن أيّ مؤثرات لا علاقة لها بالبحث العلمي من قريب أو بعيد، هذا ما نأمل ونرجو.(10)

الهوامش:

1- ورد نص الحديث بعدّة روايات ومناسبات ورود نذكر منها اثنتين 1 عن جابر – رضي الله عنه – أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قدم مهاجرة الحبشة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: أخبروني بأعاجيب ما رأيتم في الحبشة، فقال فتية منهم: يا رسول الله، كنا جلوسا في مجلس، فمرت بنا عجوز من رهابينهم – من رهابين النصارى – تمشي وعلى رأسها قلة من ماء، فمرت بفتى منهم – من النصارى – فوضع يده بين كتفيها، ثم دفعها أمامها، فسقطت على ركبتيها، فلما استقلت التفتت إليه، قالت: أي غدر، ستعلم إذا وضع الله الكرسي، وجمع الأولين والآخرين، ونطقت الأيدي والأرجل بما كانوا يكسبون، سوف تعلم شأني وشأنك غدا عنده، قال النبي عليه الصلاة والسلام:( صدقت، صدقت، كيف يقدس الله أمة لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم) 2 وروى ابن ماجه بسند صحيح ،عن أبي سعيد الخدري قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه ديناً كان عليه، فاشتد عليه حتى قال له: أحرّج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك، ترى من تكلم؟ قال:إني أطلب حقي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((هلا مع صاحب الحق كنتم؟)) ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: (إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضي لك). فقالت نعم بأبي أنت يا رسول الله، قال فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال الأعرابي: أوفيت أوفى الله لك، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أولئك خيار الناس إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير مُتَعتَع) بفتح التاءين ‏:‏ أي من غير أن يصيبه أذى يقلقه)

2- إحالة على الحديث الوارد في صحيح البخاري عن عمران بن حصين ” قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ، قال عمران فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثا ثم إن بعدكم قوما يشهدون ولا يستشهدون ويخونون ولا يؤتمنون وينذرون ولا يفون ويظهر فيهم السمن”
3- فتاوى رشيد رضا تفسير المنار ج 20 صص 310 -316
4- أنظر قرارات هيئة كبار العلماء بالسعوديّة مجلة البحوث الإسلامية العدد الأول -من رجب إلى رمضان لسنة 1395هـ / ص223

5- أنظر قرار لجنة الفتوى بالأزهر و هو عبارة عن فتوى مستفيضة من اللجنة المختصة بالفتوى في مجلة الأزهر في عددها الصادر في رجب عام 1374 هـ في حكم تمثيل الأنبياء
6- بحث أعدّته اللجنة الدّائمة لهيئة كبار العلماء رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوى والإرشاد بالمملكة العربية السعودية في دورتها الثالثة المنعقدة في شهر ربيع الثاني عام 1393 هـ حول حكم تمثيل الصحابة في شكل رواية مسرحية أو فيلم سينمائي في سياق حكم تصوير حياة ” بلال ” مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في فيلم سينمائي
7- نفس المصدر السّابق .
8- أنظر قرار لجنة الفتوى بالأزهر مصدر سابق
9- الشّاهد وقع إدراجه ضمن نصّ مبحث اللجنة الدّائمة لهيئة كبار العلماء رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوى والإرشاد بالمملكة العربية السعودية مصدر سابق محالا على الإمام رشيد رضا من تفسيره ج 20 صص 310/316
10- أنظر مقال أ عصام تليمة تمثيل الصحابة والأنبياء..نحو اجتهاد جديد في موقع إسلام اونلاين بتاريخ 09/08/2010
http://islamyoon.islamonline.net/se…
و هو ، كما تعرّفه الويكيبيديا، عصام حلمي محمد تلِّيمة ، عضو جبهة علماء الأزهر الشريف، عضو في الجمعية الشرعية بمصر، عضو مؤسس في اتحاد علماء المسلمين العالمي، مدير لمكتب الشيخ يوسف القرضاوي وسكرتير خاصّ له لمدة ست سنوات، وباحث شرعي في جمعية قطرالخيرية (حاليا).

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий