Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > جاك دريدا (3/1)

جاك دريدا (3/1)

حسين عجة

جاك دريدا

ترجمة: حسين عجة
دريدا في الجزائر
نظرة حول العالم

افتتاح
تقديم: مصطفى شريف*

“سوف لن يكون بالإمكان القيام بأي شيء جوهري ما لم يستجيب المرء لدعوة الآخر”.
جاك دريدا

كان دريدا يهودياً، جزائرياً، فرنسياً، ومواطن من مواطني العالم. لقد قدّمَ فكره للجميع، بلا استثناء.
عبر هذه الكلمات بودي الشروع في تقديم هذا المدخل، وقد أستوحيت ذلك الفكر المكين والذي لا ينضب لمؤلف أقتربت كتبه الفلسفية من ثمانين كتاباً. عمل عظيم يمس الكتابة، السياسة، الشعر، التحليل النفسي، اللغة، الدين وغيرها الكثير من المواضيع التي تعرضُ نفسها على التأمل، أو التي ما زالت عصية عليه. ومع ذلك كان دريدا، ذلك الرحالة الذي لا يكل، مٌمَرٌ الحدود هذا ce passeur de frontières، الفرنسية-المغاربية، العبرية-العربية، العالمية، والكونية، قد أخبرَ الجميع “برغبته في العزلة، والإبتعاد عن أية طائفة، وحتى عن أية “قومية”، وعن شكه حيال مفردة “طائفة” أيضاً(1).
وبالرغم من ذلك، كانت الجزائر، أرض ولادته، كما أكد لي هو على هذا، قبل عام تقريباً من وفاته، أثناء حوار جرى بيننا، تحتل دون منازع، كخلفية، مكانة متميزة في حياته وعمله، كما كان شأنها بالنسبة لكتاب كبار آخرين كجاك بيرك Jacques Berque وألبيرت كامو Albert Camus. لقد أبتدع داريدا، بحلاوة ومرارة ذكرياته، فكرة الحنينيةِ La nostalgérie*.
قد يبدو الثناء في بلد مسلم على هذا الفيسلوف العظيم، اليهودي، منشد الدنيوية، اللامتدين areligieux والكوني، بمثابة مُرهانة، أو، حتى أسوء من ذلك، تبجح سياسي ظرفي.
بيد أن ذلك الإحتفاء قد فرضَ نفسه علينا بصورة طبيعية، ومن ثم تحققت تلك السفرة الفلسفية، الثقافية، السياسية، بالمعنى الأكثر سمواً للكلمة. أن نجاح هذا الحدث يعود لتلك الكيمياء التي تولدت عن الارتباط العام بهذه الشخصية الاستثنائية، ولحضور الأصوات التي قدمت من كل مكان لكي تشهد وتُذكر بكامل حريتها بذلك الذي جمعنا والذي لا يمكن لأي أحد حرماننا من ارثه. لقد تم وضعَ هذا اللقاء تحت إشارة القياس signe de mesure، التسامح والفعل السعيد للتفكير سويةً. وتطور ضمن تعاطف واضح وممهور في ذات الوقت باحترام عميق لذلك المفكر العظيم والذي هو جاك دريدا. ولو كان بينا، ربما كان قد أحب النبرة الدقيقة لهذا اللقاء، والموازنة العادلة ما بين الإصغاء المُرهفِ والمبادلة الودية التي حركها، كما تقول لنا ذلك ماري-لويز ماليت Marie-Louise Mallet، مع بقائها أمراً يتعلق بـ “بنبررة”، بيد أنها تحمل كلاماً يذهب أبعد مما تقوله الكلمات وحدها.
أن جعل الجزائر تعرف الثراء، التنوع وفي ذات الوقت تماسك فكر أحد ابنائها العظام، دريدا، عند النهاية المُتقدمة من المسائلة لمرحلتنا، كان واحداً من أهداف هذه الندوة، التي تطمح أن تكون أيضاً بمثابة عرفان بالجميل، واجب امتنان، وتعبير عن الوفاء الممهور بهَمّ الإنفتاح.
أمّا الهدف الثاني للقاء فهو يكمن في التذكير، ازاء كل أشكال الظلم والإنغلاق، بأن هذا الفيلسوف، اليقظ حيال جميع الرهانات لعصره، لم يكن معلماً للفكر فحسب، بل صديقنا وحليفنا أيضاً notre ami et allié. لمَ سيكون من غير المنطقي أو استخفاف لغوي القول بأن معركة دريدا من أجل الديمقراطية الشاملة، وكذلك تفكيره الموضوعي، تجعلان منه صديق وحليف لشعوب تتعرض لأرهاب الأقوياء والضعفاء، الخاضعة للتسلطات الداخلية والهيمنات الخارجية؟ أن التمسك بادعاء كهذا لا يلغي حقنا في التأويل.
في كتابه “المارقون” Voyous، يُلَمحُ دريدا مباشرة على ذلك التحالف : “قد تكون المهمة هي القيام بكل شيء بغية تقديم العون، في العالم الأسلامي أولاً، والتحالف مع القوى التي تناضل ليس من أجل قيام سياسة علمانية… بل وأيضاً من أجل تأويل للأرث القرآني…(2). يقدمُ لنا دريدا العون على قراءة رموز العالم الذي يفر من أيادينا، ويمنع ما يُغلقنا، من الداخل والخارج، ما يعزلنا عن بعضنا، ذلك لأننا “غرب” « Occident » أيضاً. نحن نرفض الإكتفاء الذي يتحدث عبره البعض عن العالم الإسلامي، وكأن هذا العالم مُتماثل، وأقل مستوى من غرب بعينه، ومن ثم لا يمكنه الوصول إلى نوع من الكرامة إلا باقترابه منه؛ فأولئك الذين ينالون من ذلك الغرب ينتهون بنكرانهم لأنفسهم والتطابق معه. كان جاك دريدا يرفض دائماً وجهات النظر هذه، وكذلك يفعل جميع المفكرين الذين تمت دعوتهم إلى الجزائر.
لقد كنا على علم بأن حالات صمته، وابتعاده الظاهري أحياناً، سفراته البعيدة عن الجزائر، وكذلك تأمله -المتأخر- من حول الأسلام، لم تكن تعني أبداً عدم اكتراثه. فكما أخبرني بأنه يتفهم تماماً ضرورة تفكيك النظرة الغربية للأسلام، كان دريدا يتمنى، كما نقوم نحن بذلك، حصول تفكيك للإسلام، ذلك لأنه لا يمكن استثناء هذا الأخير. فتفكيك تقاليدنا، أصولنا، وعالمنا الإسلامي هو بمثابة مهمة لا تقبل التأجيل. وذلك ما يجد البعض منا مرغماً عليه. إذ لا يمكن اخفاء حالات تخلفنا، ضعفنا، وتناقضاتنا الداخلية تحت ذريعة بأن “الغرب” يتحمل مسؤولية ثقيلة عن الحالة الكارثية للعالم حالياً. فلا أحد يستطيع التهرب من مسؤولياته، لا في “الشمال” ولا في “الجنوب”، مُتذرعاً بجرائم الآخر، وبالتالي فهو يبحث عن تسلية. لقد ذكر دريدا كل واحد بما هو ضروري، بحقه بنقد الآخر بطبيعة الحال، ولكن بالنقد الذاتي كذلك، والمرتبط مع ذلك بهم الضيافة، بنموذجية الشهادة وبالخير العام. لاسيما وأنه من حق المرء التساؤل إذا ما زال ثمة من معنى للحديث عن “الغرب” و”الشرق”، أو “الشمال” و”الجنوب”، ليس لأن الماضي اليهودي-الإسلامي-المسيحي متداخل بقوة مع بعضه، ولكن لأن الحقيقة اليوم هي حقيقة نمط من الحياة المعولم (لا يشكل فيه “الغرب” الماضوي سوى أحدى المركبات) وبأن نموذج العمل هذا (الرأس مال، التقنية، العقلانية الإداتية…) يختبر اليوم حدوده الخاصة، المحشورة ضمن مأزق، أو نوع من خيبة الأمل التي تستعيد فيها الهمجية شرعيتها. حينئذ، وبدلاً من ذكر الإنقسامات، وحتى المواجهات، يصبح من الملح التفكير، من الآن، بما يعنينا جميعاً، انطلاقاً من توقعنا لمصيرنا المشترك. فالبترول أو الذرة الفيروسات أو المعادن، الماء والهواء، الأوزون والكربون تطرح علينا كلها ذات التحديات، كما يطرحها على مستوى آخر التراجع المتواصل للحقوق، بصرف النظر عن حدة ذلك التراجع في هذه المنطقة أو تلك. أمّا بخصوص العقل، فعلينا نحن ترقب نفحته؛ لكن إذا كان الأمر يتعلّق بالأفق الروحي، فعلى كل واحد منا الدفع بخطه، وبشكل أبعد دائماً، دون فرض أي شيء -ولا تحريمه- على الآخر.
أمّا هدفنا الثالث، وهو ليس أقلها شأناً، فيسعى لخلق لقاء ما بين مفكرين جزائريين ومفكرين أجانب، لاسيما من الفرنسيين، وذلك من أجل تحريك التفكير من حول عمل التفكيكية travail déconstruction، من حول الذات السيادية، العيش-سوية vivre-ensemble، واختلافاتنا nos différances، وذلك بكشفنا، دون تواطىء، على جوانب تواريخنا المتعاقبة بما فيها من ظلال ونور. لا بد من إعادة أبداع العلاقات الجزائرية الفرنسية. فتاريخهما المشترك لم يتوقف عند عام 1962، بل على العكس من ذلك تماماً، هناك العديد من الإبعاد التي تجمع ما بينهما. عندما قال دريدا “من الواضح أنه يمكن قول التفكيكية بصيغة التعددية، تعديدية لغات، ثقافات وتفردات”، فذلك ما يجعل المرء يفكر بأنه كان يشير بهذا، إلى جانب ضرورة إعادة إبداع الصلة ما بين “الضفتين”، على المصادر التي يمكن ويجب على الجزائر العثور عليها في داخلها. يحضر اليوم هنا رجال ونساء أدباء من الضفة الجنوبية، مواطنون من المجتمع المدني الحيّ، تمت دعوتهم لكي يضطلعوا بمهمتهم كونهم من موقظي الوعي ومن الممرين : كبن شركي بن مزين Bencherki Benmeziane، عمر بوساها Omar Boussaha، زهرة حاج عيسى Zohra Hadj- Aïssa، سفيان حجاجي Sofiane Hadjadji، محمد مولفي Mohamed Moulfi، وأمين زاوي Amin Zaoui.
أن إحتفاء الجزائر بدريدا يشكل حدثاً ذا أهمية عظيمة، ثري بوعده القادمة بخصوص العلاقات العقلانية والثقافية ما بين الجزائر وفرنسا بطبيعة الحال، ولكن أيضاً في صميم العالم العربي-المسلم وأوروبا. كذلك فهو إحتفاء بالصداقة العربية-العبرية. وأخيراً، هو مناسبة، على حد تعبير جان-ليك نانسي Jean-Luc Nancy، لخلق إمكانية -وفي ذات الوقت من أجل اسكات الجبهات العدوة المنادية “بحرب الحضارات”- تحرك حقيقي للفكر ما بين الضفتين، مؤكدين بهذا على موقفنا الرامي لإعادة بناء ذلك الفكر وتوسيعه.
وهكذا لم يكن أبداً بمقدورهذه الندوة، المتواضعة والفريدة من نوعها، التي نظمتها المكتبة الوطنية في الجزائر، ودعمتها الجامعة الفرنسية وكذلك المركز الثقافي الفرنسي، أن تتحقق، وتصل إلى مستواها الراقي، لولا مساهمة الفلاسفة والمثقفين الأجانب، أصدقاء جاك دريدا، الذين قبلوا الدعوة، في شهر نوفمبر 2006 : جيوفري بننغتون Geoffrey Bennigton، هيلين سيكسوس Hélène Cixous، مارغريت دريدا Marguerite Derrida، مارك غولدشميت Marc Goldschmit، دنيس كامبوشنير Denis Kambouchner، جيروم ليبر Jérôme Lèbre، رينيه وشانتال ماجور René et Chantal Major، ماري-لويز ماليه Marie-Louise Mallet، أنور موغيت Anouar Moghit، جان ليك نانسي، سلفيانا سانتيغو Silviano Santiago ومنى طلبة Mona Tolba. ليتقبلوا شكرنا الصادق. فحضورهم هو بمثابة، إضافة إلى أنه تعبير عن الثقة، رهان على الأمل، الذي سيشهد ولزمن طويل من أجل الأجيال المستقبلية. يتوجه أمتناننا بصورة خاصة إلى كل من مارغريت دريدا وجان ليك نانسي، اللذان تمكنا معهما من تصور وتحضير ما هو جوهري في هذا المشروع، واللذان من دونهم ربما ما كان لفكرة هذا اللقاء من أن ترى النور حتى. أنهما هنا، جاءا من الضفة “المقابلة” لكي يتعرفا بشكل أفضل على الجزائر، هذا البلد المعقد، الذي يبحث عن نفسه ويأمل من أجلها.
لقد أقترحتُ هذه السفرة على دريدا نفسه، وذلك في شهر آذار/مايس من عام 2003. ووافق عليها فرحاً من حيث المبدأ : لكن مشيئة القدر حكمت بطريقة أخرى. لذا قمت بمبادرة “لقاء الجزائر” هذا. أن ذلك الغائب-الحاضر، الذي علمنا بدقة كيفية التفكير “بإمكانية المستحيل”، ما زال بيننا، بين أهله الذين تغمرهم السعادة بتذكر حياته، فكره، وبنقلهم لخطواتهم مع خطواته.
نحن على وعي بأن عمل جنيني على هذه الضفة، ضفة التفكيكية، سوف يتثبت بلا طريقة استعمال جاهزة، بلا مرؤسية، لكن بالتعاون مع الآخر، وضمن الهم المتواصل من أجل أقامة مبادلة بين الطرفين. من الضروري مواصلة هذه المهمة المشتركة، ذات النفس الطويل، عبر الفهم الصحيح، الذي لا يقصي نقاش الأفكار المر والصارم. أنها تتطلب، من هذا الجانب وذاك، الكرم والكف عن أي مسلك مترفع، وإمتناع المرء عن إسناد أي استئثار monopole لنفسه. كذلك لا بد لهذه المهمة من أن تكون التعبير عن التشوف نحو الجمال، نحو ما هو عادل وحقيقي، نحو ديمقراطية يُعاد إبتداعها حتى تكون، في آن معاً، في خدمة التحقق الشخصي والخير العام ومشتركة بين جانبي هذا البحر الوسيط، الذي ولد فيه انتماؤنا ذاته.

*مصطفي شريف، فيلسوف وباحث إسلامي، منسق علمي لندوة “على خطا جاك دريدا” sur les traces de Jacques Derrida، (المكتبة الوطنية الجزائرية، الجزائر، نوفمبر 2006). مؤلف لكتاب الإسلام والغرب، نقاش مع جاك دريدا Islam et Occident ; conversation avec Jacques Derrida، منشورات Odile et barzakh ; 2006.
** “الحنينيةَ”، لقد أضطررنا لنحت هذه المفردة كمقابل لفكرة جاك دريدا La nostalgérie غير القائمة في أي معجم فرنسي والتي لا تتقبلها اللغة الفرنسية المتداولة. (م.م).
1-جاك دريدا “على عهدة القول”، خطفات فلسفية، منشورات L’Aube/France Culture ; 1999.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий