Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > جديد هشام جعيط: محمّد ودعوته من وجهة نظر تاريخية وأنثروبولوجيّة (2)

جديد هشام جعيط: محمّد ودعوته من وجهة نظر تاريخية وأنثروبولوجيّة (2)

الاربعاء 7 آذار (مارس) 2007

بقلم: محمد الحداد المصدر: موقع الوان

منذ المنمنمات التي بدأت تظهر في القرن السادس بعد ظهور الإسلام إلى الرسوم الكاريكاتوريّة التي نشرت حديثا في الدانمرك وهزّت العالم، رسخ التصوّر أنّ نبيّ الإسلام كان يرتدي عمامة مهيبة على رأسه، لكنّ الحقيقة التاريخيّة أنّ محمّدا كان يسدل شعره في شكل ضفائر مثل كلّ العرب في عهده، ولم يكن يرتدي العمامات الجليلة فهي غير معروفة في ذلك الوقت. هذه واحدة من معلومات كثيرة يتفطّن إليها القارئ وهو يراجع ما رسخ في متخيّله حول الإسلام على ضوء نتائج البحث التاريخي والانتربولوجي في سيرة محمّد والبيئة التي ظهر فيها.

لقد قام هشام جعيّط في كتابه “تاريخيّة الدعوة المحمديّة في مكّة، بيروت، دار الطليعة، 2007” بجهد فيلولوجي دقيق لمكافحة المصادر والمعلومات بعضها ببعض والخروج منها بما يقبله المنهج التاريخي الحديث، وكان جريئا في مراجعة السائد دون أن يكون موقفه قبول أطروحات المستشرقين على علاتها، فقد راجع ونقض الكثير منها.
كان على الكاتب أن يبدأ بمحاولة رسم البيئة التي ظهر فيها محمد، معتمدا منهجية أنتروبولوجية تاريخية. لم يهتمّ كثيرا بآراء التيّار التشكيكي الذي أنكر أن يكون محمد قد ظهر في مكّة أو افترض أن تكون مكّة قد وجدت في غير المكان الذي نعرفه اليوم، فهي عنده من باب الخيال العلمي. وواصل عمل سابقيه في محاولة تحليل مؤسسات قريش في الفترة الموسومة بالجاهليّة مثل العشائر والقبائل والتجارة والحمس والعمر والحجّ. إنّ البنية الانثروبولوجية لهذه البيئة معقّدة لأنّها بيئة معزولة نسبيّا عن الحضارة، فقد كانت مكّة مركزا تجاريّا بينما طغى في المدينة النشاط الزراعي. أمّا مراكز الحضارة العربيّة القديمة مثل النبط والزباء وكندة فكانت قد درست قبل ظهور محمد بينما كانت مملكة المناذرة والغساسنة ضعيفتين تابعتين مهمتهما منع الهجرات العربيّة باتجاه الإمبراطوريتين البيزنطيّة والساسانيّة. ظهر الإسلام في مكّة ويثرب وهما مركزان متوسطا الأهميّة ويعني ذلك أنّ شخصيّة محمّد كان لها من الأهميّة في نشأة الإسلام أكثر من البيئة التي ظهر فيها. والمؤسسات الاجتماعيّة وعلاقات القرابة وبنى المقدس السائدة لا يمكن أن تفسّر ظهور محمد لكنّها تفسّر الإطار الذي ظهر فيه.

المجتمع العربي القديم هو مجتمع بدائي تنطبق عليه قوانين الأنتربولوجيا، لكنّ القضايا التفصيليّة تظلّ محلّ نقاش بين الباحثين. نشأ هذا المجتمع إثر موجة نزوح من اليمن وبقي مشدودا إلى ثقافة العالم النيوليتي (العصر الحجري الجديد) واتسم بالجمود بسبب الطبيعة البيئية والمناخية الصعبة. اتخذ الجمل في الألفيّة الثانية قبل المسيح وعرف الطوطميّة التي بقيت آثارها من خلال أجداد القبائل: كلب وثور وأسد بل قريش أيضا. احتفظ بنظام العشيرة لأنّها ضروريّة لحماية الفرد في هذه الحياة العسيرة عندما كان الجوع دارجا حتّّى أكل العرب الجراد واليربوع والقمّل وكان الجوع سبب أكلهم الميتة وشربهم الدم وقد حرّم القرآن ذلك. ولم يكن الغزو أمرا استثنائيّا وإنما مؤسسة من المؤسسات الاجتماعيّة وكان قانون الثأر يديم العنف وهو يضطلع في نفس الوقت بالوظيفة التي تقوم بها القوانين من جهة أنّه يردع أيضا عن القتل لأنّ عشيرة القتيل تستهدف القاتل وعشيرته. ظلّ هذا العنف مع ذلك بدائيّا فحروب العرب القدامى لا تسفر عن أعداد كبيرة من القتلى والحرب الحقيقيّة كما يقول جعيّط إنّما هي من صنع الحضارة. وكان سبي النساء في الحروب عادة دارجة وهو الدافع الأوّل لاشمئزاز العرب من ولادة الأنثى لما يخلفه السبي من العار لدى العشيرة، إلا أنّ ظاهرة السبي كانت محدودة ولم تتسع وتكثف إلا بعد ظهور الإسلام. ولا يعني غياب القوانين والدولة المركزيّة غياب السلطة فكلّ مجتمع يخضع للتراتبيّة، والسلطة مركزها هنا القبيلة والعشيرة، وقد أبقى الإسلام على القبائل بعد ذلك لكنّه كان الموحّد بينها وأصبح الشرع الإسلامي ملزما لها والإسلام متعاليا عليها. وكان لكلّ قبيلة وعشيرة ربّ يرتبط بالمؤسّس غالبا. فقريش مثلا أسّسها قصيّ بن كلاب الذي استقرّ بقومه في البطاح حول الكعبة التي كانت مزارا للحجّ أو جعلها هو كذلك. كلّ هذه المعطيات يراها جعيّط عاديّة معروفة في الانثربولوجيا فلا يمثّل المجتمع العربي القديم استثناء سوى أنّه يعرض تجربة حضارة تنشأ من القفر والجفاف.

يخالف جعيّط أغلب الباحثين الذين اعتبروا المجتمع العربي “اندوغامي” (endogamique) بمعنى أنه يحصر الزواج داخل المجموعة الواحدة ويرى أنّ خطأهم يرجع إلى سوء تحديدهم لمعنى العشيرة والقبيلة والسلالة، فالمجتمع العربي مثل غيره من المجتمعات كان قائما على المحارم (منع نكاح الأم والأخت والبنت) والزواج من خارج القبيلة موجود بكثرة ومن خارج العشيرة متواتر ومن خارج السلالة هو القاعدة. فالزواج من بنت العم كان من المحرمات في قريش ولم ينتشر إلا في العصر الإسلامي حتّى دعاه الأوروبيّون “الزواج العربي”، وقد تكون من أسبابه حجب المرأة عن الاختلاط بالرجال بينما كان هذا الحجب محدودا في العصر السابق للإسلام. وقد حصر القرآن المحارم في القرابة القريبة وهذا دليل على أنّ المحارم كانت أكثر توسّعا قبل ذلك وتشمل كلّ السلالة ومنها طبعا بنات العمّ والخال. وهذا ما يفسّر في رأي جعيّط قصّة زينب بنت جحش المشهورة، فهي ليست قصّة عشق أو جنس كما صوّرتها المصادر القديمة إذ كان محمّد يعرف زينب منذ القديم لأنها ابنة عمته ومن المؤمنات الأوائل وهو الذي زوّجها لربيبه زيد بن حارثة، وزواجه منها لم يكن لرفع التبنّي كما يقال عادة وربّما كان هذا المقصد عارضا لكنّ الأمر الأساسي هو تطبيق التغيير الذي أدخله الإسلام على نظام المحارم إذ أصبح جائزا الزواج ببنات السلالة أي بنات العم والخال وبنات العمة والخالة. “إنّ الثقافة الجاهليّة كانت تكثر من الموانع في الأنكحة من جهة، وتلحّ على تفوّق السلالة والعشيرة على الفرد وعلى تفوّق المبدأ الذكوري- العصبة- في الميراث. ومن جهة أخرى تعوّض عن هذه الضغوطات الدمويّة بمؤسسات اختياريّة إراديّة من مثل الحلف والولاء والتبنّي. كما أنّ الجاهليّين كانوا يعوّضون عن صرامة قانون الأنكحة بإبداع أشكال أخرى من العلاقة الجنسيّة الممأسسة نسبيّا والتي يذكرها الفقهاء من بعد بتسميات متعدّدة وقد ألغاها الإسلام” (ص 76). فالإسلام قد فتح حيّزا أكبر للفرد بالتغيير المهمّ الذي أدخله على نظام المحارم، حسب جعيّط. لكنّنا نتساءل ألا يمكن أن يكون الأمر خاضعا لضغط العدد والكثرة، فالسلالة يتكاثر أفرادها إلى أن تصبح في مقام العشيرة، والعشيرة يتكاثر أفرادها إلى أن تصبح في مقام القبيلة. فتوسيع دائرة علاقات النكاح يتطوّر طبيعيّا بمقتضى هذا التطوّر الديمغرافي ولعلّ في ذلك ما يفسّر قبول القرشيين للقوانين الجديدة للمحرمات لأنّ الدين الجديد نقض أحكاما دينيّة أو أخلاقيّة قديمة لم تعد تتناسب مع التطورات الاجتماعيّة.

ويرى جعيّط أن المرأة كانت نادرة الوجود وأنّه قد وجد فعلا خلل بين الذكور والإناث لذلك كانت المرأة ميّالة إلى الجنس وتبحث من الرجال عن الجميل وتأخذ المبادرة أحيانا في الزواج، وهذا يناقض ما يقوله المفسرون المسلمون من أنّ سبب إعطاء العصمة للأب أو الوليّ عند الزواج ضعف المرأة عن مواجهة أسرتها، فهذا الوضع وجد بعد استقرار الإسلام لا عند ظهوره. ولا يخالف ذلك كون الهويّة الجماعيّة في الجاهليّة قد ظلّت ذكوريّة وأن العصبة هي القرابة من جهة الآباء دون الأمهات وهي المطالبة بالثأر، والمجتمع العربي قبل الإسلام يعظّم الآباء ويرحّب بولادة الذكور ويستاء لولادة الأنثى كما سجّل القرآن ذلك. وكان سبي النساء من عادات الحرب وهذا أحد أسباب الاستياء من ولادة البنات. وعرف العرب تعدّد الزوجات خاصة لدى الأثرياء لكنّ الغالب كان الزواج باثنتين وما عدا ذلك استثناء. يقول جعيّط: “لا يبدو لي أن التعدّد كان طاغيا زمن الرسول بل كثيرا ما نجد الزوجين متلاحمين وكثيرا ما نجد ما يشبه الأسرة النوويّة وهذا شأن أبي سفيان وهند ومحمد وخديجة وأبي لهب وأبي جهل والحكم بن هشام المخزومي وعكرمة ابنه والأمثلة تتكاثر (…) ولئن لم يتزوّج محمد امرأة أخرى على خديجة في مكّة فليس ذلك بالأمر الاستثنائي لسبب ما بل هو العرف الجاري والقاعدة العامة في وسطه. والذي حصل في المدينة فيما بعد هو استراتيجية سياسية جديدة” (ص 83).

ولم يكن العرب يتزوجون غير النساء البالغات وما ورد عن زواج محمد بعائشة وهي في سنّ التاسعة خطأ من جهة تحديد السنّ في رأيه ويلاحظ أنّ خديجة هي البكر الوحيدة بين زوجاته المتعدّدات اللاتي تزوّج بهنّ لأسباب سياسيّة حسب جعيّط. وينبغي أن ننتظر صدور الجزء المتعلّق بالفترة المدنيّة كي نتعرّف على حجج جعيّط في هذه المسألة التي شهدت خلافات كبيرة في الآراء. والمهمّ أنّ جعيّط ينفي فكرة الانحطاط المطلق لوضعيّة المرأة قبل الإسلام ويرى أنّه “كان للمرأة مقام في المجتمع ودور فعّال في الأسرة ولم يضعف هذا الدور إلاّ في القرن الثالث فيما بعد بالنسبة للمحصنة” (ص 84). ومن ملاحظاته الرشيقة تنبيهه إلى أن المخيال الإسلامي قد كثّف الصورة الجنسيّة لمحمّد من موقع اعتباره أنّ الفحولة والقدرة الجنسيّة تزيد النبيّ قيمة وقدرا، فمن أجل ذلك كانت الروايات في هذا المجال بحاجة إلى التدقيق التاريخيّ.

ولا تقتصر العلاقات الأسريّة على العلاقات الطبيعيّة فثمّة علاقات قرابة تنشأ بمحض الاختيار وهي التبنّي والولاء والحلف والجوار. فالتبنّي كان دارجا والمتبنَّى يتمتّع بكلّ حقوق الابن الطبيعي وقد ألغى الإسلام هذه المؤسسة. والولاء انضمام العبد بعد عتقه إلى القبيلة لأنّ الفرد لا يمكن أن يعيش خارج العلاقات الجمعيّة، وقد أبقى الإسلام على هذه المؤسسة واستفحلت بعده بسبب الفتوحات. والحلف تعاهد يقع بين أحرار ويقع عادة بين الجماعات وإذا وقع بين الأشخاص فإنّه ينسحب تبعا لذلك على سلالات المتحالفين. وموضوع الأحلاف هو غالبا المناصرة والحماية. والجوار هو أضعف أنواع هذه العلاقات وهو استجارة شخص بآخر لحماية نفسه من خطر يتهدّده. فهذه العلاقات جميعا تضاف إلى العلاقات الأسريّة (السلالة، العشيرة، القبيلة) لتكوّن مؤسسات العرب الاجتماعيّة في ذلك العهد.

والحياة اليوميّة للعرب قديما كانت حياة صعبة لأنّ التنقّل في الصحراء شاق ومحفوف بالمخاطر والطعام قليل والأغلبيّة فقيرة وبائسة وهمّها الأكبر المحافظة على البقاء ومن هنا كان التضامن بين أبناء العشيرة هاما جدّا. ونجد في القرآن صدى للبؤس عبر الاصطلاحات الكثيرة الدالة على أصحابه مثل الفقير والمسكين وابن السبيل والسائل والمعترّ ومثل تحريمه أكل الميتة حفاظا على كرامة الإنسان. وكانت الثمار شبه مفقودة في الجزيرة العربيّة والعرب تأكل اللحم في المناسبات ويفضلون المطبوخ في القدور على المشوي وغالب أكلهم الحبوب والتمور والثريد ويأكلون كلّ ما يُصطاد ومنه اليرابيع والحيّات والحمر الوحشيّة والضباء، وأكل هذه الحيوانات هو من خاصية العصر النيوليتي الذي بقيت آثاره ماثلة إلى ذلك العهد في الجزيرة العربيّة. أمّا السكن فهو الخيام إلاّ العشائر الشريفة والأثرياء يسكنون الدور المبنيّة. ومكة ويثرب تميّزتا بمعمار أكثر تطوّرا من التجمعات السكنيّة الأخرى. والماء قليل والشرب يكون من العيون والآبار لذلك كان العطش والوسخ ملازمين للحياة العربيّة. وكان الرجل العربي يطيل شعره ولا يحلقه إلا بمناسبة الحجّ ويسدله ضفائر، وكذلك كان يفعل محمد على عادة قومه، عكس ما تصّوره المخيال الإسلامي لاحقا وهو يرتدي عمامة جليلة.

وتصوّر الأدبيات الإسلاميّة فترة الجاهليّة فترة جدب ديني ومعتقدات العرب وشعائرهم معتقدات بائسة، ورأى مستشرقون مثل “لامانس” أنّ العرب القدامى يتميزون بضعف الروح الدينيّة. لكنّ الدراسة الانثربولوجية تغيّر الكثير من هذه الصورة النمطيّة السائدة.

فالدين كان يعني عند العرب منهج الحياة كما تتوارثه الأجيال، لذلك هو مرتبط بالآباء، كما يشهد على ذلك القرآن. وآلهة العرب هي آلهة الشرق القديم مثل اللات والعزّى ومناة. وشخصية الاله السماوي موجودة في نقوش ترجع إلى حوالي 1400 ق.م. وهي قديمة في التراث السامي ما قبل الموسوي (إيلوهيم) وعبرت عن الإله الأعلى لدى الثموديّين (ألاه أبتر) ولدى المسيحيّين السريان في سوريا (الاه) واستعمل العرب لفظ الله قبل الإسلام. فهذه الكلمة قديمة وصميمة في التراث السامي وإن تطوّر مضمونها عبر العصور. وقد استوعب العرب الآلهة الساميّة التي كانت تحيط بهم خاصة أنهم أنفسهم من الساميّين. لكنهم تميّزوا أيضا بشعائرهم القائمة على الأنصاب والأزلام والأوثان والحجارة والحجّ إلى الكعبة التي تضمّ الحجر الأسود. ويرى جعيّط أنّ القرآن قد ألغى تعدّد الآلهة وفرض إلها واحدا هو الله وقد تعرّب تماما وانفصل عن أصوله الساميّة الأخرى، بالمقابل احتفظ الإسلام بالشعائر الدينيّة الأكثر تأصّلا في البيئة العربيّة مثل الحجّ، بعد أن منحها معنى جديدا مقاما على فكرة التوحيد. فهذه الشعائر موروثة كما يقول عن “زمن ما قبل الآلهة” (قبل تعريب العرب للآلهة الساميّة المحيطة بهم) وتعبّر عن الروح الدينيّة العربيّة الأصيلة التي لم تتأثّر بعامل خارجي.

كان العرب يقبلون تعدّد الآلهة ويحترمونها كلّها وخصّص لها ابن الكلبي كتاب “الأصنام” فعدّ منها ما يقارب الثلاثين وذكر أنّ الشخص داخل القبيلة كان حرّا في أن يعبد إله قبيلته أو إلها آخر. وإله القبيلة هو الإله الذي يكون مقامه على أرض القبيلة ويمكن لغير أبناء القبيلة زيارته والحجّ إليه. وقد ذكر القرآن أشهر هذه الآلهة ومنها آلهة الحجاز اللات والعزى ومناة، كما ذكر أخرى من اليمن والشمال مثل نسر ويعوق وسواع. والأوثان والأصنام ليست آلهة لكنّها ترمز إليها وقد قامت الديانات التوحيديّة بمحاربتها واعتبرت أنّها قامت مقام الألوهيّة الحقيقيّة. وقد توفّرت اليوم الكثير من الحفريّات في شمال الجزيرة تكشف عن الحضارات القديمة، مثل حضارة النبط التي دمّرها الرومان وخلفتها حضارة تدمر، فهي حضارة عربيّة ومقرّها البتراء المعروفة (وهي تسمية لاتينيّة) التي اكتشفها بوركهارت سنة 1812 (في الأردن) وهي التي يشير إليها القرآن بقوله “وينحتون في الجبال بيوتا”. فما نعلمه اليوم عن هذه الحضارة مثلا يفيد كثيرا في فهم طبيعة الديانة العربيّة القديمة التي كانت من نفس النمط. وأصل كلمة الله كانت معروفة لدى النبط، وأنثاها اللات، وعرفت أيضا العزّى ومناة. ومن الآلهة النبطيّة أيضا الإله قيس، ونجد رواسب ذلك في تسمية العرب بعبد قيس وامرؤ القيس. ومنها كلمة “غد” التي عرّبت بصيغة “جد” وذكرت في عبارة “جدّ ربّنا” في سورة الجنّ وقد استعصى تفسيرها بسبب ذلك على المفسرين القدامي، وهي تعني الألوهيّة (مثل عبارة Theo اليونانيّة). والكعبة سمّيت البيت منذ العهد الجاهلي لاحتوائها على الحجر الأسود، وكانت الحجارة تقدّس في القديم لا لذاتها ولكن بوصفها مقرّ الإله، ثمّ انسحبت القداسة بعد ذلك على محيطها واختفى الإله الذي كان صاحب المقرّ (ربّ البيت). فالقرآن قد واصل التراث الديني العربي بعد أن أعاد صياغته في اتجاه الوحدانيّة، والتراث الديني العربي كان بدوره قد هضم التراث الديني السامي واليهودي والمسيحي. كما أن مقرّ الحضارات الدينيّة العربيّة مدن تجاريّة هي ملتقى القوافل، من البتراء إلى مكّة.

يبرز هذا التواصل جليّا في مؤسسة الحج. كانت كلّ زيارة يقوم بها شخص لإلهه تسمّى حجّا. وكان الحجر الأسود في الكعبة مقرّ إله ولذلك كان البيت محلّ حجّ. وقد استعمل القرآن تسمية “ربّ البيت” في سورة “قريش” وهي تسبق سورة “التين” التي وردت فيها لأوّل مرّة تسمية “الله”. ويرجّح جعيّط أنّ قريش لم تكن آنذاك تتذكّر أنّ الحجر الأسود هو مقرّ إله أو تعتبر الله ربّ البيت ولم تكن تتعبّده هناك، وقد بدأ القرآن بالدعوة إلى عبادته قبل أن يبدأ الحديث عن توحيده.

ويلتقي جعيّط مع جاكلين الشابي (مؤلفة كتاب “سيّد القبائل” Le seigneur des tribus ) في العديد من القضايا المتصلة بالحج، فيقرّ رأيها أنّ الحجّ والعمرة كانا أمرين مختلفين وأنّ العمرة هي التي كانت تقع في مكّة وحول البيت وتتضمّن زيارة الحجر الأسود والطواف والسعي بين الصفا والمروة وهما صخرتان مقدستان. أمّا الحجّ فكان يقع خارج مكّة لأنّه يجمع عددا كبيرا من الناس ومن البدو تخصيصا. والعمرة هي التي كانت تقام في شهر معيّن هو رجب. أمّا الحجّ، فلم يكن له موعد قارّ لكنّه لا يتداخل والعمرة. والمرجّح أنّ قريش في العهد القريب من ظهور محمّد لم تكن تستفيد استفادة ماديّة مباشرة من الوافدين للعمرة لكنّها تحقّق مكسبين أولهما الهيبة التي تحظى بها بين القبائل وثانيهما الأمن الذي يوفّر لها نموّ التجارة. ويرجّح جعيّط أنّ الحرم كان في تلك الفترة زمانيا ومكانيا، أي أنّه محرّم لفترة معينة، أمّا امتداده المكاني فيصعب تحديده انطلاقا من المصادر المتوفّرة. وهو يؤكّد أنّ “أهميّة الديانة العربيّة الجاهليّة لا تكمن في تعدّد الآلهة وتمثيلها بأصنام وأوثان بل في الطقوس العتيقة المتصلة ببنية اللاوعي الإنساني والتي نجدها في العديد من المجتمعات الأوليّة” (ص 105).

كانت مكّة التي نشأ فيها محمد منفتحة على الخارج بفضل الحجّ والعمرة من جهة، ثم من جهة أخرى بفضل التجارة إذ تمرّ عبرها تجارة الطيب والبخور والحلل من اليمن وتجارة القمح والطعام من سوريا. ولم يكن غريبا أن ينشأ فيها مصلح ديني وهي التي كانت مفعمة بالشعور الديني المرتبط وثيقا بالحياة اليوميّة لأهلها. ولم تشهد مكّة ظهور الدولة ذات الحكم القهري فالقرارات تتخذ جماعيّا ضمن ما دعاه القرآن بـ”الملأ” وهو نوع من الإجماع يحصل بين السادة حول القضايا الرئيسيّة ويكون ملزما للجميع إلزاما معنويّا ولم يتطوّر ليصبح في شكل مواطنة المدينة الإغريقيّة، إلى أن ظهر الإسلام وظهرت معه الدولة. والسلطة قبل الإسلام كانت رخوة يمثّلها سادة العشائر الذين يجمعون بين علوّ النسب والتقدّم في السنّ والثراء في المال. وسيّد العشيرة هو المطالب الأوّل بتوفير ركني الانتماء العشائري وهما إطعام المحتاج والثأر للمقتول. ولم تكن التجارة تأخذ أكثر من شهرين تقريبا في السنة فيبقى أمام السادة وقت طويل من الفراغ يملأونه بالترف كشرب الخمر والاستماع إلى الغناء أو بأنشطة كلاميّة وخاصة الشعر. وهذا الفراغ هو الذي جعل قضيّة الإسلام تتحوّل إلى قضيّة كبرى في مكّة إذ نجح محمّد في أن يجعلها الموضوع الأساسي لجدل المكيّين وأحاديث نواديهم. وكان يقطن بمكّة وضواحيها حوالي 3000 نسمة عدد اليهود بينهم ضئيل وعدد المسيحيّين أهمّ بكثير ولأهلها معرفة بالأديان لأن مكّة مخترقة دينيّا بسبب التجارة والحجّ إلاّ أنّ المعرفة الدينيّة السائدة فيها تتميّز بالسطحيّة ولا يمكن أن تكون هي التي نهل منها محمّد.

يبدو حينئذ أنّ مجتمع ما قبل الإسلام الذي طغت عليه التسمية الإسلاميّة “الجاهليّة” كان مجتمعا يتمتّع ببنية خاصّة هي بنية المجتمعات الأوليّة ولم يكن فوضى كما تصوّره المصادر الإسلاميّة لأسباب دينيّة. وتبرز الدراسة التاريخيّة الانثربولوجيّة خطأ الرؤية التي يكرّرها التمجيديّون بل الإصلاحيون أيضا في العصر الحديث، إذ يبدو لي أن ما يقدمه جعيط يثبت في النهاية أن المجتمع العربي الجاهلي كانت له قوانينه التي هي قوانين المجتمعات البدائية عموما وان المجتمع الإسلامي نشأ حسب قوانين أخرى أكثر تناسبا مع الحياة الاجتماعية الجديدة، ولو افترضنا أنّ الدين الإسلامي لم ينشأ في تلك الرقعة من الأرض فان العرب كانوا سيبقون على الأرجح في وضع متأخّر حضاريا لكن الحضارة الإنسانية لم تكن لتتأثر كثيرا بذلك، ما يعني أن المستفيد الأكبر من الإسلام هم العرب خاصّة. أمّا الشعوب المحيطة بهم فكانت قد خرجت قبل فترة طويلة من ظهور الإسلام من وضع المجتمعات البدائيّة. ويقول الإصلاحيّون منذ القرن التاسع عشر أنّ الإسلام قد طوّر حياة الأفراد لكن الأكثر دقّة هو القول إنّ الإسلام ساهم في انتقال المجتمع من بنية اجتماعيّة ودينيّة إلى بنية أخرى، وليس دائما في خطّ “التطوّر” وهو مفهوم قد كشفت الانثربولوجيا مند أكثر من نصف قرن خلفياته الأيديولوجيّة. فنجد مثلا المصلحين المعاصرين يقولون أنّ الزواج لم يكن محدّدا بعدد وقد جاء الإسلام فحدّده بأربع نساء، لكنّنا ندرك من خلال المصادر أنّ القاعدة في مكّة كانت الزواج بواحدة أو اثنتين على أقصى تقدير (على الأقلّ لقلّة عدد النساء)، وقد التزم بذلك محمّد نفسه في مكّة فلم يتزوّج على خديجة. صحيح أنّه لم يكن من مانع من الزواج بأربع نساء أو أكثر لغياب القوانين في هذا المجال وفي غيره، لكنّ ندرة النساء كانت تمنع من ذلك. فظاهرة تعدّد الزوجات والسبايا يبدو أنّها انتشرت بعد الإسلام لا قبله بسبب خروج العرب بعد الإسلام من اقتصاد الكفاف إلى اقتصاد الرخاء ونموّ النشاطات الحربيّة التي طوّرت ظاهرة السبي. وهذه بعض المواضيع التي تطلب المراجعة والتحقيق في ضوء الدراسات التاريخيّة والأنثربولوجيّة الدقيقة.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий