Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > تجذّر الخرافة بالعقل العربي – المسلم… تنبّؤات نهاية العالم أنموذجاً (دعوة لعقلنة التّفكير)

تجذّر الخرافة بالعقل العربي – المسلم… تنبّؤات نهاية العالم أنموذجاً (دعوة لعقلنة التّفكير)

الجمعة 25 كانون الثاني (يناير) 2013

بقلم: مازن الياسري

1- النّبوءة بين لعبة الدّين والسّياسة

  ليس من المعقول دراسة التاريخ الانساني أو الأحداث المتغيرة به دون الالتفات للمؤثرات المحيطة به بمرحلة الدراسة… ولاشك بأن قصة الأديان والعقائد هي الأكثر تأثيراً في متغيرات التاريخ الإنساني… فلم يوجد شأن مؤثر ومحرك وقادر على توجيه الإنسان أكثر من فكرة الأديان…

إنّ الأديان بشكل عام هي سيطرة وتحكّم أشخاص بالإنسان أو كما يقول ستندال إنّ الأديان تستند على خوف أغلبيّة ودهاء أقليّة، بالتّالي فتحريك الإنسان من خلال الدّين كان وراء اشتعال حروب وتغيير أنظمة وقتل ما لا يحصى من البشر…

 ولنعود لأصل فكرة (لعبة الأرقام وخرافات نهاية العالم) ولنسأل سؤالا بسيط هل للدّين دور بهذه اللعبة؟ الجواب باختصار (نعم) بل إن فكرة انتهاء هذا العالم ووجود عالم آخر هي من الأفكار التي اخترعها صناع الأديان لإقناع أو يهام البشر بأن هنالك ما ينتظرهم من مكافأة على ولائهم لدينهم بعد مماتهم (إنّها لعبة رهيبة أن تقيّد إنسانا على وعد سيناله بعد موته… يا لعبقريّة صاحب الفكرة ويا لسذاجة مصدقه).

 لاشكّ أنّ للتقارب التّاريخي بالمصالح بين رجال الدّين والسّياسة أثره في توظيف الدّين لتحقيق المكاسب السّياسيّة، ومنذ قرون وحتّى اليوم فالدّين أفضل وسيلة لتحريك الإنسان وفق مصالح الحلف الدّيني – السياسي… وهنا تحديداً استخدمت لعبة أرقام السّنوات وخرافات نهاية العالم مراراً ولأهداف مختلفة.

 ليس هنالك تحديد لأوّل مرّة استخدم بها التّحالف الدّيني – السّياسي لعبة الأرقام… فالقصص التاريخيّة العتيقة جداً تتحدث عن هذه الأفكار.. إلا أنّ أبرز قصة تجسد لنا (حكاية ربط السنوات بالخرافات) تعود للقرن العاشر الميلادي… وعلى مشارف الألف سنة الأولى من الميلاد… تنامت فكرة سوّقها تحالف الدّين والسّياسة في الامبراطوريّة الرومانيّة تدعو لاستعادة أورشليم بكونها موقع عودة المسيح المتوقع حدوثها عام 999 أي قبل حلول العام 1000، وسرعان ما سرت هذه الفكرة في أرجاء الامبراطورية كالنار بالهشيم وجرى حشد الجيوش لاستعادة أورشليم التي سيطر عليها المسلمون قبل ثلاث قرون وبذات الحجج الدينية مدعين قصة ارتباط أورشليم بفكرة الإسراء والمعراج وبأن حجرة مقدسة تقع في هذه المدينة سرعان ما أقاموا فوقها مسجداً وسمّوا المدينة بالقدس… ويا للمفارقة سيعود اليهود بعد عدة قرون ويسيطرون على أورشليم وبقصة المعبد.. فبأي من الأديان الثلاث الهدف هو السيطرة على المدينة… والحجج الدينية!

 في العام 939 للميلاد برز رجل من جنود الجيش الرّوماني يروي حلمه بأنّه رأى بالمنام أنّ القيامة ستحدث عام 999 وسينزل المسيح إلى أورشليم، وسرعان ما أسل الإمبراطور الرّوماني إلى الأب (ماكسيموس) في أورشليم يستفتيه بقصة هذه الرؤية… فرد الأب بأن النبوءة بعودة المسيح ستحدث بعد الف عام من مولده وأن رؤيا القديس يوحنا التي وردت بإنجيله تتحدث عن نهاية العالم ونزول المسيح بعد حروب ورعب كبير.

 وهنا روج للقصّة وجرى الدعوة لجنود الصليب للحرب من أجل استرداد أورشليم حيث سيعود مخلصهم… وقام الإمبراطور الروماني (رومانوس ليكابينوس) بالإعداد الرسمي لحرب من أجل تحرير أورشليم من المسلمين…

  وجرت معارك عدة بين الرومانيين والمسلمين ومرّ عام 999 ودخل العالم الألف الثاني دون أن ينزل مسيح أو تقوم قيامة… القصة لا تحتاج لتعليق فهي واضحة جداً… فما فكرة حلم الرّجل إلا خطة ذكية بين الإمبراطور (السياسة) ومفسرها الأب ماكسيموس (الدّين) لتحقيق مصالح استراتيجية باستعادة عسكرية لأورشليم… إنّه استخدام للخرافات عبر قصص الأحلام والأرقام والنبوءات والتفسيرات لا واقعية لها.

 بالمناسبة فأي من يقرأ كتب نهاية العالم أو نزول المسيح أو علامات القيامة لدى المسلمين السنّة أو علامات الظهور (ظهور المهدي) في عقيدة المسلمين الشّيعة، سيجد بأنهم يشيرون الى نهايات سوداوية للعالم دمار وحروب وألم بانتظار من سيملؤها قسطاً وعدلا… والفكرة الدينية المسيّسة من وراء ذلك هو إقناع الأتباع بالحروب وبالقتال مهما كان شرساً ودموياً وبأقناعهم بأن ذلك ليس سوى تحقيقاً لنبوءة خلاصهم!

2- نوستراداموس.. الاستثمار السّياسي الأمثل للنبوءة

 ليس هنالك متنبّئ روحاني بالتّاريخ حاز على شهرة نافست ما ناله نوستراداموس، وعلى الرّغم من أنّ لعبة التنبوء الروحاني والشعوذة لقراءة المستقبل المجهول… لازالت موجودة ويقدمها رجال دين عبر طقوس الدّيانات الشرقية الغريبة ودنيا السّحرة واستحضار الأرواح كما الهندوس وغيرهم أو عبر قصص الجن والاستخارات والنبوءات القرآنيّة التي يقدّمها المسلمون… وقصص التّنجيم والأبراج التي أصبحت مصادر لرزق واقتصاديات بعض الفضائيّات، إلا أنّ كل المنجّمين والدجّالين والمشعوذين وقرّاء الطّالع لم يصلوا لما ناله نوسترادموس من مجد وشهرة.

 شهرة نوستراداموس الاستثنائية سببها بسيط جداً هو أنّ نبوءاته جرى توظيفها سياسياً واستخدمت لإقناع الجماهير وتوجيهها.

  ولد (ميشيل دي نوترادوم) الشّهير بونسترادموس في مدينة سانت ريمي في جنوب فرنسا سنة 1503 من أبوان فرنسيان من أصول يهوديّة اعتنق المسيحيّة قبل ولادة ابنهما ميشيل… أمّا جدّاه لأبيه وأمّه فهما طبيبان ومنجّمان يعملان لصالح الملك (انجو رينية)، كان أبوه (كاتب عدل) لدى الملك وقد عاش في مدينة ايكس في إقليم بروفنس… جَدّا ميشيل لآبيه وأمّه ساهما بتعليم حفيدهما اللغات اليونانية واللاتينية والعبرية وعلوم الطب والتنجيم.. قبل أن ترسله أسرته لدراسة الطب في جامعة موبيليه… وبعد انهاءه دراسته بنجاح عمل بالطب وتزوج واصبح لديه أطفال، إلّا أنّ أحد الأوبئة القاسية الذي اجتاح مدينته في اواسط حياته غير واقعه بالكامل بعد أن قضى الوباء على جميع أفراد أسرته وتركه يعيش وحيداً.

 عزلة نوسترادموس ومأساته بفقدان أسرته… ادعى لاحقاً بأنّها كانت وراء تنمية قدرته على التنبؤ… لقد ادعى نوسترادموس بأن طريقته بالتنبؤ تحدث عبر تركيزه على قدح فيه ماء حى يضطرب الماء ويتحوّل سطحه إلى أشبه بشاشة سينمائية يشاهد من خلالها نبوءاته من أحداث ومعارك وعلوم وأسماء… وبعد الخروج من الحيز التنبئي يسجل ما رأى على الورق على شكل (رباعيات) أربع فقرات ذات معاني ومدلولات لا تخل من الغموض وتحتوي على كلمات لاتينية وعبرية وفرنسية… وقد تجاوز عدد رباعياته الستمائة رباعية تنبوئية مختلفة .

 ولا شك فإنّ فكرة طرح النبوءة بآلية شعريّة روحانيّة فلسفية بأربع جمل فلسفية غامضة تستخدم مصطلحات من لغات مختلفة… وبإشارات فلكية تتعلّق بحركة النّجوم، يعكس خرافية الفكرة ودجلية وشعوذة الممارسة ولكن باحترافية… ذلك الغموض الذي يمنح الهيبة الرّوحانية المؤثرة بالبشر… بعبارة أخرى لقد نجح نوستراداموس بالتّسويق لسلعه الخرافيّة المسمّات بالنّبوءات لدرجة نقلته من حال إلى حال.

 وبمكره أقنع بعض معارفه بإيصاله للملكة (كاترين دي مدتشي) التي عرف عنها تأثرها الرّوحاني بالأحلام والنّبوءات التي عزّزتها رؤيتها الدينيّة للأمور… فالتديّن أكثر مصوغات الخرافة المجهولة لأنّ أفكاره مبنيّة على المجهول… فالإيمان هي فكرة تصديق أشياء لا تراها.

 نوسترادموس خلق لنفسه شعبية بين العامة بعد أن عرض نبوءات بسيطة تحققت في حياتهم العامة… ولاحقاً وصل للملكة كاترين فتنبئ لها بما تحب أو دغدغ مشاعرا بأخبارها عن نبوءات تعني نصر جيوشها ونجاح عهدها… فانطلت الخدعة على الملكة وأكرمت نوستردموس وقريبته ومن هنا ابتدأت قصة المجد لهذا الرّجل… الذي استمر بالتنبؤ حتى أواخر حياته… وقد جمعت نبوءاته في كتاب طبع في ليون عام 1555 وبعد ذلك أعيد طبعه مئات المرات وترجم إلى جميع اللغات العالميّة… والاختلاف في كلّ مرّة ينشىء في زاوية واحدة وهي (شرح الرباعيات) أو بعبارة أخرى تحديث هذه النبوءات لتواكب العصر.

 سرّ نجاح نوسرادموس هو غموض رباعياته… الذي ساهم بتفسيرها على الأهواء لتواكب العصر… فلذلك وتاريخياً كان موسم الرّواج لكتب نبوءاته في مراحل الثورات والحروب… فترى البعض يحملون كتابه لنابليون ليقولون له إنّ هذه النبوءة تعنيك وبأنك ستنتصر… ليعلن نابليون إعادة طبع الكتاب وتحديث الشرح لتثبيت اسمه… ولعل إحدى أشهر القصص حول الاستثمار السياسي لرباعيات نوستراداموس… ما حدث في المانيا أنّ الحرب العالمية الثانية… حيث أشارت زوجة وزير الإعلام الألماني (يوسف غوبلز) زوجها بأنّها وأثناء قراءتها لكتاب تنبؤات نوستراداموس عثرت على بعض الرباعيات التي من الممكن تفسيرها بأنّها تنوه لهتلر ولنصرة الألمان بالحرب… فما كان من زوجها إلا أن أمر فورا بإعادة طبع الكتاب بعدة لغات والإشارة لتجديد تفسير النبوءات بما يشير هتلر بالاسم.

 وهكذا كان الحال دائماً مع تنبّؤات نوسترادموس كوصفات جاهزة تحتاج لبعض الشّروحات المبتكرة لتلصق بأي قصّة… حتّى أصبحت محلّ سخريّة لمفارقات حدثت بأن تفسر دولتان متحاربتان نبوءات نوستراداموس لصالحهما وكلّ دولة تحاول إقناع شعبها عبر شرح النبوءة المبهمة بأن المقصود نصرها ودحر الأخرى!

 بالتّالي استخدم نوستراداموس دوماً من السّياسة وحتّى من الدّين بمحاولة للإثبات وجهات نظرهم.. بل إنّه لمن الضروري ان اذكر بأن اخر فورة عالمية لإعادة شرح وطباعة تنبؤات نوستراداموس كانت في أعقاب أحداث 11 أيلول المشؤومة بالولايات المتحدة عام 2001، بعبارة أخرى إنّ العالم عندما تهزه الصّدمة بما يفوق العقل في حالات الكوارث الطبيعية والحروب والأزمات والأوبئة يتجه لعالم الغيبيات والخرافات والتوسل بالمجهول وتنمو نزعات التدين والدعاء والابتهال والتعبد طلباً للمساعدة من عالم آخر… وهكذا تحديداً نجح نوستراداموس أن يوفر جرعات من التخدير للعقول المضطربة بسبب المآسي… وهذا ما احتاجته الحكومات لتخدير شعوبها المحاربة أو الجائعة بنبوءات النّصر الافتراضي… أو كما بقصّة الأديان التي قتلت الرّجال بحروبها العبثيّة بوعود ونبوءات الشّهادة والجنّة المفترضة والحواري العاريات والخمر والملذات!

  ولعل أشهر ما أعاد نوستراداموس إلى واجهة هذا العصر هي قصة نبوءاته حول نهاية العالم قبل انتهاء الألفية الثانية أي ما عرف بنهاية العالم مع نهاية العام 1999.

3- قصّة العام 1999

 على الرّغم من أنّ الأديان الإبراهيميّة الثلاث (اليهود والمسيحية والإسلام) تعتقد بوجود عالم آخر… وبيوم محدد لإنهاء حياة هذا العالم تطلق عليه يوم القيامة أو الدينونة… إلّا أنّ هذه الأديان تعتبر هذا اليوم الافتراضي مجهول التّاريخ… أو كما تطلق عليه بحكم الغيب!

 المفارقة أنّ معتنقي هذه الأديان خاصة المسلمين، هم أكثر المتحمسين لفكرة نهاية العالم وتحديد تاريخ ليوم القيامة! وخاصة في قصص الأعوام 1999 و 2012.

قصة العام 1999 أو قصصه المتنوعة أكبر من أن يحتويها بحث صغير… وأغرب من تفهمها بدقة… وبالمحصلة كلّ ما روي عنها كان عبثاً بعد أن مرّ العام دون أن تتحقق أيّ من هذه النبوءات المرعبة التي يبقى التساؤل دوماً ما الدّافع من وراءها؟

 تعود قصة نبوءات العام 1999 إلى (نبوءات نوستراداموس) إلّا أنّ الغريب هو كثرة القصص التي تمحورت عن هذا العام مشتقة فكرتها من نبوءة نوستراداموس مع التّلاعب بالقصص حسب المصالح السياسية والدينية من ورائها وبمواكبة المرحلة أو قرب التاريخ من العام 1999، وخاصة في مرحلة الحرب الباردة في ستينيات القرن العشرين مع بروز مصطلح (الحرب العالميّة الثّالثة) وهي فكرة افتراضيّة لحرب مدمرة تحطم الكوكب نهائياً بكونها ستكون نووية بين أمريكا والاتحاد السوفياتي السابق، إلّا أنّ الغرابة هو طرح أفكار وتنبؤات وكتب وروايات خيال علمي تقول إنّ العالم سيفني عام 1999 بسبب اندلاع هذه الحرب…

 في عام 1970 نشر الكاتب الرّوائي الأمريكي الكسندر كي رواية الخيال العلمي (المد الهائل) والتي تتحدث عن حياة شاب وفتاة ناجيان من حطام العالم بعد حرب عالمية ثالثة عام 1999، والغرابة لا تقف هنا فالفكرة مقبولة على مستوى أدب الخيال العلمي إلّا أنّ الغرابة نزول الفكرة إلى عقول الأطفال وعولمتها لاحقاً عام 1981 عندما اقتبس المخرج الياباني (ميازاكي) رواية المدّ الهائل ليحولها لفيلم برامج أطفال (كارتون) دبلج لاحقاً لعدة لغات عالمية منها العربية بنسخ عرفت باسم (مغامرات عدنان) أو كما اشتهر بين الأطفال باسم (عدنان ولينا) وبالحقيقة هنا لا أفكر بالإشارة إلى أنّ مؤامرة كانت تحاك من خلف الأستار لإقناع العالم بقصص عام 1999 ولكن أحاول الإشارة عن حجم عولمة القصة والدفع بها للواجهة… بعبارة أخرى وفق نظرية (العرض والطلب) فيبدو أن سوق فكرة فناء العالم عام 1999 كان يلاقي رواجاً بالتالي ازدادت المواد حوله… وفعلاً كتبت وعلى غرار رواية المد الهائل رواية أخرى للكاتب العراقي طالب الخفاجي بعنوان (بداية بعد نهاية) في عام 1986 ويتضح في متن هذه الرواية التسييس فالكاتب يفترض بأنّ زلزالا عالميّا سيحدث عام 1999 ويقضي على معظم كوكب الأرض موضحاً بأن العراق سينجو من الزلزال في حين ستتدمر إيران…

وهذا بطبيعة الحال تسييس صريح لصالح بلده وضدّ بلد يعاديه آنذاك بحكم أن الرّواية كتبت بالتزامن مع (الحرب العراقية – الإيرانية)، وبعيداً عن قصص الخيال العلمي كتبت كتب حاولت الإشارة للفكرة بجديّة أكثر ففي العام 1981 صدر كتاب بعنوان (1999 نهاية العالم) وقدم من خلاله مؤلفه (جارلس بيرلتز) افتراضات علمية حول إمكانيّة نهاية العالم بسبب الأنشطة النووية والكيميائية وأنشطة التسليح التي ستدمر الكوكب وتقضي على الحياة به… لاحقاً وضع المهندس الكهربائي والباحث (هاف براون) نظرية يفترض بها تحول في أقطاب الأرض نتيجة لتجمع الجليد عند القطبين معتقداً بأنّ التحوّل قد يحطم الكوكب قبل انتهاء القرن وهنا التلميح للعام 1999.

 وبالتّزامن مع انهيار الاتحاد السوفياتي مطلع العقد التاسع من القرن العشرين واقتراب نهاية القرن… وثبوت الولايات المتحدة كقوة عالمة مستبدة، كان للعديد من معادي الغرب والولايات المتحدة وخاصة التيارات الدينية الإسلاميّة لديهم مصلحة في بث الرّوح في تنبؤات نوسترادموس حول نهاية العالم أو تحطم قواه العظمى… وبسرعة أعيد طبع تنبؤات نوستراداموس ولكن بشروحات جديدة تتحدث بتركيز عن العام 1999 وبإشارات صريحة حول الإساءة تجاه الولايات المتحدة… بل قام آخرون بالترويج لنبوءات تتحدث بزوال دولة اسرائيل عام 1999 وليس أغرب من الفكرة سوى المصطلح (زوال)! لا شك أنّه نتيجة الإغراق بالخرافة… على العموم كانت أشهر رباعيات نوستراداموس التي جرى التّرويج لها تقول (في الشهر السابع سيأتي ملك مرعب من السماء ليقوّض ملك “انجلو موس” قبل وبعد أن يكمل المريخ سلطته) ورباعيّة تقول (سيقترب نجم ذي لحية ومع اقترابه من الأرض ستقع تغيرات عظيمة وكوارث وزلازل وسوف يحدث إشعاع من النّجم يؤثّر على سلوك النّاس وتصرفاتهم) وبحساب بعض إشارات حركة الكواكب الواردة في الرّباعيات أشار البعض بأن التوقيت هو قبل نهاية القرن العشرين (أي العام 1999)…

وجرى شرح عشرات الرباعيات الأخريات لتأكيد الآراء بأنّ، العام 1999 يعني نهاية العالم وسرعان ما زاد الإقبال على كتب علم الظواهر الخارقة (الباراسايكولوجي) بل إنّ الكتب الدينيّة التي تتحدّث عن فناء الحياة والعالم الآخر ويوم القيامة شهدت رواجاً وانتشاراً وأصبحت حديثاً لمهتمين وسواهم.. بعبارة أخرى لقد انقاد العالم برعب لفكرة أنّ الفناء ينتظره!

 وربما كان العالم سيتجاهل أو لنقل سيقلل من أفكار نوستراداموس حول العام 1999 لو لا أنّ متغيراً حدث عام 1997 غيّر من مفاهيم العالم تجاه ما يحدث وأدار بوصلة الرّأي العام نحو الذّعر من القادم… وأقنع العديد بأنّ العام 1999 ربّما سيكون عام الفناء… ففي عام 1997 شوهد (المذنّب هالي) وهو (مذنب اكتشف على يد الفلكي ادموند هالي عام 1682) ورجح العديد من شراح رباعيات نوستراداموس بأنّ المذنب هالي هو المقصود من عبارة (النجم ذي اللحية)… وخاصّة مع ارتباط فكرة مسبقة لدى العديد من الفلكيين بأنّ المذنّب هالي هو نذير شؤم يتزامن ظهوره بحلول الحروب والكوارث… ومع ظهور المذنب قرب الأرض عام 1997 ومشاهدته عبر التيلسكوبات أو حتّى المناظير الصّغيرة أعيد فتح قصص نهاية العالم الموشكة عام 1999 وفجع العالم بأقدام 39 شخص أمريكي في 26 آذار 1997 بانتحار جماعي بكاليفورنيا كان الأكبر بتاريخ الولايات المتحدة، المنتحرون وهم من أتباع طائفة دينية تسمى هافن جيت أو بوّابة السّماء اعتقدوا أنّ ظهور مذنب هالي يعني قرب نهاية العالم وبانتحارهم سينقلون عبر مركبة فضائية بمعية المذنب إلى عالم آخر… كما كتبوا بأوراق وضعوها في جيوب ملابسهم أنّ الحياة البشرية تنتظرها مأساة وقد لبسوا جميعا الملابس السّوداء الكاملة تعبيرا عن الحزن ولفوا رؤوسهم بأكياس النيلون .

  وبلا شكّ أفزعت هذه الحادثة التي تناقلتها كل وسائل الإعلام حول العالم، العديد من البشر وهم يرون المذنّب بسمائهم.

 ولم ينته الحال هكذا فبعد مرور العام 1999 دون حدوث ما روّج له: بأن منتصف ليلة الميلاد عام 2000 سيحدث خلل بأنظمة كومبيوتر العالم بسبب عدم التعرف على الرّقم الألف الجديد قد يتسبب الخلل بتفجير مفاعلات نووية أو إطلاق صواريخ… وبطبيعة الحال فهذه السّخرية أرعبت العديد، وكالعادة مرّ العام تلو العام ولم يتحقق ما أرعبوا النّاس به من أفكار عن نهاية العالم…

   ليبقى السّؤال مفتوحاً: لمَ كلّ هذا الرّعب؟ ما هدفكم من ورائه؟

    4- استحضار الخرافة عند الصّدمة

 ربّما مصلحة المؤسّسات الدينية والسياسية المعاصرة تختلف عن مصالحهما قبل قرون، فالمهم اليوم هو جعل الإنسان يدور بحلقات مفرغة من الأفكار والقضايا ليبقى مغمض العينين ولا يتدخل بالسّلطة السّياسية أو الشرعيّة الدينيّة… بعبارة أخرى المطلوب إلهاء الإنسان دوماً بشتّى الطرق كي لا يفكّر بكسر الطّوق الافتراضي على عقله والتحرّر من هيمنة الدّين عليه… هي محاولة لجعل الإنسان مقيّدا… لأنّ رجال الدّين يدركون بأنّ (الحرّية) هي عدوّة الدّين… بالتّالي يسعون لانتزاعها بشتى الوسائل غير الظاهريّة… فكما قال توماس جيفرسون يوماً (في كلّ مكان وفي كل عصر كان رجل الدّين عدوّا للحريّة).

 ولمّا كان الدّين يدعي وساطته الرّوحية نحو إنقاذ الإنسان من الشّرور…

فما الفعل عند وقوع كارثة صادمة؟ كيف سيتصرّف رجال الدّين حينها؟

 الخرافة ستستحضر فوراً… وتبدأ بسماع النبوءة، قالت كذا وكذا وأنّ هذه العلامات التي ذكرت في الكتب القديمة (وهي كتب وهمية فلا نصوص موجودة) أو يستحضرون نصوص دينية جامدة أو لها دلالات أخرى ليقولون بأن التفسير قصد ما يحدث الآن!

 أقرب الأمثلة لاستحضار الخرافة عند الصّدمات المفاجئة… ما حدث بعيد أحداث 11 أيلول/ سبتمبر المشؤومة في نيويورك عام 2001، فبعد المفاجأة الصّادمة بتفجيرات نيويورك الإرهابيّة اتجه الدّين لقراءة القصّة وفق نظريّات الخرافة والتّذكير بالنبوءات الخيالية…

بل إنّ إحدى الإحصائيات المتمحورة حول مبيعات (الكتب) بعد عام 2001 مستندة لتقارير مبيعات مجموعة كبيرة من المكتبات الكبرى في العالم… أظهرت أنّ المراتب الأعلى رواجاً في المبيعات كانت كتب موضوعاتها تتمحور حول (التنبؤات وخاصّة حول نهاية العالم)، نعم هكذا هو حال الإنسان (المؤمن بالعوالم الأخرى) الافتراضيّة… عندما تحل أي كارثة من الصّعب تصورها يلجأ إلى تفسيرات اللاعقل واللامنطق كقصص النبوءات والخرافات وخصاصة ما ينشر منها تحت عباءة الدّين.

 وكالعادة أعيد طبع تنبؤات نوستراداموس مجدداً… وبتفسير جديد فلم يعد الحديث عن العام 1999 كنهاية للعالم بل وكأنما حصل تحديث لتواريخ الرّجل المتوفي منذ خمسة قرون ليقولوا إنّ نوستراداموس تنبئ بأحداث نيويورك… وأنّه أشار لمدينة جديدة وهذا يعني نيويورك ولحدوث زلزال وهي التّفجيرات والعديد من القراءات التي تنتهي عادة وفق أهواء صاحبها فالإسلاميون يفسّرونها بنصر ما والمسيحيون يفسرونها بقرب عودة المسيح، وهلمّ جرا أو كما يقول المثل العربي ستجدهم كل يبكي على ليلاه!

 ولعلّه من الطّريف أن تجد بعض من يلقّبونهم بأساتذة أو دكاترة يكتبون مقالات أو أبحاثا طويلة تخدع النّاس بافتراضات غريبة وألعاب رقمية انتقائية من الكتب الدّينية المقدسة ليصلون لنتائج أشدّ غرابة من غرابة أسلوبهم… فتجد أحدهم يكتب بأنّ القيامة ستقوم بسنة كذا أو أن دولة اسرائيل ستزول بسنة كذا أو حرباً عالمية ستندلع بسنة كذا! وهلم جرا من هذه الخرافات المضحكة بطرحها… والمبكية بتصديق العديد لها.

 5- العام 2012 وخرافة النّهاية

 لا أعلم تحديداً ما الدّاعي مجدداً لاستحضار قصص نهاية العالم مجدّداً بعد تكرّر فشلها، ولمّا كان التركيز على العام 2012… فإنّ الغرب هذه المرة كان بصدارة المروّجين لهذه الفكرة والسبب بمنطق ثقافتهم الموروثة في دنيا الخرافات يكمن في التشاؤم من الرّقم (13) تلك الخرافة العالقة بذهنيّة الأوربيين منذ عقود… ففي كل قرن يمرّ عام بالرّقم (13) يملأ الغربيين رعبا… خاصة إذا علمنا أن هنالك الملايين ممن يتشاءمون من هذا الرّقم لدرجة كره العمل أو الخروج فيه.. بل إنّ من طرائف كرة القدم إصرار العديد من اللاعبين الأوربيين عدم ارتداء “الفانيلا” رقم (13) اعتقاداً بأن الرّقم سيجلب لهم النّحس… وعلى مشارف العام 2013 حيث سيعيش العالم (365) يوم في داخل الرّقم (السنة) 2013 فالتشاؤم يملأ العديد من العقول.. وهذا ما حدا بإحدى شركات إنتاج السينما لتقديم فيلم بعنوان (2012) يفترض إنتهاء العالم عام 2012 أي قبل الدّخول بعام النّحس المفترض 2013.

 كما نشرت توقعات ثبت خياليتها عن اقتراب أجرام سماوية قد تصطدم بكوكب الارض وتحطمه وكأن الفكرة تتمحور بصدام سيارتين… وكالعادة فإنّ المصدقين والمتخوفين والقلقين موجودون ومحتاطون!

 إلّا أنّ الغرابة تكمن في تعاطي الشرقيين مع الخرافة… فمع اقتراب انتهاء العام 2012 وخاصّة يوم (12.12.2012) وهو يوم لن يتكرّر إلّا بعد ألف عام، نجد أن الغربيين من روّجوا لفكرة انتهاء العالم به احتفل معظمهم به بل ازدحم العديد منهم للزواج فيه كيوم تاريخي… كما جهزت بعض الدول احتفالات في هذا التاريخ كحفل جهزت له الولايات المتحدة لإغاثة المتضرّرين من إعصار ساندي.

 أمّا الشرقيون فبثوا الرّعب من انتهاء العالم وشهدت مواقع تواصلهم الاجتماعية أغلبية حذرة وأقلية ساخرة ممن يفكرون بهذه الطريقة الغريبة.

 بالتالي يبدو أنّ ذهنية الشعوب الشرقية العربية والمسلمة… تستحوذ عليها الخرافة والخوف من المجهول ورهبة العالم الآخر الغير مرئي بشكل يجعلهم يصدقون خرافات لا تمس للمنطق أو العقل بأي صلة!

 6- بين العقل والخرافة

 قبل سنوات قليلة فقط.. كان من الممكن تصديق العديد من الخرافات لسبب بسيط هو صعوبة الوصول للمعلومة… بعبارة أخرى أن سياسات التلقين والتّوجيه التي تمارسها الحكومات والمؤسسات الدينية بالعالم الشرقي – الإسلامي قادرة على التأثير بعقل المتلقي خاصة بشمولية الوسائل من إعلام إلى مجتمع إلى مدارس فأعراف فرقابة على المطبوعات وتوجيه للثقافة… والعديد من الوسائل المعروفة، إلّا أن عالم اليوم اختلف وأصبح بإمكان العديد الوصول للمعلومات بحرية أكثر من خلال الانترنيت أو الفضائيات… بالتّالي لم يعد هنالك حجة لتبعية العقل العربي للخرافة ولتصديق قصص رويت قبل قرون وبطريقة غريبة.

 هي معادلة بسيطة جدا وسهلة بالتّجريب… اجلب أي فكرة دينية وارفع عنها هالة القدسية الوهمية وفكر بها بتجرّد دون قدسية… ستجدها أفكار خاوية من معنى قد تشعر بالخجل لأيمانك بها مسبقاً… خرافات عجائبية غريبة لا زالت تعتمر بالعقل العربي – المسلم، ولكن أصبح بإمكانه اليوم التعرف على حقائق كانت غائبة عنه أو مغيبة عنه بتعمد.

إنّ استمرار تجميد العقل وتحديد الفكر والاستعاضة بالخرافات يساهم بقوة بالفجوة الحضارية الشرقية مع الغرب… والتي يعجز الإسلاميون عن إيجاد حلول لها فواقعهم العلمي لا يعد شيئاً أمام واقع الغرب العلمي كما أنّهم شعوب استهلاكية أمام شعوب منتجة صناعية… بالتّالي فعدم إمكانية الوصول لمصاف الغرب جابهوه بالتنافر معه والعودة للماضي.

 العقل المسلم ومنذ قرون منفصل عن السير الطبيعي للحياة والأحدث والأفكار في العالم… بالتالي هو مرتبط بخرافات غريبة… وعلى مدى القصص السابقة حول الخرافات والخيالات حول نهاية العالم… نجد أن أكثر المتأثرين دوماً هم المسلمين… لأنّ عقولهم تتقبل الخرافة لا شعورياً.

 أعتقد أنّ تطور وسائل الاتصال يفترض أن يساهم بتحديث العقلية العربية – المسلمة نحو تغليب لغة المنطق العقلي على الخرافات… وبلا شك فأن تغليب المنطق والمناهج العلمية وتحرير الفكر والتفكير… بحاجة لعمل كبير فردي وجماعي… شخصي وحكومي.

 فلا يمكن للعقليات المؤمنة بالخرافة ان تنقل مجتمعاتها إلى مجتمعات كاملة المدنية تؤمن بسيادة القانون والمواطنة المتساوية والسلميّة بتناقل السّلطة… لأنّ قيمها الدينيّة تتعارض مع قيم الإنسانيّة المدنية المعاصرة… التي تعد عصارة وتتويج لتجارب الإنسان نحو الحياة الايجابيّة على مدى قرون.

 ليفهم الجميع أنّ الحلول لا تعني الإغراق بالماضي… أو انتظار المستقبل… بل بعيش الواقع بما متوفر به من تطور إنساني وصلت له عقلية الإنسان وأفكاره بهذا العالم… وليقارن الإنسان الشرقي واقعه مع واقع الإنسان الغربي من المزايا والحقوق والواجبات… ولأنهي بمثال أخير يبين حجم الفجوة بين إنسانية مجتمعات الغرب وتردي الواقع الإنساني بمجتمعات الشرق…

   سئل شاب أوربي… شاباً عربياً تعرف عليه بالمصادفة عن أحلامه… فأجابه الشاب العربي إنّي أحلم بأن يكون لي منزل وعمل ليصبح لدي مرتّب ثابت وأحلم أن أتزوّج، وهنا قاطعه صديقه الغربي قائلاً أعتقد أنك فهمتني خطأ فأنا سألتك عن أحلامك وليس عن حقوقك!!!

المصدر: مجلة الأوان

Tags: , , ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий