Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > حوار بين جاك دريدا وهيلين سيكسوس (3/3)

حوار بين جاك دريدا وهيلين سيكسوس (3/3)

أجرى الحوار: آليت آرمل Aliette Armel

يتحدث جاك دريدا وهيلين سيكسوس عن لقائهم الأول، عن أصولهم المشتركة، وعن موضوعات الإستحالة والسر التي تتضمنها أعمالهما. مبادلة قوية تديم صداقتهم الثقافية منذ أربعين عاماً.
تُعتبرُ العلاقة الصداقية المُتواصلة ما بين جاك دريدا وهيلين سيكسوس مثالاً نادراً للصداقة الأدبية، للتبادل الثقافي الذي يثري أعمالهما ويغذيانه هما عبر رسائلهم المُتعلقةِ بالفكر، الذي ينظمه كل واحد منهم بطريقة مختلفة ضمن عمله، الفلسفي بالنسبة للأول، والأدبي بالنسبة للثانية، واللذان يقطنان كلاهما ضمن منطقة اللغة حيث “يمكن لهذين الجانبين من التعايش مع داخلهما، مع ما بينهما leur entre، ومع تبادلهما”. لقد ولدا في الجزائر من عائلتين يهوديتين، هيلين سيكسوس في وهران عام 1937، وجاك دريدا في البير El Biar، القريبة من العاصمة الجزائر، في 1930. ألتقيا عندما لم تكن هيلين سيكسوس قد نشرت أي شيء، وبعد قراءتها لنصوص جاك دريدا الأولى. النظرة التي يحملها أحدهما عن عمل الآخر تغنيه بإصداء عميقة وبأفاق جديدة. لقد قبل جاك دريدا وهيلين سيكسوس مواصلة حوارهما شفاهياً، بدعوة من Magazine littéraire (المجلة الأدبية).

– لقد قبلتما بهذا الحوار الشفهي حيث يتدخل فعل”قالَ” الذي كتبت هيلين سيكسوس عن خطره ازاء فعل “فكرَ”. يلعب الصوت La Voix هنا أيضاً دوراً : أنه يحتل مكانة مهمة في نصوصكما.
جاك دريدا : هؤلاء الذين لا يقرأون يلومونني أحياناً على اختيار الكتابة ضد الصوت، وكأني أنوي إسكاته. في الحقيقة، لقد قَدّمتُ مقترحاً من أجل إعادة أشتغال وتعميم مفهوم الكتابة، النص والأثر. الشفاهية هي أيضاً شق لأثر. غير أن المُعالجة الجديةِ لتلك المشاكل تقتضي توفر الوقت، الصبر، الإنعزال، والكتابة بالمعنى الحصري للمفردة. أواجه صعوبة بالإرتجال من حول الرهانات التي تعنيني أكثر من غيرها. أن أصواتنا الثلاثة هنا هي بمثابة مجازفةٍ من أجل مراس مُخيف ومتفرد : تمرير بعضنا الكلام إلى الآخر، جعله يشق درباً غير متوقعٍ بالأحرى. سوف يكون على كلماتنا تحديد أكثر من زاوية، وعليها أن تتثلث (من المثلث)، فهي تتقاطع وتتمفصل فيما بينها في ذات الوقت. أجل، بالنسبة لهيلين كما هو بالنسبة لي، تقتفي الكتابة الصوت، مع فارق عميق بيننا. فالصوت، إن كان داخلياً أو لا، يظهر في المقدمةِ. فأنا أكتب أمّا “بصوت عال” أو “بصوت منخفض”. سواء كان ذلك فيما يتعلق بالحلقة الدراسية séminaire التي أقوم بها أو النصوص غير المكرسةِ للكلام. منذ أربعين عاما وأنا أكتب ما أقوم بتدرسيه، من كلمته الأولى إلى كلمته الأخيرة، إذ أقوم بدءً باختبار نبرة وإيقاع ما سأقوله “بصوت مسموع” من على مدرج الدراسة، فيما أتظاهر وكأني أرتجله. لا أكتب أبداً بصمت، أصغي لنفسي أو أصغي لما يمليه عليَّ صوت آخر، وأكثر من صوت واحد : اخراج، إذاً، رقص، سينيوغرافيا لإلفاظ scénographie des vocables، لنفحة وتغيّير في النبرةِ”. أن التحضير لحلقة دراسية يشبه درباً من دروب الحرية : حينئذ، يمكنني التكلم، ومن ثم أخذ كل الوقت الذي حصلت عليه أثناء الكتابة. أما فيما يتعلّق بالنشر، ومادام الأمر مرتبطاً بنصوص مختلفة تماماً، يتغير في كل مرة مدى السلّم الصوتي.
هيلين سيكسوس : نتمتع كلانا بطرق متعددة لممارسة الكتابة. واحدة منها تحيل على الصوت، الذي يسمونه عالياً، لكنه عندي خفيض وملتبس، أي الصوت الذي استخدمه في التدريس، ثمة صوت آخر لا يني عن تعميق وتيرته وفقاً لدرجة المكتوب بالصمت، والذي يبدو بلا صوت، فيما يجعلني أسمع مجموعة من الأصوات ضمن الصوت الواحد. حين تكتب حلقاتك الدراسية، تستبق الصوت tu pré-voix، صوتك هو استباق-صوت، تكتب صوتاً يستأنف الكلام. أن استئناف الكلام هذا هو مَسرحةٌ théâtralisation لما قمت باخراجه في البدء. أنك تضاعف فعل المسرحةِ. أنتَ ممثلُ لذلك الذي أنتَ عليه كمؤلف. تضاعف نفسك -بكل المعاني. أنا لا أكتب حلقاتي الدراسية. خلال أيام اقوم بحرث منطقة تزدحم بنصوص عديدة عبر التفرعات التشابكت التقليمات إلى أن أصل إلى التفكير بها عن ظهر قلب. بعد ذلك، أقوم بارتجالها معتمدةً على شبه ملاحظات مكتوبة على صفحتين للحديث أ ربع أو خمس ساعات. لدي تلك الحاجة في ترك نفسي تؤخذ بأصوات تقدم من أماكني الأخرى وأتركها تصدح عبري. أرغب أن يكون لي صوتان. وفي ذات الوقت أكون تحت رحمة وحيها. يمكنها خذلاني. فأنا لأ أسيطر، بل أُخْضَعُ نفسي لوسائط الوحي. أن هذه المجازفة هي شرطٌ حماسي وكشوفاتي. يمكن أن ألهث، شيء ما يضيق تنفسه. لقد تعرفت على نفسي تماماً في نصك غير المسبوق عن أرتو Artaud، “الكلام المبهور” La Parole soufflée، بما ينطوي عليه الانبهار من معنى مزدوج : كلام مبهور/معطى من قبل واحد آخر وكلام مخطوف ومختلس. كلانا يدع نفسه يؤخذ بطيران الكلمة : فعل اطلاق الكلام هذا الذي يشبه انقذاف العصفور أو النفثةِ : ترك الشيء الذي كان قد عبرَ ينطلقُ. كيوغرافيلو-صوف chorégraphilo-sophe، فرقة إنشاد، كورس، أنك تجعل النص يرقص رقصة الفالس، يستدير، يتزحلق ويرقص الراب حتى متناسقاً مع درجة فكرك الدقيق للغاية والمُباغت أيضاً. تحليق نصوص. أمّا بالنسبة لي، فلدي شعور بالغناء، بالموسيقى. من أين جاءني ذلك؟ أصوات جميلة قديمة تقودني، أصوات ابائي؟
جاك دريدا : أن “الكلام المبهور” هو كذلك إملاء أصوات متعددة (ذكورية وأنثوية). أنها متداخلة، مُتشابكة، ويأخذ أحدها مكان الآخر. هناك دائماً أكثر من صوت واحد أدعها تصدح عبر ارتفاعات متنوعة، بنغم ونبرة : العديد من الآخرين، رجال ونساء، يتكلمون فيَّ. ويكلمونني. وكأني غامرت حينئذ بنفسي لتحمل مسؤولية نمط من فرقة إنشاد ينبغي عليَّ، بالرغم من ذلك، أنصافها. كذلك حين أوقع على الرسائل التي تصلني، من أجل التأكيد على استلامها، يبلغني صوت أكثر من فردٍ واحدٍ أو واحدةٍ. وعكس ذلك أيضاً، حين أبعث أنا برسائل، تصلني بصورة غير واعية أصوات، أو ملامح أشخاص أعرفهم أو لا أعرفهم، صوت ذلك الذي أتحدث إلية وأصوات من يمنحوني فرصة الكلام، أولئك الذين يعطونني كلامهم.

اللقاء الأول

– ذلك الحوار المتواصل بينكما، يرجع زمنه إلى أكثر من أربعين عاماً. هل ترك لقائكم الأول في مطعم “بلازار” Blazar، في عام 1963، آثاراً، طبقات من الأصوات؟
جالك دريدا : قد يكون من الصعب عليَّ أن أذكر هنا، بشكل ارتجالي، الآثار الملموسة والحيّةِ التي تركها فيَّ لقائي الأول بهيلين. كان هناك، أولاً، البطاقة البريدية التي بعثتها لي بعد قرائتها لنص “القوة والمغزى” Force et signification. المقابلة الأولى، وجهاً لوجه، في مطعم “بلازار”، أجل. بيد أني لا أظن بأن إنفعال تلك التجارب سيظل على حاله. أتذكر المخطوطة الأولى التي بعثتها لي هيلين “اسم الله الشخصي” (Le prénom de Dieu). لقد وَصلتْ تلك المخطوطة وكأنها نيزك يسقط في حديقتي. لم يكن الحقل الثقافي أو الاجتماعي-الصحفي socio-éditoral، الـ « lectorat » لذلك الوقت مهيأ بعد، كما بدا لي في حينها (هل اخطأت؟)، لتلقي وأتخاذ ما هو مطلوب ازاء ما شرعَ في تلك المخطوطة. لذا كنتُ خائفاً من أجلها أثناء تلك القراءة، مع تلك العاطفة المزدوجة : انبهار وقلق.
هيلين سيكسوس : تختلف مشاعري قليلاً من حول ذات المشاهد. كله كان منظماً عندي حين لم أره في المرة الأولى من مراتي الأولى la première de mes premières fois. أن ما بقى ضمن ما أصبح، بالنسبة لي، بمثابة أسطورة- شيء مقروءةً، هو أنني لم أره، ولكني سمعته. كانت مصادفة استثنائية. كان عمري ثمانية عشرة سنةً. لقد حدث هذا في السوربون، حينما كان مُنشغلاً بأمتحان شهادة التبرير الجامعي لأحدهم شفاهياً، فيما كنتُ أنا في عمق المدرج الدراسي، ولم أكن “أرى” سوى ظهره. لم أر غير صوته. كان يتحدث عن شيء ما يثير أهتمامي إلى الأبد : فكرة الموت. لم يأسرني أي شيء آخر غير لغته الحيّةِ بمعنى ما وهو يفكرُ بفكرة الموت. كان ذلك بالنسبة لي بمثابة الدخول في الفكر والأدب. بعد أعوام من ذلك، كتبتُ له بعد أن قرأت نصوصه. وفي كل مرة كان يحدث الشيء ذاته : لم أتمكن من رؤيته. نوع من الفنطازم النبؤي كان فيه هو النبي. ذلك ما كتبته في “كم هي الساعة الآن” Quelle heure-est-il ؟ لم أكن قد رأيت شخصه، ولكن كينونته الماشيةِ على حافة جبل. في لقائنا الأول، في “بلازار” تحدثنا طويلاً عن جويس. تقدمنا، خطوة بعد خطوة، من عمل حد oeuvre limite، كنا نجول من حول ذلك الحد، كل واحد منا من طرفه يحاول التفكير “بالشيء” « la chose ». كانت طريقتي في عدم رؤيته رؤيةً : لا نرى ما كان ينبغي رؤيته بصورة مغايرة. عندما كتب عن أثر واقية الوجه visière، في كتاب “أشباح ماركس” Spectres de Marx، كان قد رسمَ صورته الشخصية autoportrait. أنه يتمتع بـ heume (quel mot à mots : hom homme heumem ; *om)، وقاية وجه طبيعية، يَنظرُ من غير أن يكون مرئياً. Unheimlich (غريب، لا إنساني، م.م). فتلك الكينونة، أو هذا الرجل، يظل ينظر إليك من مسافةٍ. أمّا أنت فلديك الحرف. كل ما رأيته منه كان لغته، التي أدركت بأنه يمكن لفكري التجول عبرها. منذ ذلك الوقت، لم أتوقف عن قراءته، وفي كل مرة أشعرُ وكأني كنتُ أرى ما يفكر فيه. أن شخصه، ومظهره الذي يشكل جزءً من حياتي هو تجسيد incarnation لفكره من خلال لغته “الداريدية”. فعبرها يمتلك الكلام. أنه يجعل اللغة الفرنسية المُدردةِ Cette langue française derrudianisée تدفع الفدية rançonne، يُعَطلْ صياغتها afaçonne، يزبدها (من الزبدِ م.م) l’écume، يلعب بمواردها المصطلحية، ويوقظ فيها الكلمات المطمورة تحت النسيان. عندما سمعته، عثرت على الحرية، التي كنت بحاجة إليها : لا شك أنها كانت موجودة عند رامبو، بيد أن الشعر مع جاك داريدا صار يعدوُ كالفرس في الفلسفة.
جاك دريدا : بطريقة ما، طريقة الكتابة ذاتها celui de l’écriture même، إذا كان بمقدوري قول ذلك، إنتِ، يا هيلين، تقرأين بطريقة لا تُضارع. أنها تعثر فجأة على المنفذ الأفضل، الأكثر سريةً، من حيث السبك والشكل، من جانب المعنى والجسم اللاواعي لما أكتبه. أن امتناني حيالها هنا لا حدود له.

كاتبان، يهوديان، من الجزائر

– في كتابه “الإلسنية الواحدة للآخر” Le monolinguisme de l’autre، يقول جاك دريدا بأن هذه اللغة التي جمعتكما كان قد تمّ سبكها في نفس الجذور الواحدة. فأنتما كلاكما : “كاتبان، يهوديان، من الجزائر”.
جاك دريدا : في البدء (لكن وبالرغم من هذا كان ذلك في اليوم التالي “لحرب الجزائر”)، لم تكن أصولنا المشتركةِ حاضرة بقوة لحظة تبادلنا الرسائل. يعد ذلك بوقت طويل، وبطريقة أكثر حدة، صار لدينا وعياً بها. حينئذ، شرعتُ بالكتابة عن الجزائر “جزائريتي”، عن الطفولة، وعن العبرية، الخ… ، في “البطاقة البريدية” La Carte Postale، في “الإلسنية الواحدة للآخر”، وفي circonfession، الخ… من الواضح نحن نكتب أبعد مما هو مشترك بيننا من هذه الجانب، لكننا نكتب، على الجانب الآخر، نصوصاً مختلفة تماماً عن بعضها. كذلك يختلف حوارنا مع اللغة الفرنسية. نحن لا نتمتع بنفس التكوين formation. فإنا “فيلسوف”، مع أن ميلي الأول كان نحو الأدب. لقد بدأت بمحاولة الحصول على اعتراف بعملي الفلسفي من المؤسسة الجامعية. ولكي أحصل، فيما بعد، على شيء من الحرية، كان ينبغي عليَّ الحصول أولاً على الثقةِ. في السابق لم أخن trahissais المعايير إلا بشكل حذر، مُراوغ rusée وسري تقريباً quasi-clandestin. حتى وإن لم يكن هذا يفلت من عين الجميع. لقد خف حماسي الغريب والعاصف للغة الفرنسية شيئاً فشيئاً. ما زلت أتكلمُ بلسانٍ واحدٍ، أي من دون أن يكون لدي سبيل طبيعي نحو لغة أخرى. أنا أقرأ بالألمانية، كما يمكنني التدريس بالأنكليزية، لكن ارتباطي باللغة الفرنسية مطلق. لا يمكن الشفاء منه. فيما أن هيلين، ليس من جانب أصولها اليهودية “السفراد” séfarades، ولكن أيضاً من جانب لغة أمها “أشكناز” ashkénazes، تتمتع بعلاقة أوليه باللغة الألمانية. وهي تقرأ بلغات كثيرة غيرها.
هيلين سيكسوس : عندما التقينا كنا مُنشغلين، كل واحد من جانبه، في الإقتراب بقلب مغتبط من اللغة الفرنسية، والتعامل معها بألفة à la tutoyer . أنا انطلاقاً من لغاتي الأخرى كذلك. كل منا كان غريباً بطريقته الخاصة. وقد تحكمت هذه الغربة بلقاءنا أيضاً : نظرَ لي كغريبةً، حتى عن عالمه، بسبب ذلك الجانب الذي يُطلق عليه اسم “الإشكناز” والذي يشكل بالنسبة لي جزءً من اللغة الألمانية. ما يجمع بين عدم تماثلاتنا هو تجربة مسبوكة بموضوع من داخل الخارج du dedans de dehors. لقد دُمَغَتْ مخيلتي بالتجربة الأولى لطفولتي، أو ما قد يسميه هو بالواقعة l’événement. كان لي من العمر عامين ونصف وإذا بأبي يصبح فجأة ضابط-طبيب في عام 1939، ومن ثم صار من حقي الدخول ضمن مجال القبول والرفض الذي كنا نطلق عليه في وهران اسم الدائرة العسكرية Cercle Militaire. أدخل في هذه الحديقة : بيد أني لم أكن في داخلها. لقد عشتُ التجربة : يمكن للمرء أن يكون في الداخل دون أن يكون فيه، فثمة من داخل في الداخل، وثمة من خارج في الداخل، الخ… في ذلك المكان الذي بدا لي وكأنه الفردوس كان الجحيم مفتوحاً a bée l’enfer : لم أستطع الدخول في ما سُمحَ لي بالدخول فيه، ذلك لأني كنتُ مقصيةً منه كوني يهودية. كله كان مُبهماً inextricable. لم أفهم ذلك إلا بعد ما كانت رسالة الرفض قد قذفها في وجهي الأطفال الآخرون. لم أكف عن معايشة ذلك الإقصاء، لكن دون أن يضايقني أو يتحول إلى شيء يسكن معي. أن الممر ما بين الداخل والخارج موجود في كل ما أكتبه، كما هو كذلك في كل ما يفكر فيه جاك دريدا. أمّا إذا كان قد حلمَ أولاً بإقرار فكره عبر الفلسفة، فذلك ما لم أكن أعرفه. فالفرد العامل سرياً le clandestin الذي هو عليه كان قد مهرَ شيئاً آخر غير ذلك في نصوصه. وعلى أية حال، كان لدي أنطباع وأنا أنسل عبر “أصل الهندسة” L’Origine de la géométrie و”الصوت والظاهرة” La Voix et le phénomène وكأني أتسلل من خلال شقوق السرية، عبر الأدب، مُستفيدةً من تلك الإنفجارات التي كانت تمثل بالنسبة لي تجليات ومصائر. فواحد من الكتابين المذكورين كان موضوعاً تحت مقولة لأدغار الآن بو. أمّا في الكتاب الثاني، فكان جاك دريدا قد جعل اسم جويس في وسط كتابته عن هيسرل Husserl. فعبر الأدب قدمَ لي منفذاً نحو الفلسفة، التي جعلني أرى فيها كوى المرامي والقناطر الخفية، فمررتُ من جوانبها تحت الأرضية. ففي تلك النصوص كان قد جرى سلفاً أشتغال سؤال حضور الحاضر la présence du présent وحاضر الحضور présent de la présence وكذلك سؤال البقاء survie. وحتى سؤال من الآن فصاعداً désormais. لقد عشنا كلانا قضية ترحيل اليهود من قبل فيشي Vichy. كان عمري ثلاث سنوات عندما رأيتُ والدي يفكُ الصفيحة المعدنية التي تشير إلى مهنته كطبيب. هناك ما هو مشترك بيننا، ما أسميته “جروحنا” « nosblessures » : جروح، لكنها جروحنا، وقد غدت ألقاب نبل بالنسبة لنا. لقد أستطعنا فهم بعضنا من المفردة الثانية، ذلك لأن أثر الوسم، الندبة، كانتا متأصلتان منذ البدء في كتاب الحياة لكل واحد منا.
-كتبت هيلين سيكسوس في “صور الأصول” Photos de racines ما يلي “نحن من نفس الحديقة”، هل تشيرين إلى هذه الحديقة عندما تحدثتِ عن الدائرة العسكرية؟
جاك دريدا : يمكن “لنحن من نفس الحديقة” الانفتاح على كل حدائق العالم. بيد أن المصدر الأدبي يشير أولاً إلى “حديقة التجربة” le Jardin d’Essai، وهي منتزه نباتي، في العاصمة الجزائر، بأشجاره القارية، بالقرب من ملعب لكرة القدم حيث كنتُ ألعب غالب الوقت. ما تزال هذه الحديقة قائمة حتى اليوم، لكننا لم نذهب أبداً لزيارتها معاً، غير أنها تمثل لنا نوعاً من الفردوس المُضيعِ. في كتابي “هيلين سيكسوس، من أجل الحياة” HC, pour la vie، تنطبعُ مقردة “تجربة”، وتفرض حروفها ونحوها من فوق مفترق جمل و”منطقيات” et de « logiques ».
هيلين سيكسوس : يبدأ الأدب الفرنسي بـ “تجارب” « Essais »**. أنه كتاب عن هذا بصيغة الجمع C’est un livre des c’est*. شيء خارق أن يطلق على حديقة اسم “تجربة” « d’Essais »! فالـ Esse اللاتينية هي : الكينونةِ.

في البدء، هناك الكلمة

– ترتكز كتابتكما كليكما على الكلمات، تنطلق من لعبة كلمات، من تعبير يغذي مطلع الفكر وأحياناً التقدم التاريخي أيضاً.
هيلين سيكسوس : يمكن للمرء تركيب قصيدة من لا شيء سوى عنواين كتب جاك دريدا. إذا كان “الكتابة والفارق” L’Ecriture et la différence قد حافظ على توازنه من الناحية النحوية، فإن دورة الكلمات كانت تسحب من ورائها، بالقدر الذي كان يتقدم فيه العمل، دوابها، كذلك فإن عدد من النصوص قد تولدت عن كلمة عبقرية من اللغة الفرنسية الملعوبةِ ثانية بعبقرية داردية. خمارات Fichus! ينبغي القيام بذلك! و”مَسْكَن” Demeure! و”أكباش” Béliers! أنا أحسده على عنواينه هذه. وأحسده على حساسيته المفرطة حيال ما تنطوي عليه المفردات الفرنسية إن كان ذلك من جانبها الجنو-أدبي folittéralement أو الفيلسوفو-صوتي philosophoniquement***.
جاك دريدا : أجل، في البدء هناك الكلمة. تسمية ولفظة في آن معاً. وكأني لم أكن أفكر في أي شيء قبل الكتابة : عندما أندهش من أحد مصادر اللغة الفرنسية الذي لم إبتدعه أنا نفسي أقوم، حينئذ، بعمل شيئاً غير قائم ضمن البرنامج لكنه أصبح ممكناً بفضل كنز معجمي ونحوي. من هنا ذلك الإحساس بالتزاحم : ابتهاج، مهمة تم انجازها لخدمة اللغة -ونوع من اللامسئوليةِ certaine irresponsabilité. أحصل ثانية على كل شيء، ولكن عبر اللغة -التي تعبرني بمرورها من خلالي. في مقابلة قريبة العهد، كان تعبير “حلفَ مع” « jurer avec » قد طرأ على لساني بغتةً : كان ذلك التعبير يرغب بالدقة في قول ما كنت أبحثُ عنه أنا : فعل “تفجرَ” « détonner » ولكن أيضاً “صدقَ على” « contresigner »، “قسمَ، تكلمَ، تحت القسمِ مع…” ثم أن “حلفَ مع” هو المؤامرة بعينها cette conjuration même. مُعجزٌ : لم أفكر بذلك من قبل ولو للحظة. بعد ذلك أستَثمرتُ مصادر ذلك التعبير الذي لا يُترجم. إذ لا يمكننا ترجمة “حلفَ مع”، وذلك بمحافظتنا ضمن لغة أخرى على ما يمكن أن يتضمنه استخدام بعينه لهذه الصياغة من تعددية وتناقض. أن ما يقودني هو دائماً اللاترجمية l’intraductibilité : أن تظل الجملة مَديونة دائماً للسان. لا ينبغي على جسد الكلمة الإنفصال عن المعنى الذي لا يمكن للترجمة إلا فقدانه. والحالة هذه، وذلك تناقض واضح، لقد أهتم المترجمون بنصوصي أكثر بكثير من الفرنسيين، عبر محاولتهم إعادة إبداع التجربة التي قمت بوصفها، ضمن لغتهم. على سبيل المثال، حينما تعاملت مع “هيلين سيكسوس، من أجل الحياة” باعتباره العنوان الأكثر دقةً، قمت بتنظيم نصي بطريقة تجعله يستثمر فلسفياً مصادر اللسان ضمن لوائح مختلفة : تحليل تفصيلي لنصوص هيلين، فرويد، ولفكر إثباتي للحياة، الخ… لقد كانت الصدفة العابرة لإسمها وللحرفين الأوليين منه : Hélène Cixous. و”هذا من أجل الحياة” يعنيان في آن معاً الصداقة الوفية والدائمة، “إلى الأبد”، “من أجل الحياة”، ولكن أيضاً “من أجل الحياة”، الذي هو عندها بمثابة تأكيد، انحياز إلى جانب الحياة لم أفلح أنا أبداً بمشاطرته. أنا لستُ “ضد الحياة”، لكني لست “من أجل الحياة” مثلها. أن هذا الأختلاف قائم في قلب الكتاب -وقلب الحياة.
هيلين سيكسوس : أنتَ ضد الموت ومن أجل الحياة بشراسة. لكن بطريقة مغايرة. بـ/قلق In/quiètement. أمّا فيما يتعلّق بالعنواين، كان عليَّ مُعايشة حالة حداد لترجمة كتابي “صورة جاك دريدا كشاب قديس يهودي” « Portrait de Jacques Derrida en jeune saint juif ». كنتُ أود أن يواصل القرد البقاء، لكنه لم يُوفق.
جاك دريدا : لقد تُرجَمتْ نصوص هيلين إلى كل لغات العالم، ومع ذلك تظل عصية على الترجمة intraduisibles. سنكون كاتبين فرنسيين ينميان علاقة غريبة أو ألفة غريبة، غرابة أليفة (unheimlich, uncanny) مع اللغة الفرنسية -الكاتبان الأكثر ترجمة والأصعب على الترجمة في آن معاً مقارنة ببقية المؤلفين الفرنسيين. سنكون أكثر تجذراً في اللغة الفرنسية مما هو عليه أولئك الذين لهم جذورهم السلفية في هذه الثقافة وهذه الأرض.

من الكلمة إلى الحياة

– يمكن أن يتم التعامل مع المسار الذي تصفانه انطلاقاً من الكلمة باعتباره مساراً تجريدياً. على العكس من هذا، تشكل كتبكما أنتما الأثنان آثاراً لسيرتكما الشخصية، أي من الحياة. تقود الكلمات ثانية إلى الحياة.
جاك دريدا : منذ “الاسم الشخصي لله”، كانت كتب هيلين بالتأكيد خياليةٍ، نَزوّيةٍ، استيهامية، لكنها مُخصبة أيضاً بتاريخها المُتفردِ، وحتى العائلي. بالنسبة لي، الأمر مختلف تماماً! في كتبي الأولى، ليس هناك أية علامة، أي مؤشر بيوغرافي. أنها سير ذاتية، إذا ما كانت كذلك، لكن بطريقة أخرى. في وقت متأخر، مع Circonfession، و”الإلسنية الواحدة للأخر”، وبشكل خيالي نوعاً ما، أشرت على ما يمكن تسميته “حياتي”. آنئذ، كانت “للأنا” مكانة مُتخيلة بالتأكيد، لكنها تختلف عما كان لها في نصوصي الأولى التي لَفظتُ فيها مفردة “أنا” أو “نحن” على الطريقة التجريدية للفيلسوف أو المنظر الكلاسيكي. تختلف تماماً، إذاً، مشاريعنا المُرتبطةِ بعلاقة “الكلمة” بـ “الحياة”، وحياة الكلمة.
هيلين سيكسوس : ومع ذلك، وحتى لو كان كل ما كتبته قد تم التفكير فيه انطلاقاً من التجارب التي كان بإمكاني القيام بها، أجدني غائبةً عن نصوصي التي يجري التعامل معها باعتبارها سيراً ذاتية. الجوهري بالنسبة لما كان عليه الأنا يبقى سرياً تماماً. أكتب انطلاقاً من ذلك التوتر بين ما يتخفى وما يظهر، أي : الكتاب. يصلني الكتاب، فهو له سلطة تفوق بكثير سلطة الشخص الذي يظن بأنه يكتب الكتاب. كتبي أقوى مني، أنها تفلت مني. تخضعني إلى الترجمةِ.
جاك دريدا : لكن بدءً من كتبك الأولى، كان الشريان المُسمى “سيرة ذاتية” يُسقي ما هو تحت أرضي، حتى وإن تولد عن ذلك ميتالوجيا عائلية هائلة : الأب الميت هو دائماً هنا، الأب “الحقيقي”! والأخ. بعد وقت متأخر سيكون هذا الأم.
هيلين سيكسوس : أنا لا أنكر بأن العائلة قائمة هنا، لكن عائلتي ليست أنا بكاملي، بالإضافة إلى ذلك هي من بُدعي، كما تقول أمي. وتلك هي البنية البدائية لكل كائن إنساني. فهي سبب التراجيديا الإغريقية، أنها معمار أسطوري أفكر انطلاقاً منه بمصائر كل الكائنات الإنسانية. أمّا فيما يتعلق بك، فإشكالياتك الفلسفية هي أنواع من الصور الشخصية autoportraits. فالأمر يتعلّق، دائماً وأبداً، بروحك du ton âme، بنفسك de ta psyché، بجسدك المُنفعلِ de ton corps en passion، وبتفكاتك de te dislocations. فالكينونة القائمة وراء حروفك هي أنتَ بطريقة مغايرة وأكثر عرياً من روسو، وفلسفتك هي حجاب شفاف un voile transparent. تشكل كل كتبك سيرة ذاتية من نوع غير معروف مكتوبةً “داخلياً ومن فوق الجلد”.
جاك دريدا : أرغب في أن يكون لي أمل بذلك، لكن لو كان هذا صحيحاً، فسيكون حتماً فيما بعد، استعادياً rétrospectivement.
-هل أن ما تصفه هيلين سيكسوس باعتباره الحضور الجسدي في نصوص جاك دريدا هو بمثابة عنصر لهذه السيرة الذاتية من النوع المجهول؟
هيلين سيكسوس : ثمة من سذاجة ظاهرة في كل كتبه، شيء ما ولادي natif. أنه يصنع سيرة ذاتية لجسده كجسد موسوم corps stigmé، جسد في دم وفي إشارة signe. كانت لديه تلك الشجاعة الخارقة على اظهار أن الفيسلوف يكتب بكل جسده، وبأنه لا يمكن طرح الفلسفة في العالم إلا عبر كائن بدمه ولحمه وبجنسه وعرقه، بحيامنه ودموعه، مع كل ختاناته circoncisions وتضحياته الفيزيائية والنفسية. شيءٌ مُتفردٌ، ولا مثيل له. فهذا الجسد الـ étranjuif الذي يخشى ويضطربُ يتمتع وينتصر يكشف عما يخفيه. لا يمكنه أن يكذب.

قيم الحقيقة

جاك دريدا : ها أنك ترين ما تمنحني إياه صداقة هيلين : أنها دون شك الوحيدة التي تعتقد بأني لا أكذب أبداً. فحتى حينما أكذب (وهذا ما ينبغي القيام به أحياناً، ككل الناس، وربما بشكل أقل عنهم)، فإنني أظل (حسبما تقول) بريئاً. الشائع عني بأني أضع قيم الحقيقة موضع تساؤل، اتطلع فيها على الأقل مرتين وأخضعها دائماً لأسئلة التاريخ (هناك تاريخ “لقيم الحقيقة”)، إلى حد يعتبرني فيه اعدائي، عن خطأ بطبيعة الحال، شكاك sceptique أو عدمي nihiliste. وبالرغم من ذلك، حين يبدو لي شيء ما “حقيقي” (بيد أني أعطي الآن لهذه الكلمة معناً آخر لا يمكنني شرحه هنا)، فلن يكون بإمكان أية قوة في العالم، اي تعذيب منعي من قوله. لا يتعلق الأمر بالشجاعة أو التحدي، لكنه دافع لا يُقاوم. إذا ما كان عليَّ مسائلة عمل مؤلف معتبر بطريقة نقدية، أكون على وعيٍ بالمخاطرة التي أقوم بها غير أني لا أستطيع منع نفسي عن ذلك : حينما ينبغي قول شيء ما، لا بد من قوله. وإذا ما مرَ ذلك عبري، فلن يكون هناك أي عائق يحتجزه.
هيلين سيكسوس : أن مسيرة الحقيقة هذه هي بالنسبة لي الهدية التي تقدمها للإنسانية. عندما يقرأك المرء، يتعلم بأن الحقيقة هي دائماً أبعد من ذلك بقليل. فحيثما تصل، تعاود الانطلاق، تتناول ثانية ما طرحته، تقذفه من جديد، ولا تجلس الحقيقة على ركبتيك. فالحقيقة تجعلك تمشي وفقاً لكل معاني المفردة. وذلك هو أيضاً قانون الكتابة : لا يكتب المرء إلا ما يرفض منح نفسه للكتابة، والذي ينبغي مع ذلك القيام بمحاولة كتابته. فإذا ما كتبتُ ما كان مكتوباً سلفاً، لن يكون لهذا من أهمية. أتوجه دائماً نحو ما هو أكثر فزعاً. أكتب باتجاه ما يهرب. أنه دائماً حديقة تجربة، لكنها حديقة جحيمية، ارتدادية.
جاك دريدا : نعثر هنا على موضوع المستحيل thème impossible. فالغفران ليس ممكناً إلا حينما يكون غفراناً يستحيل غفرانه. إذا غفرنا ما هو قابل للغفران، مقابل الندم أو طلب الغفران، فأننا لا نغفر شيئاً. ليس ثمة من غفران إلا لما لا يُغتفر. لذا يرتبط الممكن بالمستحيل. وهذا ما ينطبق أيضاً على العطية le don، والضيافة le hospitalité. الضيافة غير المشروطة مستحيلة. لكنها الضيافة الوحيدة الممكنة والجديرة بهذا الاسم. يمكنني مضاعفة المفاهيم التي تخضع لذات المنطق، والتي تكون فيها الإمكانية الوحيدة للشيء هي تجربة الإستحالة. فإذا كان المرء لا يعمل سوى ما يمكنه عمله، ما هو ضمن سيطرته، فهو لا يقوم بأي شيء غير تطوير إمكانيات قائمة بحد ذاتها، أي أنه يقوم بنشر برنامج. لذا، من أجل فعل شيء ما، لا بد من القيام بما هو أكثر مما يستطيعه المرء. فلكي يؤخذ القرار، ينبغي المرور عبر استحالة القرار impossibilité de la décision. إذ لو كنت أعرف ما يجب عليَّ تقريره، لن تكون ثمة من مسئولية أتخذها. وذلك ما هو صحيح أيضاً بالنسبة للتجربةِ عموماً. فحتى يصل شيء ما أو أحدهم، لا بد وإن يكون وصوله غير متوقع. الواقعة غير ممكنة إلا لكونها مستحيلة، أبعدُ من “أنا أقدرُ” au-delà du « je peux ». أكتب دائماً مفردة “غير ممكن” وذلك بوضع شارحة ما بين غير-وممكن im-et possible، وذلك بغية الإيحاء بأن هذه الكلمة ليست سلبية أو نافية ضمن استخدامي لها. فاللا-ممكن هو شرط إمكانية الواقعة la condition de la possibilité de l’événement، وللضيافة، للعطية، للغفران والكتابة. فكل شيء يتم توقعه، في أفق ما، يكون قد مرَ سلفاً، لذا فهو لن يحدث. أنها فكرة سياسية أيضاً : لا يحدث إلا ما تخفق المخططات الجاهزة عن توقعه.
هيلين سيكسوس : أن المسئولية في الموقع الذي تضعها فيه، وكما توحي بها هي مسئولية مطلقة وعمياء une responsabilité absolue et aveugle.
جاك دريدا : أنها مسئولية الآخر، لكن الآخر فيَّ ومن قبلي. للأخر كونه أنا de l’autre comme moi.
هيلين سيكسوس : ما تقوله هنا هو نعم مطلقة وعمياء حيال الأخر. أنتَ تضطلع بشيء لا يمكنك تقدير تطوره، حمله، ومصيره. ذلك لأنك لا تستطيع فعله بطريقة أخرى.
-كيف تتم ممارسة القوة حيال المستحيل؟
جاك دريدا : أنها نوع من اللا-قوة im-puissance، عرض المرء لنفسه ازاء ما لا يمكن اختزاله كآخر، باعتباره غير مُتماثل مع الذات أو كغير. أن الوقوف أمام الآخر لا يمكنه سوى أخذ شكلاً من اللا-قوة. فالأخر هو ذلك أو تلك التي لا يمكنني أمامه أو أمامها إلا أن أكون ضعيفاً، والذي ليس بإمكاني تجاهله حتى. لا يمكنني بلوغ غيرية الآخر l’altérité de l’autre، الذي يبقى دائماً على الجانب الآخر، ولا يمكنني كذلك نكران غيريته. ليس بإمكاني سوى القول أني أفتح الأبواب، وأن أدعو الآخر للدخول : فالآخر موجود سلفاً هنا l’autre est déjà là. تلك هي الضيافة غير المشروطة (الغريبة عن السياسة وعن الواحب، وحتى عن الإتيك بالمعنى الضيق للمفردة). ضيافة زيارة visitation وليست دعوة invitation. الآخر قد دخل بدءً، حتى وإن لم يكن مدعواً. فما بين المشروط واللامشروط بشكل عام، ثمة تنافر جذري ولا إنفصالية في آن معاً. على المرء أن يتدبر نفسه مع ذلك.
هيلين سيكسوس : بالنسبة لي، يأخذ هذا العرض ازاء الآخر شكل تنازل، وما يترجم نفسه، بالنسبة لك، باعتباره ضعف أتعامل أنا معه باعتباره قوة تقبل بالخضوع، قبول لا نهائي acceptation infinie.
جاك دريدا : ليس عجز ذي بعد واحد، أو ضعف faiblesse، أنه بالأحرى تخلي un abandon.
هيلين سيكسوس : تلتحق “بنفسك” من حيث لم تكن تتوقع.
-كيف يرتبط الـ “ممكن” « puisse »، ذلك الفعل الذي استخدمته هيلين في أحدى جملها والذي قمت أنتَ بتحليله بشكل مطول في “هيلين سيكسوس، من أجل الحياة” بالمستحيل؟
جاك دريدا : أن الـ « puisse » هذا هو واحد من الممكنات الثمينة التي قدمتها لي اللغة الفرنسية، والذي أقوم بتحويله ولعبه : حاولت وضعَ منطقاً لتأثير « Puisse » كهذا. فصيغة نَصْب الفعِل هذه subjonctif تعمل على أيصال شيئاً من الأمنيةِ عبر النطق العادي simple énonciation. (“ممكن” حدوث هذا -وهذا يحدث في النص). تكمن فرادة هذا الـ « puisse »، ضمنه قوته puissance، في كونه شيئاً آخر وأكبر من النتائجية performative. فلكي تكون هناك لغة نتائجية، ينبغي على المرء استباق الشروط والسيطرة عليها، فهم التشفيرات والتقاليد، وذلك ما يُحَيدْ neutralise، نوعاً ما، أنفجار الواقعة. تتحدى الواقعة المحضة النتائجية le pur événement défit la performativité. أن الـ « puisse » القائم في عمل هيلين، أي صيغة نصب الفعل الغريبة هذه، ليس أمري impératif، ولا دلالي indicatif، لكنه قائم على ذلك الخط الملامس الذي أقتفيه أنا ما بين الممكن والمستحيل. احاول التفكير بطريقة أخرى غير تلك التي وصلتنا عبر الأرث الفلسفي، منذ أرسطو وحتى هيغل، فيما يتعلق بالممكن. قد يتوجب علينا التفكير في إمكانية ما هو مستحيل la possibilité d’impossible بطريقة مغايرة. يبدو هذا وكأنه نوعاً من السهولة اللفظية أو تناقض ظاهري لعبي، فيما هو بالنسبة لي الرهان الأكثر جدية في العالم.

حق الإحتفاظ بالسر

– تشغلكما كلاكما موضوعة السر أيضاً : إذا كان على النصوص أن تجري، كيف يمكن إذاً الحفاظ على السر؟
هيلين سيكسوس : ثمة أسرار متعددة. تحيط الأسرار بمفردة سر . هناك سر لا أعرف عنه أي شيء، سري للغاية وبسرية لا تترك لي أي أثر، اللهم إلا عبر شكل الأحلام ربما. وهناك سر قد يكون شيئاً معروفاً ومغطى، ويستحيل الكشف عنه ذلك لأن الكشف سيؤدي إلى تحطيم الشيء السري نفسه، والحياة أيضاً. هناك المجهول من هذا السر l’inconnu de ce secret المغمور في الليل والصمت : لا يمكننا أبداً التعرف على الشكل الذي قد يأخذه إذا ما ظهر. يبقى سرياً ذلك-الذي-لا اعرف عنه-أي شيء ce Dontjenesarisrien****، الذي يجعل مني ما أنا عليه. يكتب المرء وكأنه يحملُ لنفسه معونةً في الظلام : فعل يائس ما دمنا نعرف بأن هناك كنز لا سبيل لنا من الوصول إليه. إلى أي حد يجهل المرء نفسه! ومع ذلك يوقع Et pourtant on signe.
جاك دريدا : وها أننا أمام موضوع لا ينضب. أشعر بأني الوريث، وصاحب سر شديد الأهمية ومع ذلك لا سبيل لي أنا نفسي من بلوغه. أن الكلام أو الكتابة التي اجعلها تجول في العالم تحمل سراً يبقى منيع عليَّ أنا بالذات، لكنه يترك آثاره laisse ses traces في كل نصوصي، وفي ما أفعله أو أعيشه. غالباً ما قدمت نفسي، وأنا بالكاد ألعب هنا، وكأني واحد من جماعة الماران marrane، واحد من اليهود الذين أرغموا على اعتناق المسيحية، في أسبانيا والبرتغال، والذين كانوا يهتمون بتطوير عبريتهم في السر، إلى حد لا يمكن فيه أحياناً معرفة في ماذا كان يكمن ذلك السر. لقد أهتممتُ بهذا الموضوع من وجهة النظر السياسية أيضاً. حين لا تحترم دولة ما حق الاحتفاظ بالسر، تتحول إلى دولة تهديد : عنف بوليسي، تحقيق جنائي inquisition، تولتارية totalitarisme. أعتبر مسألة الاحتفاظ بالسر كونها حق إتيكي وسياسي. والحالة هذه، يفتح الأدب ذلك المكان التفضيلي الذي يمكن للمرء أن يقول ويعترف فيه على كل شيء من دون أن يخون السر : بسبب المكانة التخيلية للعمل الأدبي، إذ حتى لو أكشف لك عن حقيقة سري، يمكنني دائماً الإدعاء، من الجانب الحقوقي، ودون أن يتم تكذيبي، بأني “لست أنا من يتكلم بأسمي”. وها أننا نطرح سؤال “الأسم الشخصي” « nom propre ». منْ الذي يتكلم؟ يتمتع الأدب بالحق السياسي في أن يقول كل شيء. هذا هو النشر، لكن لا أحد يصدقه، ذلك لأنه مُتخيل : يمكن أن أكون كذبت، إبتدعت، شوهت، كما يحدث في النصوص التي يُطلق عليها اسم السير الذاتية. كما يمكن لحقيقة ما أن تتشوه وتتحول. وذلك من أجل الوصول، أحياناً، إلى حقيقة أقوى منها، أكثر “صدقاً”. إذ لا يمكن أبداً البرهنة، ما يُسمى بالبرهنة، بأن أحدهم قد كّذَبْ. أن هذا الحق -حق قول كل شيء دون أي أعتراف- ينسجُ آصرةً مبدئيةً ما بين الأدب والديمقراطية tisse un lien de principe entre la littérature et la démocratie. يمكن، بلا شك، الإعتراض على هذا بالقول بأن أحدهم، بوعي أو بدون وعي، يستغل الأدب، الذي لن يكون الشيء بحد ذاته، ولكن كوظيفة ستراتيجية، خدعة تمكنه على الإنكار، أو الإعتراف دون تقديم أي اعتراف. لكن إذا لم يكن الأدب سوى نسيج ضخم من الظواهر المرضية، فأي مبحث أمراض symptomatologie هو إذاً! أنه يغوي المحللين النفسيين psychanalystes. فمن فرويد وحتى لاكان، ظل مبحث الأمر اض هذا شيءٌ مُحيرٌ، أنه أقوى منهما. لقد أعترف فرويد “أتعلم من الشعراء”.
هيلين سيكسوس : أمام الكتاب باب. يفتحه القارىء المُلْهَمِ، يظن بأنه يدخل فيه. بيد أن النص يعمل على اخفاء الشيء في ثناياه وليس بإمكان المؤلف فعل أي شيء له. إذ قد يَهبُ كل حياته من أجل أكتشافه. أن الأدب تراجيدي، مأخوذ بضرورة مواصلة الحفاظ على السر الملقى هناك بطريقة عبثية. في الأخير، ينقذ النص نفسه، ليس هناك من نهاية. الكتاب هو حرف هروب. يحصل الأدب على الحياة بفضل السر، فمهمته تتخطاه. ما أن يشرع المرء بالكتابة من أجل النبش pour exhumer حتى يفرز شيئاً من السر.
جاك دريدا : يرتبط السر بما قلناه عن الحقيقة -وعن اللا-ممكن l’im-possible. أنه الوجود ذاته Il est l’existence même. فمهما كان قربي من الآخر، وحتى في “المشاركة” « communion » الذوبانية أو الإثارة الإروتيكية، يبقى السر. الأخر منفصل L’autre est séparé. نحن نتحدث الفرنسية، اللاتينية إذاً : secernere هو فعل الإنفصال. أن هذا الإنقطاع ليس سلبياً. فهو منْ يمنح اللقاء حظه، ويمنحه للواقعة وللحب أيضاً. لكن لا ينبغي علينا نسيان بأن السر يُقال انطلاقاً من أصول أخرى، ووفقاً لعلم دلالة أخرى بالإغريقية أو الألمانية.
هيلين سيكسوس : يمكننا إضافة الإفراز sécrétion إليه : السر ليس ياقوتة، أنه إفراز متواصل، لا يكف عن التكاثر : لن يتمكن أي مؤلف بلوغ علوه.
جاك دريدا : في “دودة قز” Un ver à soie، الذي نشرته مع “أحجبة” تنظر Voiles en regard، إذا ما صح التعبير، وفي نص هيلين “معرفة” (Savoir ) الذي أنهيت قراءته منذ قليل، تتطلب أشكال السر والإفراز جولان “سير ذاتي” من بدايته إلى نهايته : “يوميات سفرة إلى أمريكا الجنوبية”، “تاريخ الحقيقة” mon « histoire de la vérité »، طفولتي، الدين، العبرية، “لاتالث le tallith (ذلك الشال الذي يجب على اليهود، وغير اليهود، لبسه). ما هذا سوى مثل قريب العهد عن كل القواسم tous les partages، التي لم نتمكن هنا سوى ذكرها.

ملاحظات
*تلعب هنا هيلين سيكسوس على ثلاثة تعابير من اللغة الفرنسية والأنكليزية، من جانب، ومن جانب آخر على التجانس والتنافر الصوتي ما بين تلك التعابير. (م.م).
*تعني مفردة Essais قاموسياً : محاولة، تجربة، اختبار، مقالة، الخ… لكنها تحمل هنا، على لسان هيلين سيكسوس، تذكير بكتاب مونتين الشهير “مقالات” والتي ترجع إليه الكاتبة نشوء الأدب الفرنسي، على الأقل بصورته المعاصرة، أي منذ ديكارت. (م.م).
*** كتب ومقالات لجاك دريدا، أمّا التعابير التي تذكرها هيلين سيكسوس، المتعذرة على الترجمة فهي تعني، بشكل تقريبي، الجنون الأدبي، والتصوف الفلسفي. (م.م).
****تلصق هيلين سيكسوس، هنا، أربعة مفردات فرنسية وتجمعها في نفس الكلمة الواحدة.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий