Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > حوار حول الشرق الأوسط ومواضيع أخرى(الأنثروبولوجيا التكوينية) -عمّار عبد الحميد و إريك غانس

حوار حول الشرق الأوسط ومواضيع أخرى(الأنثروبولوجيا التكوينية) -عمّار عبد الحميد و إريك غانس

ملاحظات افتتاحية

جرت المقابلة التالية في أيلول – تشرين الأول من سنة 2001 وستُنشَر في مجلة معابر على الإنترنت. ولأنها توضح موقفي من الأمور التي تشغل بالنا منذ الحادي عشر من أيلول، طلبت من السيد عبد الحميد أن يأذن لي بنشرها في مجلة Anthropoethics. وانطلاقا مما يدعوه الفرنسيون بـ”ذهنية الدَّرج” l’esprit de l’escalier، قمت بإضافة بعض المقاطع باللون الأخضر. (إيريك غانس)

[وقد استفاد فريق تحرير معابر هو الآخر من ذهنية الدَّرج عينها فأضاف تعليقاته باللون الأحمر.]

***

إيريك غانس: بادئ ذو بدء، أودُّ أن أحيي شجاعتك ودأبك في الاستمرار في دفع عجلة الحوار بين الغرب والشرق الأوسط في هذه الأوقات العصيبة التي تجعل من مثل هذا الحوار ضرورة أساسية.

عمار عبد الحميد: لفائدة قرائك العرب الذين، في غالبيتهم، لا يعرفون على وجه الدقة ما يعنيه مفهوما التفكير الأصلي Originary Thinking والأنثروبولوجيا التكوينية[i] Generative Anthropology، هل لك أن تعطينا تعريفاً موجزاً لهذين المفهومين؟

إ.غ.: الفكرة المحورية في الأنثروبولوجيا التكوينية (التي لا تمت بصلة إلى مصطلح “النحو التكويني” لتشومسكي) هي أن اللغة، والثقافة البشرية بشكل عام، بمقدار ما تندرج في باب الـ”تمثيل” representation أو استخدام الإشارات، تصبح وسيلة جمعية “صورية” لتأجيل العنف الذي تولده الرغبة في المحاكاة.[ii]

لعل أبسط خصائص البشرية هي أن البشر جنسٌ يخاف أعضاؤه بعضهم من بعض أكثر من خوفهم من بيئتهم الطبيعية، بما فيها الحيوانات المفترسة والجوع إلخ. (دفع الهجوم الإرهابي على نيويورك أحدهم إلى ملاحظة أن تقبُّل هذا الهجوم كان أصعب من تقبل كارثة طبيعية ما لأنك “تعلم أنهم أرادوا قتلك”.)

تبدأ الأنثروبولوجيا التكوينية مع نموذج رونيه جيرار[iii] القائل بأن الرغبة البشرية تتَّسم بـالمحاكاة أو التقليد؛ فرغبة الآخرين تحرِّض رغبة الفرد وتعزِّز من شأنها. ويمكن لرغبة المحاكاة هذه أن تكون إيجابية، فتسمح لنا باكتساب قيمٍ جديدة وتعلُّم أنماط سلوكٍ جديدة. ولكن لهذه الرغبة وجهاً سلبياً: فحيث إن كل واحد منا يقلِّد رغبةَ الآخر فإننا سرعان ما نصير خصوماً نتبارى على الوصول إلى نفس الغرض. فعندما بدأ أجدادنا شيئاً فشيئاً يصبحون بشراً، بدؤوا يحاكون بعضهم بعضاً أكثر فأكثر، وبدأ كمونُ العنفِ الناجم عن التنافس فيما بينهم يتزايدُ بشكل لم يعد لطرائق التواصل الحيوانية أن تسيطر عليه. وأفترضُ أن أولَ استخدامٍ للتمثيل أتى كوسيلة للوقاية أو، كما أفضِّل أن أقول متبنِّياً تعبير جاك ديرِّيدا،[iv] كوسيلة لتأجيل العنفِ الناجم عن المحاكاة. هنالك صياغة مختصرة لفرضية الأنثروبولوجيا التكوينية الأساسية (والتي أدعوها “فرضية الأصل”) تقول بأن خاصية البشر الوحيدة هي تأجيل العنف عبر التمثيل. فإذا ما رسمنا دائرة على الأرض ووقف المشاركون بالتجربة على محيطها ووضعنا في مركزها هدفَ رغبةٍ ما (كمصدر غذاء على سبيل المثال) فإن كل واحد من المشاركين سيتمنى أن يستولي على هدف الرغبة هذا؛ ولكن بما أن كل واحد يخشى الآخر يحصل انقطاع بين حركة الاستيلاء وهدف الرغبة وتتحول حركة الاستيلاء إلى الإشارة الأولى. وهكذا يمكن اعتبار الإشارة اللغوية “حركة استيلاءٍ مُجهَضة”. فهذه الإشارة، التي هي تمثيلٌ لهدفِ الرغبة، يمكن لكلُّ المشاركين أن يتبنُّوها، وعبرها يعلن كل واحد منهم للآخرين أنه قد تخلَّى عن محاولة الاستيلاء على هدف الرغبة. وفي نفس الوقت فإن تركُّز كل الإشارات – المدلولات – على هدف الرغبة المركزي هو النموذج الأصلي للمقدَّس. وهكذا يمكن أن نعتبر أن الإشارة الأولى هي اسم الله.

تبقى كل الأنشطة الثقافية صورية/مشهَديَّة، حتى لو أُضفِيَ على الصورة/المشهد طابعٌ ذاتيٌّ في الخيال الفردي. والأنثروبولوجيا التكوينية هي طريقةُ تفكيرٍ بالثقافة البشرية تستمد مقولاتها الأساسية من المشهد الأصلي. فعلى سبيل المثال، يُعتَبَر مبدأ التبادلية reciprocity مبدأ أساسياً في أكثرية المنظومات الأخلاقية، وخاصة في “الواجب الصريح” Categorical Imperative لكانط. ولكن من أين يأتي هذا المبدأ يا ترى؟ جواب الأنثروبولوجيا التكوينية هو: يأتي هذا المبدأ من تبادل الإشارات في المشهد الأصلي. فكلُّ واحد يُصدِر إشارة، وهو يدرك في نفس الوقت الإشارات الصادرة عن الآخرين. وبما أننا جميعاً نتكلم اللغة فإننا جميعاً محاوِرون مُحتَمَلون. واللامساواة التي تؤدي إلى النقمة – والنقمة resentment مفهومٌ ذو أهمية في الأنثروبولوجيا التكوينية – يمكن أن تُفهَمَ على أنها إقصاءٌ من الحوار.

بدأتُ منذ سنوات قليلة أستخدم تعبير التفكير في الأصلي originary thinking كمرادفٍ للأنثروبولوجيا التكوينية لأوضِّح أن الأنثروبولوجيا التكوينية ليست فرعاً أكاديمياً يُدَرَّس في كلِّيات الأنثروبولوجيا. فهي طريقةُ تفكيرٍ بالإنسان؛ ومن هنا فليس في إطارها أيُّ برنامج بحثٍ محدد – الأمر الذي من شأنه أن يُصعِّب من قبولها في نظامنا الجامعي – غير أنها يمكن أن تساعد على توضيح الافتراضات الأساسية لكل المناهج التي تتعامل مع الثقافة الإنسانية، بما فيها الأنثروبولوجيا.

أوافق. “[لعل] الأنثروبولوجيا التكوينية طريقةُ تفكيرٍ بالإنسان” – أي مقاربة بمعنى ما. ولعل من شأنها أيضاً “أن تساعد على توضيح الافتراضات الأساسية لكل المناهج”. لكنني لا أستطيع – وهذا هو الأهم بنظري – أن أقبل المفهوم ككل لأن من شأنه أن يشوش الأمور؛ إذ إننا، كما يقول السيد غانس، “سرعان ما نصير خصوماً نتبارى على الوصول إلى نفس الغرض”. وأظن أن مثل هذا المفهوم عن الإنسان، المتَّصف بـ”تأجيل العنف عبر التمثيل”، مثير للاهتمام؛ لكنني لا أستسيغه. لعله كان مهماً في البدايات الأولى للبشرية؛ لكن يُفترَض في الأشياء الآن أن تكون مختلفة. (أكرم أنطاكي)

ع.ع.ح.: في أحد مقالاتك وصفتَ الحضارة الغربية بـ”أنجح المشاريع الإنسانية”. وتم الحديث في أحد النقاشات التي دارت بين القائلين بالأنثروبولوجيا التكوينية عن إشكال قابلية تطبيق مفاهيمِها الأساسية، كمفهوم الحدِّ الأدنى، على الثقافات الأخرى. أفلا يحق لنا، قبل المضي قدماً، أن نتساءل عن الطابع الغربي للأنثروبولوجيا التكوينية على الرغم من طموحاتها ودعوتها العالمية؟

إ.غ.: سؤالك هو: أليست الأنثروبولوجيا التكوينية (فقط) طريقة تفكير غربية؟ طبعاً طُوِّرَت الأنثروبولوجيا التكوينية في الغرب، وهي تدين بالكثير لنظرة رونيه جيرار (اليهودية–)المسيحية. وهذا بحدِّ ذاته لا يعني أنها قابلة للتطبيق في كل أنحاء العالم، مثلها كمثل أي فرضية فيزيائية أو بيولوجية. بيد أن أية نظرية ثقافية هي حتماً عنصرٌ من عناصر الثقافة. وبما أن البشر يغتاظون طبيعياً من الإقصاء من الحوار فإنه من المتعذَّر اقتراح أنثروبولوجيا عالمية دون تحديد جذورها في ثقافة معينة.

ليس من الشوفينية بمكان أن نبرزَ نجاح “الديمقراطية الليبرالية” الغربية في تأمين الازدهار والحرية السياسية (النسبية) لأعضائها. وليس بوسعي أن أبرهن على أن هذه القيم هي أسمى القيم الإنسانية، لكن أعداد الذين يودُّون الهجرة إلى الدول ذات الطابع الغربي يمكن أن يكون برهاناً على ذلك كما كانت عليه الحال في أيام جدار برلين. فمَن لا يفضِّل التمتع بنظام رعاية صحية أفضل ومتوسط عمر أعلى وخيارات أوسعَ في كل مجالات النشاط الإنساني، من العمل إلى المأكل إلى الاستجمام؟

هل الجاذبية معيار كافٍ لنجاح ثقافة معينة؟ وهل من ينجذب ينجذب للأسباب الصحيحة؟ هناك أمثلة عديدة على أنظمة ديكتاتورية أمَّنت لرعاياها رعاية صحية، وأنظمة تعليمية أفضل، وعمراً أطول، إلخ. فهل هذا يعني ضرورة اعتناق الأنظمة الديكتاتورية؟ الناس، في الواقع، منجذبون إلى الغرب عموماً سعياً إلى مستويات مادية أرقى، وليس عن قناعة بالديموقراطية واقتصاد السوق. كذلك، هل النجاح المادي سبب كافٍ بجعلنا نحكم على مدنية بأسرها بالنجاح؟ أما ثمة معايير أخرى تتدخل في صنع مدنية ما وفي تقييم نجاحها؟ (عمار عبد الحميد)

فإذا ما أردنا معرفة السبب الكامن وراء هذه الفعالية المتفوقة علينا أن نقارن بين أشكال التنظيم في المجموعات البشرية المختلفة. لقد ظهر نظامُ السوق الحديث في العالم المسيحي؛ وحتى لو تجاوزنا الربط المعروف الذي أقامه ماكس فيبير[v] بين الرأسمالية والمنظومة “الأخلاقية البروتستانتية”، فإن نظام السوق يدين للنظرة المسيحية لملكوت الله على أنها الاعتراف المتبادل بالنفوس الفردية. وأظن أن بالإمكان طرح فكرة أن “مجتمع الاستهلاك” مدفوع بالتطبيق الدنيوي لهذه الرؤية: فنمط استهلاك الفرد الواحد يجعل منه نموذجاً يمكن للآخرين التعرف عليه.

بيد أن محاولة تفسير أصول نظام السوق، على أهميتها، ليست سوى تنقيباً في الماضي، وما يهم أيَّ بحث هو تحسين الأمور في المستقبل. ويبدو لي أنه لم يعد وصف ساحة السوق العالمية الحالية بكونها “الحضارة الغربية” وصفاً مناسباً. فبمقدار ما ننظر إليها كذلك بأعين أولئك الذين يشعرون أنهم مستَبعَدين منها، نرى أنها لم تحقق بعدُ الهدفَ الرئيسي لكل تنظيم بشري، محلياً كان أو إقليمياً أو عالمياً، أي تأجيل العنف. كما لن يتحقق هذا الهدف، كما يقترح بعض النقاد السطحيين، بالقضاء على كلِّ الاختلافات الثقافية لصالح مطاعم الماكدونالد والكوكاكولا. فالعولمة أعطتنا موسيقى الجاز الصيني وغناء الراب الفرنسي والمطاعم التايلاندية الكاليفورنية. والمهم هو رفع درجة الحرية في نظام التبادل العالمي، أي مساعدة المجتمعات الأقل تقدماً على الاستفادة من المشاركة فيه.

ولهؤلاء الذين يذكرون نقمة أعداءِ السوق العالمية دليلاً على قصورها الأساسي، لا يسعني أن أقول سوى إنه على الرغم من إمكانية وجود خلاف كبير حول طريقة تطوُّر النظام العالمي، فإن عدمية الهجمات التي شُنَّت مؤخراً على هذا النظام، ابتداءً من مهزلة أعمال الشغب الغبية لدى اجتماع منظمة التجارة العالمية، وانتهاءً بمأساة الإبادة الجماعية الانتحارية، تُظهِر أنه ليس هنالك من بديلٍ حقيقيٍّ عن هذا النظام. فالأنظمة السلفية كنظام طالبان، بصرف النظر عن فظائعها الأخلاقية، لا يمكنها حتى إطعام شعوبها. فإذا ما أراد العالم انتهاج نهجهم لَمات تسعُ أعشار سكان الأرض. وفي الحقيقة، نعت إرهابيي منظمة القاعدة بـالعدمية ليس دقيقاً. فلئن صحَّ أن دافعهم الديني يجعلهم غير مكترثين بانمحاق العالم، إلا أن هذا الدافع يشكل أساساً لإقامة مدينة فاضلة إسلامية ذات طابع “قرونوسطي” تكتسب قوتها من عدم ضرورة تحقيقها على الأرض.

بيد أن لسؤالك وجهين، نظري وعملي: ألا يُقصي مبدأ “الحدِّ الأدنى” في الأنثروبولوجيا التكوينية قيمَ الثقافات غير الغربية؟ لا أظن ذلك. ربما صيغ ادعاء أن المشاكل التي تولِّدُها الرغبة في المحاكاة تسيطر على الثقافة الإنسانية جمعاء في الغرب خلال فترة ما بعد الحرب أو ما بعد الحداثة؛ لكن البرهان على صحَّته في كل الثقافات ساطع كل السطوع. ولا أعتقد أن الغرب يجحف عندما يؤمن أن البشر متشابهون من حيث الأساس، وأن الفوارق تكمن في أشكال التنظيم، وأن بعض أشكال التنظيم تبرهن، عبر مسار التاريخ، على أنها أكثر فعالية من غيرها وتحاول أن تحل محلَّها. ليس عندي قطعاً أي دليل على عكس ذلك.

ع.ع.ح.: ما هي برأيك آليات “الإقصاء” السارية حالياً – وأعني الإقصاء من ساحة السوق العالمية؟ وإلى أيِّ حدٍّ هي مقصودة وعائدة للجشع ولشكل من أشكال عقدةِ الفوقية حيال الثقافات الأخرى؟ وهل نرى فيها تطبيقاً واعياً أو غير واعٍ لأفكار مثل فكرة “فضيلة الأنانية” لأيان راند[vi] وسواها؟

إ.غ.: تعود فكرة “فضيلة الأنانية” كمحرك لمجتمع السوق على الأقل إلى كتاب ماندفيل حكاية النَّحل أو المثالب الخاصة والفوائد العامة[vii] الصادر عام 1714. ولكن آخرين، بالمقابل، ذكروا الثقة المتبادلة كضرورة من ضرورات عمل نظام السوق. وبعيداً عن القول بهذه الفكرة أو تلك، أُبرِزُ ببساطة مفهوم القيد الأدنى: فالبشر أخيارٌ وأشرار، أنانيون وكرماء، ونظام التبادل الأمثل هو ذلك النظام الذي يسمح بتفاعل المصالح الفردية فيما بينها بأكثر ما يمكن من الحرية، على عكس الأنظمة التي تسيطر مركزياً على نظام التوزيع.

يجب ألا ننظر إلى صعوبات دمج الاقتصاديات الأقل تقدماً في السوق العالمية من وجهة نظر “الإقصاء” وإلا سنقع في منطق الضحية. ونموذج الجلاد–الضحية، كما تعلم، لم يعد مفيداً بعد عبور عتبة الألفية الجديدة. فبدلاً من اعتبار العلاقاتِ الدولية لعبةً تفوز بها “الإمبريالية”، حيث يُنظَر إلى نقمة البلدان الفقيرة على أنه مؤشرٌ إلى استغلالها من قِبل البلدان الغنية – طبعاً هذا لا يعني أن الاستغلال المذكور لا يحدث – من الأفضل النظر إلى هذه النقمة على أنها تعكس غياب البلدان الفقيرة عن ساحة السوق العالمية وعدم استفادتها منها. فالاقتصاديات المتقدمة لم تعد تعتمد مثلاً على البلدان الإفريقية للاستفادة منها، فهي تكاد تجهل وجود أفريقيا برمَّته.

قد تكاد الاقتصاديات المتقدمة تجهل وجود أفريقيا ما دامت تستمر في الحصول على حاجاتها من المواد الخام الأفريقية بالأسعار المريحة التي تحدِّدها. يصحُّ هذا أيضاً على جميع دول العالم الثالث، ولا سيما فيما يخص النفط. فالاستغلال، برأيي، ما زال السبب الرئيسي للنقمة على الاقتصاديات المتقدمة، مع أني أوافق أننا لا نستطيع تجاهل وجود عراقيل أمام “التقدم” في ثقافات وتقاليد وذهنيات الشعوب في العالم الثالث. (عمار عبد الحميد)

ليس هنالك من صيغةٍ بسيطة لدمج كل الاقتصاديات في السوق العالمية دمجاً ناجحاً. فلا الإكراه نجح ولا الإحسان نفع. أما الانفجار الحالي للنقمة، مهما بلغ من فظاعة في التعبير، فهو مؤشر إلى أن هذا الدمج يحدث فعلاً، وأن أولئك المفضِّلين المجتمعَ القرونوسطي على العولمة، ما لم تقع كارثة عالمية، يقاومون أمراً حتمياً.

المسألة الحاسمة هنا ليست مسألة مجرد دمج جميع الاقتصاديات في السوق العالمية، بل كيفية الحد من اللامساواة. ليس لدينا، حتى الآن، برهان أن دمجاً ناجحاً في السوق العالمية سوف يحلُّ المشكلة؛ بل إن هناك قدراً كبيراً من اللامساواة في الاقتصاديات المتقدمة نفسها. من هنا يبدو أن وجود اللامساواة، بل وحتى إدامتها، هو جزء من النظام نفسه. أعتقد أن هذه قضية مشروعة لا بدَّ من طرحها. لدينا العديد من الأمثلة على اقتصاديات متخلفة تم دمجها في السوق العالمية ونجمت عنه عواقب اجتماعية واقتصادية كارثية. فهل هذا طور عابر؟ هل سيتحسن الوضع في المستقبل؟ بوسعنا أن نأمل ذلك؛ لكن كل المؤشرات، حتى الآن، تدل على العكس. (عمار عبد الحميد)

ع.ع.ح.: مع انهيار الاتحاد السوفييتي ومع ما سمي بسقوط الشيوعية (مع أن المرء يكاد يعدم القدرة على الجزم نظراً لتكاثر الأحزاب الشيوعية والإيديولوجيين الشيوعيين في يومنا هذا)، سيطر مفهوم اقتصاد السوق الحر على المسرح. ويبدو لي وكأنك “مؤمن” بهذا النظام؛ فما هو مبلغ “إيمانك”؟ وما قولك في برامج مثل التمييز الإيجابي Affirmative Action[viii] التي تسعى إلى إحلال نوع من الرقابة والتوازن داخل نظام اقتصاد السوق الحرة بهدف السيطرة على النقمة؟

إ.غ.: لقد تبيَّن أن لا وجود للاشتراكية كنظام – خلافاً للـ”ديمقراطية الاجتماعية” – وأن فكرة الاشتراكية كبديل عن “الرأسمالية” ليست سوى خدعة. هذا طبعاً لا يلغي نجاح تجارب الاقتصاديات المختلطة، كما رأينا في بلدان كالصين وسنغافورة. إنما يصعب عليَّ تصديق أن “شيوعية” الصين ستستمر كأكثر من مجرَّد تبريرٍ بائد لنظام حكم القلَّة؛ هذا إذا لم تقم هذه القلة نفسها – وهو ما أعتقد أنها تقوم به حالياً – بالتوجُّه نحو اعتماد نظام أكثر ديمقراطية.

أما فيما يتعلق بكوني “مؤمناً” بنظام السوق، أعتقد أن الأشكال الاجتماعية قاطبة تُفهَم فهماً أفضل إذا ما نظرنا إليها على أنها طرائقُ للتبادل، وأن أفضل هذه الأشكال هو ذلك الذي يولِّد أكبر عدد من درجات الحرية. وقد علَّمتنا دروس القرن الماضي أنه ليس هنالك أي بديل حقيقي عن نظام السوق، شئنا أم أبينا؛ إذ ليس هنالك أي نظام اجتماعي معقول آخر من شأنه أن يكون أوفر “حكمة” في السماح بمساهمة أكبر لأعضائه في عملية اتخاذ القرار. فالسوقُ شركةٌ يمكن للجميع التأثير في نتاجها، ولكن ليس لأحد احتكار هذا النتاج أو السيطرة عليه. فعلى كل نظام يسعى لتحسين المعيشة عبر قمع السوق أن يتبنى سياسات اقتصادية تعتمد المُصادرة تدعمها بنية سياسية استبدادية. غير أنه لا يمكن لمثل هذه السياسات أن تنجح، حتى في المجال الاقتصادي. هذا لا يعني ترك السوق تتخذ كل القرارات. ففي نظام الحكم الليبرالي الديمقراطي هنالك نظامُ تبادلٍ سياسي يشرف على النظام الاقتصادي ويضبطه. وتكفل اقتصادياتُ السوق الناضجة، في جملة ما تكفله، “شبكة أمان” للأفراد الذين لا يستطيعون المنافسة في السوق.

في كتابه المجتمع المفتوح وأعداؤه عرَّف كارل بوبِّر برؤية إلى المجتمع مناوئة للتوتاليتارية – هي “المجتمع المفتوح” – ليست الحقيقة (بالمعنى النسبي قطعاً) وفقاً لها حكراً على أحد. بذلك يتطلب تنوع النظرات والمصالح الفردية إيجاد مؤسَّسات ينحصر دورها في تأمين التعايش السلمي بين الأفراد عبر صيانة حقوق المواطنين وضمان حرية الاختيار والتعبير.

اللافت بهذا الصدد هو أن المجتمعات الغربية “المفتوحة” لم تروِّج لأنموذج المجتمع المفتوح في دول الإمبراطورية السوفييتية المنهارة بعد نهاية الحرب الباردة، بل، على العكس، تركت هؤلاء القوم المساكين يتولُّون بأنفسهم مشكلاتهم الداخلية المتعلقة بالبقاء. لم يتم وضع ما يشبه خطة مارشال لانتشالهم من عطالتهم؛ وهكذا ضاعت فرصة تاريخية لـ”دمجهم” في النظام العالمي.

العالم كلُّه اليوم واقع تحت سطوة ساحة السوق. وتكاد الرأسمالية الليبرالية تدعو إلى أن أفضل ما يمكن فعله من أجل الصالح العام هو السعي المحموم إلى المصلحة الشخصية؛ وسياسة اليُسْر، التي من شأنها تعزيز الفردانية تعزيزاً قوياً، تهدد بتدمير أسس المجتمع المفتوح نفسها، ومعه المدنية الحديثة برمَّتها. (ديمتري أفييرينوس)

أما فيما يتعلق بالتمييز الإيجابي والسياسات الاجتماعية بعامة، فسأبيِّن موقفي على مستويين: أولهما عام مرتبط بالنظرية السياسية، والثاني شخصي مرتبط بذائقتي السياسية. فعلى المستوى العام، أعتقد أن النقاش حول التمييز الإيجابي، كما جرى في الولايات المتحدة، على الرغم من النفاق واستغلال موقف الضحية – وخاصة من قبل النساء البيض الموسِرات اللواتي كُنَّ قطعاً أنجح من استفاد من هذه السياسة – هذا النقاش، أقول، مثال على الطريقة الفوضوية، لكن الأكثر إنصافاً قطعاً، التي تُقرَّر بها مثل هذه الأمور في الديمقراطيات. وعلى هذا الصعيد أعتقد أنه من الجيد أن يكون هنالك يمينٌ ويسار، ديمقراطيون وجمهوريون، مؤيدون للتمييز الإيجابي ومعارضون له.

أما على مستوى رأيي السياسي الشخصي، فأنا أتفهم أن سنوات التمييز الطويلة تتطلب حلاً ما، لكني أعتقد أن أية سياسة تسعى لدعم مجموعة على حساب أخرى يجب أن تقوم بذلك بشكل غير مباشر. فيمكن لنظام الحصص حسب العرق المفروض بواسطة معايير قبول مختلفة (كقبول السود أو ذوي الأصول الأمريكية اللاتينية بمعدلات أدنى من تلك المفروضة على البيض أو ذوي الأصول الآسيوية) أن تكون له نتائج إيجابية، ولكنه يمكن أن يسيء للمجموعات التي ينوي خدمتها. وقد لاحظتُ ارتفاعَ التوتر العرقي في الجامعات خلال فترة التمييز الإيجابي عما كانت عليه الحال منذ عشرين عاماً. وكمثال على التمييز الإيجابي “الجيد” أورِد هنا مبادرة قامت بها مؤخراً جامعة كاليفورنيا لمساعدة حاملي الشهادة الثانوية، الذين لا يمكن قبولهم عادة في السنة الجامعية الأولى، للدخول في معاهد جامعية (لمدة سنتين) بحيث إذا ما كان أداؤهم فيها مُرضياً قُبِلوا في سنتهم الثالثة في الجامعة، بما يسمح للجامعة بالإشراف على وتشجيع تعليم الطلاب المنتمين إلى “الأقليَّات”، دون اختيارهم على حساب غيرهم. لسوء الحظ، تم تأجيل تطبيق هذه السياسة لأسباب مالية.

ع.ع.ح.: لنعد إلى نقطة ذكرتَها سابقاً. هل أفهم من جوابك أن اللغة (بوصفها الإشارة اللسانية أو فعل التمثيل)، ومعها الثقافة الإنسانية برمَّتها، قد ظهرت كنتيجة لفعل هو “حركة الاستيلاء المُجهَضة” التي هدفت إلى كبح جماح الميل للاستيلاء بأي ثمن، وذلك للمساعدة على ضمان بقاء المجموعة؟ بكلمات أخرى، ألا تظهر اللغة هنا وكأنها نوع من أنواع برامج التمييز الإيجابي الهادف إلى احتواء النقمة، وبالتالي تأجيل العنف الذي يمكن أن ينجم عن الاستمرار “الغبي” في عملية الاستيلاء المعتمِدة على المحاكاة؟

إ.غ.: نعم، تحمل اللغة في طياتها نموذجاً أخلاقياً ضمنياً للتبادل نشترك فيه جميعاً. فالمجتمعات الحيوانية يحكمها تسلسلٌ هرميٌّ يقتات فيه القوي على الضعيف. أما المشهد الأصلي للغة الإنسانية فيبدأ بتخلِّي الجميع عن هدف الرغبة المركزي الذي يصبح مقدَّساً بنظر كل الأفراد، بمن فيهم الأقوياء. فمجتمعات الصيادين–قاطفي الثمار البدائية مجتمعات تسودها المساواة ويكون فيها المقدس أعلى من أي فرد، والكلُّ متساوون أمام الصورة الأساسية لمشهد التمثيل. أما اللامساواة الإنسانية فتتفرع عن هذه المساواة الأصلية عندما تبدأ الثروة بالتكدس وعندما يصبح المركزُ المقدس موضِعاً لإعادة التوزيع يمكن لـ”رجلٍ قويٍّ” ما أن يستولي عليه.

لذا أجدك محقاً عندما ترى “تمييزاً إيجابياً” ضمنياً في اللغة البشرية. فالتمييز الإيجابي يأتي نتيجة لـ”شعور الرجل الأبيض بالذنب” لأن مبدأ التبادلية الأصلي الذي يميز البشر قد انتُهِك ولأن آخرين قد استُبعِدوا من الحوار الاجتماعي. ولقد سادت مرحلةَ ما بعد الحرب بأسرها مواجهةٌ بين نقمة الذين استُبعِدوا من ناحية، والشعور بالذنب بسبب استبعادهم من ناحية أخرى.

ع.ع.ح.: لمَّحتَ في إحدى مقالاتك الأولى إلى زوال الليبرالية.[ix] هل يجعل ذلك منك محافظاً بنظر السياسة الأمريكية؟

إ.غ.: لم أنتقد الاشتراكية على أنها أدنى مرتبة من “الرأسمالية”، بل لأنها مفهومٌ لا معنى متماسك له. وأكاد أميل إلى إطلاق النعت نفسه على ما يدعوه الأمريكيون بالـ”ليبرالية”. (ولا أظنك تجهل أن “الليبرالي” في فرنسا شخص يسميه الأمريكيون “محافظاً جديداً”، وحتى “داعية تحرر”، شخص “يؤمن” بالسوق.) فهذه الكلمة تكاد تختفي تماماً من الخطاب السياسي الوطني الأميركي. وأتذكر هنا الحرج الذي تعرض له مايكل دوكاكيس[x] سنة 1988 عندما سئل عما إذا ما كان يعتبر نفسه ليبرالياً. وأشك في أن آل غور استخدم هذه الكلمة مرة واحدة خلال حملته الانتخابية السنة الماضية. وذلك لأن هذا التعبير قد ارتبط بفترة محددة من السياسة ما بعد الحرب الأميركية عندما تكلم ليندون جونسون على “المجتمع العظيم”، حيث ساد اعتقادٌ بإمكانية القضاء على الفقر والأمراض المرتبطة بمجرد إغداق الأموال على الفقراء من خلال نظام الرعاية الاجتماعية. ثم ماتت الليبرالية مع اعتماد إصلاح نظام الرعاية الاجتماعية منذ سنوات قليلة مضت.

أما على الصعيد السياسي النظري، كما قلت في جوابي على السؤال السابق، فعلى الرغم من عدم الحاجة لوجود شيوعيين في المجتمع الديمقراطي فإن وجودَ ليبرالية نسبية أمر ضروري. يجب أن يكون هناك نقاش حول طبيعة شبكة الأمان، وحول كيفية تحقيق التوازن بين الفعالية الإنتاجية واهتمامات جمهور المستهلكين، بما فيها الاهتمامات طويلة الأمد كالبيئة على سبيل المثال. لم يرغب الناخبون الأميركيون قط بحسم النقاش بين الليبراليين والمحافظين، حتى ولو تغيرت ظروفه. وكنتيجة لتغير من هذا القبيل، يمكن أن نعتبر أن ليبراليةَ ما بعد الحرب قد ماتت وأن “ليبرالية جديدة” أتت لتحمل الراية.

أما فيما يتعلق بالمقالة التي أشرتَ إليها، فقد تحدثتُ فيها ضمنياً عن الليبرالية الأكاديمية التي تشبه من بعيد إيديولوجيةَ حزب “الخضر” الأوروبي. ووجهة نظري كانت أن ليبراليي اليوم يدينون كل الأشكال الاجتماعية الحالية باسم المساواة، لكنهم ينكرون أن نقمتهم على اللامساواة، التي تتوسع لتتكلم بالنيابة عن الحيوانات والنباتات وحتى الصخور، هو نتيجة لخبرة إنسانية فريدة تقدِّم لها فرضيةُ الأصل نموذجاً تكوينياً. ويؤدي هذا الإنكار إلى ظهور مفاهيمَ يؤسف لها كـ”حقوق الحيوان”. نحن نقتص ممَّن يسيء معاملة الحيوانات مثلما نعاقب مَّن يخرب صرحاً ما. فهل هذا يعني أن للصروح “حقوقاً”؟

وأعتقد أنني قلت أيضاً في مقالتي إنني بالحري، وفقاً للمفردات الحالية للسياسة الأميركية، محافظٌ جديدٌ أكثر مني محافظاً. فالمحافظ هو من يؤمن بالله أو بـ”التقاليد” أكثر من إيمانه بديناميَّة نظام التبادل. وأنا أعتقد أن هذا التيار “المحافظ القديم” ليس متوافقاً، أو على الأقل ليس متجانساً مع الافتراضات الدنيا للأنثروبولوجيا التكوينية فيما يتعلق بالإنسان.

ع.ع.ح.: كيف تقوِّم شخصاً مثل نعوم تشومسكي وزملاءه “الفوضويين الجدد”؟

إ.غ.: القليل الذي أعرفه عن تشومسكي لا يثير فيَّ أية رغبة في تعميق معرفتي به. يكاد تشومسكي ينفي حدوث المحرقة؛ وهو يتحرق نقمةً من أجل كلِّ ضحايا العالم ما عدا ضحايا شعبه. وكتاباته السياسية – ما اطَّلعت عليه منها على الأقل – ليست غير تكرار لاتهامات بالجشع واللاأخلاقية يوجِّهها إلى ماسِكي زمام السلطة، وخاصة في الولايات المتحدة. وفي أفضل الحالات يمكن لمثل هذا النقد أن يفجِّر بعض الفضائح، ولكنه لا يندرج في إطار أي نظرية سياسية. فالـ”فوضوية” هي مرادفٌ للعدمية الشخصية التي يحميها النظام نفسه الذي تتظاهر باحتقاره، ويكافئها بسخاء، كما في حالات مثل حالة تشومسكي. فلو كنتُ فوضوياً لشعرتُ بضرورة رفض الاستمتاع بثمار النظام الذي أزدري. فهل يعيش تشومسكي في برميل على غرار ديوجين؟[xi] أشك في ذلك.

ع.ع.ح.: يبدو لي مما قرأته لتشومسكي أنه مُراجِع revisionist أكثر منه نافياً للمحرقة. فهو يطلق بعض الشكوك حول حجمها وينتقد استخدامها كـ”أداة دعائية”. فما قولك في ذلك علماً أنه ليس المثقف اليهودي الوحيد الذي يطرح مثل هذه القضايا؟

إ.غ.: لقد قلتُ أنه “يكاد” يكون نافياً للمحرقة. فهو لا ينفيها كما لا ينفي مذابح بول بوت (على سبيل المثال). ولكن كلما تحدث أحدُهم عمَّن مات من اليهود يشتكي تشومسكي من أنه نسي الغجر؛ وإذا تكلم آخر عن المجازر في كمبوديا آخذه تشومسكي على نسيانه لتيمور الشرقية. دعني أقتبس مما قاله إثر أحداث الحادي عشر من أيلول: “هذه الهجمات الإرهابية فظيعة كل الفظاعة. قد لا يصل حجمها إلى حجم فظاعاتٍ أخرى مثل قصف كلينتون للسودان بدون حجة معقولة، قصفاً أتى على نصف الإنتاج الصيدلي وقَتَلَ أعداداً غير معروفة من الناس (لأن الولايات المتحدة جمَّدت تحقيقاً بدأته الأمم المتحدة، دون أن يكترث أحدٌ لمتابعته).” بكلمات أخرى، إذا أسف أحدٌ ما على فظاعة ارتُكِبَت ضد مجموعة يكرهها تشومسكي (والأميركان هم مطرح كرهه أكثر من اليهود) فهو متآمر بصمته بما يعتبره تشومسكي فظاعةً أشنع – حتى لو كان قصف المعمل السوداني، الذي وقع بعد نصيحة غير رشيدة، قد اعتمد على معلومات موثوقة، وإن تبيَّن فيما بعد أنها خاطئة، رداً على عملٍ إرهابي (أي تفجير سفارتين للولايات المتحدة) وجرى ليلاً عن قصد لتجنب قتل “أعداد غير معروفة من الناس”. أنا أوافق تماماً على تقويم دافيد هوروفيتس في مقاله “عقل نعوم تشومسكي المريض”[xii] القائل أن تشومسكي هو “داعية متطرف ينادي بكره الولايات المتحدة”.

وهاهو اقتباس آخر أقل سجالية بقلم بيير فيدال ناكيه[xiii] في مقالته “عن فوريسُّون وتشومسكي” في كتاب قَتَلة الذاكرة:[xiv] “أنا على ثقة أن أفكار تشومسكي لا تمت بأية صلة لأفكار النازيين الجدد. ولكن من أين تأتيه كل هذه الطاقة وحتى هذا الحنان دفاعاً عن ناشري أفكار النازيين الجدد والمدافعين عنهم؟ ومن أين يأتيه كل هذا الغضب ضد من يجيزون لأنفسهم محاربتهم؟ هذا هو السؤال الوحيد الذي أطرحه. فعندما يصبح الهدف الوحيد للمنطق هو الدفاع عن النفس يصير المنطق جنوناً.”

ع.ع.ح.: معك حق بالنسبة للفوضويين؛ فهم يستغلون “النظام” الذي ينتقدون. ولكن هل من طريقة أخرى للعمل؟ فالعمل من خارج “النظام” يحوِّلهم إلى خارجين على القانون وحتى إلى إرهابيين، كما أن العيش في براميل يُهمِّشهم ويُقوِّض قدرتهم على إيصال أفكارهم.

إ.غ.: كان ذكري للبراميل على سبيل النكتة. ولكن الأوساط الأكاديمية وحلقات المثقفين في الولايات المتحدة وأوروبا لا تقبل بوجود “الفوضويين” على شاكلة تشومسكي فحسب، لا بل تكرِّمهم وتحتفي بهم؛ مما يبرهن على أنهم لا يشكلون أي خطر على “النظام”، من حيث إنهم يقومون بوظيفة صمامات الأمان للتنفيس عن النقمة، شأنهم شأن الممثلين من رواة النكات. وهذا مظهر ألِفَه نظامُ السوق منذ المرحلة الرومانسية، حيث أكثر المعارضين للبورجوازية حدةً كانوا من البورجوازيين. وانتقادي الحقيقي للـ”فوضويين” ليس أنهم لا يعيشون في براميل بل أنهم لا يقترحون أيَّ بديلٍ عن النظام الذي يؤويهم. فبدلاً من أن يكونوا صوت الرشد المنفرد، ليسوا سوى جزء من الضوضاء المرافقة لنظام السوق. لم تحمل لقاءات الاحتجاج و”مسيرات السلام” على هامش اجتماعات منظمة التجارة العالمية أية نظرة سياسية إيجابية. فالماركسية، على الرغم من عيوبها الأساسية، فلسفةٌ سياسيةٌ متماسكة؛ أما الـ”فوضوية” فليست كذلك – إلاَّ إذا ما كنتَ تشير (وهذا ما لا أعتقده) إلى مؤيدي حرية الإرادة على غرار أيان راند – وهم على النقيض تماماً من تشومسكي – دون أن يمنعني ذلك من أن أجد أفكارهم أيضاً في غير محلِّها.

تبدو الحجة القائلة بأن أناساً مثل تشومسكي “لا يشكلون أي خطر على “النظام”، من حيث إنهم يقومون بوظيفة صمامات الأمان للتنفيس عن النقمة” أقرب إلى الحجة “الشيوعية”؛ وهي حجة استعملها الشيوعيون في الأيام الخوالي ضد مناوئيهم الديمقراطيين الاجتماعيين. إن ما يميِّز الديمقراطية الغربية (وهي، لسوء الحظ، الديمقراطية الصالحة الوحيدة حتى الآن) أحسن تمييز هو في كونها فعلاً “تنفيساً عن النقمة”!

على كل حال، إذا اتفق لأي نظام أن ينهار فلن ينهار لأسباب من صنع أناس مثلنا أو مثل السيدين تشومسكي أو غانس، بل سينهار لأسباب أعمق بكثير؛ منها، مثلاً، ضياع قيمه المعنوية الأساسية أو “علَّة وجوده” أصلاً. ويلوح لي أن هذا ما يحدث في عالمنا اليوم الذي تقوده المدنية الغربية. لم يحدث أن عاشت البشرية في بيئة أكثر لاأخلاقية أو فحشاً من التي نعيش فيها اليوم. تأسيساً على هذا الوضع، قد تضع البشرية حداً لنفسها؛ والتاريخ سيبلغ نهايته بنهاية البشرية. ولعلنا قريبون جداً من هذا. هنا، آمل أن أكون على خطأ… (أكرم أنطاكي)

ع.ع.ح.: تعتمد الأنثروبولوجيا التكوينية، من أكثر من جانب، على أعمالِ عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي رونيه جيرار، الذي كان مغالياً في مسيحيته في نظر العديد من زملائه، ومن بينهم أنت. والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما مدى مسيحية الأنثروبولوجيا التكوينية – هذا فيما إذا كانت أصلاً ذات طابع مسيحي؟

إ.غ.: إذا ما غضضنا النظر عن موضوع الإيمان، يمكننا النظر إلى المسيحية، كما يطرحها جيرار على الأقل، كأنثروبولوجيا قائمة بذاتها. وهذا هو فحوى أحدث كتب جيرار وهو، عن قصد، أكثر كتبه تشبُّعاً بالمفردات المسيحية، وهو بعنوان أرى الشيطان يهوي كالبرق[xv]. فجيرار يعتقد أن المسيحية وحدها هي التي استطاعت أن تكشف بالكامل عن “آلية كبش الفداء” التي تشكل مبدأ الأديان القُربانية السابقة؛ هذه الآلية لا تزال حاضرة في “المسيحية القُربانية” التي فشلت بالالتزام بما تضمَّنه كشفُها التأسيسي.

ليست عندي مشكلة مع فكرة أن المسيحية تُحكِم قبضتها أكثر من غيرها من الأديان على مفهوم الأخلاقية المتبادَلة المثالي وأنها، بالتالي، أكثر صرامة في انتقادها للممارسات القُربانية. ولكن الفارق بين الدين والأنثروبولوجيا الدنيا يظهر فيها واضحاً كل وضوح: فلا يمكن للمسيحية أن تستذكر الموضع التاريخي لكشفها التأسيسي إلا إذا أَضفَتْ على مصدر هذه الرسالة صفة مقدسة فريدة. ومهما حاولنا القيام به لـ”أنْسَنَة” هذه الصفة – إنْ بتعميمها على كل البشر، أو بالتوصل إلى مقابِلات للثالوث في العقل الفردي، أو بالبرهان على التطابق بين أضحوية القُربان وألوهيته – تبقى هذه الصفة مشدودة إلى تجربة تاريخية وشخص محدَّدَين، وبالتالي فهي غير قابلة للتعميم تعميماً كاملاً. فالمسيحية دين “للجميع” ولكن لا يمكن لأي دين أن يصبح دين الجميع. هذه هي الترجمة الدينية لملاحظاتي حول الحضارة الغربية التي ذكرتُ سابقاً.

لهذا، وعلى الرغم من إعجابي بالمسيحية، لا أعتبر الأنثروبولوجيا التكوينية طريقةَ تفكير مسيحية. كما لا أعتقد أن أنثروبولوجيا رونيه جيرار “مسيحية” أيضاً. فتأكيده الراسخ أن كل أفكاره موجودة في العهد الجديد هو تأكيدٌ يؤمن به جيرار حتماً وهو تأكيد أكثر طمأنة قطعاً – وأقل توليداً للنقمة – من أن يقول أنه اكتشف كل أفكاره بمفرده؛ إلاَّ أنه ليس أكثر صحة من تأكيدي أن كل أفكاري حول الأنثروبولوجيا التكوينية موجودة في المشهد الأصلي. فكلُّ أفكاري مشتقة من المشهد الأصلي، ويمكن تتبُّع أنسابها وصولاً إليه، ولكنها لمَّا تُذكَر صراحةً في ذلك الوقت كما لم يَذكُر كُتَّاب الأناجيل نظريةَ الرغبة في المحاكاة، فما بالك بفرضية الأصل؟ فهذا الذكر الصريح أراه سيرورة مستمرة تبدأ بالإشارة الأولى، وتتواصل عبر التاريخ. فالأديان “القُربانية” قاطبة بنظر جيرار – وهو يناقض نفسه في هذه النقطة – تقنِّع الحقيقة؛ أما المسيحية، التي استبقتها اليهودية جزئياً، فتكشف عن الحقيقة. فكل شيء قد كُشِف، إنما على الكشف أن يُجدَّد – وهنا تكمن وظيفة جيرار. أنا لا أعتقد أن هذه هي الطريقة لفهم التاريخ الإنساني. فالتاريخ بكلِّيته كشفٌ وليس فقط ظهوراً عجائبياً لشخص واحد.

ع.ع.ح.: لقد صرحتَ بوضوح في الكثير من كتاباتك أنه من المفترض أن تحلَّ الأنثروبولوجيا التكوينية محلَّ الدين كطريقة للتفكير بأصل الإنسان. هل لك أن توضح هذه النقطة؟ وهل لك أن توضح العلاقة (المحتملة أو الحقيقية) بين الأنثروبولوجيا التكوينية والدين؟

إ.غ.: سيكون من الطوباوية بمكان، لا بل من جنون العظمة، أن نزعم أن بمقدور الأنثروبولوجيا التكوينية أو أية طريقة تفكير أخرى أن تحلَّ محلَّ الدين. لكن بوسعنا أن نجمع بين الضدَّين في مفارقة حقيقية بقولنا إن الأنثروبولوجيا التكوينية قد تُعتبَر ديناً أدنى – آخذين بعين الاعتبار أن الدين ليس شكلاً تمثيلياً أدنى. فعندما “نُدنِّي” الدين إلى الأنثروبولوجيا التكوينية نختزل المقدس إلى شكله الأدنى ألا وهو اللغة. وعلى سبيل المثال فإن جوهر الخلود الأدنى لله هو خلود الإشارة، وعلاقة هذه الإشارة بمعناها لا تستمر أو تموت وفق الزمن الدنيوي. أي أن الله هو المركز المتأصِّل لمشهد التمثيل، أي الكائن الذي، بضمانه “الأبدي” لمعنى الإشارة كـلغة، يسمح باستخدامنا التواصلي لها في الكلام. وعلى نفس الغرار فإن خلود روح الفرد هو خلود “قصة” صاحب هذه الروح. ففي أيام هوميروس كان الشاعر، بتلاوته قصة شخص ما، يمنحه الخلود. كما أن رواية بروست[xvi] العظيمة حول استعادة “الزمن الضائع” تقوم بوظيفة مشابهة.

لكنني لا أعتقد أن بإمكان هذا الاختزال أن يحلَّ محلَّ الدين. فالـ”خبرة الدينية” برأيي هي حدس الاستمرارية الشكلية للمعنى الذي عندما يُعَمَّم يتحول إلى قوة تمسُّ العالم بأسره. ووظيفة هذه القوة الأساسية هي وقايتنا من العنف. فـ”لا مكان للملحدين وقتَ الشدة”[xvii] لأننا جميعاً نعتمد على الله في أوقات الخطر لتأجيل العنف بنفس الطريقة التي أجَّل فيها تمثيلُ المقدَّس العنفَ في المشهد الأصلي.

أنا أتعاطف مع أولئك الذين يضرعون إلى لله بوصفه المخاطَب الأخير في أوقات الأزمات. وإذا كان هنالك إلهٌ أدنى يضمن دوام اللغة والمشهد الذي تظهر فيه اللغة فمَن يا ترى يعرف حدودَ قدرةِ هذا الكائن على تأجيل العنف؟ إلا أن ثمة مفارقة تميِّز التمثيل بشكل عام، وهي أنه عندما يتم تعريف الله بهذا الشكل لن يعود بالإمكان “الإيمان” بقدرته خارج نطاق تلك التمثيلات التي من المفترض أن يضمنها. الله يُتَصَوَّر دائماً سابقاً على تمثيلاتنا له ومستقلاً عنها. أما اعتماداً على الحد الأدنى، يصبح الله معاصراً للإنسان؛ فكموضوعٍ للمعرفة لم يُعرَف الله قبل ظهور التمثيل الإنساني. غير أن هذا التمثيل ما كان له أن يرى النور لو لم يكن قد حدَّد وجوداً سابقاً لظهوره. فنحن لا نخترع المقدَّس بل نكتشفه. غير أن الله لم يعلن عن نفسه قبل ظهورِ التمثيل الإنساني. وإذا – وفقط إذا – ربطنا حياتنا الروحية بفهم هذه المفارقة، يمكننا إحلال الأنثروبولوجيا التكوينية محل الدين.

هل كان الله مجهولاً حقاً قبل اختراع التمثيل الإنساني؟ في مقالته القصصية المشهورة حي بن يقظان افترض الفيلسوف المسلم المعروف ابن طفيل، متابعاً محاجَجة بدأها فلاسفة مسلمون آخرون، ولادة إنسان (من الطين) على جزيرة خالية. وباستعمال الملاحظة والتفكُّر والحوار الداخلي، استطاع حي أن “يكتشف” وجود الله. بعبارة أخرى، اتكأ وجود الله في هذه الحالة على فعل وعي منعكس، وليس على فعل تمثيل. فدور التمثيل، إذن، هو أن يعرِّف بوجود الله بمعنى اجتماعي جمعي، وليس بمعنى فردي. لكن الأنثروبولوجيا التكوينية، على ما يبدو، تتعامل مع الجماعات وليس مع الأفراد؛ وبالتالي فإن مثل هذه الملحوظة لن تشكل بنظرها مشكلة. ومع ذلك، للمرء أن يتساءل عن وجود نظام للتمثيل الداخلي في سيرورة الحوارات الداخلية المتواصلة. فأي نوع من التأثير يمكن أن يكون لوجود مثل هذه الأنظمة الفردية على ظهور أنظمة التمثيل الجمعية التي يبدو أن الأنثروبولوجيا التكوينية تتعامل معها؟ (عمار عبد الحميد)

ع.ع.ح.: من وجهة نظر الأنثروبولوجيا التكوينية، وبصرف النظر عن الاعتبارات التقديسية، هل يسوع هو صورة للمحبة أم للنقمة؟ أم هل انتقل من المحبة إلى النقمة مع تقدم “بشارته”؟

إ.غ.: بما أن “يسوع التاريخي” وهمٌ، فليس أمامنا سوى يسوع الإنجيلي الخالي من كل نقمة. وعندما يغضب يسوع – وهذا كثيراً ما يحصل – فغضبه ليس تعبيراً عن النقمة بل درسٌ لنا في رفض الشر. (على من يعتقدون أنه يجب علينا كمسيحيين أمريكيين لوم أنفسنا على الأحداث الإرهابية التي جرت مؤخراً أن يعيدوا قراءة هذه المقاطع الإنجيلية.) كما ليس في الأناجيل ما يؤيِّد فكرة “انتقال” روحي ليسوع إلاَّ انتقاله من التفاؤل إلى التشاؤم فيما يتعلق بقبول بشارته. طبعاً يمكن أن نتخيل، على غرار إحدى النظريات، أن يسوع كان وطنياً يهودياً “غيوراً”. وإذا ما قارنَّا يسوع بمن سبقه، كالمكابيين، لتمكنَّا من أن نرى تقدماً من النقمة نحو المحبة، ومن العنف نحو التخلِّي عن العنف، وكذلك من الفعَّالية السياسية نحو السكينية السياسية، ولَبَدَتْ لنا القصة جميلةً، بل مقبولةً. إلاَّ أن الأناجيل لا تحكي هذه القصة.

هذا لا يعني أن جُملاً على غرار “الآخرون يصيرون أولين” لا تفترض النقمة ضمناً. بيد أن هذا النقمة هي نقمة مؤجَّلة إلى ما بعد الموت؛ فنحن مطالَبون بالتخلِّي عن العمل بموجبها. وهي ليست قط مطروحة بوصفها نقمة يسوع.

ع.ع.ح.: وماذا عن شخصية كشخصية محمد؟ هل لديك معلومات كافية عن حياته وبعثته لتصوغ رأياً حوله من وجهة نظر الأنثروبولوجيا التكوينية؟

إ.غ.: أنا لا أعرف الكثير عن محمد. وفكرتي عنه هي أنه قادمٌ متأخر على الموروث التوحيدي، أسَّس ديناً للـخارجين عنه. فبينما خرج يهود سفر الخروج من عالم الإمبراطوريات القديمة، توجَّه الإسلام لأولئك الذين أهملتهم الحضارة المسيحية المبكرة (واليهودية). وانتشار الإسلام الواسع اليوم فيما يُدعى بالعالم الثالث لهو دليلٌ على هذا التوجُّه.

فالمسيحية أخضعت الإمبراطورية من الداخل؛ أما الإسلام فهاجمها من الخارج. وخلافاً ليسوع كان محمد محارباً بقدر ما كان نبياً. وبينما أدان يسوع، وفق الموروث النبوي اليهودي، السلطة الدنيوية ليسهل عليه الفوز بها لاحقاً، كما قد يقول نيتشه، فإن محمداً قد سعى صراحة لهذه السلطة. هذا لا يجعل أحدهما “أفضل” من الآخر؛ إلا أنه أدى إلى ظهور فوارقَ كبيرة في الأنظمة الاجتماعية المرتبطة بكل واحد من هذين الدينين. فمهما بلغت شدة السلطة المطلقة التي تمتع بها الملوك المسيحيون، كان هنالك دائماً فصلٌ بين عالم الأخلاقية التبادلية الخاص (الذي تحول إلى ما يدعى اليوم بالـ”مجتمع المدني” وسيتحول في نهاية المطاف إلى نظام السوق)، من ناحية، ومؤسَّسات السلطة السياسية المركزية، من ناحية أخرى. أما في الإسلام، حيث كان النبي فاتحاً ومشرِّعاً في آن معاً، فلم يكن هذا الفصل موجوداً. وهذا يطرح إشكالياتٍ خاصة في إطار علاقة البلدان الإسلامية مع نظام السوق العالمي ومع السياسات الديمقراطية. و أعتقد أن الإسلام، للأسف، كثيراً ما كان وسيلة لمقاومة التَبَرجُز الذي لا يمكن للمجتمع المدني وللديمقراطية أن يزدهرا بدونه.

تبدو لي نظرات السيد غانس “الدينية” مغالية في المادية: فيما يتعلق بالمسيحية، عندما يطرح مسألة تاريخية شخصية يسوع، أو فيما يتعلق بالإسلام، عندما يعتبر محمداً فاتحاً فقط، أو حتى عندما يتكلم على الإله الذي “نخترع”. مثل هذه النظرات التي تفتقر إلى الروحانية وتسود في أيامنا هذه بين أتباع الديانات السامية الثلاث هي، من وجهة نظري، من الأسباب الرئيسية لمواجهتنا كل هذه المشكلات اليوم، وأعني مشكلات الأصولية (الإسلامية والمسيحية واليهودية) وما يسميه الـ”تبرجُز”، الذي هو، في الواقع، نتيجة هذه النظرة المادية إلى الأشياء من ناحية، والأنانية من ناحية أخرى. (أكرم أنطاكي)

ع.ع.ح.: ما قولك في استخدام خطاب الضحية في العلاقات بين الشرق والغرب؟

إ.غ.: أفترض أنك بـ”العلاقات بين الشرق والغرب” تقصد العلاقات بين الدول المصنَّعة والدول الأقل تقدماً التي كانت في غالبيتها إما مستعمراتٍ للـ”غرب” أو توابعَ سياسية له. أستطيع أن أقول باختصار إن أي خطاب يكون مفيداً ما دام يسمح لمشاركين جدد بالدخول في الحوار، ويصير مؤذياً إذا ما استمر هؤلاء المشاركون الجدد في استخدامه بما يلغي الحوار. وحتى الآن يبدو أن فترات استخدام خطاب الضحية عادةً ما تطول أكثر من اللازم، شأنها شأن فترات التضخم في الأسواق المالية. ففي عالم ما بعد الاستعمار، أخَّر الإصرارُ على نموذج الجلاد–الضحية اندماجَ الكثير من الاقتصاديات في نظام السوق العالمي. يكفي أن نقارن كوريا الجنوبية بزيمبابوي أو الجزائر. فخطاب الضحية يؤدي إلى التعبير عن النقمة بواسطة العنف بدلاً من إعادةِ تصنيعها في نظام التبادل.

لقد قرأت مؤخراً مقابلة مع أحد الباكستانيين المعجبين بابن لادن. وعندما سئل عن سبب نقمته على الولايات المتحدة، ذكر، فيما ذكر، قصفَ العراق. أي أن هذا الرجل يعتبر أن غزو العراق للكويت، دون الحديث عن العنف الذي تمارسه الحكومة العراقية ضد المواطنين العراقيين، هو نزاع ثانوي داخلي لا يُقارَن بعنفِ علاقةِ الجلاد–الضحية المفروضة من الخارج؛ أي أنه يعتبر أن الأميركيين لم يدافعوا خلال حرب الخليج عن الكويت والسعودية بل كانوا يضطهدون العراق.

إذا كان الأصوليون الإسلاميون يستخدمون هذا الخطاب الأضحوي، فذلك لأنهم، أغلب الظن، تعلَّموه من “إخوتهم نصف الأشقاء”! (أكرم أنطاكي)

ع.ع.ح.: وما قولك في استخدام خطاب الضحية في الصراع العربي الإسرائيلي؟ وما هو الضوء الذي يمكن للأنثروبولوجيا التكوينية أن تسلطه برأيك على هذه المسألة؟

إ.غ.: هذه، كما تعلم، أكثر المسائل حساسيةً. ولكوني أميركياً يهودياً تربَّى ابنُه في إسرائيل لا يمكنني أن أدَّعي الحياد.

يعرف اليهود خطابَ الضحية خيرَ معرفة. وبرأيي فإن مرحلة ما بعد الحرب/ما بعد الحداثة التي أجهزت على الاستعمار الاستيطاني والتمييز العنصري في الولايات المتحدة، وحتى في جنوب أفريقيا، والتي شهدت تعزيزَ حقوق المرأة وحقوق الأقليات الدينية والمعاقين واللوطيين والسحاقيات إلخ – هذه المرحلة بدأت بالمحرقة وبالشرعية التي أسبغتها المحرقة على خطاب الضحية. فلم يكن هنالك حاجة لـ”سماع كلا الطرفين”؛ فالنازيون كانوا الجلادين واليهود كانوا الضحايا. وكان بالإمكان تطبيق هذا النموذج على كل العلاقات غير المتكافئة الأخرى صراحة.

إن أكثر ما يصدمني في خطاب كلا طرفي النزاع العربي الإسرائيلي هو أنه بينما تعاطف الكثير من الإسرائيليين مع الفلسطينيين واعتبروا أن شكاواهم شرعية أو على الأقل مفهومة، لم أسمع قط أيَّ متحدث رسمي فلسطيني يبثُّ إشارة إلى تعاطف مماثل مع الإسرائيليين. فعندما أتى السادات إلى القدس سادت فعلاً روحٌ من التعاطف المتبادل أدَّت إلى التوقيع على معاهدة سلام دائم ثم – للأسف – إلى اغتيال السادات. لكن عرفات برأيي غير قادر على القيام بمثل هذه الخطوة، لا على الصعيد الشخصي ولا على الصعيد السياسي. فالفلسطينيون يصوِّرون أنفسهم كضحايا لظلمٍ مطلق. ومهما بلغت وحشيَّتهم وتعسفهم في قتل الإسرائيليين فإنهم لا يقومون إلا بالرد على الاضطهاد. أما إذا ما قتل جنودٌ إسرائيليون فلسطينياً كان يطلق النار عليهم فهم يبقون جلادين والفلسطينيون ضحايا وشهداء. نحن هنا أمام مثال واضح يؤدي فيه استخدام الخطاب الأضحوي إلى الحؤول دون الحوار: فإذا ما كان إسرائيل لمجرد وجوده جلاداً والفلسطينيون ضحايا يمسي الحوار مستحيلاً. أمِلَ الكثيرون أن تُخرِجَنا اتفاقات أوسلو من هذه الذهنية لكن الانتفاضة الجديدة خيَّبت آمالهم. لكني أعتقد أن جزءاً كبيراً من الارتياب الإسرائيلي يمكن أن ينقشع بسرعة إذا ما أظهر الفلسطينيون شيئاً من التعامل بالمثل. وفي المقابل، ومما فهمته، فإن الخلل الكبير الذي اعترى سياسة باراك كان أنه، على الرغم من كَرَمه في التنازلات التي قدَّمها، لم يعامل المفاوضين الفلسطينيين كشركاء أنداد في الحوار، الأمر الذي أكد مخاوفهم في أنهم ضحايا. وعلى الرغم من مَشاهد النقمة الحالية، أتمنى أن تدفع الأحداث الأخيرة كلا الطرفين إلى العودة إلى طاولة المفاوضات؛ وهذا على ما يبدو ما يجري الآن.

مع أننا لا نقدر، من جانبنا أيضاً، ادِّعاء الحياد، وخصوصاً الآن مع إعادة اجتياح الجيش الإسرائيلي لأراضي السلطة الفلسطينية، لا نستطيع إلا أن نعترف أن السيد غانس، بمعنى ما، مُحِقٌّ فعلاً. إذ تكاد لا توجد أية إشارة تعاطف من الجانب العربي، لا مع اليهود الإسرائيليين عموماً، ولا حتى مع من يتعاطف منهم مع العرب خصوصاً. وإننا نعتقد اعتقاداً جازماً بأننا بحاجة إلى إعادة تقويم موقفنا بهذا الصدد. (أكرم أنطاكي)

***

ترجمة وتعليق الهوامش: موسى الحوشي

[i]من Genèse أو Genesis أي تكوين.

[ii] على معنى اتباع الإنسان غيرَه في ما يقول أو يفعل؛ يقال “حاكاه محاكاة” شابهه، و”حاكى فلاناً” فعل فعله أو قال مثل قوله” – الوافي للشيخ عبد الله البستاني.

René Girard [iii](1923- ) أستاذ جامعي وفيلسوف معاصر وعالم أنثروبولوجيا فرنسي الأصل مقيم في الولايات المتحدة الأمريكية.

Jacques Derrida [iv](1930- ) فيلسوف فرنسي عمل على “تفكيك” déconstruction الميتافيزيقا الغربية وعلى إيجاد علاقات جديدة بين الأدب والفلسفة.

Max Weber [v](1864–1920) عالم اقتصاد واجتماع ألماني نادى بِسوسيولوجيا شاملة تستخدم النماذج المثالية.

Ayn Rand [vi](1905–1982) كاتبة وفيلسوفة أمريكية روسية الأصل، أشهر كتبها The Fountainhead وAtlas Shrugged حيث أسَّست ما يدعوه أتباعها بالـ”موضوعانية” Objectivism.

Bernard Mandeville, The Fable of the Bees ; or, Private Vices, Public Benefits [vii]

[viii]وهو مجموعة السياسات والمبادرات الحكومية الهادفة للقضاء على التمييز الماضي والحاضر على أساس العرق أو لون البشرة أو الدين أو الجنس أو بلد الأصل. وكان الرئيس الأميركي جون ف. كينيدي هو أول من انتهج طريق التمييز الإيجابي وذلك في أمره التنفيذي رقم 10925 لشهر آذار/مارس 1961 الذي أسس اللجنة الرئاسية للمساواة أمام فرص العمل. ونص الأمر على أن “صاحب العمل لن يميز أي موظف أو مرشح للتوظيف على أساس العرق أو المعتقد أو لون البشرة أو بلد الأصل”. وفق مفردات السياسة الأمريكية الداخلية تعني التيارات اليسارية، وعلى رأسها الحزب الديمقراطي.

Liberalism [ix]: الليبرالية وفق مفردات السياسة الأمريكية الداخلية تعني التيارات اليسارية وعلى رأسها الحزب الديمقراطي.

Mickael Dukakis [x]كان مرشح الحزب الديمقراطي لرئاسة الولايات المتحدة الأميركية في سنة 1988.

[xi] Diogenes فيلسوف يوناني (412–323 ق.م.) دعا إلى التقشف وعاش في برميل.

The Sick Mind of Noam Chomsky, www.salon.com, September 26, 2001 [xii]

Pierre Vidal-Naquet [xiii]مؤرخ وكاتب فرنسي، من كتبه الهامة الصياد الأسود والديمقراطية الإغريقية من منظار مكان آخر.

[xiv] On Faurisson and Chomsky, in Assassins of Memory, NY: Columbia University Press, 1992

Je vois Satan tomber comme l’éclair, Grasset, 1999 [xv]

Marcel Proust [xvi](1871–1922) روائي فرنسي رمى بظله على الرواية الفرنسية في القرن العشرين من خلال روايته الضخمة البحث عن الزمن الضائع À la recherche du temps perdu

[xvii] There are no atheists in the foxholes جملة وردت في مقالة لإريك غانس بعنوان “المصدر الفريد للدين والأخلاق” The Unique Source of Religion and Morality نُشِرَت في مجلة Anthropoethics العدد الأول حزيران/يونيو 1995.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий