Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > حوارات ولقاءات > حوار مع أرنست غيلنر : “الخروج من الهامش”

حوار مع أرنست غيلنر : “الخروج من الهامش”

حوار : جون ديفيز* ، ترجمة وإعداد : عبدالله عبدالرحمن يتيم

يُعّد إرنست غلنر Ernest Geliner  واحداً من أبرز الباحثين في الفلسفة والأنثروبولوجيا الاجتماعية. ولد غلنر في براغ في التاسع والعشرين من ديسمبر عام 1925 وتعلم في براغ حتى عام 1939م عندما انتقلت أسرته إلى انجلترا. التحق غلنر بجامعة إكسفورد وأنهى تعليمه فيها، ثم تولى التدريس في مدرسة لندن للعلوم الاقتصادية والسياسية من 1949–1984 حيث غدا منذ عام 1962م، أستاذاً للفلسفة والمنطق والمنهج العلمي، عمل غلنر أستاذاً في غير جامعة في الغرب، توفي غلنر في براغ 1995 وقد نشر العديد من الدراسات التي تناولت الإسلام والمجتمعات الإسلامية ومن أشهر كتبه:

1)         Muslim society. 1983

2)         Postmodernism I Reason and Religion 1992

ومن أجل مراجعة لآرائه بالعربية يمكن الإطلاع على كتاب سامي زبيدة: أنثروبولوجيات الإسلام، الصادر عام 1997 “التسامح”.

*     *     *

ديفيز: هل تنتمي لأسرة حضرية؟

غيلنر: نعم، كانت أسرتي تعيش في مدينة براغ، وكنا إلى حد كبير حضريين.

ديفيز: هل كانت براغ، بشكل خاص، معادية للسامية؟

غيلنر: نعم، كانت هذه الروح المعادية للسامية منتشرة بشكل واضح في صفوف الطبقة العاملة، تلك هي براغ الخاصة بكافكا المتميزة بثالوثها الثقافة، وبجامعتين إحداهما تشيكية والأخرى ألمانية. وكانت الجامعة الألمانية متميزة جداً، وحدث في أن كان فيها في أحد المرات: كأرنب وأينشتاين. وقد استفادت هذه الجامعة من نزوح الباحثين إليها بسبب سياسات هتلر. كان هناك فعلاً جامعتان وثلاث ثقافات تعيش معاً، وكان هناك من المؤكد توتر أثنى وعلي نحو متشدد أيضاً، وكان ذلك يشكل جزءاً من المناخ العام. وأنا أعني هنا، أنك إذا كنت تسألني عما إذا كان هذا يشكل جزءاً هاماً من البيئة التي كنت أنتمي إليها في براغ، فإن جوابي سيكون بالإيجاب. لقد كانت براغ مدينة حادة في جمالها، ولذلك كنت كثيراً ما أحلم بها عندما خرجت مهاجراً منها في سنوات الحرب، أي بالمعنى الحرفي كان هذا توقاً قوياً إليها.

لقد أتينا إلى إنجلترا في عام 1939م، أي بعد الاحتلال الألماني لبراغ، كنت حينها في الثالثة عشرة وآل مصيري إلى أن أكون في الهامش، ففي ذلك الوقت لم أكن من طلاب المدارس الحكومية (Grammar School) التي أنشأت في الثلاثينيات في سانت البانز، ومن هذا الهامش حصلت على منحة دراسية إلى أكسفورد. كان ليندسي يعد في ذلك الوقت هو المسؤول عن باليول (Balliol) (إحدى كليات جامعة أكسفورد). وقد اتبع ليندسي السياسة الاستعمارية للبرتغال: أي بترك السكان الأصليين يعيشون في سلام وذلك بأخذ المتمكنين والمهيئين منهم من القاع الاجتماعي وإرسالهم إلى باليول.

وكنتيجة لكل ذلك استطعت وأنا في سن السابعة عشر الحصول على بعثة إلى كلية باليول في جامعة أكسفورد، والسبب في ذلك يعود إلى السياسة الاستعمارية البرتغالية التي كان يتبناها ليندسي حينذاك.

ديفنز: هل درست الفلسفة عندما كنت في جامعة أكسفورد؟

غيلنر: عندما كنت في أكسفورد درست الفلسفة وعلم السياسة وعلم الاقتصاد، ولكن ضمن هذا التخصص كان اهتمامي الرئيس منصباً على الفلسفة، هذا على الرغم من أنني أخذت دروساً كثيرة في الاقتصاد، والسبب في ذلك أن كلية باليول، والتي كنت أنتمي إليها في جامعة أكسفورد، كانت تعمل وفق نظام تراتبي لموضوعات الاختصاص، فالطلاب الذين كانوا يعدون في ذلك الوقت من المتفوقين كان يتم حثهم على دراسة الفلسفة، وكان الاعتقاد في ذلك الوقت مبني على أن الفلسفة هي رأس كل شيء.

أما إذا كنت أقل ذكاءً فكان يتم تشجيعك على الانخراط في دراسة الاقتصاد، على اعتبار أن الاقتصاد يتطلب مهارات أقل، أما بالنسبة لي فقد كنت من بين الطلاب الذين تم اختيارهم لدراسة الاقتصاد، كما أن كليتي الجامعية لم تكن معتدة كثيراً بي، ومع ذلك فكان اهتمامي بالفلسفة أكثر من الاقتصاد، هذا الفرع من العلوم الذي لم أكن أميل إليه أبداً.

ولقد حصلت على شهادتي الجامعية الأولى من أكسفورد، ونظراً للطريقة التي كان يعمل بموجبها النظام التعليمي في تلك الأيام، وخصوصاً في ظل السلطة الأبوية لكلية باليول، والامتيازات التي يحصل عليها الطلاب الحائزين على درجة الامتياز الأولى (كحصولهم على وظيفة في الجامعة) ونظراً لوجود ذلك الامتياز، فقد استطعت الحصول على وظيفة مساعد أستاذ في جامعة أدنبرة، ومن ثم انتقلت إلى كلية لندن للاقتصاد.

هذه بعض من المظاهر الخارجية للأمور، أما عن جوانبها الداخلية فإن الأرثوذكسية الفكرية كانت في ذلك الوقت تتجلى في أحسن صورها الوصفية في فلسفة اللغة والمستلهمة أفكارها من وتجنشتاين (Wittgenstein) وكانت هذه الفلسفة على درجة من التبلور، ولكن بالنسبة لي كانت تعد مظللة بشكل كامل ومطلق، فقد كان وتجنشتاين يعتقد بعدم وجود حل عام للمشكلات والقضايا دون العودة إلى عرف المجتمع، فالمجتمعات هي الغايات بحد ذاتها، وقد يكون وتجنشتاين لم يصغها بهذه الطريقة ولكن هذا ما آلت الأمور إليه، طبعاً هذا الأمر يبدو الآن دون معنى، وخصوصاً في عالم أصبحت فيه المجتمعات غير مستقرة وغير منعزلة أيضاً بشكل واضح بعضها عن بعض.

ومع ذلك فقد تمكن وتجنشتاين من تسويق فكرته، وقد جرى تبنيها بحماسة باعتبارها كشفاً غير قابل للنقاش، وأصبحت موضوعاً غير قابل للشك أو التساؤل، أما بالنسبة لي فكانت الفكرة تبدو بشكل جلي على أنها خاطئة، ولكن المشكلة قد تتضاعف خصوصاً إذا كنت تنتمي لمجتمع وبيئته يعتقد الأفراد الأذكياء منها بصحة هذا النوع من الأفكار، وقد يقودك ذلك أيضاًَ للاعتقاد بخطأ موقفك، وذلك على اعتبار أنك لم تفهم الأمر بالشكل المناسب، والنتيجة طبعاً أنهم يجب أن يكونوا على صواب، فعندما أتيت على دراسة القضية التي أثارها وتجنشتاين بشكل أولي ثم حاولت دراستها بعد ذلك بشكل موسع توصلت إلى استنتاج بأن فهمي لها كان على صواب، وإنها فعلاً قضية تافهة، وقد كانت فعلاً كذلك.

ديفز: ولكن ماذا حدث بين هذه الفترة أي عندما كتبت في عام 1958م “الكلمات والأشياء”، وبين فترة ذهابك إلى كلية لندن الاقتصادية، وبداية قيامك بالعمل الحقلي في شمال أفريقيا؟

غيلنر: كان وضعي في قسم السوسيوليوجيا غريباً جداً، والسبب هو أنه عند التحاقي بالقسم كان الشخص المهيمن عليه هو موريس غينزبيرغ، وكان معجباً بشكل كبير بالفلسفة، فقد كان يعتقد أن الفلسفة والسوسيولوجيا قريبان جداً من بعضهم البعض، وهو لهذا السبب قد ألحقني بالقسم لكوني فيلسوفاً، وعلى الرغم طبعاً من أنه كان من الناحية الفنية يعد أستاذاً للسوسيولوجيا إلا أنه لم يلحق أحداً من طلبته للعمل في القسم، وقد استفدت أنا من هذا الوضع، وذلك لاعتقاد غينزبيرغ بأن أي شخص ينتمي إلى هذه الفلسفة كاختصاص سيكون بالضرورة تطورياً مثل هوبهاوس، أي على شاكلته هو، وقد استغرق غينزبيرغ وقتاً طويلاً حتى اكتشف بأنني على خلاف من ذلك.

ديفيز: كيف بدأت صلاتك بالأنثروبولوجيا؟

غيلنر: كنت أريد معرفة أمور كثيرة عن العالم الحقيقي، فهذه لم تكن مجرد فلسفة خاطئة، ولكن أي فلسفة تعد في حد ذاتها مجردة جداً، أما أنا فكنت أريد نشاطاً ذهنياً ذا محتوى إمبريقي، وهكذا عندما التحقت بكلية لندن الاقتصادية, كانت الكلية تعد المكان المثالي لمثل هذا النوع من الاتجاه الذي كنت أرغب فيه، والذي من خلاله أستطيع ملاحظة العلوم الاجتماعية، وقد توصلت بسرعة إلى استنتاج أن الأنثروبولوجيا الاجتماعية أكثرها وأفضلها أهمية من دون شك، من حيث اتفاقها ومزاجي وطباعي العامة، أما بقية العلوم الاجتماعية فلم تشدني إلى الحد الكافي، فكان هناك علم الاقتصاد، ولكنه كان مزيجاً من مستوى ثان من علوم الرياضيات ومستوى آخر سيء من السوسيولوجيا. أما السوسيولوجيا فكانت حينها منهكة وكانت تنتمي أيضاً إلى تطورية مضجرة، وكذلك بوجود علماء اجتماع شباب ممزقين بين الماركسية من جهة، وبعض الاتجاهات العلمية المحدثة.

أما الشيء المتعلق بالأنثروبولوجيا فأستطيع القول بأنها كانت خليطاً من الاتصال بالواقع وبأفكار أخرى هامة، وكانت عبارة عن مجتمع من الباحثين الذين ينتجون أعمالاً متماثلة، وكانوا يأخذون بعين الاعتبار إسهامات بعضهم لبعض، كانت الأنثروبولوجيا فعلاً مجتمعاً علمياً، كانت كل الأمور العائدة إلى الأنثروبولوجيا واقعة في تلك الأيام في زمام سيطرة مريدي وتلامذة مالينوفسكي، وكان هذا الأخير يعد نبي زمانه، وعلى الرغم من أن بعض الأنثروبولوجيون كانوا أعداء مع بعضهم البعض، ولكنهم مع ذلك كانوا يشكلون مجتمعاً فكرياً على معرفة بأعمال بعضهم البعض العلمية، وبالنسبة لي فقد وجدت في ذلك الشيء قدراً من المتعة والإثارة.

وعلى الرغم من أن مالينوفسكي قد صاغ نهجه التزامني في شيء من الجفاف والتجريد إلا أنه لا يمكن مقاومة إغرائه خصوصاً في حالة استخدامه لغرض العمل الحلقي الجيد، وكان هذا المنهج يعد بمثابة الأمر المناسب جداً لشروط عمل من هذا النوع، وبالنسبة لي فقد وجدت في ذلك شيئاً مميزاً وكنت ممتناً لهم على تحملي كشخص آت من خارج الاختصاص، وقد استمتعت بدراستي.

لقد كنت أداوم على سبيل المثال على حضور الندوات التي كان يعقدها علماء الأنثروبولوجيا مثل: ريموندفيرث وإسحاق شابيرا، وتعلمت أشياء كثيرة من كليهما، فأنا مدين بالفضل الكبير إلى ريموندفيرث بول ستيرليننغ بجهودهم في الإشراف بشكل ثنائي علي أطروحتي العملية. أن التناقض والمفارقة في إنتقالي إلى دراسة الأنثروبولوجيا تمكن في أن هروبي من فلسفة اللغة، والآن وفي مراحل متأخرة من حياتي أجد أن الشيء الذي هربت منه (فلسفة اللغة) هو الشيء الذي يعد الآن، وإلى درجة معينة الأمر المهم على الأنثروبولوجيها، أي ما أسميه بطاعون التأويلية، هذا الاتجاه “التأويلية” الذي استلهم أفكار ونظريات وتجنشتاين والذي يعد خصوصاً في الآونة الأخيرة الاتجاه المتنفذ في الأنثروبولوجيا، وهذا الاتجاه أصبح الآن مضللاً في الأنثروبولوجيا مثلما كان كذلك في الفلسفة، إن المفارقة هنا تكمن في ملاحقة فلسفة اللغة لي.

ديفيز: كيف توصلت إلى منطقة جبال الأطلس وزوايا إحانسال؟

غيلنر: توجد في حياتي حالة واحدة أو حالتان استطعت التنبؤ بصحة الأمور فيها، الأولى كانت متمثلة في دخول الستالينية إلى أوروبا الشرقية الواقعة حينها تحت الهيمنة السوفيتية، أما المسألة الثانية التي كنت أرى حدوثها وربما بوضوح كبير حتى أكثر من بعض أبناء بلدي تتمثل في طبيعة رؤيتي للحل الذي طرح للإشكالية الوطنية اليهودية عن طريق تأسيس دولة إسرائيل، كنت أرى بأن هذا الحل سيقود إلى مواجهات درامية ومأساوية، وربما مواجهات غير قابلة للذوبان مع العالم الإسلامي، وكنت أرى بأن أقل شيء يستطيع أحدنا أن يعمله حينها هو السعي لفهم هذا العالم، أي العالم الإسلامي.

وهناك أيضاً عامل آخر أود إضافته، وهو أنني بدأت أهتم في سنوات ما بعد الحرب بتسلق الجبال، ونتيجة لهذه الاهتمامات الجديدة ذهبت أولاً إلى جبال الأطلس بشكل جزئي للكشف الأثنوغرافي، ولكن أيضاً بهدف تسلق الجبال، وعلى الرغم من أنني لم أكن متسلقاً جيداً إلا أنني كنت مستمتعاً بتلك الهواية إلى حد كبير، وفي صيف عام 1954م كان لدي خيار بين المشاركة في بعثة استكشافية لما وراء البحار كانت متجهة إلى جبال الهملايا وكانت مكونة من فريق من المتسلقين من كلية لندن الاقتصادية، أو الذهاب إلى جبال الأطلس، أن الشيء الذي رجح خياري في القرار الأخير هو اهتمامي الخاص وعلى المدى البعيد بالعالم الإسلامي، ورغبتي في الوجود فيه في نفس الوقت.

ديفيز: هل قمت بزيارات عديدة إلى زوايا إحانسال؟

غيلنر: على أقل تقدير قمت بزيارتها سبع مرات، فكنت أذهب إلى هناك في كل الفصول، وكانت أطول زيارة عملية قمت بها امتدت إلى حوالي ستة شهور، خاصة عندما كنت أحصل على إجازة من الفصل الدراسي الذي يقع بين عطلة عيد الفصح ونهاية الفصح ونهاية فصل الصيف، ومضافاً إليها طبعاً العطلات التي تقع بين الفصول الدراسية.

ديفيز: لقد خصصت القسم الأخير من كتابك (أولياء جبال الأطلس)، وأسميته بـ«المناهج» وقد ضمنت هذا القسم قائمة بالأماكن التي قمت بزيارتها والفترة الزمنية التي قضيتها فيها، هل من تفسير لذلك؟

غيلنر: كانت هذه الخطوة فقط بقصد إعطاء القارئ نوعية معينة من المعلومات تستند عليها ادعاءات ونتائج الكتاب، وهناك مسألة جديرة بالذكر حول الإحانساليين، فهم بدنة (فخذ) من قبيلة تضطر بحكم طبيعتها إلى الانتشار، وذلك بسبب وقوعها بين الانشطارات الواقعية بين عامة القبائل، وكان علي في هذا القسم من الكتاب أن أذكر إلى أي مدى كانت المعلومات الواردة في الكتاب مبينة على الملاحظة المباشرة، وما مدى عمقها، وغيرها من الأمور اللازمة.

معظم الوقت الذي قضيته في زوايا إحانسال ذاتها، وقد قمت بزيارات متكررة إلى مستوطنات أخرى تابعة لزوايا إحانسال تقع على بعد مسافة من المشي المريح، كما أن معرفتي بزوايا إحانسال لم تكن مبنية على الزيارات القليلة التي قمت بها لبقية المستوطنات، وأعتقد أنني قمت بزيارة معظم زوايا إحانسال، حتماً لم أزرها جميعاً؛ لأن ذلك لو تم فإنه المؤكد سيؤدي بي إلى اكتشاف متواصل لزوايا صغيرة كلما تقدمت أكثر.

ديفيز: ما الشيء الذي قمت به عندما كنت أقمت في زوايا إحانسال؟

غيلنر: حسناً، قمت بعمل الأمور المتبعة في العمل الحقلي, ومن بينها مثلاً: الجرد السكاني، فوضعت كل فرج منهم في كشوفاتي, ثم أعددت خارطة تفصيلية كاملة بالعلاقات القرابية لكل فرد من إحانسال، ثم خارطة أخرى أكثر تنظيماً للعلاقات المتداخلة بين الإحانساليين وغيرهم من مراكز الزوايا الإحانسالية، وهكذا.

لقد قمت بعمل كل ما يعد تقليدياً في الدراسات الحقلية، وقد بدأت عملي طبعاً في الوقت المناسب إذا كان الصراع الفرنسي – المغربي الكبير حول الاستقلال في طريقه للاندلاع، ففي زيارتي الأولى وقع انفجار كبير لقنبلة في سوق مراكش تسببت في مقتل عدد من الناس، وكان ذلك بداية للصراع المسلح، وكان لهذا الصراع الذي بدأ بشكل غير مباشر أصداؤه في الجبال، فالصراعات القديمة المتأصلة في تنظيم الأولياء – كالصراعات على الزعامة بين الأسر ذات الأصول الدينية المقدسة والتي لا ستطيع التقدم مباشرة وبشكل مادي في الصراعات نتيجة للدور السلبي المفروض عليها، قد حصلت على نوع من التبرير الجديد فبعض الأسر اتجهت طبعاً نحو تبني الوطنية، وأخرى وقفت إلى جانب فرنسا.

ديفيز: هل كنت ترى نفسك باعتبارك أنثروبولوجياً أم فيلسوفاً؟

غيلنر: الأمران معاً، بالنسبة لي كنت دائم الاعتقاد بأن الفرق بين العالم الفلاحي الديني والعالم الصناعي العلمي هو أمر يعد مركزياً ومطلقاً لفهم العالم، ولهذا فأنا أعتقد بأن معالجة هذه المشكلة تتم فقط عن طريق علوم اجتماعية نقدية, وتبدر إلى ذهني الأنثروبولوجيا والفلسفة كنموذج. ولكن الذي حدث فعلياً أنني بقيت في قسم علم الاجتماع نحو ثلاثين عاماً. وحصلت على كرسي خاص للأستاذية كان يسمى كرسي الفلسفة.

فعندما أفاق غينزبيرغ إلى حقيقة أنني لا أبادله نظرته إلى التطورية الهوبهاوسية (نسبة إلى هوبهاوس) باعتبارها الحقيقة المطلقة، قام بمعارضه ترقيتي، فقد كتب رسالة إلى اللجنة المعنية التي كانت تنظر في كرسي الأستاذية الخاص, وقال في رسالته تلك بأنه على الرغم من أن هذا الرجل (أي غيلنر) ربما قد يكون أو لا يكون جيداً، ولكن الشيء الأكيد أنه لا يصلح بأن يكون أستاذاً لعلم الاجتماع في هذا القسم، وذلك لكون السوسولوجيا حسب رأيه يجب أن تكون محصورة بشكل قاطع بين أصحاب الاتجاه الهوبهاوسي، وربما لم يضع غيزبيرغ تلك الكلمات وبتلك الصيغ المحددة والمشار إليها، ولكن هذا ما كانت تهدف إليه، أما اللجنة فقد رأت بأنها من الممكن أن تأخذ باعتراضاته في حالة تسميته كرسي الأستاذية هذه بكرسي الفلسفة مع الإشارة الخاصة لعلم الاجتماع، وهكذا حملت هذا اللقب، المتعب نوعاً ما، وذلك ككياسة من الناحية الفعلية من اللجنة ذاتها.

ديفيز: ثم انتقلت بعد ثلاثين سنة إلى فلسفة العلوم، ثم بعدها بخمس سنوات إلى كيمبردج؟.

غيلنر: نعم.

ديفيز: لماذا؟

غيلنر: حسناً، توجد هناك دائماً دوافع مركبة، ولكن الأول والأسهل هو طبعاً الزهو… أي بريق كمبردج. ففكرة العيش في مدينة صغيرة حيث كل شيء يقع على بعد مسافات قصيرة كانت دائماً عامل مهم بالنسبة لي، ولذلك كانت كيمبردج مكانا مناسبا لسني المتقدمة، هذا بالإضافة إلى أنني فعلياً أفضل كثيراً تدريس الأنثروبولوجيا على تدريس الفلسفة، فعلى الرغم من أنني أحب العلم في الفلسفة، إلا أنني لدي شكوك حولها كموضوع تدريس، وذلك بسبب تأصل عدم ميلها؛ لأن تكون احترافاً مهنياً، ففي الفلسفة تعتبر الأفكار المهمة كل شيء، أما الجوانب الفنية فهي تعد بشكل عام ليست ذات أهمية أو صلة أو حتى أنها أمور غير أصيلة، التحول المهني يعني في هذه الحالة ادعاء العكس تماماً، وذلك في حد ذاته يشعرني بالحرج.

كان تدريس الفلسفة يجلب لي أحياناً المتعة الخاصة، هذا إذا كان الطلب لديه شيء ما ومهم يريد قوله، ولكنني أرى أيضاً بأهمية عدم تحويل الفلسفة إلى احتراف مهني، أما الأنثروبولوجيا فتبدو بشكل مختلف إلى حد ما، وذلك من حيث أن أي فرد لديه إمكانية، وحتى وإن لم تكن هذه الإمكانية ذات مستوى متميز، ولكن أن تكون لديه الإرادة الصادقة والضمير الفكري حتى يستطيع عمل شيء مفيد، فهناك العديد من الطلبة الممتازين، ولكن تدريس الآخرين أيضاً يعني شيئاً آخر، ولذلك فإنك تستطيع تدريس الطلبة بشيء من الرضى العاطفي.

التعامل مع الفلسفة في جامعتي كيمبردج وإكسفورد  يتم بطريقة مختلفة إلى حد ما، فجامعة كيمبردج لديها كلية صغيرة نوعاً ما خاصة بالفلسفة، أما جامعة إكسفورد فإنها كانت تدمج الفلسفة في شهادة جامعية شاملة، فهي كانت في الأيام القديمة جزء من شهادة (Greats). أو كانت تسمى في السنوات التالية بـ(PPE – أي بكالوريوس الفلسفة والسياسة والاقتصاد) فهذا النوع من التخصصات كان يقدم عليها أولئك الذي يريدون دراسة أمور تتسم بالقدم، وذلك لافتراضهم بأن دراسة تلك الأمور ستجلب التطور لعقولهم هذا الافتراض المشكوك في أمره، ولكوني لا أوافق على أي من تلك الحلول ففضلت تدريس الأنثروبولوجيا، كانت الأوليات بالنسبة لي تتجسد في الحاجة إلى مدينة صغيرة بالإضافة إلى أولوية تدريس الأنثروبولوجيا على الفلسفة، وكذلك الافتتان ومن ثم السير قدماً.

ديفز: وصولك إلى جامعة كيمبردج كان بالنسبة إلى بعض الغرباء كم لو أنك عدت إلى بيتك أخيراً وبعد ثلاثين عاماً، هل كان لديك نفس الشعور؟

غيلنر: كلا، كلا، فأنا مع الأسف الشديد لم أشعر أبداً على أنني اندمجت كاملاً في قسم الأنثروبولوجيا في كيمبرج، والسبب يعود في ذلك إلى ما أسهمت به الجامعة وعلى نحو بغيض من خلال وجود نظامها الإداري الذي كان يتطلب منا المساهمة فيه أو تحمل جزء من أعبائه. أما بالنسبة لي فقد كنت أفضل ترك مسؤولية الشؤون الإدارية لإداريين محترفين يرغبون في تأدية هذا النوع من الأعمال، وبالتالي ترك الأساتذة ليقوموا بأعمال التدريس والفكر والكتابة، كان هذا يبدو بالنسبة لي نظاماً أفضل، ولهذا جعلني استغراقي الزائد في الشؤون الإدارية أقل سعادة في كيمبردج، كنت أفضل طبعاً فيما لو كنت منخرطاً بشكل كامل في وسط قبيلتي (أي وسط قسم الأنثروبولوجيا الذي كنت أنتمي إليه)، ولكنني أنا سعيد لاحتمال الآخرين لي، على الأقل هذا تبدو الأمور.

ديفيز: لقد تركت براغ في عام 1945م وكنت في إجازة لم يتم تحديد مدتها، وفي السبعينيات أخذت بنشر مقالات موضحاً من خلالها ما يدور في وسط الأنثروبولوجيا الماركسية السوفياتية. في تلك المقالات بدوت كما لو أنك تلعب دور الوسيط الذي يحاول أن يوضح ما يدور في ذلك الوسط، وعن كيفية مواجهة العاملين في ذلك الوسط لنوع خاص من المشكلات الفكرية التي فرضها المجتمع والتقاليد العلمية، هل كانت لديك خطة حينها للقيام بعمل حقلي، أم أنها كانت مرحلة وساطة وصلت إلى نهايتها عندما بدأت تشرع في العمل الحقلي؟

غيلنر: لقد قضيت عاماً واحداً في موسكو وذلك بهدف إذابة نفسي في العالم الواقعي بشكل كاف، كان من بين إحدى دوافعي دافع بسيط جداً: فالأنثروبولوجيون بمعظمهم يميلون إلى العمل في أكثر من مجتمع، ولكوني قمت بأعمال حقلية في العالم الإسلامي لذلك كانت لدي الرغبة في العمل في الجانب الآخر، أي الماركسي، هذا بالإضافة إلى أن العالم كان يتطور حينها بذلك الشكل، كان من الصعب على شخص لديه خلفياتي بأن يذهب للقيام بعمل حقلي في العالم الإسلامي، أما الأمور في أوروبا الشرقية فكانت تتطور بشكل معاكس، لقد كانت الأمور كما كنت أتصورها تلك اللحظات أيسر بالنسبة لي، وهكذا انتقلت إلى العمل الحقلي والاهتمام مرة أخرى بأوروبا، كنت فعلاً أريد دراسة عالم آخر إضافي.

كان الإسلام، مبدئياً وبسبب بعض الافتراضات الأوروبية الخاصة قد أغراني بغموضه، ثم انتقلت إلى العالم الهندوسي البوذي، فقد أجريت عدداً من الأعمال عبر مجموعة من الزيارات إلى النيبال ومن ثم قمت بنشر عدد من المقالات عنها، ولكن لأسباب أسرية وأوديبية (أي نسبة إلى عقدة أوديب) أوقفت إكمال اهتماماتي تلك، فقد كان إبني متخصصاً في الدراسات الهندية النيبالية ووجدت أن استمرار اهتماماتي السطحية بهذه المنطقة ستطيح برقبته وستشكل له إحراجاً، والحقيقة أيضاً هو أن العالم الماركسي يمتلك أهمية ومصالح ضخمة, أما من جهتي فكانت لدي العدة لعمل دراسات عنه، وهذا فعلاً ما أقوم به حالياً, وذلك على الرغم من أنها عملية تمتاز بالدفع والرد، أما العالم الإسلامي، فحسب اعتقادي، وربما في هذا الكلام شيء من الوقاحة الشديدة، أصبحت أفهمه كما أصبح من الصعب القيام بأعمال بحثية فيه، أما الاتحاد السوفيتي فقد كان جذاباً كما أصبح من الممكن نسبياً إعداد أبحاث عنه.

اهتمامي الحالي منصرف إلى دراسة السيرة الخاصة بالفكر السوفيتي، هذه السيرة التي أرى أنها لم تصل إلى نهايتها بعد، وهذا يشكل المجال الرئيسي لاهتماماتي الأكاديمية والفكرية حالياً، ويبدو أن هذه الاهتمامات ستستمر على هذا النحو، لقد حصلت في العالم الإسلامي على فرصة لإقامة نوع من الاتصال على المستوى الشعبي، أما معرفتي بالعالم الحضري فيه فكانت غير مباشرة، أي أن مصادرها كانت من مواد ثانوية الطابع، أن العلاقة بين العالم الشعبي وعالم العلماء، الذين يحملون الإسلام الرفيع، تعتبر مسألة مركزية في فهم الإسلام، وهي من المؤكد تعتبر وبدون شك المسألة المركزية لكل ما كتبته عن الإسلام، ولكن كانت معظم معارفي عن عالم العلماء في العالم الإسلامي مؤسسة على مصادر من المستوى الثانوي، والإنسان لا يمتلك الوقت للقيام بكل شيء، كنت أتمنى لو كان لدى الوقت، ولكن ما العمل، وربما يعود ذلك، إلى عامل الوقت وإلى أسباب أخرى حالت دون متابعتي لهذا الشأن.

في الوقت الحالي انتقلت باهتماماتي إلى العالم الماركسي لعدد من الأسباب: بدأت دراسة الماركسيين السوفييت؛ لأنهم ببساطة كانوا نسبياً أكثر يسراً للاتصال والدراسة، فالمواد موجودة على مكتبك وبهذه النوعية من العمل تستطيع أن تنجز شيئاً سريعاً جداً، ولكن بالنسبة لي لم أكن أريد بأي شكل من الأشكال إلزام نفسي بهذا النوع من العمل.

ديفز: ما الشيء الذي استطعت القيام به أثناء عملك الحقلي في موسكو في العامين (1989 – 1990) اللذين قضيتهما هناك؟ لقد تم إلحاقك–حسب معرفتي- بالأكاديمية السوفيتية للعلوم، كما أنك عشت في الضواحي، وزرت وتحدثت أيضاً مع علماء الأكاديمية، هل قمت مثلاً بأي عمل أثنوغرافي على المستوى الشعبي؟

غيلنر: عندما ذهبت إلى موسكو كان هدفي هو ذلك الأمر (أي القيام بعمل أثنوغرافي على المستوى الشعبي)، لقد كنت أفكر في مجتمع معزول نسبياً كأن يكون عمارة سكنية أو قرية قريبة من موسكو أو أي شيء آخر مشابه أستطيع من خلاله القيام بعمل الحقل، ولكن في تلك السنة عندما وصلت إلى موسكو كانت الأمور قد اتسمت بتأرجحها بين بدايات متواضعة نسبياً من البروسترويكا إلى مجتمع آخر منفتح فكرياً بشكل كامل، فعلى المستوى الاقتصادي لم تحقق البروسترويكا أي شيء، أما على المستوى المعنوي والفكري بالبروسترويكا أنجزت كل شيء، كان بإمكانك أن تقول في موسكو حينها وبشكل صريح ليس فقط بأن ستالين كان ابن حرام، ولكن بإمكانك أن تقول أيضاً بأن لينين كان مخطئاً، وإن الماركسية أيضاً كانت مخطئة، وكان بإمكانك قول كل ذلك دون خوف من فقد وظيفتك، لقد كان ذلك العام عام التحول الكبير.

ديفز: هل البوذية النيبالية نظام مغلق أيضاً؟

غيلنر: البوذية النيبالية ترعبني بطريقة مختلفة، أن ردة فعلي عندما أكون في معبد بوذي نيبالي أو هندوسي تكون أساساً شيبة بمشاعر مبشر متزمت وغير ملتزم، والمشكلة طبعاً أنني لا أستطيع إظهار مشاعري هذه للعلن؛ لأنني لا أريد أن يُلقى بي خارج المهنة، فعلى الرغم من أنني غير ملتزم دينياً ولم أكن كذلك في يوم من الأيام، إلا أنني كنت قادراً على الاستيعاب الداخلي لمعاني جناح التطهر في وحدانية تعاليم إبراهيم (سيدنا إبراهيم عليه السلام)، وإذا كان يقال عن تعليمي الأولي أي شيء فإنه كان ينتمي إلى هاسايت (أي أنه شيء من التعاليم الدينية اليهودية) وكنت قد تلقيتها من خلال دروس التاريخ في المدرسة، فمن حيث الأساس أنا فزع لما يريده أو ينتهي إليه عبدة الأصنام هؤلاء، فأنا مثلاً أشعر بنفور من كنيسة (Holy sepulcher) في القدس، وأن الديانة التعددية والمزخرفة تحدث لي صدمة إلى حد ما.

ما أقصده هنا هو أنني أؤمن بنفس ما يؤمن به الموحدون، فعلى حد قول وايتهد: (في كل الحالات هناك إله واحد)، كما أنني أتمنى أن أكون قد أعطيت ويتجنشتاين حقه في التفسير أكثر مما قام به أتباعه، لقد كنت مستغرباً لتلك الأمور التي كان ينادي بها، ولذلك سعيت إلى بناء نموذج يفكر بنفس الطريقة ويعمل بنفس الميكانيزمات التي تعمل فعلياً في عقل وتجنشتاين، ولكن الآن أصبحت أرى بوضوح أكثر بأن جذور ويتجانشتاين إنما تمكن في وضع هابسبرغ، وهذا الجزء الأخير بالذات (من تفكيري) إنما يعود لتأثير قرائي عن مالينوفسكي الشاب، وهي ناتجة أيضاً عن تفكيري حول الوضع الفكري في العقد الأخير من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين في خاركو وفيينا.

ديفز: تعني أن جذور مالينوفسكي وبوبر وتجنشتاين كانت في فيينا؟

غيلنر: نعم وبكل تأكيد، فكانت في فيينا وهابسبرغ أسس للثنائية بين نظريتين في المعرفة، ونظريتين للعالم ونظريتين لكل شيء. إحدى هذه النظريات كانت تتسم بكونها تنتمي إلى عالم فردي وقومي الطابع، حيث كان بعد من الفلاسفة أمثال هايك وبوبر وفان فيزس يعبرون عن نظرة برجوازية فردية لسوسيولوجيا المعرفة. فوفق هذه النظرية حيث يصنع بموجبها كل فرد مصيره وفكرته عن العالم, ولا يعير أهمية لأبناء عمومته، كانت تلك النظرية في المعرفة مبنية على الديكارتية، أي أن كل فرد مسؤول عن نفسه وليس ملتزماً بالآخرين, أي حسب هذا المعنى لا تدخل في علاقات تبادل مع رأسمال مقترض وإنما تتعامل مع رأسمالك الخاص.

وفي مقابل هذه النظرية نظرية أخرى عائدة إلى نظرة الفيلسوف هيرد الخاصة بالجماعية المشتركة أو الروح الهيجيلية، وكان سرعان ما جرى تبني هذه النظرية من قبل اللأقليات الأثنية، وذلك على اعتبار أن المعرفة هي لعبة جماعة وليست بلعبة فرد. فهي شيء عضوي، فالفرد لا يمكن أن يكون فرداً أبداً وإنما هو عضو في المجتمع. والأعضاء هنا جميعهم مندمحين والانفصال أمراً رهيب للوظائف، وبالتالي فإن تعزيز وحدادية الفرد كلها أمور خاطئة. وكان لكل من هاتين الرئيتين الفلسفيتين تعبيراتهم السياسية، فالناس الذين كانوا في الوسط كانوا يميلون إلى الفردية والكونية، أما القوميين المحليين فكانوا يفضلون نوعاً من القومية والاشتراكية. وكان هذا هو التعارض الكبير في ذلك الوقت.

والآن، فإن السر الحقيقي لويتجانشتاين هو أن فكره -أي ضمن إطار تطوره- يوجد هذين الاحتمالين، وهذا طبعاً أمر خاطئ، ولكنك إذا ما افترضت ذلك فإن كل شيء حينذاك سيتبعها، وكان ويتجنشتاين قد توصل في شبابه إلى تصور عن الفرد العالمي، وذلك من خلال عمله المعروف بـ”Tractatus”، وكان وتجنشتاين قد افترض من خلاله أن الثقافة هي عبارة نوع من الضجة، أي: أنها الشيء الذي يقومون به واللباس الذي يلبسونه. وكان الأمر المهم بالنسبة له في عمله المذكور هو الشكل الإنساني العالمي المشترك، وكان الشيء الوحيد الذي جديداً في تصوره هذا هو استخدامه للغة المنطق الرياضي، هذا المنطق الذي قام هو بنفسه ببعض المساهمات فيه، وكان وتجنشتاين حينها لا يزال فردياً كونياً وخصوصاً عندما تعاطى في آخر كتابه هذا مع الحالة الإنسانية، فهو قد توصل إلى باطنية، ولكنه افترض أن الجوهر الأخلاقي والباطني للعالم هو في أساس فردي وكوني، وإن هذا الشيء ينطبق أيضاً على البشر.

في مراحل متقدمة من حياته رأى ويتجشتاين ولأسباب غير معروفة بأن هذه الأفكار غير قابلة للعمل. وهي بالفعل كانت نظرية غير صحيحة, وإذا كانت هذه الأفكار غير صالحة للعمل فإن هذا يعني وجود احتمالين، وإن أحدهما يجب أن يكون صحيحاً، وفي الكشف عن الاحتمال الآخر قام ويتجنشتاين بعمل شيء لم يستطيع الرومانسيون السابقون عمله، أي ما كان هيردر وأتباعه ينادون به، إلا هو أن قيمة الثقافة المحلية إنما تقع في غرابتها وعدم مألوفيتها، أي أن تفردها هو الذي يجعلها جذابة، وبالتالي تفسح الطريق لنمط من حياة أفضل بكثير: “أي عد إلى جذورك بدل من تعمل نموذج كلاسيكي عالمي لفرسايل وباريس”، إن جماعة هيردر لم يذهبوا في قولهم إلى ذلك الحد، أي في القول أن ذلك ينطبق على الرياضيات والفيزياء وغيرها، فهم لم يدرسوا هذه المشكلة. أما ويتجشتاين فقد قام بتطبيقها بشكل متطرف، فاعتبر كل شيء بما فيها الرياضيات والفيزياء وكل الطباع المفهوماتية على أنه ممكن إثباتها عن طريق عرف المجتمع.

لقد أخذ ويتجنشتاين فكرة رومانسية القرية الكرباثنية وقام باستخدامه في إعداد الفلسفة الجديدة للإثبات المعرفي، وحسب هذا الاستنتاج فإن كل عاداتنا، سواء تلك الخاصة بعمل الحساب التفاضلي أو تلك المتعلقة بتتويج الملك، من الممكن التأكد من صحتها عن طريق عرف المجتمع وحده، وبهذه الطريقة توصل ويتجنشتاين إلى هذه النظرية، أي بشكل ضمني ولا شعوري وباستخدام إشكالية هابسبرغ، أي بالكشف أولاً عن كيفية عمل الشوكة الأولى، ثم الانتقال إلى الشوكة الثانية، وكان ويتجنشتاين –طبعاً-على غير وعي بالجذور الاجتماعية والسياسية لنظريته الغريبة في المعرفة، أما بالنسبة لمالينوفسكي فهو شيء مغاير وذلك؛ لأنه لم ينتقل من شوكة إلى أخرى، فهو قد ابتكر خلطة مستمدة من الاثنين، فمالينوفسكي أخذ التجريبية الحسية من دعاة الكونية واستخدمها بفعالية للقضاء على مفهوم التاريخ التطوري والتخميني، وأخذ من الرومانسيين رؤيتهم للثقافة كوحدة متكاملة حيث كل شيء مرتبط ببعضه البعض، ثم أطلق على كل ذلك ما أسماه بالوظيفية.

ديفيز: في مقالتك “المفاهيم والمجتمع” قمت بعرض عدد من الموضوعات، والتي كان من بينها مذهب ويتجنشتاين القائل بان تحديد كل المفاهيم أمراً لا يمكن اعتباره ممكناً وحقيقياً بالنسبة لكل المفاهيم.

فهناك أشياء من الممكن تحديدها، وبالتالي تعليم الناس كيف يمكن استخدامها بطريقة متوقعة ومنتظمة. وكان الشيء الآخر في مقالتك هو التصور الذي يرى بأن بعض مفاهيم إنما هي مرتبطة بشكل واضح بالمجتمع (Community) الخاص بها. أعتقد أنك قلت (في مقالتك تلك) بأن الفرد -من حيث الأساس-إما أنه يمتلك هذه المفاهيم أو العكس، أي أن الفرد في الغالب: إما أنه ينتمي إلى مجمع ما أو جماعة ما أو لا ينتمي، وفي الواقع أن جزءا كبيرا من عمل الخاص بزوايا إحانسال هو في الحقيقة استكشاف للأشكال التي يقوم المجتمع فيها، بابتكار تلك المفاهيم المرتبطة به. هل تعتقد بأن هذا الرأي كان منصفاً؟

غيلنر: أعتقد بأن هذا الرأي ربما يكون منصفاً، وإن كنت لم أفكر في الأمور بذلك الشكل الواعي وبتلك الطريقة التي ذكرتها، فالذي كان يشغلني فعلياً عندما كنت في زوايا إحانسال، هو كيف أن هذا المجتمع الذي كان من المفترض أن يعد مجتمعاً دينياً، يكون انتماء الأعضاء إليه بحكم الولادة وبشكل مطلق أيضاً. وقد تكون في وضع قريب من رفض احتمال انتماء أعضائه إليه بحكم الولادة بشكل مطلق، هذا رغم وجود بعض الأفراد الذين كانوا يشكلون استثناء، وربما يعد هذا الشيء أمراًَ معاكساً لرغبات الفرد أو حتى لطبيعته، وسبب ذلك ربما يعود مثلاً إلى الانتماء إلى ثقافة تفترض بأن امتهان العمل الديني أمراً يعبر عن تحول ذاتي، أي أن لا يمكن أن تولد مع هذا الامتهان. طبعاً كنت مأسوراً بهذه الفكرة إلى هذه الدرجة، حتى أنني أحسست وفي نهاية دراستي طبعاً بأنني قد تمكنت منها بشكل تام.

لدي الوهم -وإلى اليوم- بأنه بناء على فهمي لزوايا الأحانساليين استطعت فهم المناطق التي تعتبر جافة في الإسلام. وقد يكون في هذا الفهم الذي توصلت إليه شيء من الغطرسة، ولكنني عندما أقرأ لإثنوغرافيات عن أجزاء أخرى من العالم الإسلامي أشعر بألفة مطلقة مع هذه الرزمة من أوراق اللعب. وقد تكون الأوراق خلطت بطريقة مختلفة نوعاً ما، ولكن الشيء الأكيد أنني أعرف هذه الأوراق. إن الشيء الذي كان يشدني عندما كنت في زوايا إحانسال هو العلاقة القائمة بين النظم الدينية والسياسية. فأنا لم أكن واعياً لعمل ما ذكرته أنت قبل قليل. هذا على الرغم من عدم جراءتي على القول بأن هذا هو ما كنت أقوم به بالفعل.

ولكنني أريد أن أقول بأن التأثيرات الرئيسة على فكري كانت آتية حينها من بوبر في الجهة الأولى، وفي الجهة الأخرى كان مصدرها التقليد الخاص بمالينوفسكي الذي نقله ريموند فيرث وإسحاق شيبرا. وعلى الرغم من عدم اتفاقي مع كل التفاصيل الخاصة بهما، إلا أنني وجدت تلك الأفكار مثيرة بشكل هائل. إن الأمور التي لم أدركها حينها والتي هي الآن جلية جداً بالنسبة لي هي المناطق التي تتداخل فيها هذه التقاليد الفكرية، وهذا التداخل ليس صدفةً كمـا كنت أعتقد، وإنما يعود في الأساس لاشتراكهما في الجذور العائدة أصلاً إلي هابسبرغ.

ونتيجة لتأثير أعمال بالشيء وفليس، وماخ، وكابيكا، وجيرشينا، وسترنيسكي، وسزاكي، وآخرين على مالينوفسكي أصبحت أدرك الآن أن خاركو كانت تعتبر من الزاوية الفكرية إحدى الضواحي فينا. فالتأثير أرنست ماخ ووضعية مدرسة فينا كان هائلاً جداً على هذين الرجلين (أي ريموند وإسحاق شيبرا). فهناك جذور مترابطة جداً بين مواقف الفيلسوف بوبر المضادة للتاريخانية وبين الاتجاه التزامني لدى مالينوفسكي. والظريف بما فيه الكفاية بأن كلا الرجلين (فيرث وشيبرا) إنما كانا يستجيبان من خلال أعمالهما لمشكلة كانت تقع في مجال الفلسفة والعلوم الاجتماعية من جهة، وللوضع السياسي للسنوات الأخيرة لإمبراطورية هابسبرغ من جهة أخرى.

كان مالينوفسكي طبعاً قد توفي بشكل مبكر جداً، أي قبل أن يتمكن من الاستجابة لأفكار بوبر، والمشكلة أيضاً أن بوبر ذاته لم يكن بيدي أي اهتمام بالأنثروبولوجيين، فلم يكن هناك أي تفاعل مباشر بين الاثنين، ولكن أستطيع الآن أن أرى بأنهما كانا مرتبطين ليساكـ: (Phenotypes) ولكن كـ: (Gentotypes)، فكل منهما لديه نفس الجينات الفكرية في تركيبته.

لقد كنت أحضر حلقات بوبر الدراسية، وكان له تأثير هائل علي، هذا على الرغم من أن تأثيراته كانت مخففة من جهتي بسبب بعض التحفظات الشخصية التي كانت لدي، فكان بوبر يدير حلقاته الدراسية باعتبارها مجتمعاً مغلقاً بشكل مطلق وكان هذا ما ينفرني منه، وكوني لم أكن جزءاً من الأوساط الداخلية لهذه الحلقات فإنني لم أتعرض للرفض أبداً، كما أنني لم أكن أرغب أبداً بأن أكون جزءاً من هذه الحلقات، ونتيجة لذلك كنت (حسبما أرى الآن) دائماً أرى كارل بوبر كان يتصدق فيه علي من بعيد.

كما أنني لم أنخرط في الدائرة التي مر بها أتباعه المقربين، ففي البدء يتم تعميدك ثم تصبح غير نفسك، ثم في حالة أو حالتين تدخل فعلياً ضمت حلقة إعادة التعميد كمثل حالة الأخير: بارلتي، ولكن مع ذلك فأنا معجب فكرياً ببوبر بشكل هائل، فحاجته كمدرس للهيمنة والحصول على تصديق مطلق لأفكاره، وربما أكثر من التصديق المطلق، جلعني أنفر منه بصراحة، وهو يعلم برأيي هذا، وقد ذكرت هذا الرأي في أحد أجزاء البرنامج الإذاعي الذي كان معداً بمناسبة أحد أعياد ميلاده التي أذكرها، ولا أعتقد بأن رأيي هذا كان بمثابة خبر جديد بالنسبة به، فنقدي الشخصي ملطف بإعجابي الفكري له، والعكس صحيح.

ديفز: من بين الأمور التي تبدو لي أنها حقيقية عنك هو أنك مشيد العالم الفكري، ففي موقع معين قمت مثلاً بإعداد دراسة عن موضوع معين أمعنت التفكير فيه وحددت من خلاله رأيك. ومنذ ذلك الوقت وأنت تعرف ما عرفت أي أنك على علم بما علمت به، وهذا بحد ذاته يعد مجالاً مؤسساً من الحقيقة. يرد هنا إلى ذهني وبشكل محدد أطروحة النموذج الانقسامي، هذا على الرغم من وجود قائمة أخرى لك تشتمل على خمس طوبات: النظرية الانقسامية، والتحليل النفسي، وفيتجنشتاين، والقومية، والاشتراكية، والتحول في التنويرية. هل تعتقد بعدالة هذا التوصيف؟

غيلنر: الشيء الحقيقي هو ميلي الشديد إلى النماذج الدقيقة والمرتبة والتي أحاول دراستها، وسأكون غير مستريح إذا لم يكن لدي نموذج الشيء الحقيقي أيضاً هو أنني عادة ما أكون قنوعاً إذا ما وجدت بنية جيدة ومنظمة، وإذا لم توجد هذه البنية فأحس بتأنيب الضمير، والذي أتمنى أن لا يكون صحيحاً، وهذا أمر متروك لك وللآخرين لكي تبدوا حكمكم عليه، وهو أن السبب يكمن في كوني راض عن نفسي وواثق منها، بل أنتظر أن يعود السبب لامتلاكي لبنية ما، فإني بنية أو نظرية ستكون مناسبة، وهذا لا يعني أن البنية صحيحة ولكن فائدة البنية في كونها تجعلك تلاحظ موقف القرينة؛ فهي إما مع البنية أو ضدها، وبدون بنية نحن لا نعرف إلى هاوية نسير، فأنا أرى نفسي كنوع من المحترف الهاملتي، (نسبة إلى هاملت في مسرحية شكسبير) الذي يعيش على الشك، أنا أحب امتلاك النماذج وأحاول تشييدها.

انظر مثلاً إلى التنظيم الانقسامي، فهو يبدو أنه يناسب عدداً كبيراً من المجتمعات وهو قيم بصورة كبيرة، وأنا على علم كامل بحقيقة أنه تعرض إلى نقد متواصل في العقود القريبة الماضية، ولقد أمعنت النظر جيداً في الموضوع، ولكن أرى أن حجتي الرئيسة هي أنه لا توجد إجابة أخرى أفضل للمشكلة من تلك التي ابتكرتها النظرية الانقسامية، أي وبشكل محدد كيف يمكن المحافظة على النظام في مجتمع تختفي فيه الدولة المركزية بشكل كامل، أو أنها ضعيفة إلى حد بعيد لدرجة أنه لا توجد لديها القوة الكافية لفرض النظام؟ خذ على سبيل المثال المنطقة التي كنت أنا مهتماً بها بشكل رئيسي (زوايا جبال الأطلس): فهناك كان يعيش حوالي نصف السكان، وربما كان أكثر أهالي شمال أفريقيا يعتمدون ببساطة على أقاربهم لتصحيح الأوضاع المعوجة، وليس على آلة سلطة الدولة المركزية، والتي هي إما أنها غائبة أو غير عادلة بشكل كامل.

ففي ظروف كهذه كيف يمكن المحافظة على النظام؟ فالنظام هنا محافظ عليه بشكل كاف حتى يتمكن الأهالي من حرث حقولهم وبذرها وحصدها، وكذلك حتى يتمكنوا من القيام بالتجارة البسيطة والسفر لأداء الحج واختيار زوجات لسن بالضرورة من مناطق قريبة، النظرية الانقسامية تؤكد على أن هذه المجتمعات ذات الطابع الانقسامي يوجد ما يمكن تشبيههم بـ”فرق كرة القدم”، هذه الفرق معدة سلفاً حتى يمكن اعتمادها عندما يكون هناك صراع. وهذه الفرق موجودة ضمن عدد من المستويات والأحجام المتباينة، وهي مبينة ومعدة وقابلة للاستنهاض عند مواجهة أي نوع من الصراع.

إن النظرية الانقسامية برأيي هي النظرية الوحيدة الموجودة والقادرة على إعطاء تفسير لهذا النظام، وهي كذلك النظرية المتوافقة مع عدد كبير من الحقائق الأثنوغرافية الخاصة التي قمت بجمعها أو تلك العائدة للآخرين، وإن لم تتواجد في مثل هذه المجتمعات فإنه من الصعب لأحدهم أن يعرف مثلاً من هو الشخص الذي سوف يطلق عليه النار، فلا بد من وجود تحديد للطرفين، أي للضحية الممكنة وللمعتدي الكامن، أما إذا كانت الأمور مفتوحة بشكل كامل للجميع فإن ذلك يعني أنه بمجرد أن يقتل أي فرد فسيذهب الجميع للاختفاء في كل مرة، وذلك بحجة عدم معرفتهم من المستهدف فيهم.

حسناً، هذا ليس هو الواقع، فالواقع أنهم يعرفون من هو الشخص الذي سيكون مستهدفاً، وبسبب كل ذلك ذهبت لإمساك بهذه النظرية، فالنظام في حالة قد أمنت المحافظة عليه برأيي، ولم تترك الأمور للفوضى الكاملة، ونتيجة لكل ذلك بدت الأمور تتضح لي بأن هوبس كان على خطأ، وأن ابن خلدون ودوركايم وإيفانز بريتشارد على صواب، فالفوضى تقود إلى التضامن وليس إلى ما كان يعتقد هوبس.

ديفيز: لقد ذكرت قبل قليل بأنك لم تتعلق بأي خطف أو خيط أو ثقل سنارة أيدولوجية، هل هذا صحيح؟

غيلنر: هذا صحيح. فأنا في حياتي لم أكن أبداً صاحب اعتقاد، بل كنت دائماً أغبط أصحاب العقائد وأمتعض منهم أيضاً، نعم، هذا صحيح فأنا لم أمتلك يوماً ما اللطف العقائدي.

ديفيز: يبدو أن هذا وصف غير مريح، وهو أيضاً مصدر للتوتر، إن هذا الأمر اتضح بشكل جلي في مراجعتك للكتاب يونغ بروهل حول السيرة الذاتية لحنا أرنت؟

غيلنر: نعم، إن كوني لم يكن لدي معتقداً أبداً، وعد امتلاكي لعضوية في جماعة معينة هو بحد ذاته من الحقائق الأساسية في حياتي، هكذا كانت الأمور، وربما يفسر عدم امتلاكي لمعتقد على أنه شيء من الادعاء المتسم بالغرور، ولكنني أعتقد بأنني أتفهم جيداً ماذا يريد كل من ديكارت وهيوم وكانت قوله، أي بالتحديد أهمية النضال من أجل وضع أسس لقواعد المعرفة، فالذي سعى إلى تثبته هؤلاء الفلاسفة أفهمه جيداً، فإنني وإن لم أكن عضواً في جماعة ما، وبسبب وجودي على الهامش الرقمي فقد أتاح لي هذا الوضع المجال لفهم ما يريده رومانسيو القرن التاسع عشر، أي ذلك الحين إلى المجتمع الذي كانوا يهدفون إليه.

هذا ما توفره الهامشية الجماعية للفرد، وعدم الاحتفاظ بمعتقد يوفر للإنسان فهماً لما يعنيه الزخم الذي يحيط بالفكر، نعم، هذه حقيقة، أما إذا كان كل ما أملكه يعد من ناحية أخرى مساوياً للدين، فهذا موضوع آخر، فأنا لم أكن أبداً يوماً داخل الدين، ليس فقط لكوني لم أكن في الداخل، ولكن لكوني أيضاً لم يكن لدي أبداً أي حنين لذلك، وقد أكون غير معبر لهذا الجانب، وأتذكر أنه في إحدى الحلقات الدراسية حيث كان يدور النقاش حول الصومال والقداسة، فقام أحد الحاضرين ليقول: “الشيء المهم هو أنه يبدو بأن هناك باطنية أكثر في الإسلام الصومالي منه في الإسلام البربري”، ثم قام بول ستيرلينغ ليقول: “إن هذا ليس له علاقة بكون الفرد صومالياً، وإنما ذلك له علاقة بحقيقة أن الإخباري الذي أدلى بالمعلومات عن الصومالية هو أندرز يوجسكي وليس “أرنست غيلنر” وأعتقد بأن هذا يعد حقيقة فأنا أفتقد الإحساس بالانتماء كعضو في جماعة معينة، ولكنني لا أفتقد كوني عضواً في ديانة، فأنا لم أشعر على هذا النحو أبداً.

ديفز: إذاً هل ما زال القسم غائباً؟

غيلنر: في عمري البالغ حتى الآن أربعة وستون لم يستطع أحد جعلي أقوم بالحلف بأي قسم ما، حسناً، فأنا أقسمت في هذه الكلية (أي كلية الملك في جامعة كيمبردج) وقد أكون تسببت في أحداث تغيير في شعائر كلية الملك؛ وذلك لأن التقليد الذي كان متبعاً هو أنك عندما تقوم بتأدية القسم كزميل في الكلية يتوجب عليك الجلوس على ركبتيك أمام عميد الكلية بينما هو يكون ممسكاً بيديك، وكنت قبل الحفل أتحدث لافتاً الانتباه إلى هذه الشعائر بقولي: “لم أكن أعتقد بأنني سأركع أمام فيلسوف لغوي”، وقد وصل هذا الكلام إلى برنارد وليامز لا أتذكر أي كلمات استخدمتها، ولكنه قال بالقليل أو الكثير التالي: “اللعنة علي إذا تركت هذا الرجل (أي غيلنر) يسخر مني”، ثم قال لي: “لقد خسرت، فأنا العميد الآن وأقولها بأنك لن تركع”، وهكذا فقد منعت من الركوع، ومنذ حادثتي تلك ألغي تقليد ركوع الزملاء الجدد الملتحقين بكلية الملك أمام عميدها.

****************

References Cited:

*) أستاذ الأنثروبولوجيا المساعد، جامعة البحرين، والمقابلة تنشر بالاتفاق مع الزميلة “الاجتهاد”.

Gellner, E. 1959. Words and Things: A Critical Account of Linguistic philosophy and a Study in Ideology. London: Colancz.

_______. 1969. Saints of the Atlas. London: Weidenfeld and Nicolson.

_______. 1973. Primitive Communism. A Review Article. Man. Vol. 16, PP. 536 – 542.

_______. 1975. The Soviet and the Savage. Current Anthropology. Vol. 16, PP. 595 – 617.

_______. Editor. 1980. Soviet and Western Anthropology. London: Duckworth.

_______. 1981. Muslim Society. Cambridge: Cambridge University Press.

_______. 1985a. Soviets Against Wittfogel, or , The Anthropological Conditions of Mature Marxism. Anthropologisch – Sociologisch Centrum, Euromed Working Papers 13.

_______. 1985b. “Concepts and Community”. in Relativism and the Social Sciences. Pp. 16 – 86. Cambridge: Cambridge University Press.

_______. 1987a. “from Koenigsberg to Manhttan (or Hannah, Rahel, Martin, and Elfriede, or, The Neighbour’s Cemeinschaft),” in Culture, Identity, and Politics, pp. 75-90. Cambridge: Cambridge University Prss.

Wittgenstein, L. 1921. Tractatus Logico – Philosophicus. London: Routledge and Kegan Paul.

Young, – Breuhl, E. 1982. Hannah Arendt: For Love of the World. New Haven London: Yale University Press.

Tags: , , , , ,

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий