Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > حوار مع الأستاذ الدكتور عبد الحميد بورايو

حوار مع الأستاذ الدكتور عبد الحميد بورايو

توقيع اللقاء د/علي ملاحي تحميل إحدى ترجماته:  الرواية. مناهج وتقنيات تحليل الرواية بيير فاليت.
الأستاذ الدكتور عبد الحميد بورايو. تجربته الإبداعية ورؤيته النقدية السيميائية على وجه الخصوص. إلى جانب انشغالاته الفكرية وقراءاته الخاصة للأدب عموما وللأدب الشعبي خصوصا. اشكالية المصطلح النقدي عنده. ومفاتيح القراءة التي تشغله بوصفه أحد عمالقة الكتابة النقدية الجادة في النقد الجزائري خصوصا والنقد العربي عموما. للناقد الكبير أعمال متعددة نذكر منها:
-القصص الشعبي في منطقة بسكرة.
-منطق السرد/ دراسة في القصة العربية الجزائرية الحديثة.
-الحكايات الخرافية للمغرب العربي/ دراسة تحليلية في معنى المعنى.
-التحليل السيميائي للخطاب السردي.
-البطل الملحمي والبطل الضحية في الأدب الشفوي الجزائري.
من ترجماته:
-مدخل إلى السيميولوجيا (مجموعة من المؤلفين)
-الرواية. مناهج وتقنيات تحليل الرواية بيير فاليت.
-مدخل إلى نظرية التناص لبقية قروص(تحت الطبع).
أستاذ التعليم العالي ومدرس مادتي السيميائيات وتحليل الخطاب بجامعة الجزائر ناهيك عن دوره الريادي في متابعة البحث والتحليل والتوجيه في الأدب الشعبي داخل الجامعة وفي الملتقيات العلمية داخل الجزائر وخارجها. معه يجري هذا اللقاء. وإلى القراء يرجع القول:
س1: طبيعة اللغة في “عيون الجازية” تنحو كثيرا نحو الشاعرية. ماهي مبررات هذه النزعة الإبداعية؟
ج1: يمثّل شكل القصة القصيرة المحدود من حيث الفضاء النصي مجالا لتجريب الكتابة الشاعرية، وقد خضت هذه التجربة للتعبير عن مواقف فكرية وحالات شعورية، كان ذلك في بداية الثمانينيات من القرن الماضي، وكان هذا اللون من الكتابة يلقى صدى واسعا عند كتاب القصة القصيرة في العالم العربي، وأعتقد أن مثل هذه الكتابة مازالت سارية، ولها قيمتها من حيث قدرتها على التكثيف والتعبير عن المواقف الوجودية من الحياة ومن المجتمع.
س2: في تصوركم ما هي الحدود الفاصلة ما بين الواقعي والخيالي في توظيف الأسطورة والتراث الشعبي في الأعمال الإبداعية عموما (انطلاقا من تجربتكم القصصية)؟
ج2: الأسطورة إبداع خيالي نابع من واقع معين ويعبر عن موقف من الحياة ورؤية للكون، وقد استعمل الفلاسفة والمفكرون والأدباء الأسطورة منذ القديم للتعبير عن مواقفهم وآرائهم الفلسفية في مختلف الحقب التاريخية. أصبحت الأسطورة اليوم في معناها الخاص جزءا من التراث الشعبي، الذي يمكن أن يستحضر في الأعمال الإبداعية وأن يوظف للتعبير عن رؤية ما، وستظلّ الأسطورة بمعناها العام تمثل رؤية للكون والحياة والإنسان وشكل فني يتمتع بإمكانيات تعبيرية كبيرة قابلة للتوظيف في الأعمال الفنية. لكل أسطورة منشأها التاريخي وبعدها الواقعي، فهي إنتاج أبدعته المخيلة البشرية، غير أن هذا الإنتاج يسند على رؤية للكون وموقف من الحياة ومن المجتمع، وبالتالي فهو غير منقطع عن الواقع.
استعنت في بعض قصصي بقصص سيرة بني هلال ذات الطبيعة الخيالية والتي تمثل حقبة من حقب تاريخ المجتمع الجزائري، حدث فيها انصهار للجماعات البدوية، التي تعيش حياة الترحال بحكم طبيعتي المعاش والبيئة، في المجتمع الزراعيّ المستقر (البربري)، وقد عبرت هذه القصص عن موقف الجماعات البدوية الهلالية من هذه التحولات، ووجدت في هذا التعبير إمكانيات جمالية تسمح بطرح رؤية حول مسألة الهوية كما تطرح الآن في مجتمعنا الراهن، بحيث استعنت بالأقوال السائرة الصادرة عن بعض الشخصيات الملحمية مثل الجازية الهلالية وذياب الهلالي، وكذلك بعض مواقفهم. قمت بتحويل معاني هذه الأقوال التي أصبحت أمثالا شعبية لتعبر عن السياقات الراهنة.
س3: تبنّى الدكتور بورايو النقد السوسيولوجي مرحلة لابأس بها ثم انتقل إلى منهج مفارق لهذا المنهج وهو الشكلاني بما فيه السيميائية والبنوية. هل هناك مبررات لهذه النقلة النقدية.
ج3: لقد كان وراء عنايتي بالنقد السوسيولوجي في بداية اهتماماتي البحثية قناعاتي الإيديولوجية ذات التوجه اليساري، وكان المحيط الذي تكونا فيه خلال السبعينيات يعرف انتشارا لهذه القناعات لأسباب متعددة يطول شرحها. كتبت بعض الدراسات التي تعالج النص الأدبي من رؤية نابعة من بعض تيارات النقد السوسيولوجي وخاصة منه البنوية التوليدية (لوسيان غولدمان)، التي ترى بأن طبيعة شكل الإنتاج الأدبي خاضع لرؤية العالم المشكلة من طرف فئة اجتماعية لها انتماء طبقي ما، كما كنت شديد الإعجاب بتحليلات جورج لوكاتش للرواية الغربية الواقعية. في مرحلة إنجازي لبحوثي الأكاديمية (الماجستير والدكتوراه)، لفت انتباهي المنهج الشكلاني الروسي، ورائده فلاديمير بروب، وكذلك البنوية الأنثروبولوجية عند ليفي ستروس. كان وراء هذا الاهتمام طبيعة الإنتاج الثقافي الذي وجهت له عنايتي وأصبح يمثل المادة الأساسية لاهتماماتي البحثية، وهو التراث الشعبي العربي عامة والجزائري خاصة. لقد تم إبداع هذا الإنتاج في عصور موغلة في القدم، وظل متداولا يعاد إنتاجه من جديد في كل حقبة تاريخية، ومن الصعوبة بمكان تفسيره بالوسائل المنهجية التي يتيحها المنهج السوسيولوجي الذي أشرت إليه قبل قليل، وذلك بسبب صعوبة الحصول على المعطيات السوسيولوجية المتحكمة في إنتاجه، بسبب علاقته بحقب تاريخية موغلة في القدم لا تتوفر عنها حاليا أي معلومات سوسيولوجية. في مثل هذا الوضع وجدت نفسي في حاجة ماسة إلى العودة إلى الدراسات الميثولوجية والأنثروبولوجية، والشكلانية التي قدمت نتائج هامة في محاولة الاقتراب من الأشكال السردية التراثية، وهي مناهج لا أرى أنها مخالفة تماما للمنهج السوسيولوجي، بل أجد فيها عناية كبيرة بالظروف الاجتماعية التي أنتجت المادة الثقافية، غير أنها ترجئ عادة التفسير الاجتماعي إلى مرحلة تالية للمرحلة الأولى المتعلقة برصد الخصائص الشكلية والطبيعة الفنية للعمل المدروس. ولهذا راعيت في أبحاثي أن أبدأ تحليل النص بالتعرف على بنيته ذات الطبيعة الشكلية ثم أنتقل إلى محاولة معرفة ظروف إنتاجه الاجتماعية والنفسية، وهو ما تسمح به الأنثروبولوجية البنوية وسيميائية الثقافة، إذ يتم التعامل مع الإنتاج الفني باعتباره أنساقا رمزية في حاجة إلى كشف مورفولوجيتها أولا، ثم التعرف على البنية الاجتماعية التي أنتجتها.
يمكن تفسير انتقالي للشكلانية والبنوية ثم السيميائية بتطور معارفي المنهجية، التي استندت إلى تراكم معرفي شهده القرن العشرين، بفعل الاشتغال على قسم هام من الإنتاج الثقافي والفني البشري المتمثل في المأثورات الشعبية والتي ظلت مهمشة ومستبعدة من طرف البحث الأكاديمي لفترة طويلة من الزمن، وهي تمثل جزءا هاما من ثقافة مجتمعنا. إلى جانب ذلك يمثل هاجس علمنة الدراسة الأدبية عاملا أساسيا في اختياراتي المنهجية، إذ دفعتني قناعاتي الأولى نحو سوسيولوجية الأدب التي كانت تستند على الفلسفة المادية ذات الطبيعة الجدلية والتي طبقت بصفة أساسية على النوع الروائي الذي كنت مهتما به في بداية حياتي العلمية، ثم لما اتضحت لي صعوبة تطبيق نفس الآليات المنهجية على فن الحكاية الشعبية احتضنت آليات منهجية نبعت بدورها من فكرة علمنة البحث الأدبي، والاستفادة من الدراسات العلمية المتطورة في مجالات علوم الحياة (نظرية فلاديمير بروب) والاقتصاد والجيولوجيا (ليفي ستراوس) واللسانيات والمنطق الرياضي (غريماص). لا أرى شخصيا أن هناك قطيعة بين المرحلتين في حياتي الشخصية بل أرى تكاملا بين المرحلتين أنضجته التجربة وتحوّلا سببته طبيعة الاهتمامات ومدونات البحث.
س4: عرف القراء بورايو مبدعا جادا في “عيون الجازية” لكنه انخرط بعدها في الأعمال النقدية والأكاديمية بشكل واسع. هل يعني ذلك انسحاب بورايو من مقام الإبداع إلى مقام النقد. في العمق هل يعني ذلك إحساس بورايو بعدم أهمية الإبداع أم ثمة شعور آخر؟
ج4: مثل هذه الحالات معروفة في تاريخ الأدب العربي الحديث، قد تغري الكتابة الأدبية في البداية هواة الأدب، ولما يتخصصون في دراسته يتخلون على الإبداع ليتجهوا إلى البحث. ومن أمثلة ذلك الدكتورة سهير القلماوي والدكتور عبدالله ركيبي. بالنسبة لي ساهمت عدة عوامل في هجر الكتابة الإبداعية والاتجاه نحو البحث الأدبي، من بينها عدم توفر قنوات النشر في الجزائر بصفة مناسبة، ومحدودية المقروئية الأدبية باللغة العربية في الجزائر، والمسافة الشاسعة الفاصلة بين لغة الحياة اليومية ولغة الكتابة الأدبية، إذ أنّ الهدف من الكتابة السردية –القصصية مثلا- تناول الحياة اليومية للناس، ونجد أنفسنا نستعمل لغة بعيدة عن هذه الحياة مما يثير في نفسي إحساسا بصعوبة الغوص في الحياة العادية بلغة غير عادية (العربية الفصحى). مازلت في أعماقي أحنّ للكتابة الأدبية، وأتمنى أن أكتب رواية. غير أن الانشغال بالبحث والتدريس والنشاط الثقافي يستهلك وقتي، وأشعر أن مرحلة الإبداع الأدبي بالنسبة لي ولت، ولعل عزائي أني أساعد الآخرين على مثل هذه الممارسة الأدبية عن طريق البحث والنقد والتدريس والمساهمة في لجان التحكيم والتقييم، وتوفير الفرصة للمبدعين للاطلاع على المأثور الشعبي الذي يمثل أحد المصادر الهامة للإلهام في ثقافتنا الراهنة.
س5: ثقافة الدكتور بورايو متعددة، وتشهد كل المنابر النقدية والعلمية في الجزائر على كفاءتكم النقدية العالية. وتمتد خبرتكم من النقد الماركسي، إلى النقد البنوي الاجتماعي التكويني، إلى النقد البنوي الأنثروبولوجي إلى النقد السيميائي الذي اضطلعتم بالكتابة فيه وأنتم أحد أقطابه في الجزائر الآن. خلاصة شخصيتكم النقدية هذه مكنتكم من تقديم دراسات تطبيقية في الصميم، تحليل الخطاب السردي مثلا. أو منطق السرد. لكن هذه الدراسات لم تحض بالرعاية الكافية ولم تصل بشكل جاد إلى المهتمين. هل يرجع السبب في اعتقادكم إلى كون هذه التطبيقات اقترنت بنصوص الأدب الشعبي (المحلي).
ج5: لقد منحت الأهمية القصوى في حياتي لمهنة التدريس (التكوين) نظرا للفراغ الثقافي الكبير الذي عرفته الجزائر في مجال البحث الأدبي، وضعف وسائط النشر، وعدم انتظام النشاط الثقافي العام، لذا كان اهتمامي منصبا في اتجاه تحديث الدرس الأدبي ونقل تجارب الآخرين في معالجة الظاهرة الأدبية، وذلك بهدف اللحاق بركب تطور الدرس الأدبي كما يتجلى في العالمين العربي والغربي. وجهت عنايتي بصفة خاصة إلى حضور الملتقيات الوطنية والدولية والمساهمة في تأسيسها وفي انتظامها. إلى جانب تدريس النقد الأدبي ومناهجه وكذلك نظرية الأدب وسوسيولوجية الأدب والأدب الشعبي، والإشراف منذ التسعينيات على إنجاز المذكرات والرسائل العلمية التي تعالج الظاهرة الأدبية في كل من جامعات الجزائر وتيزي وزو وتلمسان. تجاربي التطبيقية في التحليل الأدبي إلى جانب نشاطي في ميدان الترجمة وجهتها جميها للطلبة من خلال الدروس أو الملتقيات أو تكوين طلبة الدراسات العليا. وقمت بنشر بعض ما قدمته للطلبة أو مداخلاتي في مثل هذه الملتقيات. لم أول عناية كبيرة بمسألة نشر أعمالي، نظرا لما أعرفه من بطء عملية النشر في الجزائر وما يعتريها من ضعف بسبب انعدام المهنية في صناعة الكتاب، وسوء توزيعه..، وانخفاض قيمة الحق الممنوح مقابل التأليف إذا ما قيس بالجهد المبذول في عملية التأليف، وتهميش الكتاب الثقافي والبحوث الأدبية في مجال النشر. أما تعاملي مع المجلات والجرائد فقد كان في السبعينيات جيدا وبدأ يتناقص في الثمانينيات وكاد ينعدم منذ التسعينيات إلى اليوم. ويعود ذلك إلى عدم وجود مناخ مناسب واحترافي لمثل هذا التعامل، إلى جانب غياب المنابر الثقافية المنتظمة والجادة، وهو أمر يدعوني إلى متابعة توجيه جهدي الأساسي في الإشراف على الطلبة ومناقشة المذكرات وإقامة الملتقيات والمساهمة في لجان التحكيم المتعلقة بتقييم الإبداع الأدبي. أغلب أعمالي المنشورة عالجت ظاهرة الأدب الشعبي، وهي موجهة أساسا للطلبة والباحثين في مجال الثقافة الشعبية، لذلك لا نجد لها صدى في الإعلام الثقافي وفي المنابر الأدبية. أضف إلى ذلك أن هذا المجال الذي ساهمت في التأسيس لبحثه والعناية به مازال يعاني من التهميش ومن قلة الاهتمام من طرف أفراد النخبة المتعلمة في الجزائر، وخاصة منها المعرّبة، لأسباب يضيق المقام عن ذكرها. وأذكر على سبيل المثال أن جمعية اختلاف طلبت مني أن تقوم بنشر رسالتي للدكتوراه، وهي معالجة سيميائية لنماذج من حكايات “ألف ليلة وليلة”، ولما أعطيتهم النسخة دفنوها في أدراج مكتب الجمعية، ولم أبلغ حتى بمصيرها إلى اليوم..، رغم مرور سنوات طويلة على تسليمها لهم. على الصعيد العربي لي تجربة وحيدة تتعلق بنشر كتاب “الحكايات الخرافية للمغرب العربي” وهو محاولة منهجية في تحليل نوع قصصي موروث يعود إلى عصور غابرة في القدم. قام بنشره صاحب دار الطليعة المرحوم البشير دعوق، بعد شيء من التردد لكونه يتناول تراثا محليا، وقد شفعت القيمة المنهجية للكتاب لكي يظهر ويلقى صدى عند الدارسين المتخصصين. كنت قبلها قد أرسلت بحثي حول القصص الشعبي في منطقة بسكرة إلى سوريا مع الصديق أمين الزاوي، غير أنه أعاده لي بدعوى أنه يتناول تراثا محليا لم تقبل دور النشر السورية نشره، وتم نشره في الجزائر بعد ذلك. لذلك أعتبر المجال الجزائري هو مجالي الطبيعي في نطاق النشر، رغم ما يعانيه من ضعف، ولا يعنيني كثيرا أن أنشر خارجه.. سبب آخر يمكن أن يضاف بخصوص ما أشرتم إليه من قلة العناية بإنتاجي البحثي في المحيط الثقافي هو طبعي الشخصي المتمثل في عدم إلحاحي على من أشتم منهم رائحة عدم قبول مثل هذه العناية من الناشرين أوالمروجين للإنتاجات الثقافية.
س6: الاهتمام بالتطبيقات السيميائية على الأدب الشعبي السردي خاصة هل هو اهتمام عفوي. أم أنه ينطلق من رؤية مشروعة مبنية على استراتيجية معرفية معينة؟. بمعنى آخر هل ثمة وجهة نظر معينة في الأمر أم أن هناك قناعة ثقافية إيديولوجية، فلسفية، علمية..الخ؟
ج6: أولت التطبيقات الأولى للسيميائيات الشكلانية عناية خاصة بالقصص الشعبي، خاصة وأن التحليلات السردية الغريماصية انبنت على جهود الشكلاني الروسي “فلاديمير بروب”، وقدم رفيق “غريماص” وأقرب الباحثين إليه من حيث الوفاء لمنهجه “جوزيف كورتيس” تحليلات ضافية للحكايات الشعبية والممارسات الثقافية الجمعية. لقد مهد هؤلاء الطريق لهذه العناية. أضف إلى ذلك أن السيميائيات الشكلانية التي اعتمدت تحليلاتها على ميراث الدراسات البنوية في مجالي علم الدلالة والأنثروبولوجيا استندت بصفة أساسية على مفهوم الأنساق في دراسة العلامات والرموز، وهو معطى يتيسر اكتشافه في التراث الشعبي القصصي باعتباره تمثيلا لفكر ونظرة للعالم ورؤية كونية مكتملة تم تحديدها في الدراسات الحضارية والأنثروبولوجية، مما يسهل الكشف عن البنية العميقة للأثر المدروس باعتبارها بنية فكرية حكمت مختلف الإنتاجات الثقافية التي عالجتها الأبحاث التاريخية والأنثروبولوجية والحضارية. إن تراكم الأبحاث التي اعتنت بخصائص المراحل الحضارية المختلفة التي عاشتها الجماعات البشرية يمثل سندا قويا لفهم القصص الشعبي والانتقال من دراسة خصائصه الشكلية إلى الكشف عن البنية العقلية التي صدر عنها. يمكن القول أن الممارسة المنهجية السيميائية تتلاءم أكثر مع التمثيل الثقافي للمراحل الحضارية المكتملة، وهي صفة تتجسد في ما هو جمعي وماهو ماضي، وهي الخصائص التي تسم القصص الشعبي خاصة. أضف إلى ذلك أن منطقية التحليلات السيميائية تجعلها أقرب إلى طبيعة الدرس التعليمي الذي نروم توصيله لطلبة الأدب.
س7: في اعتقاد الدكتور بورايو هل يمكن الذهاب مع المتن الأدبي الشعبي بعيدا من الوجهة النقدية المعاصرة؟. هنا لابدّ من الملاحظة أن الحضور الثقافي للأدب الشعبي أدبيا يبدو حضورا خجولا.حتى داخل الجامعات العربية. وحتى في الجامعات الجزائرية، هذا رغم الحضور النوعي للأدب الشعبي في المحافل الدولية العلمية والثقافية. ولعلّ اهتمام الخليجيين بما سموه الشعر النبطي يدخل ضمن هذه الاحتفاليات القوية بالأدب الشعبي.. مع ذلك.. نلمس نوعا من الخجل في التعامل مع الأدب الشعبي داخل الفضاء الجامعي الجزائري؟.
ج7: مازال الوسط النخبوي في البلاد العربية رافضا لحضور الأدب الشعبي، وما يبدو من انفتاح بعض الأوساط لا يخلو من انتقائية لأن الشعر النبطي في الخليج المحتفى به هو شعر نخبوي بالعامية لا يختلف عن الشعر العامي المصري مثلا والذي يجد اهتماما من طرف الناشرين والقراء والنخبة الثقافية عموما وهو ينتمي للثقافة النخبوية أكثر مما ينتمي للثقافة الشعبية، تجمعه بها استعمال اللهجة العامية فقط. أما الإنتاج الشعبي الحقيقي فهو لا يزال مهمشا إلى درجة كبيرة. وقد تم إدراج دراسته في عدد محدود جدا من البلدان العربية مثل مصر والجزائر، وقد يعتنى به إلى حدما في بعض البلدان العربية في أقسام علم الاجتماع أو الحضارة. ولكنه لازال مستبعدا من البحث الأكاديمي في العديد من البلدان العربية. فالمسألة سياسية إذ أن الشعوب ظلت مستبعدة عن ممارسة السلطة في مختلف البلاد العربية، وبالتالي سيظل الاهتمام بالإنتاج الثقافي النخبوي هو السائد، ويعتبر غيره من سقط المتاع، فاقدا للقيمة الفنية والأدبية ! في الجزائر نجد أن ما سمي بالشعر الملحون فرض نفسه منذ قرون في الوسط الثقافي الشعبي، وعدد من شعرائه كانوا ينتمون للنخب الثقافية التقليدية غير أنهم التحموا بالثقافة الشعبية لأسباب تاريخية. ظلت هذه الممارسة قائمة بقوة في المجتمع الجزائري إلى غاية منتصف القرن العشرين. اعتراها بعد ذلك بعض الضعف بسبب سيطرة الأدب النخبوي بالفرنسية والعربية على المجال الإعلامي والثقافي والتعليمي. أما الحركة الشعرية بالعامية عندنا فهي ضعيفة ولم ترق بعد لمستوى الشعر النبطي في الخليج أو الشعر العامي المصري، من حيث الكمية ومن حيث التنوع الشكلي. هناك بعض المحاولات الاستثنائية ذات القيمة الفنية مثل أشعار مأمون حمداوي وفوزية لارادي.
س8: كأني خرجت بهذه الفكرة: الدكتور بورايو يفضل الكتابة بهدوء وبوعي، لذلك لا يمارس حضوره الإعلامي إلا نادرا –نعرف لك حوارا وحيدا مع جريدة صوت الأحرار- رغم الحضور الدائم في المحافل العلمية والثقافية والأدبية داخل الجزائر وخارجها.
ج8: ليس لي إجابة على هذا السؤال لأنه يفترض بالنسبة لأيّ نشاط فنّي أو ثقافي أن يتنبه إليه الإعلام، وأنا شخصيا لست ممن يسعى بنفسه لمثل هذه الحوارات. كما أعرف أن الصحافة الجزائرية تتصف بضعف المتابعات الثقافية والأدبية، بسبب عدم حرصها على توظيف أو بالأحرى تكوين صحفيين أكفاء في هذا المجال. ولعلّ الأمر يعود أيضا إلى أنّ نشاطي موجه بالدرجة الأولى لطلبة اللغة العربية وآدابها. بينما تهتم الصحافة أكثر بما هو موجه للقارئ العام.
س9: المنهج السيميائي عند بورايو مسلمة –يبدو هكذا- منهجية يطبقها حاليا ويضيء من خلالها النص الأدبي عموما والنص الشعبي خصوصا. هل يعني ذلك أن السيميائية هي قناعة منهجية لا يبرحها إلى مناهج أخرى؟
ج9: لقد اعتنيت منذ بداية نشاطي الأدبي بالشكلانية والبنوية والسيميائية، وهي جميعا تيارات منهجية تترابط فيما بينها لتكون رؤية للنص تراعي بصفة أساسية طبيعة بناء قيمه الرمزية وتنحو نحو علمنة الدراسة الأدبية وجعلها ممارسة مقعّدة ومنطقية، وتولي أهمية كبيرة للبعد اللغوي في الظاهرة الأدبية. ومما حفّزني على مثل هذه العناية تطور الدراسات السردية في هذا المجال خلال النصف الثاني من القرن الماضي، وكنت قد تخصصت منذ السبعينيات من القرن العشرين في تحليل النص السردي الشعبي أو بعض الكتابات القصصية والروائية. توفر هذه التيارات المنهجية بالنسبة لي أدوات منهجية أعمل على تبليغها للطلبة لكي يستفيدوا منها في إنجاز أبحاثهم، كما تساعدني على تحليل النص الأدبي الشعبي وتتعامل معه تعاملا مميزا يسمح بتثمينه والتعرف على قيمه الرمزية.هذا لم يمنعني من العناية ببعض التيارات المنهجية الأخرى التي حاولت أن أستثمرها مثل الدرس الأنثروبولوجي والتحليل النفسي والتداولية. أعتبرها جميعا مداخل وأدوات منهجية لتحليل النصوص السردية بمراعاة القيمة التي تبرزها أكثر، أو نريد أن نركز عليها ونكشف عن أهميتها.
س10: ما الذي قدمته الممارسة السيميائية من نتائج وأعمال في الجزائر. بمعنى آخر هل استطاعت الدراسات السيميائية في الجزائر أن تؤسس مشروعا نقديا راسخا. وهل استطاع الناقد السيميائي أن يصوغ وجهات نظر عملية جادة في هذا الاتجاه. وهل الدكتور بورايو راض على ما يقدمه من دراسات وأبحاث ومقالات سيميائية.
ج10: ولجت السيميائيات الدرس الأدبي في نهاية القرن الماضي (في التسعينيات) عن طريق إدراجها في البرامج الدراسية في أقسام اللغة العربية وآدابها، وسجل الطلبة منذئذ أبحاثا يطبقون فيها منهجيتها في التحليل، وظهرت بعض الأعمال مثل دراسات رشيد بن مالك وسعيد بوطاجين وأحمد يوسف التي كان لها أثر في نشرها والعناية بها، وأصبحت الآن أمرا ثابتا في النشاط الدراسي الأدبي، فأقيمت لها ملتقيات في عنابة وسطيف وبسكرة والعاصمة خلال العقدين الأخيرين. حاولت مع زملائي ترسيخها في البحث الأدبي للحاق بركب الدرس الأدبي في المغرب وتونس على الأقل، وقد نجحنا إلى حدّ ما في هذا المسعى، رغم تجاوز طموحاتنا الحد الذي بلغته حاليا في الوسط الأدبي. كانت هناك مقاومة شديدة خاضها ضدنا المحافظون الذين يعتمدون في درسهم الأدبي على الانطباع ومعالجة المضامين بطريقة غير منهجية، فشككوا في قيمتها واعتبروها أدوات مستوردة لا تصلح لمعالجة النص الأدبي العربي، غير أن الإصرار والعمل الجاد مكن من تجاوز مرحلة التشكيك الأولى، وأصبحت السيميائيات تلقى العناية في مختلف أقسام الدراسة الأدبية في الجامعة الجزائرية سواء من طرف الأساتذة أو الطلبة. وما نعيه حاليا بخصوص المرحلة التي بلغتها هذه العناية أنها ظلت عند عتبة السيميائيات منشغلة بالمداخل مكرسة للمرحلة الأولى من تطور البحث السيميائي، متوقفة عند بعض تياراتها دون الأخرى، في الوقت الذي نجدها قد عرفت تطورا كبيرا في البلاد الأخرى من حيث المفاهيم ومعالجة القضايا الأدبية. لقد اكتفينا بنقل مبادئ السيميائيات وحاولنا تقديم بعض التطبيقات غير أن مساعينا تظل ذات أهداف تعريفية وتعليمية بحتة، تنقصها الروح الإبداعية، وتحتاج السيميائيات إلى تمثّل أكثر ومعرفة أوسع بأسسها الفكرية وخلفياتها المعرفية ومختلف تياراتها المطبقة في العالم، وتطورها عندنا مرهون بتطور البحث العلمي والدرس الأدبي، هذا الأخير الذي توسع من حيث الكم ويحتاج عناية أكثر من حيث الحرص على النوعية. هناك تيارات بحثية أدبية أخرى تحتاج بدورها إلى العناية مثل التداولية ولسانيات الخطاب والأسلوبية والنقد الثقافي الخ..
س11: هناك أسماء كثيرة تخوض الآن غمار النقد السيميائي. هل استطاع الناقد السيميائي في الجزائر أن يقدم رؤية خاصة ضمن حركية النقد السيميائي في الوطن العربي. وهل هناك تجارب معينة يراها بورايو تحمل نضجا وكفاءة ورؤية منهجية قادرة على إرساء حركة النقد السيميائي في الجزائر ثم في الوطن العربي. مع علمي الكبير بأن وجودكم في المنابر العربية دائما وجود ذكي وقوي ودقيق؟
ج11: لعل أهم تيار ترسخ في دوائر البحث الأدبي عندنا تمثل في تيار السيميائيات الشكلانية ويمثله بامتياز رشيد بن مالك وسعيد بوطاجين في الجزائر وسعيد بن كراد في المغرب. أما التيارات الأخرى فهي حديثة المنشأ ويمكن الحديث عن سيميائيات بورس التي اجتهد في تقديمها والتعريف بها أحمد يوسف وأمينة بلعلى، وتيار السيميائيات التأويلية التي اعتنى بها أيضا كل من أحمد يوسف والسعيد بوطاجين. هناك أسماء أخرى ومن بينها مجموعة من الشباب الدارسين يضيق المجال عن ذكرهم جميعا هنا. مثل هذه الجهود يمكن أن تكون قاعدة لتطور السيميائيات في الجزائر، والتي يجب ألا تعزل عن الجهود الأخرى الجارية في العالم العربي عموما وفي البلدان المغاربية على الخصوص.
س12: السيميائية بوصفها منهجا هل تقف –من النص- عند حدود معينة، وهل تتداخل على نحو من التكامل أو التفاعل مع المناهج الأخرى؟
ج12: تقوم السيميائيات بتعيين شكل المحتوى، أي تعالج طريقة انتظام المعنى أو تشكله عبر قنوات تواصلية محددة في مختلف مستويات النص. وتستند السيميائيات الشكلانية في تحديدها للمعنى على الدلاليات البنوية. ولها علاقة وطيدة بالجهود التي بذلت في الدرس الشكلاني للأدب وهو درس تمخضت عنه التطورات الحديثة للدرس اللساني في النصف الأول من القرن العشرين. وقد استندت السيميائيات البورسية على المنطق الرياضي وحاولت رسم خطاطة التدليل عبر تحولات العلاقة مدلول/دال. يجمع بين مختلف التيارات السيميائية العناية بالقيم الرمزية في الثقافة والأدب واللغة.
س13: جرت العادة أن يجتمع السيميائيون الجزائريون في عنابة من خلال عبد المجيد حنون والطاهر رواينية وأحمد شريبط.. وغيرهم، لكنكم اجتمعتم ضمن ملتقى بالعاصمة بالشراقة هذه السنة تحت إشراف الدكتور رشيد بن مالك. هل حقق الملتقى ثمرة معينة وهل كنتم راضين على الأداء العلمي والثقافي للملتقى؟
ج13: لقد اجتمعنا أول مرة في عنابة ثم في سطيف وفي ملتقيات بسكرة، كما التقينا هذه السنة بالشراقة في الملتقى الذي نظمه مركز البحث العلمي والتقني لتطوير اللغة العربية (الموجود ببوزريعة). صدرت أعداد خاصة لهذه الملتقيات وقد ظلت معتمدة من طرف الطلبة والباحثين، وخاصة العدد الأول من مجلة السيميائية التي أصدرها الأستاذ عبد المجيد حنون، والتي مثلت بداية توسع الممارسة السيميائية في الدرس الأدبي. كان الغرض من هذه اللقاءات تطوير البحث السيميائي ومعرفة منجزاته، وكانت محاولة تأسيس رابطة في سطيف، لم تنجح لأسباب إدارية (لم نتمكن من الحصول على رخصة من وزارة الداخلية). أصدر الأستاذ أحد يوسف مجلة السيميائيات الناطقة باسم مخبر السيميائيات بجامعة وهران، وهناك الآن محاولة يتم التحضير لها في بنغازي بليبيا من طرف مختبر السيميائيات لتحقيق رابطة عربية للسيميائيات. وسوف يلتقي عدد من السيميائيين في ملتقى علمي وسيعلن فيه عن قيام رابطة للسيميائيين العرب.
بالنسبة لملتقى الشراقة اجتمع فيه عدد كبير من الباحثين من الجزائر وفرنسا والمغرب وتونس. كان فرصة هامة لمعرفة الوضعية الحالية للدراسات السيميائية والتعرف على الفاعلين في المجال، وكانت بالنسبة لي فرصة ذهبية للتعرف خاصة على الباحث سعيد بن كراد الذي وجدته يقاسمني كثيرا من الأفكار التقييمية المتعلقة بوضعية البحث السيميائي في البلدان العربية وآفاقه.
س14: أين يتجه البحث/النقد السيميائي حاليا. هل مازال غريماص يغري بورايو.
ج14: الدراسات السيميائية أقرب إلى مفهوم البحث الأدبي منها إلى النقد. لقد انفتح الوسط الأكاديمي على هذه المنهجية، غير أن النتائج محدودة، وعدد المهتمين بالمنهج محدود نظرا لصعوبة تمثله بسبب استناده على معطيات لها صلة بالمنطق الرياضي واللسانيات وعلم الدلالة وهي علوم ليس من السهل الاستفادة منها، لهذا نجد أحيانا مقاومة شرسة من طرف عدد من المعنيين بدراسة الأدب الذين يرومون السهولة والمعالجة المبنية على الذوق والانطباع.
لأعمال غريماص قيمتها من حيث كونها رائدة لتيار مدرسة باريس الشكلانية، على صعيدي التنظير والتطبيق، ولا زال بريق أعماله مسيطرا على الدراسات السيميائية، غير أن هناك آخرين تجاوزوا منطلقاته وارتادوا ميادين لم يكن من المتيسر ارتيادها من طرف غريماص مثل ّسيمياء العواطف”. وسيمياء الصورة الخ… أما بالنسبة لي يمثل غريماص نموذجا للباحث العلماني الذي كرس حياته لوضع آليات التحليل السيميائي الشكلاني، ونبه إلى الطبيعة البينية التي تشغلها السيميائيات في علاقتها بمختلف العلوم الاجتماعية.
س15: كثيرا ما يرتبك النقاد في التعامل مع المصطلحين سيميائية وسيميولوجيا؟ إلى ماذا يرجع ذلك؟
ج15: استخدمت الدراسات السيميائية المصطلحين معا، ويميل الباحثون إلى استعمال مصطلح السيميولوجيا للدلالة على تاريخ العلم ومبادئه النظرية وروافده في العلوم الأخرى. أما السيميائيات أو السيمياء فتستعمل للدلالة على الحقول التطبيقية.
س16: طالما فكرتم رفقة عدد من السيميائيين في الجزائر في استحداث رابطة تجمع السيميائيين في مشروع نقدي واحد. هل حصل ذلك. وما هي الخطوط الأساسية المستقبلية لهذا المشروع.
ج16: المحاولات السابقة لم تصل إلى نتيجة ملموسة. هناك اجتماع في مدينة بنغازي في نهاية شهر جوان ويحضر الآن لمشروع جمعية مغاربية أو عربية للسيميائيين.
س17: اسم الدكتور عبد الحميد بورايو شائع أكثر من كتاباته. هل يرجع ذلك إلى حضوركم المكثف المتواصل في المنابر النقدية الأكاديمية الثقافية. إلى ماذا يرجع ذلك؟
ج17: ظروف عملنا في الجامعة الجزائرية الحديثة النشأة في فترة التأسيس للمراكز الجامعية ولأقسام الأدب تركتنا نهتم أكثر بالجانب العملي المتمثل في التدريس وتكوين الطلبة والتوجيه، ولم تسمح لنا كثيرا بالتأليف وممارسة الكتابة، وهو ما يذكرنا بأسلافنا مؤسسي حركة النهضة المتمثلة في جمعية العلماء المسلمين الذين أثروا بحضور شخصيتهم وبمواقفهم وعملهم التكويني والتوجيهي، ولم يخلفوا كثيرا من الكتابات من أمثال عبد الحميد بن باديس.
س18: في المرحلة الأخيرة تجلت الدراسات السيميائية المغاربية وكأنها نبتة مغربية تونسية. ماهي ملاحظاتكم في هذا الشأن؟
ج18: اهتم الجزائريون بالتدريس والتكوين وحضور الملتقيات أكثر مما اعتنوا بالكتابة بسبب انعدام وجود المجلات المتخصصة وفقدان وسائط النشر، مما جعل إنتاجهم يبدو محدودا بالقياس لما أنتجه زملاؤهم المغاربة والتونسيون.
س19: ارتباط الدكتور بورايو بالناقد السيميائي الجزائري رشيد بن مالك بارز على أكثر من صعيد وهو ارتباط يتجاوز العلاقات العلمية والنقدية والأدبية، إلى العلاقات الحميمية. هل تساهم هذه العلاقة في تشكيل رؤية ما تشغل بال الناقدين الكبيرين؟
ج19: كانت بداية علاقتي برشيد بن مالك في بداية الثمانينيات لما درّسته في جامعة تلمسان وأشركته معي في لجنة النشاط الثقافي التي أنشأناها وقتئذ في نفس الجامعة. وقد اشتدت أواصر هذه العلاقة لما عملنا معا في معهد الثقافة الشعبية بنفس الجامعة خلال النصف الأول من التسعينيات، وحاولنا بأن نقوم ببعض الترجمات المشتركة، وكنا نتباحث في مسائل المصطلحات. وقد جاء إلى العاصمة ليدير مركز البحث العلمي والتقني لتطوير اللغة العربية، فكانت مناسبة لنواصل تعاوننا، وأنا حاليا عضو المجلس العلمي للمركز ورئيس مجلة بحوث سيميائية التي يصدرها المركز ومخبر العادات والتقاليد الشعبية بجامعة تلمسان، والتي يصدرها تحت مسؤوليته باعتباره مدير المركز والمخبر.
س20: في الحقيقة يمثل بورايو عبد الحميد ذلك المستوى العالي المؤسس في الساحة النقدية وهو أحد أقطاب النقد البارزين في الجزائر إلى جانب عبدالمالك مرتاض، رشيد بن مالك، الطاهر رواينية، أحمد يوسف، سعيد بوطاجين، عبد المجيد حنون… هل استطاع بورايو الوصول إلى خلاصة نقدية في الحقل السيميائي ضمن هذا النشاط السيميائي الكبير –على ما فيه من أسئلة معقدة، وغير واقعية أحيانا-.
ج20: بالنسبة لقيمة ما تمكنت من تقديمه في الساحة الثقافية والنقدية أترك الحكم عليه للآخرين، فمن الصعوبة بمكان أن أحكم على ذاتي. أعرف جيدا أن ما بذلته من نشاط وجهته بصفة أساسية للوسط الجامعي من خلال الدروس والترجمات والملتقيات والمناقشات والإشراف. أما الأداء النقدي فلست براض عن نفسي، بسبب ما اعترى المحيط الأدبي عندنا من فقدان للوسائط الثقافية المنتظمة وانعدام وجود تقاليد تعامل مناسبة بين الوسط الثقافي والكتاب، خاصة في مجال النشر والندوات الخ.. لقد بذل جميع من ذكرتهم جهدا كبيرا في تحقيق نقلة نوعية للدراسة العلمية للأدب وربط قنوات التواصل مع البلاد المغاربية والعربية وتحسين مستوى الدرس الأدبي، ولعله جيل مؤسس بذل جهدا كبيرا في تكوين الطلبة وفي نقل المعارف الأدبية الحديثة والانخراط فيها، غير أنه لم يتمكن من تحقيق تراكم في الأفكار، ولم يجد الوقت للتفرغ للكتابة والنشر بصفة منتظمة وغزيرة مثلما هو الحال بالنسبة لبعض البلاد العربية الأخرى.
س21: طابور النقاد السيميائيين صار طويلا. لكن الحصيلة العلمية لا تزال خجولة. وغير قادرة على فرض ثقافة منهجية سيميائية إلى درجة أن الحديث عند البعض مثل الحديث عن أفكار غير واقعية (خرافية، رياضيات، ميتافيزيقية … الخ).
ج21: لقد أصبح المنهج السيميائي جزءا من مشهد الدرس الأدبي في الوسط الجامعي بالجزائر، واستغرق التعريف به وتجريب طرقه في التحليل السردي –خاصة- وقتا طويلا، وآن الأوان للمراجعة ومتابعة التطورات الحاصلة فيه في مختلف بلاد العالم، وتطبيقه على مختلف الإنتاجات الثقافية بشيء من الإبداع والتحرّر من القوالب الجاهزة، ومحاولة التقرب من مختلف تياراته، والتعمق في معرفة أبعاده الفكرية وخلفياته المعرفية، وترجمة منجزاته إلى اللغة العربية. أما قضية صعوبته أو إيغاله في استعمال المنطق والعلاقات الرياضية والتجريدات، أعتقد أن الأمر يتعلق بمرتكزاته المنهجية التي لابد من معرفتها والاقتراب منها وهي متعلقة أساسا بعلوم اللسان الحديثة وبالمنطق الرياضي، ولا يمكن أن يجرّد منها، وكل من يريد أن يرتاد مجالا علميا عليه بالتسلح بأدواته. أما الركون إلى السهولة والحديث عن مضامين الأعمال الأدبية بطريقة غير منهجية بالاعتماد على الانطباعات والتأملات الذاتية غير المرتكزة على ثقافة مناسبة أصبح الآن لا يقنع أحدا ويجب تجاوزه.
س22: سعيد بن كراد، ورشيد بن مالك يشتركان معكم في معالجة الخطاب السردي سيميائيا. هل يفكر بورايو في إنجاز موسوعة للمصطلحات السيميائية المرتبطة بالأدب الشعبي؟ والأدب بشكل عام..
ج22: فكرة جيدة، تحتاج إلى عمل جماعي ووقت كاف وتفرغ جزئي، وهي من بين المشاريع التي إذا ما لم نستطع نحن تحقيقها تبقى موكولة لطلبتنا للقيام بها.
س23: السيميائية صارت سيميائيات. هل يضعنا الدكتور بورايو عند نقطة/ وجهة نظر محددة؟
ج23: لعل السيميائيات الشكلانية أو الغريماصية (مدرسة باريس)، هي التيار الذي تجذرت ممارسته في البلدان المغاربية، ويأتي كل من سعيد بن كراد ورشيد بن مالك على رأس المتخصصين فيه. أما بقية التيارات فتجد بدورها صدى عند كثير من الأساتذة من أمثال سعيد بوطاجين وأحمد يوسف والطاهر رواينية وأمينة بلعلى، وغيرهم، وأقصد هنا سيميائيات بورس وفانتاني وأمبرتو إيكو، ولاشك أن نمو مثل هذه التيارات سوف يغني المعالجات السيميائية

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий