Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > حوار مع الانثوبولوجي البحريني عبدالله عبد الرحمن يتيم

حوار مع الانثوبولوجي البحريني عبدالله عبد الرحمن يتيم

أجرى الحوار :
حسين فهيم
باحث انثوبولوجي مصري مقيم في أمريكا

لقد سبق للكاتب والناقد البحريني محمد البنكي إجراء حوار معك تم نشره بعنوان (الأنثروبولوجيا في غربتها العربية والعالمية: حوار مع عبدالله يتيم)، ومع غزارة المادة في ذلك الحوار وأهمية ما جاء فيه من أفكار وأراء عن دراساتك الأنثروبولوجية وتوجهاتك الفكرية بصفة عامة، إلا أن للحوار هذه المرة أهميته، خاصة للموقع الثقافي الذي تحتله الآن، ولكونك أيضاً كاتباً وأستاذا جامعياً بالإضافة إلى تجربة رئاستك لمجلة (البحرين الثقافية) التي تعدُ في رأيي من أرقى المجلات العربية الدورية المتخصصة في شئون الثقافة والفكر.
دعني أدعوك في هذا الحوار للقيام سوياً بنزهة أنثروبولوجية ثقافية نتجاذب خلالها أطراف الحديث عن الشق الأكاديمي من عملك، وجانب الخدمة العامة في حياتك، وألا ننسى أيضاً أن نتطرق إلى ملامح توجّهك الفكري عامة وفلسفتك في تجربة أسلوب نشر الثقافة والعمل على إزدهارها في بلدك البحرين أساساً وعلى مستوى العالم العربي أيضاً. من هذا المنطلق، لنرى في البداية استفساراً أكاديمياً يتعلق باهتمامك بالمدرسة الأنثروبولوجية الفرنسية وخاصة كتابات كلود ليفى ستروس. لقد لفت نظري تعدد مقالاتك عن دراساته وتحرير كتاب عنه، أُعدّه شخصياً مصدراً عربياً هاماً لفكره ومواقف (حسين فهيم).

– لقد أتممت، كما تعلم، دراساتي العليا حول بدو جبال الحجر (أهل الحيَر) في سلسلة جبال الحجر الغربي من الإمارات، وكانت أطروحتي حول التنظيم الاجتماعي والاقتصادي لمجتمع (الحيَر)، وهي نتاج عملي الحقلي الإثنوغرافي بين أهل الحيَر خلال عامي 1987-1988 م. وعندما عدت إلى جامعتي، أي جامعة البحرين، بعد سنوات من الدراسة والتحصيل العلمي في بريطانيا، حيث أنهيت مناقشة أطروحتي بجامعة أدنبره في صيف عام ?1991?م، وجدت نفسي محاطاً بظروف ومسئوليات تختلف عن تلك التي كُنت أعيشها في بريطانيا: أولى تلك المسئوليات هي وضع الخطة والمنهج الدراسي الخاص بمقررات علم الأنثروبولوجيا، وكانت أول مقررات أنثروبولوجية تُدرّس بتاريخ جامعة البحرين، ولا أخفي عليك شعوري حينها بالغبطة والريادية، مما ضاعف بطبيعة الحال إحساسي بتحمل مسئولية كل ذلك، خاصة وأن تلك المقررات ستكون اختيارية، أي باستطاعة أي طالب بالجامعة أن يتقدم إليها، وهكذا كان الأمر.
عليّ أن أستدرك أمراً هاماً هنا: وهو وجودي بكلية الآداب بين مجموعة من الزملاء والأصدقاء ممن كانوا ينتمون، بحكم تأهيلهم الأكاديمي، إلى تخصصات متفرقة في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية، فكان هناك أساتذة في علم الاجتماع، والتاريخ، والجغرافيا، واللسانيات، وتاريخ الفن، والنقد الأدبي، والأدب الإنجليزي والأوروبي وغيره. وبخلاف الصراعات الأكاديمية التقليدية كالصراعات التي بين الأكاديميين أو بين الأقسام الأكاديمية في بعض الجامعات والمعاهد العلمية، سواء كانت العربية أو الأجنبية منها، كان زملائي وأصدقائي الأكاديميون، من تلك التخصصات، على درجة كبيرة من التفهم والاهتمام بالأنثروبولوجيا كعلم واختصاص أكاديمي، وبالروابط المعرفية المشتركة بين تلك العلوم من جهة والأنثروبولوجيا من جهة أخرى. وقد انعكست تلك الروح والتفهم الايجابي، بعد ذلك، على المكانة التي احتلتها مقررات الأنثروبولوجيا الاختيارية أولاً، وبعد ذلك على جهودي المشتركة معهم، ثانياً، في صياغة البرامج العلمية للعلوم الاجتماعية والإنسانية، ولما أصبح بعد ذلك مشروع قسم العلوم الاجتماعية بكلية الآداب.
أما المسئولية الثانية، فكانت تتمثل في ا لمحيط الثقافي المحلي وإشكالية تلقيه للأنثروبولوجيا، فالمحيط الثقافي في البحرين، كانت تسوده مواقف تقليدية تتسم بعضها بالسلبية من الأنثروبولوجيا، على الرغم من وجود قلة من المهتمين من المثقفين والأكاديميين من المتتبعين لمسيرة وأطروحات الأنثروبولوجيا. وكانت مواقف هذا الفريق متباينة، فالبعض منهم واقعاً في أسر الكتابات النقدية التعسفية السائدة في بعض الأوساط النقدية العربية، التي كانت تنظر للأنثروبولوجيا باعتبارها واسطة ومَعبراً للخطابات الاستعمارية والتبشيرية الغربية، والبعض الآخر المتّسم بالانفتاح والإيجابية على الأنثروبولوجيا كان يرى في الأنثروبولوجيا نوعاً من الكتابة، أو ربما نوعاً من النقد التحليلي الأدبي، وربما الفلسفي النقدي للأساطير والفولكلور بصفة عامة، فالأنثروبولوجي الفرنسي كلود ليفي ستروس، على سبيل المثال، كان يُنظر إليه هنا عند هذا الفريق، ليس بصفته أنثروبولوجياً بل ناقداً ومختصاً في الأساطير. وهناك أيضاً فريق من المهتمين، وله أيضاً امتداداته العربية، أصبح ينظر للأنثروبولوجيا كاختصاص يعاني من العجز والتقليدية والانقطاع عن دائرة الاهتمام بالمجتمعات الحديثة وثقافاتها المعاصرة. وقد شجع هذا الاعتقاد النتاج الأكاديمي العربي في مجال الأنثروبولوجيا المتميز بالقِدَم، خاصة الكتب الجامعية المؤلفة والمترجمة من قبل بعض الأكاديميين العرب، وكذلك تقليدية المقالات المنشورة في المجلات الأكاديمية العربية.
محاطاً بمثل تلك الظروف والتحديات، لا أعرف ربما أيضاً وعلى المستوى الذاتي المحض، وجدت نفسي مصاباً بحالة تشبّع بنوع من القراءة والكتابة الأنثروبولوجية استوجبتها سنوات الدراسة والعمل الحقلي الإثنوغرافي. لا أعرف ربما يكون هذا سبباً لم أدرك أهميته آنذاك، ولكن أجدني ملزماً بذكره هاهنا. كان الأمر يتطلب مني الزجّ بالأنثروبولوجيا، وبمستوى نقدي يليق بمكانة العلم، في دائرة تقاطعات تلتقي فيها خطابات ثقافية ونقدية عربية، لا تعنى بما هو سائد في الدوائر الأكاديمية والأسوار الجامعية العربية فقط. كنت أجد أن من المتعين على الأنثروبولوجيين أن يتوجهوا إلى هذا المحيط ويسهموا في سجالاته، مدركين أهمية الدور الذي من الممكن أن يلعبه التراث الأنثروبولوجي، بالاشتراك مع بقية العلوم، في إعادة صياغة عدد من المفاهيم والنظريات السائدة في حقل العلوم الاجتماعية والإنسانية. كما أنني وجدت نفسي، أيضاً، مدفوعاً آنذاك بوجود إصدارات أنثروبولوجية أوروبية جديدة، كان من بينها الحوار الذي نشرته دار نشر جامعة شيكاغو، مترجماً عن الفرنسية، وهو حوار أجراه ديديه أريبون مع كلود ليفي ستروس. لقد أطلق لديّ هذا الكتاب مشروع إعادة قراءة ليفي ستروس وتقديمه كنموذج للمدرسة الفرنسية في الأنثروبولوجيا، فقمت بنشر مراجعة للكتاب وترجمة بعض من فصوله إلى العربية ونشرها، وتوالى معها نشري لدراستين: الأولى كانت عن نظرية القرابة لدى ليفي ستروس والأخرى كانت عن التلقي العربي لليفي سترس بصفته أنثروبولوجياً، وكذلك مقالات أخرى تناولت جوانب سيرية وبيوغرافية، ولم أقصر عمليات النشر تلك على المجلات الأكاديمية المتخصصة والمحدودة التداول في الأوساط الثقافية، بل سعيت للنشر في المجلات الثقافية العامة والملاحق الثقافية للصحف. لذا أشعر الآن وبعد مرور عددٍ من السنوات على تلك التجربة أن تسويق الأفكار وترويجها يتطلب أحياناً إتباع استراتيجات متباينة، أرى أن من بينها وربما أكثرها أهمية عدم الركون إلى النشر الأكاديمي وحده، خاصة العربي منه، إذ يُعاني النشر الأكاديمي العربي في مجال العلوم الاجتماعية والإنسانية من مستويات ضيقة ومتدنية من فرص النشر لا تليق بالباحث العربي.
بعد ذلك، أي بانتقالي للبحث في موضوعات أخرى، حاولت أن أختم تجربتي تلك، بإعادة قراءة ليفى ستروس عربياً، عبر نشر مؤلف خاص ضمنته معظم ما قمت بنشره وترجمته إلى العربية، والكتاب الآن قد أعيد نشره في طبعة ثانية، أتذكر واحداً من الأمور التي وجدتها هامة أو ربما سبباً للكتابة والنشر عن المدرسة الفرنسية، و هو طغيان المدارس والتراث الأنثروبولوجي الأنكلوساكسوني على الأنثروبولوجيين وكذلك أكاديمياتهم العربية التي ينتمون إليها، وكان الأمر يتطلب، ولا يزال، لفت الأنظار إلى تجارب أخرى في عالم لا تقل أهميتهُ عن تلك المدارس، كالمدرسة الفرنسية مثلاً. لقد كنت أشعر بجمود ورتابة دروس المحاضرات في الأكاديميات العربية عن إسهامات الأنثروبولوجيين البريطانيين، خاصة في مجال تقليدي بالنسبة للأنثروبولوجيين مثل القرابة، وكان لابد لمتلقي العلم من الطلاب العرب من استثمار الفرصة لسماع كيف تلقى أنثروبولوجيون آخرون، من أوروبا مثلاً، تلك النظريات وأعادوا صياغتها بالنقد والتحليل، وهكذا كان نصيب ليفي ستروس، وهكذا كان نصيبي معه.

– كيف كان الأمر بالنسبة لك عند انتقالك من العمل الأكاديمي إلى إدارة العمل الثقافي بوزارة الإعلام؟

– كان ذلك تحدٍ ثالث، أي كيف يستطيع الأنثروبولوجي أن يضع خبرته في إدارة العمل الثقافي عبر مؤسسة حكومية مثل وزارة الإعلام وفي دولة عربية مثل البحرين، مليئة بالجلبة الثقافية والفكرية والتطلعات الثقافية للمبدعين، بأطيافهم، وللمسئولين بالدولة. لقد كنت محظوظاً في هذا الجانب، إذ إنني أتيت إلى مسئوليتي الجديدة( وكيلاً مساعداً للثقافة والتراث الوطني – أميناً عاماً للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب – رئيساً لتحرير مجلة المجلس: البحرين الثقافية) ومعي عدتي الأنثروبولوجية، وكذلك خبرتي الحقلية الإثنوغرافية والأكاديمية التي لعبت دور المحفّز لي للبحث عن الواقع خارج إطار العمل المكتبي اليومي، والسعي إلى إقامة شبكة واسعة ومتجددة من العلاقات مع من يمكن أن نسميهم أنثروبولوجياً بمنتجي الثقافة الرفيعة والأخرى الشعبية، وكان لابد من النظر إلى كل ذلك كجزء هام من الثقافة الوطنية الواجب رعايتها والسعي إلى تطويرها وتقديم كل سبل الدعم الممكنة لها. وعليّ أن أستدرك شيئاً هاماً هنا، وهو تطابق رؤيتي في النهوض بالثقافة والعمل الثقافي مع رؤية وزير الإعلام آنذاك، محمد ابراهيم المطوع، وهو شخصية مبدعة ورفيعة الثقافة، كان وجوده على رأس المؤسسة مصدراً لإضافة أجواء من المتعة والحميمية في العمل.وكانت تلك الرؤية مبنية على دعم ورعاية الإبداع الثقافي، الرفيع والشعبي، وبكافة أشكاله، ولكن دون الدخول كطرف رسمي، أي مؤسسة ثقافية رسمية، منافساً له، وكذلك الحد من أي نوازع واتجاهات تسلطية على دور المؤسسات الثقافية في المجتمع المدني، والكف عن هواجس صناعة وإنتاج الثقافة عبر المؤسسة الرسمية فقط، وتحويل الآخرين إلى متلقين للثقافة.
كانت الحاجة ملحّة، ولا تزال، لزيادة رقعة متذوقي الإبداع الثقافي والفني، كماً ونوعاً. وهو أمرٌ أصبح اليوم يتزامن بطبيعة الحال مع كل التحولات السياسية التي تشهدها البحرين، حيث لابد من إعادة توازن يحفظ للثقافة مكانتها كغذاء روحي يعزز مقومات المجتمع المدني ومساره نحو الحرية والانفتاح والتنوع والتسامح الثقافي. على المستوى الإداري اليومي، كان يوجد معي فريق عمل متنوع الخبرات والاختصاصات المهنية، فهناك باحثو آثار، ومعماريون، ومتحفيون، وموسيقيون، وفنانون تشكيليون، ومسرحيون، ومبدعون في المجال الأدبي، وكفاءات إدارية على درجة كبيرة من الإبتكارية والحب للعمل الثقافي. لقد نما هذا الفريق عبر تجارب الانفتاح على المشكلات اليومية لإدارة العمل الثقافي، وكان للانفتاح على كافة أشكال المبدعين في المجتمع البحريني، وخارجه، الدور الأهم والأبرز، إذ عبر أولئك المبدعين من أبناء الثقافة الرفيعة والشعبية، استطعت، والفريق العامل معي، من تحقيق ما أحسبه نجاحاً في مجال الانفتاح الحقيقي على الثقافة وعلى المجتمع بفئاته المتعددة والمتنوعة، بعيداً عن التقوقع في الدوائر الثقافية التقليدية ومشكلاتها وصراعاتها الفئوية.
أنثروبولوجياً، كنت أُعّول كثيراً على أهمية موارد الثقافة العربية ومخزونها المتنوع والمتعدد، وعلى شبكة العلاقات التي كنت أمتلكها، ولا أزال، مع بعض من رموز الثقافة العربية، وخاصة المبدعين منهم في مجال إدارة العمل الثقافي في الوطن العربي، أو من العاملين منهم في المنظمات الدولية كاليونسكو وغيرها، وكذلك زملائي من الأوروبيين. وأخيراً كنت أراهن أيضاً على شبكة علاقاتي مع أصدقائي وزملائي الأنثروبولوجيين العرب، حيث سعيت عبر ذلك إلى تطوير مواسم ثقافية متنوعة، بحيث يتاح المجال خلالها للبحرينيين وللمقيمين بمملكة البحرين وللمبدعين العرب والأجانب من الأوروبيين والآسيويين، الفرصة لتبادل المعرفة الإبداعية في مجال الفنون والموسيقى والآداب وغيرها.

وماذا بالنسبة لرئاستك لمجلة (البحرين الثقافية)، هل لك أن توضح للقارئ كيف أثرت دراساتك الأكاديمية ومنجهك الأنثروبولوجي الثقافي في بلورة فلسفة وموضوعات المجلة؟

– فيما يخص المجلة التي كانت تصدر عن المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، أي (البحرين الثقافية)، فكان لنصيب الحرية التي تُركت لي في إدارة العمل الثقافي بالوزارة، الدور الذي عزز مكانة المجلة كنافذة للثقافة العربية في البحرين المنفتحة، والمصّرة على لعب دور فاعل في الحوار الفكري مع الثقافة العربية الأم برموزها الفكرية ومبدعيها. لقد كان عليّ مسئولية كبيرة متمثلة في إحداث تطوير ونقلة نوعية، شكلاً ومضموناً، ومن الزاوية التي أعاين منها التجربة اليوم بوسعي الإفضاء بحقيقة وهي أن القدر الذي تحقق للمجلة لا يعود لي وحدي فهو يعود أيضاً لكفاءة الفريق الذي عمل معي في هيئة التحرير، كتّاباً ومحررين وفنانين ومصممين، وزملاء وأصدقاء من كتاب بحرينيين وعرب، جمعتني وإياهم زمالات وصداقات تُشكّل بالنسبة لي مصدر اعتزاز خاص، وقد أتاحوا لي جميعاً الفرصة للتعلم ورصد متغيرات وحركية الثقافة العربية. وكان لاشك للأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيين، زملاء وأصدقاء، نصيب في مشروع رئاستي لتحرير مجلة البحرين الثقافية والتي امتدت منذ العدد (?8?)، أبريل 1996م وحتى العدد (?23?) أبريل ?2002?م. حاولت أن أفتح هناك نافذة أخرى صغيرة تطل من خلالها الأنثروبولوجيا على الثقافة العربية وتتفاعل معها، ولعل المتصفح لأعداد المجلة المذكورة سوف يلمح كيف تشكلت شخصية المجلة لتستقر على ما كانت عليه. ولعل قائمة الشخصيات البحرينية والعربية التي أُجريت معها حوارات سيرية وفكرية وثقافية مطولة، أو بعض الملفات الخاصة التي أعدت عنها، أو عن جوانب أخرى متعددة من الثقافة العربية، وهي في الجملة تعكس المكانة التي كنت أريدها للمجلة. أنثروبولوجياً، كان يعنيني ذلك إلى درجة كبيرة، وكنت أعتقد أنه لابد أن تتاح أمام الكتابات الأنثروبولوجية العربية الطليعية الفرصة والهامش المناسب لإيصال رؤاها الجديدة وملامساتها الحديثة للمجتمعات والثقافة العربية. كنت أجد في المجتمع البحريني، وثقافته، تنوعاً على درجة كبيرة من الأهمية من الناحية الأنثروبولوجية، هذا التنوع الثقافي، برأيي، أوجد تاريخياً انفتاحاً على مجتمعات وثقافات مجاورة وبعيدة، وقد كان للطبيعة البحرية للبحرين الدور الأبرز في تكريس خيار الانفتاح، وكنت أرى في هذا التنوع والانفتاح المجال الرحب الذي برزت خلاله، ولا تزال، تقاطعات ثقافية متعددة، نتج عنها تجارب فردية وجماعية بين البحرينيين وبين أبناء المجتمعات والثقافات العربية والآسيوية المجاورة التي جعلت من البحرين وطناً لها، في مجال اكتساب خبرات تجديد الإنتماء للثقافة العربية الأم، وكان ذلك جلياً في خبرات مثقفي البحرين الذي ذهبوا في بعثات تعليمية لمراكز الثقافة العربية مثل القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق، الأمر الذي عزّز الإطار العام للهوية العربية والانتماء القومي كمرجعية أساسية، يجاورها في الآن نفسه عددٌ من الهويات غير العربية التي شهدتها البحرين خلال القرون الثلاثة الماضية. كانت الخبرة التاريخية والثقافية، أي عبر تلك القرون الثلاثة الأخيرة، السبب وراء الانصهار التدريجي لتلك الهويات المتعددة في وعاء الهوية الأم للثقافة في البحرين، وهي الثقافة العربية. ولعل التحولات السياسية الأخيرة في البحرين ومشروع الإصلاح السياسي، والانفتاح، والتسامح الثقافي والاجتماعي المبني على مبدأ الحرية، واحترام المواطنة الحرة، والمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات، دون تمييز وبغض النظر عن خلفياتهم الثقافية أو الإثنية، نتاجاً لكل تلك التفاعلات والتقاطعات الثقافية. لقد وجدت في مجلة البحرين الثقافية الواسطة الأنثروبولوجية، رن صح لي التعبير، لنقل بعض من تلك المشاهد على صفحاتها. كانت بعض من محاولاتي تتمثل في الزج ببعض الرموز والأسماء البحرينية على صفحات المجلة من خلال حوارات سيرية معمقة معها من شأنها أن تكشف عن تلك التقاطعات الثقافية التي عاشتها وخبرتها، هذا بالطبع فضلاً عن مقالات وحوارات سيرية مع شخصيات عربية، أو غيرها، قادتها تجربة التقاطعات الثقافية التي تعيشها في البحرين إلى إعادة إنتاج هوياتها وكذلك الهوية الثقافية العربية.

لقد تم توسيع دائرة الاهتمام هذه على صعيد الملفات التي كانت تعد للمجلة، فإلى جانب تلك التي تخص جوانب من حركة الإبداع الثقافي على المستوى الأدبي والفني لكتاب ومبدعين بحرينيين وعرب، سعيت أن أعطى بعض المحاولات الأنثروبولوجية المجال للإفصاح عن رؤاها للثقافة العربية، فقمت شخصياً بإعداد ملف خاص عن الأنثروبولوجي والفيلسوف البريطاني إرنست غيلنر، باعتباره أحد تجارب التقاطعات بين الثقافة العربية والثقافة الغربية وملف آخر عن إسهامات الأنثروبولوجيا الغربية، خاصة الفرنسية والأمريكية، في دراسة الثقافة والمجتمع في اليمن، إلى جانب سلسلة من المقالات التي نشرت لزملاء أنثروبولوجيين ساهموا كمحاضرين في برنامج الموسم الثقافي لمتحف البحرين الوطني، أذكر منهم على سبيل المثال: شخصكم وزملاء أخرين مثل سليمان خلف، بكر باقادر، قيس النوري، وجان لمبيرت، وقد تطرق جميعهم إلى جوانب على درجة من الأهمية فيما يتصل بالثقافة والمجتمع العربي المعاصر.

– إلى جانب كلود ليفي ستروس، أعلم أن لك مقالات عنيت فيها بترجمة حوارات كانت قد أجريت مع بعض مشاهير الأنثروبولوجيا من خارج فرنسا، فهل تطلع القارئ على هؤلاء، وسبب اختيارك لهم، والهدف من وراء جمع هذه الحوارات في كتاب صدر لك مؤخراً بعنوان (دفاتر أنثروبولوجية: سير وحوارات)، وهل ترى في هذا العمل جزءاً من العملية التدريسية؟

– كما تعلم، كانت لي تجربة في الاقتراب من الأفكار والنظريات، وكذلك أصحابها. تتمثل تلك التجربة في محاولة الاقتراب من الشخصية التي تقف وراء إنتاج الأفكار والنظريات، وذلك من خلال الوقوف على الجوانب السيرية والسياقات المختلفة التي تقف أحياناً وراء صناعة وإنتاج الأفكار والنظريات. أذكر جيداً عندما كنت طالباً بجامعة الكويت، في أوائل السبعينيات من القرن الماضي،الدور الذي لعبته المجلدات الثلاثة للمؤرخ الفرنسي أوغست كورنو عن حياة كارل ماركس وفرديدرك إنجلز وسيرتهما الفكرية والاجتماعية في الاقتراب بموضوعية شديدة من نظريات ماركس آنذاك. لقد جردت مجلدات أوغست كورنو ماركس وإنجلز من الهالة الكبيرة التي كانت تحيطهما والحالة الأسطورية التي صنعت لهما ومن حولهما. لذا وجدت نفسي أكثر استيعاباً للأعمال التي أنتجها ماركس وإنجلز بل وشروط إنتاجهما، والسياقات الشخصية والعامة التي كانت تقف وراء إنتاج تلك الأعمال. لقد أعانتني تلك التجربة في الاقتراب الموضوعي من الأفكار والنظريات بصفة عامة، بل وأحياناً في اكتشاف مكامن القوة والضعف في الإطروحات النظرية والفكرية التي عادة ما يكون لها الدور الأبرز في صناعة ما يمكن أن نطلق عليه في العلوم بالقضايا الكبرى. وأذكر جيداً أن تلك التجربة قد أعانتني في محاولة أخرى مع مفكر فرنسي شغل كثيراً المثقفين والمفكرين بنظرياته وإطروحاته الفلسفية، وهو المفكر الفرنسي ميشيل فوكو. فبعد مطالعتي لأهم أعماله، مثل: أركيولوجيا المعرفة، نظام الأشياء، الجنون والحضارة، الانضباط والعقاب، جاء الكاتب الفرنسي ديديه أريبون بكتابه عن سيرة فوكو الذاتية والفكرية. وأستطيع أن أقول إن كتاب أريبون (ميشيل فوكو) قد استطاع أن يفكّ لي عدداً غير قليل من الرموز والمناطق الرمادية من أفكار فوكو، وقد كانت أموراً سياقية على درجة كبيرة من الأهمية وربما تكون السبب الذاتي، وليس ما كان معتقداً بأنه الموضوعي، وراء قيام فوكو بإنتاج تلك الأطروحة أو الأخرى وليس غيرها.
ثم حصل تطور آخر مهم في اهتماماتي الفكرية، خاصة خلال الثمانينيات من القرن الماضي، مما ضاعف ما يمكن أن أُطلق عليه هنا طريقة تناولي للأفكار، وهو تنامي الاهتمام في الأوساط الأنثروبولوجية الطليعية برموز مفكري وفلاسفة ما بعد الحداثة، خاصة ميشيل فوكو، وكلود ليفي ستروس، جاك دريدا، إداورد سعيد، وجاك لاكان، ورولان بارت وغيرهم. وقد بدأ تأثير هذه الأسماء يمتد عبر رؤاها الفلسفية ونظرياتها في النقد والنقد الأدبي، ليس في التأثير على النظريات والأفكار الأنثروبولوجية فحسب، وإنما إلى حقول معرفية واسعة ومتعددة في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية. وتزامن مع هذا التأثير لفلاسفة ومفكري ما بعد الحداثة، بروز محاولات جادة لباحثين أنثروبولوجيين تأثروا بنتاج مدرسة ما بعد الحداثة في مجال دراسة تاريخ الأنثروبولوجيا وتحليل السياقات المتسببة في بروز بعض المدارس الأنثروبولوجية. وكان التفوق في هذا النتاج على درجة كبيرة من الأهمية خاصة في مجال التحليل النقدي المترتب عن استخدام أدوات تحليل ونقد النصوص الأدبية للأعمال الإثنوغرافية لمالينوفسكي، وإيفانز بريتشارد، وفرانز بواز، وغيرهم. فكان لكتابات هؤلاء الأنثروبولوجيين، المتميزة برؤاها النقدية، الدور الهام في ترسيخ التعامل مع الأنثروبولوجي بوصفه كاتباً ومع الإثنوغرافيا بوصفها نصاً. وهكذا بدأت مرحلة أجدها على قدر كبير من الأّهمية في تاريخ الفكر الأنثروبولوجي، فقد دفعت تلك السنوات، أي الثمانينات، عدداً متزايداً من الأنثروبولوجيين للتعامل مع تاريخ الأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيين بكفاءة نقدية، دفعت بهم إلى الوقوف الموضوعي على ما ادّعته تلك النصوص الإثنوغرافية لنفسها من صفات كالموضوعية والحيادية، وتغييب الذات. وكان الإغراء كبيراً مما دفع كبريات الدوريات الأنثروبولوجية لإجراء حوارات سيرية بالغة الأهمية حول حياة وأفكار عددٍ من الأنثروبولوجيين، وكان أثر تلك الحوارات كبيراً في الأوساط النقدية الأنثروبولوجية، مما أدى إلى تمكينها من الوقوف على تاريخ تلك الأفكار ورموزها الأنثروبولوجية. على المستوى الشخصي لعبت تلك السير الذاتية والحوارات السيرية والكتابات الأنثروبولوجية التي أشرت إليها قبل قليل، دوراً كبيراً ليس في استيعابي الأفضل لتلك الأفكار والإطروحات النظرية، سواء الفلسفية منها أو الأنثروبولوجية، وإنما لبلورتها لآفاقي الفكرية بشكل واسع ونقدي.
أعود إلى بعض مما ذكرته في سياق حديثي عند الإجابة على الأسئلة السابقة المتعلقة بإشكاليات نشر الوعي في الأوساط الثقافية الخاصة والعامة بالأنثروبولوجيا، وتقديم الأسماء المعروفة والبارزة في حقل الأنثروبولوجيا بصورة مباشرة، متحدثة عن حياتها وأفكارها وبأكبر قدر من الإنسانية وبعيداً عن الأبوية والتعالي غير المبرر. لقد حفزني جداً التجاوب الذي أحدثهُ نشر تجارب الحوارات الأولى وبعض الكتابات السيرية الخاصة التي بدأت بنشرها خلال النصف الأول من التسعينيات في الصحافة والمجلات الثقافية في البحرين والخليج ومناطق عربية أخرى متفرقة، هكذا بدأت أشعر أن بعض الأسماء الأنثروبولوجية شرعت تخلق من حولها حالة اهتمام واكتشاف، وربما إعادة اكتشاف، لبعض مما هو سائد في الأوساط الثقافية العربية من صور نمطية عن الأنثروبولوجيا والأنثروبولوجيين. لقد بدأت بعض الأسماء، التي قمت بالكتابة النقدية والسيرية عنها وترجمة بعض من الحوارات معها إلى العربية، في لفت الأنظار، خاصة أسماء مثل: كلود ليفي ستروس، وإرنست غيلنر، وريموند فيرث، كليفرد غيرتز، وكان لتزامن ظهور ترجمات عربية لأعمال بعض من هؤلاء الأنثروبولوجيين، مثل كلود ليفي ستروس، وكليفرد غيرتز، وإرنست غيلنر، دورٌ في خلق صورة مغايرة لتلك الصورة النمطية السائدة.
في سنوات نشري لتلك المقالات والترجمات، كان زملائي الأكاديميون وبعض من أصدقائي المقربين يقدمون، ما كانوا يعتقدونه نصيحة صادقة، وهو ضرورة توجهي لنشر أبحاث محكّمة أكاديمياً، وفي دوريات جامعية معتمدة حساباً للمستقبل وللترقية الأكاديمية عندما تحين الفرصة.كان البعض منهم ينظر لكتاباتي تلك على أنها مضيعة للوقت، والنظر إليها على أنها أمر يختص به الكتابُ والنقاد والمشتغلون بالثقافة والأدب بصفة عامة، وليس الأكاديميين. على أنني كنت، ولا أزال، أتعامل مع نفسي بصفتي كاتباً في الأساس، وأبحث عن الموضوعات وأقوم باختيارها بما يلائم اهتماماتي ومزاجي العام وعلاقتي الحميمة بالموضوع. والأمر ينطبق كذلك وبصورة أكثر جدية على اختياري لنصوص معينة للترجمة إلى العربية. وأحسب أن ما قمت بترجمته إلى العربية، حتى الآن، ما هو إلا نتاج حميمية خاصة في علاقتي بتلك النصوص.
كنت أرى أن أسماء تمثل مدارس أنثروبولوجية مختلفة، كالمدرسة الفرنسية، والبريطانية، والأمريكية، لابد وأن تُقّدم وتُعّرف بشكل متزامن مع توفر نصوصها الأنثروبولوجية والقراءات النقدية لها. وكنت أتطلع، ولا أزال، إلى أن تحقق ترجمة الأعمال الأنثروبولوجية والإثنوغرافية البارزة لهؤلاء وغيرهم من الأنثروبولوجيين المعروفين. على أنني عندما شرعت في جمع تلك الحوارات وإعدادها للنشر وجدت أنه من المناسب أن يشتمل هذا الكتاب على أمرين مهمين: الأول، وكان يتمثل في تقديم تلك الرموز الأنثروبولوجية بصورة سيرية ونقدية، وهكذا قمت بتضمين الكتاب باباً خاصاً اشتمل على مقالاتي المنشورة عن تلك الأسماء، أما الأمر الثاني، فهو تضميني الكتاب لحوارات أخرى قد تم إنجازها مع أنثروبولوجيين عربيين معروفين، هما: أحمد أبو زيد وحسين فهيم، ولمعرفتي الشخصية بهما وقربي من أعمالهما، قمت بإعداد حواراتهما بصورة أكثر توثيقية عند نشرها في كتابي (دفاتر أنثروبولوجية: سير وحوارات).
أعود إلى الجزء الأخير من سؤالك: هل أرى في كتابي (دفاتر أنثروبولوجية) ما يمكن أن نحسبه جزءاً من العملية التدريسية. حسناً، المشروع هنا في أصله الأول لم يكن يهدف إلى إيجاد مادة أنثروبولوجية علمية مناسبة تكون ذات نفع وفائدة في العملية التعليمية الجامعية. أما وقد تم الاستفادة من المقالات المنشورة والحوارات المترجمة، كما بلغني من بعض الزملاء من الأنثروبولوجيين العرب، فقد كان ذلك حافز لي لنشر كل تلك المقالات والحوارات في (دفاتر أنثروبوولوجية). والآن، وبعد مرور بعض الوقت على نشري لها، سأرى فائدة كل ذلك والكتاب، بصورته الحالية، بين أيدي طلابي بجامعة البحرين.

إن سؤالي عن إدراج مثل هذه المؤلفات في العملية التدريسية يُرد إلى دعوتي وحرصي ألا يقتصر تدريس مادة الأنثروبولوجيا الاجتماعية/ الثقافية على توجه نظري معين يحدده أساساً اهتمام أستاذ المادة وخلفيته الدراسية. أعتقد أنك تتفق معى في أن تنوع الأفكار وتعدد المناهج يسهمان ولاشك في إنارة الفكر وإطلاقه عبر آفاق جديدة ومبتكرة تتبلور في إطارها الأولويات البحثية وتتسق معها الاهتمامات المحلية لكل مجتمع. لقد اتسع تدريس هذه المادة بل أصبحت ضمن المتطلبات الجامعية الاختيارية لجميع التخصصات بالجامعات العربية بصفة عامة، فكيف ترى تدريس مادتها بما يتناسب مع أوضاع عالمنا المتغير والعولمي ?00? ألا ترى أن هناك ضرورة الآن ونحن في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين تقتضي التعديل، بالحذف أو الإضافة أو التركيز، في موضوعات منهج الدراسة بما يتناسب مع قضايا العصر عامة والأحداث ا لجارية في منطقتنا بصفة خاصة؟ يؤسفني أن تدريس هذه المادة في كثير من الجامعات الخليجية والمصرية، في حدود علمي، لا يزال تقليديا يتناول منهجه: نظم القرابة والزواج أو نظم المعتقدات والشعائر في المجتمعات القبلية، أو ما يصطلح على تسميته بالمجتمعات البدائية التي لم يعد لها وجود الآن. أعتقد أنك من أنصار التجديد وإبراز ما له صلة من مفاهيم ومناهج وموضوعات أنثروبولوجية في منهجك التدريسي بما يقدم الفهم، ويسهم في تفسير ما يجرى من أمور في حياتنا اليومية الحالية، عالمياً ومحليا. أتساءل هنا ما هي الموضوعات التي تراها ملحة الآن لأن تُدرج ضمن تدريس مادة الأنثروبولوجيا الاجتماعية /الثقافية، وهذا لا يعنى طبعاً إغفال تدريس الأساسيات المتعلقة بالمفاهيم والمناهج التي تميز هذا الفرع من المعرفة عن غيره من الدراسات أو العلوم المهتمة أيضاً بالمجتمع والثقافة؟!

– حسناً فعلت، لقد كان استدراكك في الجزء الأخير من سؤالك أمراً على قدر كبير من الأهمية، خاصة وأن الأنثروبولوجيا، كتقليد علمي، أصبحت تتعرض لحملات عنيفة من النقد وجلد الذات الذي يمعن أتباع مدرسة ما بعد الحداثة في ممارسته، وقد انتهت تلك الانتقادات والدعوات إلى حد التنبؤ بعدم جدوى الإبقاء على الحقول الأربعة للأنثروبولوجيا الثقافية الأمريكية (علم الآثار – الأنثروبولوجيا الثقافية – الأنثروبولوجيا الفزيقية – أنثروبولوجيا اللغة)، بل إلى إلغاء الأنثروبولوجيا وإدماجها ضمن برامج الدراسات الثقافية، السريعة الانتشار هذه الأيام في المعاهد والجامعات الغربية. ما هو لزوم أو أهمية هذا الكلام؟ ربما أجد نفسي هنا مضطراً لتكرار كلام وآراء سبق وان أشرت إليها في حوارات ومناسبات أخرى. أولها ما يتصل بالظروف التاريخية الخاصة بمكانة الأنثروبولوجيا كعلم وحقل من حقول المعرفة الإنسانية، في الدوائر والأوساط الأكاديمية والثقافية العربية عامة، والتي أسست موقفاً سلبياً بصفة عامة وفي أحيانٍ كثيرة كان موقفاً عدائياً مهّد الطريق إليه، بالإضافة للسياقات التاريخية الخاصة بالأنثروبولوجيا، المستوى التقليدي المتسم بتخلف طرق ومناهج تدريس الأنثروبولوجيا في معظم الأكاديميات العربية، فضلاً عن المواقف العقائدية ذات التلاوين المتعددة التي استمدت مرجعيتها إما من المدارس الفكرية اليسارية الطابع، أو التيارات العقائدية القومية أو الدينية الممسكة بمفاصل الخطابات الفكرية الكبرى المهيمنة في معظم المجتمعات العربية. بالإضافة إلى انتشار كتابات، متفرقة إما بالعربية أو مترجماً إليها، خاصة تلك المنتمية إلى المدارس النقدية الحديثة في مجال الأدب. تلك بعض من الظروف والمسببات التي آلت بالأنثروبولوجيا إلى موقع دفاعي ضعيف لا تزال تعاني منه.
ثم لا ننسى أيضاً، أن الأنثروبولوجيا، بوصفها علماً وميداناً للمعرفة الإنسانية، لا تزال معظم نصوصها، أي تراثها ونصوصها الأنثروبولوجية والإثنوغرافية المسهمة في بروز وتطور نظرياتها ومدارسها الفكرية غير متوفرة بالعربية حتى الآن، ليس هذا فحسب وإنما حتى النصوص الأنثروبولوجية والإثنوغرافية التي أسهم في إنتاجها أنثروبولوجيون عرب لم ينشر معظمها حتى الآن، وذلك المنشور بلغات غير عربية لم تتم ترجتمه ونشره بالعربية بعد! السؤال الهام هنا هو: كيف نستطيع الحديث عن وضع مثالي أو معقول للأنثروبولوجيا كاختصاص علمي بالجامعات العربية، بل كيف نستطيع الحديث عن حذف أو تعديل أو إضافة في موضوعات منهج الدراسة بحيث يتناسب مع قضايا العصر والأحداث الجارية في العالم ومنطقتنا العربية؟
إنني أرى أنه لا بد من وجود جهد مؤسسي، تتعهدهُ المعاهد ومراكز الأبحاث ودور النشر التابعة لها، كي تقوم بنشر النتاج الأنثروبولوجي العربي، بالإضافة إلى إيجاد دوريات عربية أنثروبولوجية تسهم في نشر الدراسات والأبحاث، هذا إلى جانب تشجيع ودعم جهود تأسيس الجمعيات الأنثروبولوجية العربية والمؤتمرات العلمية وحلقات النقاش، وأعتقد أنه بتوفر تلك الظروف، أو بعض منها، نستطيع أن نستمع إلى إسهام عربي أنثروبولوجي، ليس في القضايا والخطابات الكبرى التي تهيمن على الساحات الفكرية في العالم، إنما طبيعة التناول والمنظورات التي يتم من خلالها التعاطي مع قضايا التاريخ والمجتمع والثقافة في المجتمعات العربية. أرى أن على الأنثروبولوجيين العرب، من العاملين في الأكاديميات العربية، أن يقوموا بممارسة نقدية موضوعية للواقع الذي تعيشه الأنثروبولوجيا في الجامعات العربية، أي من حيث مناهجها وطرق تدريسها. وأرى أن إصلاح البيت العربي للأنثروبولوجيا يشكل أمراً، بل وشرطاً حيوياً حتى نستطيع بعد ذلك الحديث بثقة، بل وإلحاح شديد، عن أهمية وضرورة الانفتاح على كافة حقول وميادين العلوم والمعارف الإنسانية. ولكي لا يظل هذا الانفتاح متردداً وهشاً، علينا إذاً أن نُعمّق الوعي بالأنثروبولوجيا، بتاريخها، ومناهجها، ونظرياتها، وإسهاماتها. علينا أن نقوم بكل ذلك ولكن برؤى نقدية متفتحة على جميع الأفكار والمدارس الفلسفية.

– بالنسبة لمسألة المثقفين العرب ودورهم أو أدوارهم، فقد قرأت في حوار نشر في المجلة العربية للعلوم الإنسانية التي تصدر بالكويت بعنوان (الثقافة العالمية والثقافات المحلية) رأياً يقول صاحبه (إن للمثقف دوراً مزدوجاً وخصوصاً للمثقف العربي، فهو يحاول أن يستقطب أكثر من تيار، فهناك التيار المحافظ الذي يرى ضرورة رفض العولمة، والتيار الغربي الذي يرى الاندفاع نحو العولمة، والتيار الوسط الذي لا يعرف ما يريد). ما رأيك في هذا التصنيف؟

– أحسب أنني أدرك المراد تصويره في مقالة (الثقافة العالمية والثقافات المحلية)، أي مأزق المثقف العربي إزاء العولمة. لا أختلف كثيراً حول هذا التصنيف، على أنني أضيف أمراً آخر إليه وهو التلاوين المختلفة من الإرهاب الذي لم تعد السلطة هي التي تمارسه فقط، وإنما كذلك الإرهاب الذي تمارسه القوى السياسية بمختلف ألوانها، وهو إرهاب يمارس باسم، بل وبالنيابة عن العوام أو لنقل عن الشارع. وهناك إرهاب المثقفين لبعضهم، وعبر برامج وتحالفات بينية مع إرهاب السلطة وإرهاب الشارع، وعلينا أن نعود للعشرين سنة ا لماضية، أي منذ غزو إسرائيل للبنان ?2891?م، لنرى ممارسات هذه التلاوين المختلفة من الإرهاب، وما آلت إليه تلك الدروب المختلفة من الإرهاب من تأثير مهلك على دور المثقف العربي وتهميش دوره إلى الحدود الضيقة التي انتهى إليها، بل للمواقف الهشّة والهامشية التي انتهى إليها وضع المثقف العربي، إلى الدرجة التي أصبح الوقوف ايجابياً مع العولمة كما لو كان وقوفاً مع الأنظمة السياسية الغربية وليس الحضارة الغربية، وهكذا على المثقف العربي، خشية من الإرهاب هنا، أن يدين العولمة ففي إدانته لها إدانة للغرب وأنظمته. وهكذا الحال في الموقف من الثقافة المحلية، فالموقف إلي جانب الثقافة المحلية أصبح يعد في مثل هذه الحالة وقوفاً مع الشأن الوطني ضد العالمي، أي الغرب ا لجشع الظالم، الطاغي، الخ. فهل هناك تبسيطٌ وتجييرٌ للسياسة والأخلاق، على الحالة التي نحن بصددها؟ أرى أن على المثقف العربي أن يشارك زميله المثقف الغربي هاجس الدفاع عن قيمة إنسانية مطلقة مثل (الحرية) حتى يستطيع كل منهما الدفاع عن ما هو مشترك وإنساني في الثقافة والمجتمع البشري بصفة عامة، أي عن التعددية الثقافية والتنوع وعن التسامح والسلام، أي عن الحوار بين الحضارات، بمعنى آخر صياغة أولويات لدور المثقفين بعيداً عن المصالح السياسية الضيقة، والأهم الحد من ممارسة الإرهاب والترفع عنه، أي الإقرار هنا بوجودية (الفرد) و(الحرية) كقيمة وفضيلة مطلقة.

تأخذنا هذه المسألة إلى موضوع يهم الأنثروبولوجيين خاصة وهو ما يتصل بالعولمة ومثال الثقافات المحلية، فهل ترى فيما يطلق عليه (بثقافة العولمة)، وهي أساساً غربية وأمريكية بالذات، تأثير ضار على الثقافات العربية المحلية والمحافظة عموماً؟ وبما أن العولمة الحديثة واقع محسوس، إذ نجد فعالياتها ممثلة في أوجه عديدة من حياتنا اليومية، فما هو رأيك بصدد الموقف الذي يتخذه المثقف العربي تجاهها؟
أعتقد أن العولمة، أو (ثقافة العولمة) كما أشرت إليها أمراً لا يخص المثقفين وحدهم، فهي تجربة إنسانية معاشة منذ فجر الاتصال الثقافي بين كل الحضارات والمجتمعات، أما لماذا سميت اليوم بـ(العولمة) فهو أمر آخر. ذلك أن قصر العولمة على بنى وعلاقة القوى والسلطة على الصعيد الدولي حيث تمارس الولايات المتحدة الأمريكية كنظام سياسي التسلط المطلق على مجريات السياسة الدولية، وليس الثقافة والمجتمع الأمريكي التي نحن مدعوون للاتصال والحوار والاستفادة القصوى المتبادلة بين الثقافة والحضارة العربية ونظيرتها الأمريكية. وهنا، أرى أنه عوضاً عن رجم الأخيرة والنظر إليها كمصدر لكل ما هو سلبي ومنحط في الحضارة الإنسانية المعاشة، علينا نحن المثقفين العرب جميعاً أن نجد القواسم المشتركة ليس مع الحضارة والثقافة الأمريكية فحسب وإنما مع تلك التي في الغرب بصفة عامة والعالم أجمع. علينا أن ندرك أمراً هاماً هنا وهو أننا تاريخياً، أي كحضارة وثقافة عربية، كنا ولا نزال مسهمين أساسيين في المنجز الحضاري الإنساني، والذي تريد بعض القوى المحافظة في الغرب أن تصوره على أنه نتاج خاص بالإنسان الأبيض في الغرب وحده، وهذا ما تذهب إلى تأكيده وبجهالة شديدة بعض القوى العربية والإسلامية المحافظة وأخرى أيضا ليبرالية وربما علمانية عربية تبنت جمعيها موقف القطيعة مع العولمة باعتبارها نتاج للنظام السياسي الأمريكي أو النظم السياسية الغربية وحدها، وهكذا أصبحنا نجد الموقف من العولمة، كظاهرة عالمية، يمارس باعتباره قضية سياسية ليس إلا !!
– دعني أنتقل هنا إلى موضوع النشر والإعلام للثقافة العربية لأعبّر لك عن أسفي لقلة الاهتمام ومحدودية الجهد سواء من قبل الأفراد أو المؤسسات في مصر والخليج لتعريف العالم بالثقافة العربية المعاصرة ومنتجها الفكري عامة والأدبي والفني خاصة من خلال الترجمة والنشر بلغات أجنبية. هذا بالرغم من الوعي بأهمية ذلك والحاجة إليه والتوصية به مرة تلو الأخرى. ولعلني أذكر هنا أنه في مايو عام ?8991? م عَقَدَت الكويت ندوة عن واقع الترجمة في الوطن العربي، وتلتها القاهرة في يونيو من نفس العام بعقد مؤتمر دولي للترجمة ودورها في تفاعل الحضارة، وربما يكون هناك ندوات أو لقاءات أخرى ليس لديّ علم بها، الآن كيف يتم حوار بين الثقافات دون فتح نوافذ نطل منها وتتعرف هذه الثقافات على بعضها. إيران، يا أخي عبدالله، تصدر مجلة باللغة الإنجليزية تُـعرّف من خلالها العالم بفكرها وأبحاث دارسيها وأعمال كتابها، ولمدة ثمانية عشرة سنة الآن Journal of Iranian Research & Analysis)( خذ مثال آخر من الشرق الأقصى، فها هي كوريا تنشأ معهداً متخصصاً للترجمة ويصدر عنه مجلة دورية بعنوان (الأدب الكوري المعاصر)(Korean Literature Today) حيث تقدم فيها مختارات من أعمال شعرائها وكتابها وأدبائها عامة. أعتقد أنك لن تختلف معي في أن قوة أي بلد وعظمتها لا تقتصر فقط على التقدم الاقتصادي أو الهيمنة العسكرية وإنما تأتي من قوة نشر ثقافتها على العالم.
– لا جدال في أهمية وحيوية الترجمة من وإلى العربية سواء في حقل العلوم والمعارف الإنسانية أو الإبداع الفني والأدبي والثقافي بصفة عامة. إن مسئولية الأفراد، والمؤسسات خاصة، كبيرة في هذا الخصوص، وبرأيي ما هي إلا واحدة من الجهود التي يجب أن تلعب دوراً فعالاً في زعزعة وإزاحة الصورة النمطية للثقافة والإنسان العربي التي يراد تكريسها في الأوساط الثقافية والإعلامية الغربية. لو أخذنا جهود المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت والمجلس الأعلى للثقافة في مصر في حقل الترجمة إلى العربية سنرى أن هذا الجهد على الرغم من محدوديته إلا أن ما يتركه من أثر في ميدان التواصل الثقافي وتبادل المعارف مع بقية الثقافات والنتاجات العالمية أمر في غاية الأهمية. وإذا ما تصورنا وجود نشاط مشابه لمؤسسات عربية على شاكلة المجلسين في أقطار عربية أخرى، حيث لا تكتفي بالترجمة إلى العربية وإنما الترجمة منها أيضاً إلى لغات أوروبية وعالمية أخرى، آنذاك ستكون الصورة فعلاً مغايرة.
عليك، يا أخي العزيز، أن تتخيل فكرة قيام كل دولة عربية مثلاً بترجمة مختارات مما يصدر عنها وفي جميع المجالات باللغات الأخرى إلى العربية، إن ذلك برأيي يعد شرطاً أساسياً للحوار والتواصل مع الحضارات والثقافات الأخرى. أرى أنه عوضاً عن التسرع في إنشاء مشاريع مراكز ترجمة جديدة في بعض الدول العربية، أن يجري تبني ودعم مراكز ومعاهد علمية أو ثقافية قائمة أثبتت كفاءتها، كأن يدعم مركز أو كلية أو قسم أكاديمي عربي في إحدى الجامعات العربية المعروفة لإصدار دورية بالفرنسية مثلاً، وترجمة أعمال عربية في ميدان الأدب والثقافة والإبداع العربي المعاصر إليها. ألا ترى أنه لأمر محزنٌ أن تقوم بعض الدوريات في الغرب بهذه الجهود والمشاريع وحدها! لماذا لا تتوجه مشاريع دعم الثقافة العربية، كالتي يتم اعتمادها في الاجتماعات الدورية لمسئولي الثقافة العرب، لدعم جهود بعض الإصدارات العربية باللغات الأوروبية، كتلك التي شرعت الإصدار في أوروبا والقارة الأمريكية وأستراليا، خاصة وأن تلك المشاريع الجديدة لا تقع في دائرة الصراعات العربية- العربية التقليدية التي تشهدها الاجتماعات العربية على المستوى الرسمي. إن دعم مشروع قائم وناجح ثم الانتقال إلى مشروع آخر، أفضل بكثير من السعي لإنشاء مشاريع لا تمتلك من مقومات النجاح شيئاً يذكر، وأستطيع أن أضرب أمثلة كثيرة بل ومحبطة في هذا الخصوص وذلك من واقع الاجتماعات الثقافية العربية الرسمية.
دعني أختتم إجابتي هنا بإيراد هذا المثل، نحن نعلم جميعاً التأثير الهائل الذي أحدثته أعمال المفكر والناقد الفلسطيني-الأمريكي، إداورد سعيد كالـ(الإستشراق) و(الثقافة والإمبريالية) في الأوساط الثقافية والفكرية ليس في الغرب وحده وإنما في العالم بأسره. إنها ببساطة نتاج جهد بحثي جاد ورصين فرض على منتجها العودة إلى النصوص الإستشراقية في عمله الأول، أي (الإستشراق) وإلى النصوص الأدبية كالأعمال الروائية في العمل الثاني (الثقافة والإمبريالية)، ما مكن كاتبها، أي إداورد سعيد، من الوقوف على الإشكاليات الهامة لمنتجي الخطابات الاستشراقية والأعمال الروائية الكولونالية. السؤال هنا: إن المواقف العدائية للإستشراق مثلاً بين بعض المثقفين العرب، باختلاف مشاربهم، وباختلاف منطلقات تعاطفها مع كتابات إداورد سعيد، إنما هي مبنية على ما كُتب عن الإستشراق وليس على توافر نصوص الإستشراق بالعربية، حيث لا تزال معظم الأعمال الإستشراقية تلك غير مترجمة والبعض المتوافر إنما تم بترجمات غير دقيقة وموضوعية. ها هنا نحن إذن أمام واحدة من المشكلات العملية التي يسببها غياب الترجمة والتواصل، أي في خلق صور نمطية وإصدار استنتاجات نقدية لا تقيم وزناً للمعرفة العلمية الموضوعية.

كما تعلم يا أخ عبدالله إن عصرنا الحالي عولمي، سريع التغير، بل وخطر للغاية خاصة بعد ما حدث بأمريكا في سبتمبر ?1002?م، وما نتج عنه عالمياً وفي منطقتنا خاصة من تداعيات حربية وسياسية ودينية، وما قد يحدث مستقبلاً من أمور جسام ونتائج خطرة على المستويين السياسي والاقتصادي خاصة، ألا ترى أن الحال الآن يستدعي إعادة نظر شاملة وأخذ خطوات عملية وفعالة من جانب المثقفين العرب عامة والأكاديميين خاصة ببذل مزيد من الجهد نحو إجراء دراسات أشمل وفهم أعمق للثقافة الغربية وخاصة الأمريكية. والغرب أيضا من جانبه، يبدو أنه أثبت جهله أو سوء فهمه لأمور كثيرة عن الثقافة العربية والإسلام، وقد أبرز ذلك إدوارد سعيد في عدة مقالات نشرتها مجلة ((The Nation الأمريكية خلال هذا العام.
إنّ بشاعة ما حدث في 11 سبتمبر1002م وكل أشكال التداعيات الخطرة الناتجة عنه والتي قد تكون سبباً لكوارث إنسانية وصراعات لا حد لها، كان لابد من إجراء حوارٍ جديٍ في مسبباته، سواء لمعرفة الأسباب التي قادت إلى ارتكاب هذا العمل الإجرامي البشع والسياسات والظروف التي قادت إلى إنتاج ذلك النوع من القوى المتطرفة في الشرق لتنفيذ تلك العمليات، وهنا علينا أن نقف بجرأة وصراحة شديدة، أي نحن العرب أو أبناء المجتمعات الشرقية الإسلامية، للتعرف على الظروف والمسببات وربما أيضاً السياسات الخاطئة التي قادت إلى تهيئة الظروف لإنتاج مثل تلك القوى والتنظيمات الدينية المتطرفة. وأرى أن في عدم استمرار إجراء مثل هذه المراجعات التاريخية ستكون من نتائجها أعمال أخرى أكثر خطورة ومسببة لمزيد من الدمار والصراع مع بقية الأمم والثقافات. على صانعي السياسة والمثقفين العرب، ممن يعنيهم سيادة العدل والحرية والسلام في العالم، أن لا يواصلوا تأجيل مسئولية القيام بهذه المراجعة النقدية أكثر مما ينبغي، وأن لا يتركوا الآخرين ليقوموا بهذه المراجعة نيابة عنهم.
هناك أيضاً مراجعة نقدية تتساوى في أهميتها مع المراجعة العربية أو الإسلامية، تلك هي المراجعة الغربية، وهو أن الغرب عامة والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، مسئولون عن استمرار قوى وتيارات فكرية وسياسية تتفاوت درجة معاداتها وتطرفها تجاه العرب والإسلام كمجتمع وثقافة، وهذه القوى ورموزها السياسية والفكرية أصبحت اليوم ممسكة، كما هو الحال في الإدارة الأمريكية الحالية، بمراكز صنع القرار السياسي ورسم السياسات الخارجية، وتتضح خطورة هذه القوى وسياساتها الخاطئة في الموقف غير العادل الذي تتخذه تجاه قضية الشعب الفلسطيني وحقه في تقرير مصيره. واستمرار جهالتها كقوى وأولئك الذين يصنعون القرار السياسي فيها، بأن هذه القضية بالذات هي ليست بقضية الفلسطينيين وحدهم، وإنما هي قضية مقدسة تستمد قدسيتها من المكانة الخاصة لفلسطين في العقيدة والوجدان العربي والإسلامي. والسياسة الأمريكية الخارجية ذهبت إلى حدود متمادية في تجاهل هذا الأمر، وذلك بالوقوف المطلق والمنحاز إلى صف قوى دينية متطرفة تمسك بنظام الحكم في إسرائيل وتمارس أكثر السياسات العنصرية والدينية تطرفاً في العالم. إن تصحيح هذه السياسات الخاطئة هي من مسئولية الغرب وقواه العادلة المحبة للحرية والعدل والسلام، ومن رموزها الثقافية والفكرية التي هي اليوم مطالبة أكثر من أي وقت مضى بممارسة دورها في النقد والتصدي لهذه القوى والتيارات اليمينية المتطرفة في الغرب عامة وأمريكا خاصة. وعلى المثقف العربي والقوى العربية المحبة للحرية والعدل والسلام أن تدعم هذه المحاولات وأن لا يكفوا عن مواصلة الحوار مع المثقفين الغربيين والأمريكيين ومساعدتهم في الشروع في هذه المراجعة، مثلما هم مطالبين بإجراء المراجعة النقدية والإصلاح اللازم، وأرى أن الصورة النمطية للإنسان العربي أو المسلم في الغرب، لن يتم تصحيحها بنشر الدراسات أو الأبحاث الجادة عنها، سواء من قبل الكتاب العرب أو الغربيين، وإنما أيضاً من خلال تصحيح الأوضاع العربية الخاطئة والسلبية، أي بإعادة الاعتبار لقيم الحرية والعدالة واحترام حقوق الفرد، والنظر إلى حريته كقيمة مطلقة.
من المؤكد أن الغرب يريد ثقافات ندية له في المستوى الاجتماعي والسياسي من الممارسة، وأرى أن هذا شرط عادل. هناك برامج وفلسفات إصلاح نادى بها العديد من المصلحين العرب منذ القرن التاسع عشر، وأرى أنه آن الأوان أن نلتفت إلى نداء آت هؤلاء المصلحين المتجهة نحو إصلاح أوضاعنا العربية والإسلامية. من المؤكد، يا أخي العزيز، إن إجراء دراسات أشمل وفهم أعمق للثقافة الغربية وخاصة الأمريكية أمر يعاني منه النشر العربي، إن ما ينشر في هذا الخصوص إذا ما كشفت عنه الأرقام والإحصائيات سيدل على مؤشر في غاية الخطورة، سنعلم جيداً حينها مدى انغلاق الثقافة والمجتمع العربي على ذاته. أنظر إلى الكم الهائل من الإصدارات التراثية العديدة التي تقوم دور النشر العربية دون كلل، بإصدارها، وإعادة إصدارها مرات ومرات متعددة، في مقابل ما يتم إصداره أو نشره في مجال دراسة المجتمع والثقافة في الغرب أو غيره من الثقافات والمجتمعات في العالم!!

لعل أن يكون في موقعك بالجامعة تأثير في توجيه طلاب الدراسات العليا في مجال العلوم الاجتماعية عامة والأنثروبولوجيا خاصة بحكم تخصصك، نحو دراسة مجتمعات وثقافات البلاد الأجنبية التي يُوفدون اليها للدراسة، وهي غربية عامة. فلا معنى، في رأيي، أن يتوجه طالب عربي إلي أمريكا أو فرنسا حين يقضي بها عدة سنوات ليعد رسالة عن الأدب العربي أو سيرة طه حسين أو رفاعة الطهطاوي، ويعود بعد ذلك لا يعرف إلا القليل جداً عن ثقافة أو مجتمع البلد المضيف. يندر أن وجدت طالبا عربيا، وخاصة من منطقة الخليج، قد اهتم بدراسة الدستور الأمريكي أو الأدب الأمريكي أو النظام الاقتصادي الخ، في حين تجد الطلاب الأمريكيين، بل والوافدين من الشرق الأقصى، يدرسون القرى والمدن في منطقتنا ويُعدّون رسائل الدكتوراه عن الفن والموسيقى والسينما والأحزاب السياسية والطعام والأسرة والجنس والمرأة بل إلى حد دراسة علميات ختانها وتأثيرات ذلك. إننا في أشد الحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى دراسة الآخر وفهمه من منظور منهجي ومعايشة وليس من خلال المقالات الصحفية أو انطباعات الزوار والسياح أو الحكم المسبق. آمل أن تتبنى هذه الدعوة وتُروّج لها وتنصح بها، دعوة دراسة وفهم الثقافات الأخرى، وهنا تبرز قيمة الأنثروبولوجيا الثقافية فهذا هو جوهر موضوعها وهدفها.
أنت أعلم، يا دكتور فهيم، بأهمية وحيوية الأنثروبولوجيا بنظرياتها ومناهجها في الوقوف العلمي الدقيق على التكوين الإنساني والمعرفي للثقافات والمجتمعات، بل وأرى أنها الأكثر تأهيلاً من بقية العلوم الاجتماعية والإنسانية في الوقوف على هذه الجوانب عن غيرها من فروع تلك العلوم. إنها رحلة البحث عن الآخر الثقافي والاجتماعي التي كانت ولا تزال تقود إلى اكتشاف الذات والأنا بصورة أكثر موضوعية وصدق. وهي مهمة أرى أنها يجب أن لا تقتصر على الأنثروبولوجيين وحدهم فقط، فهي أمرٌ مُدركٌ بشكل جيد هنا، بل وخطورة غيابه على استمرار الصور والذهنيات النمطية عن الغرب. ولكن أرى أن الأدهى والأمرّ يتمثّل في التجارب المريرة التي أنتجتها سياسة الإبتعاث للدراسة في الغرب أو غيرها من المجتمعات غير العربية، حيث يسبب انتشار الأفكار المحافظة بل والبعض منها المعادي للغرب، كثقافة ومجتمع، أن أوجدت في المدن الغربية مجتمعات عربية مغلقة أبوابها على نفسها، حيث تشكلت غيتوات، لا تريد من الغرب إلا الشهادة الجامعية فقط! لدينا الآن جيل من الجامعيين العرب لا يمتلك من تجربة العيش في الغرب سوى تخوم الغيتو وأسوار الجامعة التي درس فيها والجماعة الطلابية التي تحصّن بها خلال فترة وجوده في الغرب. ثم يعود كل هؤلاء ليكتشفوا جهالة تعاملنا مع الغرب، أو انتقاد العرب لعدم امتلاكهم للنفوذ الكافي كمواطنين في الغرب من أجل التأثير على صناعة القرار السياسي هناك، العائد سلباً أو إيجاباً على قضايانا العربية. وعادة ما يقارن تهافت هذا النفوذ الضعيف بقوة النفوذ الصهيوني في أمريكا. إذاً لتجاوز كل ذلك لابد من الحد من مواقف وسياسات انغلاق المجتمعات والثقافات العربية على نفسها، والعمل على خلق مجتمعات وأفراد منفتحين على العالم بثقافاته ومجتمعاته، وأن يمارسوا إصرارهم على مواصلة دور الشراكة الحضارية في صنع التراث الحضاري الإنساني مثلما كان نصيب أسلافهم في العصور الذهبية للحضارة العربية والإسلامية.
حسين فهيم: لقد أخذنا الحديث إلى موضوعات متفرقة ولكنها في واقع الأمر مترابطة، وكم كان بودي المزيد إلا أن مساحة النشر تقيدنا، ولكن الأمل على كل حال كبير في أن نواصل لفاءاتنا مستقبلا. وأود الآن أن أعبر عن عظيم شكري لشخصك العزيز لتيسير هذا اللقاء الفكري وتقديري لاستجاباتك لأطروحتي ?00? فكما أسعد دائما بلقائي الشخصي معك، فأنا أستمتع أيضا بحوارنا الفكري متمنيا لك التوفيق في كل ما تصبو نفسك إلى تحقيقه في حياتك وفي عملك بالجامعة وخدمة المجتمع.

موقع ملتقى البحرين.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий