Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > حوار مع رئيس مركز دراسات فلسفة الدين د. عبد الجبار الرفاعي

حوار مع رئيس مركز دراسات فلسفة الدين د. عبد الجبار الرفاعي

في حوار مع رئيس مركز دراسات فلسفة الدين د. عبد الجبار الرفاعي

– تحديث المؤسسة الدينية يعتمد على إكتشاف المنطق الذاتي للموروث، وإدراك متطلبات العصر ورهاناته

ما هي المؤسسة الدينية.. كيف تصفها؟

جواب السؤال الأول: الدين أصيل في حياة الانسان، وحيثما وجد الدين تجسد في السلوك الشخصي بشعائر وطقوس وممارسات تستلهم مفاهيمه. وعادة مايرتبط الدين في حياة المجتمعات بأماكن مقدسة ومعابد لأداء الشعائر والطقوس والتعليم الديني، وتتخذ هذه الأماكن مرجعية لكل مايتصل بإدارة وتنظيم المقدس والشأن الديني. وهي نواة تشكل المؤسسة الدينية.

لايستغني الإنسان عن المقدس، تجليات المقدس تتنوع بتنوع المجتمعات والأديان. يتغلغل المقدس في مجالات الحياة المختلفة، ويظل أثره على الدوام ليس هامشيا أو زائفا، وربما حاسما في مراحل ومنعطفات هامة في التاريخ، وترتبط عضويا إلى حد كبير بتحولات المقدس وتوظيفه عمليات التغيير الإجتماعي، في بعض المجتمعات. ومن الملفت للنظر ان الفيلسوف المعاصر يورغن هابرماس يحيل ما حدث في الغرب إلى الدين، بل إنه ينفي ماسوى الدين من عوامل، إذ يكتب:”ألمسيحية، ولاشئ ما عدا ذلك، المؤسسة النهائية للحرية، والضمير، وحقوق الإنسان، والديمقراطية. إلى يومنا هذا، نحن ليس لدينا خيارات أخرى، نواصل تغذية أنفسنا من هذا المصدر. كل شئ آخر ثرثرة ما بعد الحداثة”.

حضور المقدس وتمثلاته وتعبيراته وتجلياته وآثاره المتعددة في الحياة ظاهرة انثروبولوجية، لا تنفك عن الاجتماع البشري، تحّدثنا عنها المكتشفات الأثرية منذ فجر التاريخ، في حضارات وادي الرافدين، والنيل، والصين، والهند، وفارس، واثينا، وروما، والمايا، والأزتيك…وغيرها. وواكبت تلك الظاهرة تاريخ الانسان، وظلت على الدوام تمتد عموديا وأفقيا في كافة المجتمعات، واستعصت على أية محاولة لطمسها، مهما كانت ضراوتها وقسوتها. وأخفقت دعوات ووسائل اجتثاثها، بالرغم من استخدامها لأساليب التصفية الجسدية والقتل العشوائي والابادة الجماعية، كما حدث في الاتحاد السوفيتي السابق، ودول اوروبا الشرقية، خاصة البانيا التي فرض عليها انور خوجة الالحاد لعشرات السنين، والصين الشعبية في عهد الثورة الثقافية وقيادتها المعروفة بعصابة الأربعة، الذين كان من أبرزهم زوجة ماوتسي تونغ.

تمأسس الدين هو تحول كل شيء يرتبط بالدين الى مؤسسة تدير التعليم، والرعاية، والتوجيه، والارشاد، والدعوة، والتمويل للشأن الديني. ومادام الدين متغلغلا في المجتمعات، ويتصل بوشائج عضوية بأنماط الحياة الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والسياسية، والمدنية للمجتمع، فإن صيرورة المؤسسة الدينية وتمددها وانكماشها، وانفتاحها وانغلاقها، وتطورها وتخلفها، يرتبط بالاجتماع البشري وصيرورته.

ما الخطوات الاساسية لاحداث الاصلاح في المؤسسة الدينية؟

جواب السؤال الثاني: للمؤسسة الدينية مهمات خطيرة، خاصة في المجتمعات التقليدية، ولايحدث تحوّل في مثل هذه المجتمعات ما لم يحدث تحول في المؤسسة الدينية، ولايمكن تحديث المؤسسة الدينية ما لم يتم تحديث تلك المجتمعات، بمعنى ان هناك تأثيرا متبادلا بين طرفي المعادلة، لاينفك أحدهما عن الآخر، انهما قطبان في معادلة واحدة. في مجتمع أمي، فقير، متخلف، تتفشى فيه الأمراض، لايمكن تحديث المؤسسة الدينية، ذلك ان هذه المؤسسة نابعة من المجتمع، هي مرآة له، ترتسم صورته فيها، مثلما المجتمع مرآة لها، ترتسم صورتها فيه. الطلاب الذين تلقوا تعليما أساسيا جادا ومتميزا في الابتدائية والمتوسطة والاعدادية، عندما ينخرطون في التعليم الديني بعد التخرج من الثانوية العامة، هم أكثرا استعدادا على فهم واستيعاب وتمثيل ودمج معارفهم التراثية التي يدرسونها في المدارس الدينية بمعارف العصر، ووصل الماضي بالحاضر، والاصغاء لايقاع العصر ورهاناته واستفهاماته. بينما يعجز المنخرطون في التعليم الديني من الطلاب الذين لم يشملهم التعليم الأساسي قبل التعليم الديني، أو أخفقوا ورسبوا، أو تلقوا تعليما أساسيا فاشلا، من ان يجسّروا العلاقة بين معارفهم الدينية والعصر الذي يعيشون فيه.

كما ان التنمية الشاملة تتطلب مسارات مشتركة، تشمل الثقافي، والاقتصادي، والاجتماعي، والسياسي، و…الخ، فانه لا يمكن تحديث المؤسسة الدينية  بلا تحديث تربوي، وتعليمي، وثقافي، واقتصادي، واجتماعي، وسياسي شامل. في مجتمع بدوي متخلف، يسوده نمط مغلق، تنبثق منه مؤسسة دينية سلفية تقرأ النص قراءة حرفية ساذجة، وتنتج مفاهيم مبسطة سطحية تعطيلية، تمسخ الأبعاد الانسانية للدين، وتستبعد الميراث الرمزي والمعنوي والروحي والعقلي للدين، مثلما هي الحركة الوهابية التي مازالت تمنع المرأة من قيادة السيارة في القرن الحادي والعشرين.

الأنساق الثقافية التاريخية الراسخة تعمل على تحديد طبيعة فهم النص الديني وتفسيره، فإذا كانت تلك الأنساق مدنية متحضرة، يسودها التنوع والاختلاف الايجابي، يهيمن فيها اتجاه تأويلي للنصوص، يتجاوز مداليلها الظاهرية، ويغوص في رؤياها الرمزية  الاشارية، كذلك تنتج نمطا متسامحا انسانيا للتدين، كما نلاحظ في بيئة الأندلس، التي أنتجت تصوف محيي الدين بن عربي، وعقلانية ابن رشد، وفي بيئات آسيا الوسطى وبلاد فارس وتركيا التي ظهر فيها الفارابي، وابن سينا، والبيروني، وأبو زكريا الرازي، والقاضي عبد الجبار الهمذاني، وجلال الدين الرومي، وصدر الدين الشيرازي…وغيرهم.

تدلل المؤشرات الاقتصادية والثقافية والاجتماعية والسياسية على ان المجتمع التركي اليوم من أكثر المجتمعات المسلمة تحديثا، لذلك توالد فيه نموذج تدين متميز، يراكم المكاسب والمنجزات باستمرار، ولايكف عن التواصل مع محيطه الاقليمي بفاعلية وثقة، ويصغي باهتمام لمتطلبات العصر، ويستجيب للمتغيرات المتنوعة.

هل هناك نموذج او معمارية معينة لهيكلية الاصلاح المرجو داخل المؤسسة الدينية؟

جواب السؤال الثالث: المؤسسة الدينية بالغة الحساسية حيال النماذج المستعارة من بيئات أخرى، تحرص على حماية نسقها الثقافي الخاص، وأية محاولة للتحديث تتوكأ على استنساخ تجربة الاصلاح في جغرافيا دينية مختلفة تقاوم وتجهض، وحتى لو عمد دعاتها على توطينها متغلبين على التحديات والعوائق، فإنها تولد نماذج ممسوخة، مشوهة، هجينة، مغتربة عن الفضاء الخاص بالمؤسسة.

التحديث في المؤسسة الدينية لايجد نموذجه في محاكاة الغير، وانما يستند الى المنطق الذاتي، والسياقات التاريخية الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية لهذه المؤسسة.

ان تعثر واخفاق محاولات تحديث التفكير الديني خارج اطار المؤسسة الدينية، وعجز منجز معرفي غني وواسع عن اختراق هذه المؤسسة، والترسب في البنية الذهنية العميقة للدارسين، يرتد الى ان ذلك المنجز قدمه مفكرون وأكاديميون وباحثون ومثقفون من خارج المؤسسة، بمعنى انهم يفتقرون الى المشروعية التي لاتمنحها المؤسسة لأي فرد من خارجها، وهذه المشروعية تكتسب عبر المكوث سنوات طويلة فيها للدراسة والتدريس والبحث والتبليغ والارشاد والدعوة. وأشير هنا الى محاولات تحديث للتفكير الديني، نهض بها مفكرون وباحثون من ذوي التأهيل الأكاديمي الجيد، والتكوين اللغوي المتنوع، مضافا الى خبرتهم الواسعة بالعلوم  الحديثة، ومعرفتهم بالتراث، وتمحور جهودهم وانتاجهم الفكري على كل مايتصل بالدين وتعبيراته الشخصية والاجتماعية، مثل نصر حامد أبو زيد، ومحمد أركون، وحسن حنفي، وعبد المجيد الشرفي، وغيرهم.

تعززت ممانعة المؤسسة الدينية بمرور الأيام حيال مساعي تحديث التفكير الديني من خارجها، وأضحى من يتعاطاها من الطلاب والدارسين في المؤسسة الدينية موردا للارتياب في أفكاره وسلوكه. ولم تجد لها مسارب في وعي الناس وتفكيرهم، فضلا عن اخفاقها في التأثير على الحركات الاجتماعية والسياسية. خلافا لجهود العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في الحوزة العلمية في قم، التي تمحورت حول استكشاف واعادة بناء المعارف الدينية في الفلسفة والعرفان والتفسير وعلوم القرآن وغيرها، في سياق الموروث، وهكذا محاولات السيد الشهيد محمد باقر الصدر في الحوزة العلمية في النجف في إعادة بناء التفكير الديني في السياق ذاته، من دون إهمال لمعطيات المعرفة البشرية الجديدة.

ان المنجز المعرفي الغزير للطباطبائي والصدر وغيرهما من داخل المؤسسة الدينية، وجد صداه في المؤسسة أولا، من خلال أجيال من التلامذة الذين تشبعوا بمناخات التراث، واستلهموا رؤيا الطباطبائي التحديثية، أو الصدر، ووجهوا حركة التفكير الديني في ضوء مرتكزاتهم ومنطلقاتهم المنهاجية. وهكذا وجدنا هذا النمط من التحديث يتوغل في التفكير الديني في الحركات السياسية والاجتماعية، وفي وعي النخب والجماهير، ويسري في التعليم الديني العالي في الجامعات. عندما تنطلق فكرة التحديث من داخل المؤسسة، ومن خلال الأسماء المكرسة فيها، يناهضها البعض، غير انها تصمد وتنمو وتتجذر في خاتمة المطاف، لأنها لا تفتقر للمشروعية، كما هي الفكرة الآتية من خارج أسوارها.

ولا أعني بالمشروعية هنا المفهوم الميتافيزيقي أو الفقهي؛ بل أعني المفهوم السوسيولوجي والانثروبولوجي، أي ان خطيبا على منبر بوسعه تعبئة وتحريض المستمعين واعتناقهم لآرائه مهما كانت، تبعا لما يمنحه المقام الذي يصدر عنه حديثه من مكانة وقيمة ومشروعية. فيما لا يمتلك المفكر والباحث والمثقف خارج المؤسسة الدينية مايمنح أراءه هذه القيمة الرمزية.

الاسلام، نظريا، لا يؤمن بالكهنوتية كالمسيحية،، بينما تمثل المؤسسة الدينية تجسيدا شاملا لهذا الدور.. ما رايك؟

جواب السؤال الرابع: الاسلام كأي دين لاينفك عن الزمان والمكان والاجتماع البشري الذي يعتنقه، المؤسسة الدينية هي نمط من التمثلات الاجتماعية للدين، وهي ظاهرة ملازمة لحضور الدين واستمراره في الحياة البشرية، محكومة بسوسيولوجيا الجماعة ومصائرها ومطامحها، ولاتنفك عن شبكات المصالح المعلنة والمضمرة في المجتمع.

وليس بوسعنا افتراض ان الاسلام ينفرد عن غيره من الأديان، بأنه عابر للتاريخ، ولايخضع لصيرورات الاجتماع وتحولاته، حين يتجسد في الحياة الفردية والاجتماعية.

المؤسسة الدينية تمثل الذروة الروحية العليا في المجتمع، مضافا الى ادارتها وتدبيرها للشأن الديني، ومهمتها هذه تتيح لها مديونية طوعية بلا حدود لأتباعها، وهي ما اصطلح عليها مارسيل غوشيه (مديونية المعنى)، مما يمنحها فرصا وامكانات وامتيازات ومكاسب لاتظفر بها أية مؤسسة سياسية، أو اقتصادية، أو ثقافية، أو اجتماعية، أو غيرها.

وأفضل استبعاد استخدام مصطلح (كهنوت) هنا، ذلك انه مشبع بدلالات قدحية في الوجدان الاسلامي.

من يقف ضد الاصلاح داخل المؤسسة الدينية: رجال الدين، السلطات الرسمية، العامة، النصوص الوضعية؟

جواب السؤال الخامس: أعداء التحديث هم السطحيون، ممن يتحدثون عن نموذج مشوه كاريكاتوري للدين والموروث، من دون ان يتعمقوا في دراسة الدين والتراث، ويستكشفوا مسالكه ودروبه المتشعبة.

أعداء التحديث هم المراهقون الراديكاليون، ممن يحسبون ان الهتافات والشعارات والعناوين الصاخبة، هي السبيل لانخراط المجتمع في تفكير مغاير، ولم يدركوا ان عملية التغيير الاجتماعي والتحولات في التفكير هي عملية بالغة الصعوبة، ترتد الى شبكة معقدة من العوامل والمؤثرات المتشابكة.

أعداء التحديث هم أؤلئك الذين يجرحون الضمير الديني للآخر، فيتهمونه ويهجون مقدساته بعبارات قاسية، بنحو يفضي الى خشية الناس على معتقداتهم، التي هي ممتلكاتهم الرمزية والروحية الثمينة.

كذلك من يختزلون الدين في بعد واحد هم أبرز من يقفون ضد التحديث، عبر التشديد على ان الاسلام يساوي المدونة الفقهية فحسب، هؤلاء يقدمون قراءة أحادية للدين، تستبعد نظامه الرمزي والمعنوي والروحي والجمالي والفني والقيمي والأخلاقي، وتشدد على مضمونه الدنيوي، بل تسعى لقلب كل ماهو ديني الى دنيوي، وماهو دنيوي الى ديني، فإن الدين ذا البعد الواحد الذي تنادي به الجماعات السلفية، فرغ الدين من محتواه الميتافيزيقي، وأهدر معظم مضامينه الروحية والمعنوية والانسانية.

من يؤمن بالأثر الاستثنائي للدين في الحياة البشرية وأبدية الدين وتجلياته وتمثلاته وتعبيراته على مر التاريخ، ويستوعب معارف ذلك الدين، ويمتلك رؤية شاملة للمنجزات العلمية والمعرفية الراهنة، يمكنه المساهمة بصياغة رؤية علمية لتحديث التفكير الديني.

فيما لاينبغي لمن لايعتقد بذلك، ويحسب ان الدين والشأن الديني هما منبع كل تخلف وانحطاط، أن ينصب نفسه متحدثا باسم تحديث التفكير الديني، ذلك ان هؤلاء لايفقهون رسالة الدين في الحياة، ويعمل موقفهم على استفزاز المجتمع وتوجسه من أية دعوة لتحديث التفكير الديني.

هل تعتقد ان تراجع دور العقل وغلبة النقل في بنية العلم داخل المؤسسة الدينية ساهم بتراجعها؟

جواب السؤال السادس: الاتجاهات الاخبارية الظاهرية تناهض المنحى العقلي في التفكير الديني. في المجتمعات التي تهيمن عليها السلفية يضمحل المنطق والفلسفة وعلم الكلام والعرفان والتصوف، ويتهم من يتعاطاها بالمروق والكفر والزندقة والابتداع. في الجزيرة العربية تناهض الوهابية العقل والعقلانية، وتحرم تعاطي الكتب المتخصصة بذلك. حتى هذه اللحظة لانعثر على قسم لتدريس الفلسفة والميراث العقلي في الاسلام في جامعات المملكة العربية السعودية، كما لا نعثر في المنشورات العديدة الصادرة عن دور النشر أو الدوريات والصحف السعودية كتابات فلسفية.

في الفلسفة غالبا ما تتحول الاجابات الى أسئلة، والتفكير الديني العقلي تتوالد فيه الاستفهامات  والأسئلة اللاهوتية على الدوام. ولايمكن تحديث التفكير الديني بلا إثارة مثل هذا اللون من الأسئلة.

ابتعدت المؤسسة الدينية عن معطيات العلوم المعاصرة ونتائجها المثمرة على صعيد الانسانية جمعاء وتمسكت بالتراث الماضوي بكل تفاصيله.. الى اي مدى ساهم هذا الفعل بتحجيم تأثيرها داخل الشرائح المتعلمة والنخب الاكاديمية والفكرية والثقافية الفاعلة؟

جواب السؤال السابع: تعود صلتي بالحوزة العلمية الى أكثر من ثلاثين عاما، فمنذ سنة 1978 انخرطت في الحوزة العلمية في النجف، ومازلت حتى هذه اللحظة متواصلا مع الحوزة، عبر الاشراف على بحوث واطروحات بعض تلامذتي، وقد واكبت عدة متغيرات في نظام التعليم الديني، تحكي التجاوب مع مقتضيات الزمان، والاصغاء للمستجدات المتنوعة، حدث تحول في شيء من أساليب التعليم، وتوظيف وسائل معاصرة، والافادة من الحاسوب مثلا، واستخدام الانترنيت، واصدار عدة دوريات جادة، تهتم بدراسة وتحليل المناهج والأدوات والمفاهيم الجديدة في فلسفة العلم، وعلم النفس، والاجتماع، والانثروبولوجيا، والألسنيات، ومناهج التأويل والقراءة، في دراسة النصوص، وتحليل الظواهر الدينية، واستكشاف وتفسيرالتجارب الدينية. فمثلا نلاحظ كتابات وفيرة تتناول علم الكلام الجديد، وفلسفة الدين، وفلسفة الفقه، والهرمنيوطيقا وتوظيفها في قراءة الكتاب والسنة، وغير ذلك، وهي تحكي التفاعل بين التفكير الديني ومعطيات العلوم المعاصرة. ويمكن الاطلاع على 44 عددا من مجلة قضايا اسلامية معاصرة، صدرت في 14 عاما، وغيرها من الدوريات المتخصصة في ذلك، للتعرف على ملامح التفاعل في الدراسات الدينية في المجال الاسلامي الشيعي(الحوزات العلمية) بين مكاسب المعارف البشرية  والتعليم الديني. نعم هناك محاولات رائدة وهامة خارج المؤسسة الدينية  لدراسة وتحليل الديني بتوظيف المعارف الجديدة، غير انها تظل محدودة التأثير، كما أشرت فيما مضى.

لا أنكر ان حجم ومستوى الافادة من المعارف الانسانية مازال أقل من مستوى الطموح، ولولا شيوع دراسة الفلسفة والعرفان في الحوزات العلمية، لحُضِر أي شكل من أشكال التعاطي مع المعطيات الحديثة للمعرفة البشرية، كما يحدث في الجامعات الاسلامية السلفية في السعودية وغيرها.

هل بالامكان احداث الاصلاح في المؤسسة الدينية بعد كل قرون التخلف؟

جواب السؤال الثامن: التفكير الديني كأي حقل من حقول التفكير ليس ساكنا، الخبراء في تاريخ ومقارنة الأديان، يعرفون جيدا كيف بدأ التفكير الديني لدى المجتمعات الأولى، وكيف تحول وتطور بمرور الزمان. التطور والتجديد سنة اجتماعية، من لايتجدد يموت.

التفكير الديني في مختلف مجالاته، تأثر بما يجري من تحولات في بنية المجتمعات وثقافاتها، وأنماط عيشها. فلسفة العلم  تدلل على الترابط في المعارف والعلوم الانسانية، وتكشف عن ان المخترعات والمكتشفات في العلوم الطبيعية، والعلوم البحتة، تؤثر في العلوم الانسانية، وتحدث تحولات مفصلية ومنعطفات فيها، وهكذا تؤثر النظريات الفلسفية الجديدة على العلوم الطبيعية و غيرها. المعرفة البشرية شبكة ذات نسيج متحد، والتفكير الديني أحد عناصرها. وافتراض ان كل شيء يتغير ويتحول فيما التفكير الديني متخشب، تكذبه فلسفة العلم.

ماتشهده المؤسسة الدينية من تطورات، وتحولات، عادة ماتكون بطيئة، ذلك ان ديناميكية التغيير فيها تستبطنها بنية تحتية عميقة، وتمر من خلال أنساق تاريخية كثيفة، لاتسمح بالعبور من مرحلة الى اخرة بسهولة. لايجري التغيير فيها بنحو دفعي آني كيفي، مثلما في الانقلابات والثورات، وانما يتم التغيير فيها بنحو تراكمي تدريجي بطيء.

ان المقدس مستمر متواصل أبدي، غير انه ليس ساكنا أو قارا أو ثابتا، بل هو متحرك ومتغير. انه موجود دائما، لكن أشكاله وأنماطه شديدة التنوع. وعادة ما يتعرض المقدس للتلاعب من قبل البشر،  ويجري توظيفه في المعارك، ويستخدم كقناع وذريعة في الصراع الإجتماعي، ويخضع لمختلف أنواع التفسير والتأويل والقراءات، المنبثقة عن الفضاء البشري الحاضن له. ولما كان المقدس يرتبط عضويا بالمؤسسة الدينية، إذا ينعكس كافة ما يتعرض له من توظيفات واستخدامات عليها، بنحو مباشر أو غير مباشر، وتظهر أصداء ذلك في التحول والتغيير في داخل المؤسسة.

ما هي المقومات الفكرية لتحديث المؤسسة الدينية لتكون منسجمة مع النسج الاجتماعية والثقافية لمجتمعات اليوم؟

جواب السؤال التاسع: تحديث التفكير الديني يعني تحديث المؤسسة الدينية. لتحديث التفكير الديني رافدان يستقي منهما، الرافد الأول هو دراسة وفهم واستيعاب الموروث الديني، واستكشاف مداراته ومدياته وآفاقه المتنوعة، والاهتمام بالميراث العقلي في المنطق والفلسفة وعلم الكلام، والميراث الرمزي والاشاري والروحي في التصوف والعرفان، والتحرر من المواقف التبسيطية الساذجة في التعاطي مع التراث، والنظر اليه باعتباره كما من النصوص التي يجب استظهارها وحفظها وتكرارها، وتوقف التفكير عند تنظيمها وترتيبها وتصنيفها، بلا تدبر وتحليل وتأويل.

أما الرافد الثاني، فهو الاطلاع على العلوم الانسانية الحديثة، ودراستها، خاصة فلسفة العلم، وعلم النفس، والاجتماع، والانثروبولوجيا، والقانون والحقوق، والعلوم السياسية، والألسنيات، والهرمينوطيقا، وتوظيفها كأدوات في التحليل، ومفاهيم اجرائية في قراءة النص الديني، وتفسير الظواهر الدينية في المجتمع، واكتشاف ومعرفة أنماط التجارب والخبرات الدينية الشخصية.

تحديث التفكير الديني يتطلب دراسة مسارات الدين عبر التاريخ والجغرافيا والاجتماع البشري، واكتشاف طبائع التدين وأشكاله في مختلف المجتمعات، والاهتمام بمقارنة الأديان ونصوصها المقدسة، وأنماط مؤسساتها الدينية.

هل ثمة مبادرات او محاولات اصلاحية جادة داخل المؤسسة الدينية؟

جواب السؤال العاشر: ترتد حركة تحديث التفكير الديني الى مطلع القرن التاسع عشر، مع رفاعة رافع الطهطاوي، الذي أوفده الشيخ حسن العطار شيخ الأزهر مرشدا دينيا لأول بعثة طلابية مصرية الى باريس، غير ان الطهطاوي كان أبرز المبعوثين الذين اكتشفوا التنوير الاوروبي، ومنجزات العقل الحديث، والتنظيمات الجديدة في الغرب، ودوّن ذلك في كتابه (تخليص الابريز في تلخيص باريز). ثم عكف بعد عودته مباشرة على انشاء مؤسسة للترجمة، وحاول اصلاح النظام التقليدي للتربية والتعليم.

ولم تتوقف محاولات تحديث التفكير الديني، واصلاح النظام التعليمي منذ ذلك التاريخ. لكن بعض تلك المحاولات أُجهضت في وقت مبكر، أو تخبطت وارتبكت وانهارت، لأنها لم تدرك رهانات عصرها بدقة، أو لم تتعمق في دراسة التراث واكتشاف ما تراكم من طبقاته، أو قفزت على الماضي، واستخفت بالتراث فتجاهلته وأهملته. وظلت مساعي تحديث التفكير الديني خارج المؤسسة الدينية لاتلقى استجابة مناسبة داخل هذه المؤسسة، ولم تحدث تحولا أو تطورا في نمط التفكير السائد، خلافا لجهود ومساعي المجددين من الفقهاء وعلماء الدين، الذين اكتشفوا المنطق الداخلي للموروث، واستلهموا روح العصر، فاستدركوا ما يمكنهم استدراكه، واستأنفوا تركيب وبناء المعارف الاسلامية، في ضوء متطلبات المسلم المعاصر وهمومه. ولاتفتقر المؤسسة الدينية على الدوام الى محاولات وجهود جريئة وجادة في تحديث التفكير الديني، وعادة مايكمل فيها اللاحق ماسبقه.

في مراجعة عاجلة لحركات الاصلاح الديني الفاعلة والمؤثرة في تاريخ الأديان، والتي امتدت وترسخت عبر الزمان، نجد الحركات المشتقة من المؤسسة الدينية والمتولدة منها خاصة، كحركة الاصلاح الديني التي قادها مارتن لوثر من داخل الكنيسة، هي ما أحدث منعطفا وتحولا هاما في تقاليد ونظام المؤسسة الدينية، ويظل على الدوام صوتها مسموعا ومؤثرا في المؤسسة. تحديث المسجد لا يتحقق إلا حين ينبثق من داخل المسجد، وتحديث الحوزة العلمية لا يتم إلا عندما ينطلق من الحوزة، لكيلا يفتقر التحديث للمشروعية، وتبعا لذلك يتوافر له حامل إجتماعي. بينما لا تجد الدعوات والكتابات في الإصلاح من خارج المؤسسة الدينية حاملا اجتماعيا، يعتنقها ويتبناها ويتفاعل معها، في داخل المؤسسة، ويستخدم الامكانات التي يتيحها له انتماؤه للمؤسسة الدينية، كالمنابر والشعائر والمواكب ودور العبادة في التثقيف على المفاهيم المفاهيم والرؤى والافكار التي تدعو اليها.

نشر في الراصد التنويري ايضا

العدد المزدوج 10 – 11 ( شتاء 2011 ) السنة الثالثة

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий