Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > حول كتاب السحر والتطبيب بالمغرب

حول كتاب السحر والتطبيب بالمغرب

نظرة تاريخية عن الطب والتطبيب في المغرب :

قطع الطب والتطبيب في المغرب أربعة مراحل أساسية : مرحلة العصور القديمة، اعتمد فيه التطبيب أساسا غيبيا وطوطميا لا زالت رواسبه مستمرة إلى اليوم. وبمجيء الإسلام دخل العلاج محلة اعتماد التجربة والخبرة، وسيستغرق أربعة قرون في التكوين ليزدهر في القرن 5 و6 هـ، وخلال قرن 7 و8هـ سيدخل هذا الطب طور الركود لينحط أخيرا ابتداء من القرن 9هـ. وقد خلصت الباحثة في هذا الفصل إلى أن الطب العربي قد انتهى منذ ذلك الوقت وأهمل.

2 – التطبيب الشعبي وعلاقته بالطب العربي :

بعد تحديد قواعد الطب العربي، وبالعودة إلى المجوسي وابن سينا، وعرض الطب الشعبي بالمغرب، استنتجت الباحثة أن هذا الأخير لم يتقبل كثيرا القواعد النظرية للطب العربي، ومقابل ذلك استمد منه الجانب العملي المتمثل في الأدوية وأعمال اليد (فصد، حجامة، الخ.)، ويتبع المكونات الفكرية للتطبيب الشعبي، هي: العين والجن والثقاف والصرة (الشمان) والبرد والتوكال وعرض وصفات مما يستعمل في العلاج من كل منها، انتهت الباحثة إلى أن التطبيب الشعبي يعود في الأصل إلى المراحل البدائية حيث كان استجابة لمشاكل التكيف مع البيئة وتفسير الظواهر الطبيعية، ومع مرور الزمن تولدت عنه مختلف أنواع السحر.

3 – الطلاسـم والحـروف:

عرضت الباحثة شروط ممارسة السحر، نقلا عن البوني، ثم وقفت عند الطلاسم والحروف باعتبارهما نوعي السحر الأكثر ارتباطا بالعلاجات الشعبية، فعرضت الطلسم وحددت كيفيات استعماله صحبة بعض الوصفات، ثم عرفت الحرف مع الإشارة إلى طرق استعماله وإعطاء مثال للعمل بإحدى طرقه والإشارة إلى ما يقابل الحروف من آيات التبشير بالخير أو بالشر وأهمية البخور والذبائح في ممارسة السحر.

4 – البحث الميدانـي:

في البداية تم عرض جدول إحصائي لبائعي الأعشاب والمطببين سنة 1980 بمختلف مقاطعات مدينة الرباط، يظهر من خلاله تمركز العشابين والمتطببين في الأحياء الشعبية الآهلة بالسكان، ثم عرضت سبع نماذج من العشابين وعددا مماثلا من الفقهاء على مرحلتين: عرض معلومات ترتبط بسن النموذج وكيفية اكتسابه لهذه المهنة وحيثيات مزاولته لها، ثم، طرق تشخيصه للمرض وتحضير الدواء والوصفات المعتمدة في العلاج . وفي خاتمة البحث سجلت المؤلفة جملة من الملاحظات أهمها: يتصف الطب الشعبى، من حيث أساليب العلاج، بالتطور والقدرة على تدجين بعض تقنيات العصر – المتطببون في تزايد مستمر، تختلف أساليبهم الفنية في التمويه، لكنهم يلتقون جميعا في الرغبة الجامحة في الحصول على المال – في نسج الوصفات التطبيبية يستعين الإنسان الشعبي بالخيال واعتماد مجموعة من الرموز – يدور محور تفكير الإنسان الشعبي، في العلاجات التطبيبية السحرية حول: إضفاء القداسة على الطقوس، النية وسرعة التصديق – حصول الإنسان المغربي على الشهادات الجامعية لا يخلصه من التعامل مع هذه التطبيبات وذلك لترسخ الاعتقاد بها في كيانه منذ نشأته ولحفاظ المجتمع عليها.

5 – بعد هذا العرض المكثف لمحتوى الكتاب، نود إبداء مجموعة من الملاحظات نجملها فيما يلي:

5. 1 – إن أبرز خصوصيات المجتمع المغربي، حينما يتعلق الأمر بأساليب العلاج التقليدي والسحر والخفي عموما، هو تداخل مكوناته بشكل يصعب معها الحديث عن عنصر بمعزل عن باقي العناصر الأخرى؛ فالسحر يلتقي بالحضرة، بالتداوي بالأعشاب، بالعرافة، بزيارة الأضرحة والأولياء. فهل هذا الاعتبار هو الأصل في عنونة الكتاب بـ «السحر والتطبيب في المغرب»؟ عكس ما قد يوحي به ذلك، تظل المادة المقدمة عبارة عن موضوعين منفصلين، أولهما هو التطبيب وثانيهما هو السحر.

يطلق مصطلح «تطبيب» (thérapie) على العلاج بصفة عامة، وهو بذلك حتي أساليب العلاج التقليدية والحديثة على حد سواء، يستتبع ذلك – حسب ما يمليه عنوان الكتاب – ضرورة التطرق لكليهما في البحث، لكن بالنظر إلى ص. 34 نجد أن الباحثة إنما تعني بالمصطلح فقط «لتطبيب الشعبي»، وبالمعنى التالي: هو «مجموعة من العلاجات تكمن خلفها تجارب ومعارف الشعوب استطاعت أن تجد مكانها رغم الاكتشافات الطبية». وحتى إذا افترضنا إمكانية القفز على هذا الاعتبار (التطرق لكلا الطبين)، فإنه يصعب تبرير اختزال الطب الشعبي في مجموعة وصفات فيما لا تشكل هذه الأخيرة سوى عنصر يتقاسمه الفقهاء والأولياء وجماعات الحضرة والفقهاء، بقدر ما يصعب تناول التطبيب بمعزل عن المطببين والمرض، خاصة وأنه «لا يمكننا فهم التطبيبات دون إثارة المطببين ولا هؤلاء دون فتح النقاش حول المرضى»[2]، وبذلك لا نجد أنفسنا أمام جرد لكافة وسائل العلاج المستخدمة في المغرب، الأمر الذي يوحي به عنوان الكتاب، ولا أمام دراسة لوسائل العلاج التقليدية – الأمر الذي وعدنا به تقديم الكتاب نفسه، مادامت هذه الوسائل قد اختزلت إلى مجرد وصفات.

5. 2 – ومما لاشك فيه أن جمع الأعشاب والوصفات في الطب التقليدي عمل بالغ الأهمية، ولذلك أحدثت الأنثروبولوجيا تخصصا فرعيا في هذا المجال يسمى بالإثنو-علم أو العلم الإثنولوجي (ethno-science) يهتم اساسا بمقارنة تصنيفات الأعشابي وتشخيص الأمراض في المجتمعات، بصنافات (taxicomanie) النبات والجدول السيميولوجي للطب العربي الحديث[3].

هذا الحقل المعرفي – في اعتقادنا – يشكل المجال الأنسب لإنجاز البحث الذي نحن بصدده، بل كان بالإمكان اعتباره كذلك لو تمت مقارنة وصفات الطب الشعبي التقليدي المغربي وطرق تشخيصه للأمراض بنظيرتها يف الطب الحديث لو لم تركز الباحثة في دراستها على مقارنة التطبيب الشعبي المغربي بالطب العربي القديم. لكن ألا يشكل هذا الأخير موضوعا للبحث الإثنو-علمي؟ إلى أي حد يجوز تعويض الطب الغربي الحديث بالطب العربي القديم حينما يتعلق الأمر بقياس فاعلية دواء يستحضر بالطرق التقليدية؟

5. 3 – بالعودة إلى كتاب الأنثروبولوجيا البنيوية، يقف الكتاب الذي نحن بصدده عند حدود الدلالة اللغوية للمصطلح (وصف الشعوب) مع أن التعريف الذي تتضمنه الفقرة المحال عليها – وإن كان بتعبير ليفي ستروس نفسه مجرد تعريف مؤقت سيوسعه في الصفحات اللاحقة من الكتاب نفسه – يتضمن قضايا جوهرية في الإثنوغرافيا كالملاحظة، والتحليل، والميدان، والأمانة في إعادة بناء الجماعة الملاحظة: «تقوم الإثنوغرافيا على الملاحظة وتحليل الجماعات البشرية معتَبَرة في خصوصياتها (…) وتستهدف إعادة بناء، وبأقصى ما يمكن من الأمانة، حياة كل واحدة منها[4]. ولم يتم إعزاء اهتمام لهذه القضايا ولا للإشارات اللاحقة، في الكتاب الآنف نفسه، التي سيوسع فيها ليفي ستروس تعريف هذا الحقل المعرفي. من هذه الإشارات تلك التي يحدد فيها المهمة الرئيسية للإثنوغرافيا في ضرورة الالتفات إلى تمثلات الجماعة المدروسة في اختلافها عن تمثلات الباحث في الميدان، والتشديد على ضرورة نقل الإثنوغرافي لهذه التمثلات وتجارب الجماعة المدروسة بوصفها قابلة لأن تعاش من قبل مختلف الناس وفي مختلف العصور:

«في الحالتين (التارخ والإثنوغرافيا) نكون بصدد أنظمة من التمثلات تختلف لدى كل فرد من الجماعة (الملاحظة) والتي بمجموعها تختلف عن تمثلات الباحث»[5].

«كل ما ينهج الإثنوغرافي في القيام به وكل ما يمكن أن نطالبه به هو توسيع تجربة خاصة إلى حدود التجربة العامة أو الأكثر عمومية، والتي تصبح لهذا الاعتبار نفسه ممكنة المعايشة باعتبارها تجربة، من قبل أناس من بلد آخر أو زمن آخر»[6].

فهذا المظور يقتضي من كتاب «التطبيب والسحر في المغرب» الاضطلاع بمهمة استيعاب تجربة التطبيب والسحر وما تكتنفه من تمثلات لدى ممارسيها بشكل يتيح للقارئ الوقوف على المنطق الذي يحكم هذه الممارسات، وبالتالي إمكانية تفهمه للحيثيات التي تجعل هذه الممارسات ممكنة «معقولة». وذلك يتطلب الانطلاق، مثلا، من أسئلة من نوع: ما طبيعة العلاجات التقليدية التي يتوسل إليها المغاربة في الاستشفاء؟ ما المكانة التي تحتلها هذه العلاجات داخل النسق القيمي المغربي؟ ما طبيعة الخطابـ (ات) الرائجـ (ة) حولها؟ من هم الأفراد الذين يتعاطون لهذه الوسائل العلاجية؟ وفي أي نوع من الأمراض؟ كيف يفسرون عزوفهم عن الطب العصري حال توسلهم إلى العلاجات التقليدية؟ من يتولى إنجاز هذه العلاجات؟ كيف تتحقق فاعليتها؟ بدل هذه الأسئلة تم الانطلاق من أسئلة جانبية؛ فحينما يتم التساؤل، مثلا، عن العوامل التي ساعدت على دوام التطبيبات التقليدية وإيمان الناس بفعاليتها يكون الجواب من باب تحصيل الحاصل. فما ساعد على دوام هذه التطبيبات هو فعاليتها، وفعاليتها مُعطى واقعي ملموس وليس مجال إيمان أو اعتقاد. يقول ليفي ستروس في كتابه سابق الذكر: «يبدو أن الأطباء البدائيين يشفون، على الأقل، قسما من الحالات التي يعالجونها. ولولا هذه الفعالية لما شاهدت الممارسات السحرية هذه الانتشار الواسع في الزمان والمكان» (ص. 198). وبدل إعطاء الأولوية للميدان، تم الانطلاق من مسلمة – غير مثبتة – أصبح الطب الشعبي بمقتضاها يرتبط بالطب العربي بعلاقة ليس على البحث إلا الكشف عنها، إذ اعتبر الطب الشعبي سابقا في الزمان للطب العربي، وهذا الأخير مجرد تطوير له. ولماذا لا يمكن القول إن كليهما يمثل مخالفا للآخر وأنهما تزامنا دون هيمنة أحدهما، في التأثير، على الآخر؟

بإضافة هذه الملاحظات إلى غياب صياغة التمثلات الرائجة في الطب الشعبي والسحر، وسلطة أحكام القيمة («وتقديس الأولياء والإيمان بكرامتهم يعود إلى أصول وثنية والإسلام ينهى عن تعظيم القبور…» (ص. 53)؛ «فالاحتيال والطمع خاصيتان تلمسان عندها (= عرافة) من البداية» (ص. 130)، يظل من الصعب تبين حدود انتماء هذه الدراسة إلى الإثنوغرافيا. وإذا تعذر ذلك بالمعنى الذي يمنحه إياها ليفي ستروس سنة 1949، فإنه يغدو من الأصعب اختبار هذه الدراسة على التنظيرات اللاحقة التي شهدتها الإثنوغرافيا، والتي تتجاوز بكثير تلك التي صاغها ليفي ستروس يف أنثروبولوجيته البنيوية. ففي فرنسا وحدها، نحت الإثنوغرافيا، مؤخرا، نحوا احتلت به مكانة الإثنولوجيا فتعدت حدود الوصف إلى التأويل بوصفها أصبحت ترتبط مباشرة بالأنثروبولوجيا: «مهمة الإثنوغرافي الرئيسية هي توضيح تجارب كائنات بشرية بالشكل الذي يساهم انتماؤها إلى جماعات اجتماعية بالشكل الذي يساهم انتماؤها إلى جماعات اجتماعية في تحديده. وللوصول إلى ذلك، يجب عليه أن يؤول بعض التمثلات الثقافية التي تتقاسمها هذه الجماعة. تفسير التمثلات الثقافية وتأويلها هما مهمتان منفردتان في الإنجاز ومتكاملتان في فهم الظواهر الثقافية»[7].

5. 4 – من المعلوم أن اعتماد الملاحظة المشاركة أداة للبحث الميداني أمر يرتد إلى بداية القرن العشرين، ويمثل حقبة إثنوغرافية بأكملها من أهم أعلامها بورنيسلاف مالينوفسكي وإيفانس بريتشارد. إلا أنه منذ أن نبه جورج دوفرو إلى أهمية عنصر التفاعل، ستتعرض هذه الأداة الميدانية إلى كثير من الانتقادات، باعتبارها تنيط بالملاحِظ دورا سلبيا في معادلة الملاحظة، وستطرأ عليها جملة تعديلات ستنسحب حتى على مهام الإثنوغرافيا حيث ستصبح مزيجا من دراسة الظاهرة الثقافية موضوع بحث الباحث، ودراسة هذا الأخير لنفسه أثناء تواجده في الميدان: «لا يمكن فهم الإثنولوجيا إلا باعتبارها أداة معمقة ومتأنية لجماعات صغيرة جدا حيث يكون الباحث على التوالي داخلها وخارجها، وعلاقته بالجماعة المدروسة تشكل بدورها جزءا من موضوع دراسته»[8]. بمقتضى ذلك، من الصعب طرح الأسئلة التالية على الكتاب الذي نحن بصدده: ما مدى تمثله لهذه المعطيات أثناء إنجاز البحث الميداني؟ ما هي الطقوس التي تم المشاركة فيها؟ بأي صفة تمت هذه المشاركة؟ ما المدة الزمنية التي استغرقتها الملاحظة؟ ما حجم المعلومات المجموعة؟ ما المجال الزماني والمكاني الذي شملته الملاحظة؟

جرى التقليد في البحوث الإثنوغرافية بإقامة الباحث في ميدان بحثه لمدة زمنية مطولة بهذا القدر أو ذاك: أقام مالينوفسكي، مثلا، طيلة سنتين (1914-1916) في جزر الطروبرياند بغينيا الجديدة لينجز بحثيه الشهيرين [9] Les argonautes du pacifique occidental وles jardins du coreil، وكلاهما يتضمن فصولا متعددة حول السحر، وقضى إفانس برتشارد 20 شهرا بين أهالي الأزاندي، شرق السودان، لينجز دراسته الضخمة حول السحر والتطبيب والكهانة عند الأزاندي[10]… ويترتب عن هذه الإقامات الطويلة، بالميدان، تسجيل الباحث لمادة ضخمة من المعلومات قد لا يستنفدها بالتحليل إلا على مراحل، وخلال سنوات عديدة؛ فخلال إقامة جان فافري سعادة ببوكاج المايان (بفرنسا)، بين 1969 و1971، جمعت هذه الباحثة مادة إثنوغرافية وصلت 2600 صفحة مرقونة[11] استغلت 250 صفحة منها فقط في كتابها الكلمات، الموت والسحر[12] واعدة باستغلال المادة المتبقية في أجزاء ستلحق بهذا الكتاب.

والبحث الذي نحن بصدده، بالإضافة إلى عدم تحديده المدة الزمنية التي استغرقها البحث، وفئات المتطببين بكافة أصنافهم وزبنائهم، وعدم تحديده المادة المجموعة (هل ما ورد في الفصل الرابع هو كل هذه المادة؟) تم تغييب مدينة الرباط – ميدان البحث – بصفة كلية. فباستثناء عرض الجدول الإحصائي الوارد في الفصل الأخير، والإشارة إلى مجموعة أضرحة وأولياء (ص. 25-53)، وردت جملة عابرة أثناء عرض أحد النماذج (خصصت غرفة من منزلها الأنيق لفحص المرضى الذين أغلبهم من العائلات المعروفة في الرباط» (ص. 158))، يصعب على القارئ معرفة أن البحث يخص هذه المدينة، إذ لم يتم إنجاز مونوغرافيا، ولو صغيرة، لهذه المدينة أو فصلا قصيرا حول الخصوصيات السوسيو-ثقافية التي تميز العاصمة داخل ترتبية المدن المغربية. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، تم الاكتفاء، في «الملاحظة»، بما يمكن تسميته بالفضاءات الأكثر غرئبية في التطبيب الشعبي والسحر (الفقهاء والعشابين) فيما يزخر فضاء المدينة، إضافة إلى اللغة التي تتكلم هذا التطبيب والسحر، بأمكنة عديدة تقدم للباحث ثروة من المعلومات؛ فالحلقة (جوطية العكاري، دوار الرجاء في الله، سوق الغزل، مثلا) بمختلف «تخصصاتها» تؤدي وظائف – لا يمكن تجاهلها بأي حال من الأحوال – في إنعاش التطبيب الشعبي والسحر؛ فمن هذه الحلقات من تخصص في العلاج، في الهواء الطلق، ومنها من تخصص في بيع الأعشاب والعقاقير… وخلال البيع، يضطلع «الحلايقي» ببث خطاب ذي وظائف متعددة، أبرزها تزويد الجمهور بمعرفة حول الأمراض وأسبابها وكيفيات الوقاية والعلاج… والدعاية لفعالية الطب الشعبي بمادة واستراتيجية تختلف من حلايقي لآخر. ومن هذه الحلقات من تخصص في ممارسة السحر والعرافة، ومنها من يحكي الأزليات، وعبر الم حكي يمر المعرفي في السحر والدعائي أو النقضي له… وفي شهر شعبان، تشهد الأحياء الشعبية زيارات مكثفة لفرق عيساوة وأولاد بويا رحال وأولاد مولاي إبراهيم، ومن خلال عرض هؤلاء لممارساتهم السحرية والتطبيب يؤدون وظائف متعددة أهمها تذكير المدينة بأصولها الثقافية وتعليم أطفالها عناصر من ثقافتهم قد تنسيهم إياها المسيرة التحديثية التي تنهجها المدينة. وفي أيام عاشوراء، سنويا، تضطلع ساحة للا كزانة (في حي يعقوب المنصور) بمهمة عملاقة في تجديد نشر كل ما يتعلق بالسحر والتطبيب والمعتقدات بصفة عامة. هذا إذا افتراضنا إمكانية غض الطرف عما يصب في هذا المجال عبر قنوات أخرى مثل الإذاعة والتلفزة والأغاني الشعبية والمقررات المدرسية. وبإثارة قضية التفاعل interaction، بين الباحث والجماعة، فإننا نضع أيدينا على مجموعة من الملاحظات لم يثرها كتاب «التطبيب والسحر في المغرب». من ذلك، مثلا، عدم الالتفات إلى الرابط الموجود بين العشاب الذي طلب من صاحبة البحث أن تلتقط له صورة والفقيه الذي لا يكف عن ترديد كراماته والنجاح الذي حققه في علاج مجموعة من الأمراض، إذ رأت في سلوك الأول علامة طيبوبة فيما أشارت إلى سلوك الثاني بكيفية عابرة. والواقع أن كلا الإثنين كان بصدد بث خطاب دعائي، لكن كل واحد منهما مر من طريق مختلف: الأول اختار المرور إلى الشهرة عن طريق الصورة، متخذا من بحث الباحثة نفسه مطية للوصول إلى ذلك (وقد وصل فعلا مادام الكتاب يتضمن صورة هذا العشاب، بالإضافة إلى آخرين!)، إذ سيتحول البحث إلى شاهد على فعالية أعشابه («لو لم تكن أعشابي كذلك لما نشرت صورتي في الكتاب»، سيقول لزبنائه فيما بعد!). ومن منظور آخر، مرت الباحثة مع هذا العشاب من عملية مقايضة دون أن تفطن، إذ خضع التعامل لعملية التبادل: «اعطني طريقا للعبور إلى الشهرة وأعطيك معلومات أنت في حاجة إليها لإنجاز بحثك»، الأمر الذي حصل فعلا، وجد وحصلت الباحثة على معلومات. أما النموذج، فقد اختار على معلومات. أما النموذج الآخر، فقد اختار المرور إلى الشهرة بطريقة دعائية بدائية، «من فم إلى أذن»، على حد تعبير مارسيل موس، واعتماد المحكي الأسطوري في رسم صورته: «تصاغ صورة الساحر خارج السحر، وهي تتكون من عدد لا متناه من ‘’حُكي أن ‘’، وما على الساحر إلا أن يجمع هذه المحكيات لصالحه»[13]. وكلاهما لم يكن ليبث خطابه أمام الباحثة، بالشكل الذي بثه به، لو لم تحدد موقعا ما إزاءه. وفي الإطار نفسه، خفي على الكتاب الحالي الرابط الموجود بين رفض إحدى العشابات البوح بالوصفات التي تعتمدها في تحضير الدواء، بدعوى أنها تحصل عليه مُحضرا وزعم أحد الفقهاء بأنه تلقى معرفته بالسحر من مخطوط مزقه إثر الانتهاء منه. كلا الاثنين يرفض مد الآخر (الباحث) بمعلومات عن مهنته أو يمكن تسميته بـ «سر المهنة»، فما دور الصفة التي تعاملت بها الباحثة / الوضع الذي تمثلها به كلا النموذجين في تحديد موقفهما المناقض لموقف النموذج الذي كان طيبا إلى أن رجا أن تؤخذ له صورة؟ ما دلالة هذا الرفض؟ كيف يمكن استيعاب اختلاف استجابة متطببين أمام موقف واحد يخلقه الباحث لكن باستراتيجيات مختلفة؟… إن رفض المتطبب البوح بسر المهنة في التطبيب الشعبي هو «إجراء دفاع ذاتي عدواني تجاه تهديد الباحث – ولو أن هذا الأخير لا يرسل خطابه باعتباره تهديدا – وهذا الرفض يعين بذاته مكانا مهيئا لاستقبال التهديد ويدل على الهشاشة الحالية لنظام الطب التقليدي بمجموعه (…) ولهشاشة هذا النظام ما يميزها نظرا لكونه غير مدعم بسلطة معرفة نظرية حية كما كان الأمر زمن ازدهار الطب العربي، ولا ببنيات صحة عمومية، ونظرا لاجتياح الطب الغربي إياه (…)، فإن هذا النظام أصبح مجرد تجريب، إرثا من التقليد»[14].

5. 5 – لقد حضي موضوع السحر، والخفي عموما، على امتداد الفكر الأنثروبولوجي بدراسات عديدة قاربت الموضوع من زوايا مختلفة، وفي شعوب متعددة، إلى أن أصبح هذا الحقل المعرفي يتوفر اليوم على ركام من الدراسات يحتمل معه استحداث تخصص فرعي في الأنثروبولوجيا خاص بالسحر[15] على غرار ما حدث مع القرابة، والموت، والسياسة، والدين… وهذا المعطى يجعل باحث اليوم في وضع محظوظ جدا لأن اتجاهات البحث الأساسية قد توضحت، مما يسمح بالتموقع داخلها أو إزاءها من جهة، ثم لأن الأسئلة الجوهرية في الموضوع قد تمت صياغتها سلفا، من جهة أخرى. هكذا، ففي المدرسة الفرنسية، على الأقل، يتوزع الدراسات المنجزة في الموضوع اتجاهان رئيسيان: الأول وظيفي اجتماعي يعتبر السحر والممارسات المرتبطة به سلوكا تعبيريا يؤدي وظائف اجتماعية ذهب البعض إلى نعتها بالثورية، لانتشارها بصفة خاصة في الأنظمة الاستبدادية، والثاني نفسي-مَرضي يعتبر الممارسات نفسها ناتجة عن اضطرابات نفسية في شخصيات مزاولي هذه الممارسات أو زبنائهم أو هما معا.

أما الأسئلة الأساسية المطروحة فهي: من يسحر من؟ كيف؟ لماذا؟ كيف يبرر الساحر سحره؟ كيف تتحقق فاعلية السحر؟ والمسحور، كيف يعرف أنه مسحور؟ ما المسار الذي يتبعه للتخلص من سحره؟ ما دلالة هذه الممارسات في مجتمع ما؟

إن إشارة مقدمة الكتاب إلى كون السحر سلاحا دفاعيا، ما انفكت المرأة تستعمله منذ العهود البدائية، تلك الإشارة تدفع إلى الاعتقاد بتموقع البحث في إطار وظيفي اجتماعي، لكن هذا الاعتقاد سرعان ما يتبدد حينما يصف البحث – أثناء عرض نماذج الفقهاء – الزائرات بالهستيريا، ويشير في الخاتمة إلى ضرورة توظيف أدوات تحليل نفسية لفهم الظواهر المعنية، فهل يعني ذلك أنه يتبنى رؤية تراوح بين الاتجاهين؟ الواقع أن اختبار البحث على المعطيات النظرية آنفة الذكر يبدي الكتاب غير معير أدنى اهتمام لها، الأمر الذي يفسح مجال التساؤل عن إمكانية إنجاز بحث علمي في موضوع ما دون الاطلاع على الأبحاث السابقة في الموضوع.

5. 6 – نعتقد أن معظم الهفوات السابقة إنما تجد تفسيرها أساسا في اليبليوغرافيا المعتمدة، في جانبيها الكمي والكيفي؛ ففي القسم المتعلق بالتطبيب لم يتم اعتماد سوى 6 مراجع من أصل قائمة ببليوغرافية للدراسات المنجزة في موضوع التطبيب بالمغرب، تحتوي 307 مقالا ودراسة[16]! كما لم يعتمد مما أسماه بـ «الكتب الصفراء» الكثير مما هو واسع التداول بين المتطببين، محترفين وغيرهم، كـ «كشف الرموز في بيان الأعشاب» لابن حمدوش الجزائري، و«الطب النبوي» لابن قيم الجوزية، و«تسهيل المنافع في الطب والحكمة» لناقع بن الأزرق، ومصنف الأنطاكي الضخم «تذكرة أولي الألباب والجامع للعجب العجاب»… فعدم كفاية ما تم اعتماده من «الكتب الصفراء» أدى إلى اختزال السحر «العلاجي» (ولم نسمع بالكلمة من قبل) برمته إلى الطلسم والحرف فيما توقف العودة إلى مؤلفات عبد الفتاح الطوخي الفلكي واسعة الانتشار بين الفقهاء، وابن سينا والغزالي والديربي الكبير وأبو حي الله المرزوقي وغيرهم على تعدد «علوم» السحر لتشمل الأوفاق، والتنجيم، والأرصاد، و«الزايرجة»، والرمل، والروحاني، والعمل بالدعوات، كالبرهتية، والجلجلوتية والدمياطي والتهاطيل، الخ.

والضآلة نفسها حالت بين البحث والوقوف على التمثلات التي تستند عليها الممارسات السحرية؛ فالكون ينقسم عموديا إلى عالم علوي (حملة العرش، الروح، سلاطين الملائكة، الكروبيون، الملائكة الموكلون بالكائنات لإصلاحها ودفع الفساد عنها، ملائكة سبع سماوات، المعقبات، منكر ونكير، السياحيون، هاروت وماروت)، وعالم سفلي (الجن، إبليس، الإنسان، الأرواح، الطبيعة)، وينقسم افقيا إلى مرئي وغير مرئي. والإنسان، في هذا المنظور، مجال تحكم من قبل هذه المخلوقات؛ فمولده وهيأته الفيزيولوجية، ومزاجه، ومرضه، وكل ما يلحق به من خير أو شر، إنما يعود إلى تحكم العالم العلوي في نظيره السفلي والمرئي في نظيره غير المرئي. والمهمة التي يضطلع بها الساحر هي تطويع سلطة العلوي واللامرئي لخدمته وخدمة زبائنه، وذلك باعتماد نسق معرفي / علمي يقوم كعالم تجريدي مواز للكون في كل تجلياته. وحينما أورد الكتاب أمثلة للطلاسم المستعملة قصد إبداء «الخداع الواضح الذي كان يمارَسُ ولا زال يُمَارَس لتضليل العقل الساذج واستغلاله» (ص. 101)، فإنها لم تفعل سوى عزل هذا الطلسم عن نسقه؛ فلكل رمز من رموزه مقابل من أسماء الملوك السبعة والأبراج والحروف والطعوم والألوان والروائح والأشكال الرملية والأمراض والحيوانات والنباتات والمعادن… بتعبير آخر، ما من شكل من هذه الأشكال إلا ويشكل ومنفذا للعالم»[17].

أما ما يتعلق بالدراسات المعتمدة، فبالإضافة إلى عدم كفايتها، تميز تعامل الكتاب معها بالانتقائية ومحدودية الاستفادة». وسنثير مثالين للتدليل على ذلك: فحول استعمال (بيض المهر) (بازدهر) في الطب الشعبي علاجا للتوكال، تم الاكتفاء بنقل رأي الدكتور أرنو يتضمن حكم قيمة: «كتب عنه الدكتور أرنو بحثا دقيقا وقام بتحليل لمحتواه، فتوصل إلى نتائج تؤكد عدم فعاليته ضد التسميم» (ص. 89). والواقع أن الأمر لا يمكن حسمه بهذا الشكل؛ فمن أصل 150 مادة معدنية وحيوانية ونباتية تباع أسبوعيا في مدينتي الرباط وسلا، 60 منها لا تشتمل على أي مبدأ فعال معروف، ومع ذلك فإن انتظام ظهورها في الأسواق مساو للباقي[18]. وهذا بالضبط ما يحتاج إلى تفسير: كيف تتحقق الفعالية بأدوية لا تتصف بأي فعالية (من منظور الطب الحديث؟).

أثار ليفي ستروس هذه القضية، في الفصل الذي خصصه لـ «الساحر وسحره»[19]، فانتهى إلى مجموعة خلاصات وصاغ أطروحته الشهيرة، في تفسير فعالية السحر والتطبيب التقليدي، فيما أسماه بـ «الفعالية الرمزية». فمن خلال تحليل أداة علاجية (التوليد بقراءة عزيمة سحرية)، أظهر التماثل القائم بين هذه الأداة والأدوات المستخدمة في العلاج بالتحليل النفسي ورأى ضرورة مراجعة هذا الأخير لأداوته وأسسه النظرية على ضوء العلاجات التقليدية.

وحول تضمن التطبيب الشعبي لعناصر نباتية وحيوانية رأى الكتاب الذي نحن بصدده أن هذه العناصر هي «متبقيات عقائدية عن الطوطمية لازالت قائمة» (ص. 15)، ومن تأويلات الطوطمية وقع اختيار الكتاب نفسه على تفسير مالنوفسكي، نقلا عن ليفي ستروس، الذي يعزو انتساب الإنسان الأول إلى الطوطم لأسباب بيولوجية محضة (ص.س.). ومن المعلوم أن اشتمال العرب القدماء على أسماء حيوانات أثار جدالا طويلا بين المؤرخين العرب حول ما إذا كانت هذه الظاهرة تفسر باجتياز العرب للمرحلة الطوطمية أم لا، ولم يتوصل المؤرخون إلى رأي موحد في المسألة[20]. غير أن الكتاب الذي بين أيدينا لم يعر اهتماما لهذا الجدال. وإذا افترضنا إمكان ترك هذا النقاش جانبا، فإن مجموعة قضايا تبقى صعبة الفهم: بم نبرر تبني أطروحة مالينوفسكي في غياب التموقع تجاه فرويد؟ خاصة وأن أبا التحليل النفسي هو الذي قدم الصياغة المتماسكة لمسألة الطوطمية عندما ربطها بمركب أوديب الذي اعتبره مفتاحا لمعرفة كيف بدأت الثقافة ولماذا، غذ يذهب إلى أن الأبناء المجرمين، إثر شعورهم بذنب قتل الأب، أقاموا قاعدتي الامتياز،وهما: «منع غشيان المحارم» و«احترام الحيوان الطوطمي» (بديل الأب). أمان مالينوفسكي، فقد اختبر نظرية فرويد هذه في الميدان، فخصص عدة أقسام من كتابه Les Argonautes لمناقشة هذه النظرية على ضوء المادة التي جمعها في جزر الطروبرياند ونقض رأي فرويد القاضي بكونية مركب أوديب، فاستتبع ذلك تغيير وظيفة الطوطم نفسها واختزالها إلى وظيفة بيولوجية محضة. وقد تعرض مالينوفسكي لانتقادات عديدة. يرى ليفي ستروس، مثلا، أن مالينوفسكي ارتكب خطأ منهجيا عندما زعم أن الأهمية المعطاة للنباتات والحيوانات الطوطمية إنما ألهمتها للبدائيين أنات معداتهم»[21].

وفي مستوى آخر، أثارت الطوطمية جدالا كبيرا بين الإثنولوجيين وكتاب ليفي ستروس «الطوطمية اليوم» Le totémisme aujourd’hui الذي اتخذه مؤلف «التطبيب والسحر بالمغرب» وسيطا للمرور إلى مالينوفسكي، إنما سعى إلى حسم هذا الجدال وإظهار أن الطوطمية لم تكن سوى وهم ترتب عن قبليات علماء القرن التاسع عشر. يقول في ص. 4 من الكتاب نفسه: «الطوطمية أولا هي إسقاط – على ما يخرج عن كوننا – لمواقف فكرية لا تتناسب والانفصال بين الإنسان والطبيعة، هذا الانفصال الذي اتخذه الفكر المسيحي باعتباره شيئا أساسيا»[22]. وهذا الاعتبار ربما قد يحيل إثارة مسألة الطوطمية في الكتاب الذي يعنينا أمرا غير ذي جدوى.

7 – لم نكن لنثير الملاحظات السابقة لولا مشاركتنا الباحثة هم ضرورة الاعتناء بظواهر من ثقافتنا وهويتنا هي في أمس الحاجة للمحاورة والفهم، ونشدان الموضوعية والعلمية في مقاربتها. وعليه، فإننا لم نهدف إلى الحط من مجهودات التي بذلتها الباحثة في إنجاز مساهمتها القيمة بقدر ما هدفنا إلى فتح حوار هادف ومسؤول.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий