Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > خفايا استخدام ثقافة العولمة أساليب (الإغواء) لتفكيك الشعوب الكبيرة إلى إثنيات وطوائف

خفايا استخدام ثقافة العولمة أساليب (الإغواء) لتفكيك الشعوب الكبيرة إلى إثنيات وطوائف

الفيلسوف الروسي يفند نظرية تميُّز العقلية الأوربية النوعي عن العقليات الأخرى مجتمعة

يفند الفيلسوف الروسي الكسندر بانارين نظرية “تميّز” العقلية الأوروبية النوعي عن العقليات الأخرى مجتمعة. ويكشف خفايا استخدام ثقافة العولمة، أساليب “الإغواء” لتفكيك الشعوب الكبيرة الى إثنيات وطوائف. ويقول بانارين: لقد أطلق العولميون دعاية لم يسبق لها مثيل للتشهير بـ”السيادات الوطنية”. ويعمل فقهاء العولمة ومنظروها بشكل مركز على إضعاف السيادات الوطنية الشامل، فتفقد المقدرة على حماية مواردها من نهب الحيتان الدوليين. ويؤكد مؤلف كتاب “الإغواء بالعولمة”: إن جوهر العولمة انتزاع الأقلية “المختارة” موارد شعوب تعدّها غير جديرة بثروتها.

الجزء الثاني

ويتسلح الآخرون باستقصاءات الأنثروبولوجيا الثقافية, ويُصرّون على تميُّز العقلية الأوربية النوعي عن العقليات الأخرى مجتمعة؛ ويبدو التقدم من وجهة النظر هذه لا كنتاج للتطور الإنساني العام بل كاحتكار أزلي للحضارة الغربية, التي ولَّدت مثل هذه الظاهرة الفذة والفريدة وغير المتاحة للآخرين. عند ذلك, تتكشف لنا على شكل جرعات العنصرية الباطنية, التي أخفت وجهها حتى وقت قريب. إنهم يقنعوننا بأن الإنسانية لا تستطيع السير عبر طرق عديدة نحو المستقبل الواحد – لا تقود إليه سوى تلك الطريق المرسومة من أجل الحضارة الغربية. أما ممثلو الحضارات والثقافات الأخرى فما هم, في أحسن الأحوال, سوى مقلدين للتطور الغربي, وليسوا مبدعين له. مع العلم أن هذا التقليد, كما يؤكدون, يعطي نتائج أسوأ فأسوأ, وفي النهاية لا مفر من أن تتكشف تلك الحقيقة المثبطة, وهي أن الشذوذ الطبيعي للعقليات غير الغربية (وجميع العقليات غير الغربية تعتبر شاذة) لا يمكن علاجه بالتنوير. مهما نورت أولئك “السكان الأصليين” فإن الموروث سيطغى, وستذهب جهود المبشرين هباء.‏

سيقول القارئ: رحماكم, فما الذي بقي إذن من فلسفة عالم العولمة؟ وهنا بيت القصيد, إذ ينتج من هذا أن “العولمة” أحادية الجانب ومتحيزة على نحو يثير الشك. إن العولميين الغربيين ووكالاتهم الكومبرادورية في الأماكن مهتمون بأمر وحيد: أن تصير موارد العالم كلها “عولمية” في أسرع وقت, أي متاحة “للمليار الذهبي”. وما يسمونه “المجتمع المفتوح” العولمي أو السوق العولمية, يعني تحريم “إخفاء” الموارد الوطنية عن المنافسة العولمية, التي تهدف في النهاية إلى نقل هذه الموارد من أيدي أولئك الذين يستغلونها استغلالاً سيئاً إلى أيدي من هم أكثر مهارة. طبعاً, إن نطاق أولئك المهرة اليوم محدد بالمنتصرين في المباراة الاقتصادية العالمية (إنهم, هم أنفسهم, المنتصرون في “الحرب الباردة”).‏

أما عولميونا فيُبرِزون من كل محتوى العولمة المدرَك جانباً واحداً هو وضع موارد الكوكب في متناول المتوجين في المباراة العالمية. إنهم يتحدثون, بهذا الخصوص, عن ما يسمى منظومة التعاملات أو منظومة التحويل الحر. وهذا كله يعني وضع إجراءات تؤمن, أولاً, الحد الأقصى من القدرة على تحريك موارد الأرض, وثانياً تأمين نقلها من غير عوائق من حوزة “غير المؤهلين” نحو السوق العالمية – إلى “المؤهلين”, ومن حوزة “غير المهرة” إلى “المهرة”.‏

يجري أولاً فصل رأس المال الممول عن رأس المال الصناعي, الذي يرون خصوصيته السلفية في بقائه مرتبطاً بالمحلية وبالفضاء القومي. وثانياً – إضعاف السيادات الوطنية الشامل, فتفقد المقدرة على حماية مواردها من نهب الحيتان الدوليين, وحماية اقتصادها الوطني من الدمار من قبل العولميين المضاربين بالأموال. لقد أطلق العولميون حالياً دعاية لم يسبق لها مثيل من حيث القوة في سعيهم إلى التشهير بالسيادات الوطنية, التي تعيق إعادة توزيع الموارد العولمي لصالح الأقلية “الماهرة”, وأحد أهم اتجاهات هذه الدعاية هو فضح عدم الفاعلية الاقتصادية الجوهرية والمخاطر البيئية لبرامج التنمية الوطنية في المناطق غير الواقعة ضمن نطاق “المليار الذهبي”. لقد وضعت موضوعة التبذير البيئي المدمر وتبديد المواد الأولية والطاقة من قبل الاقتصاديات الوطنية اللاغربية في مركز الاهتمام باعتبارها بدهية من بدهيات العولمة المعاصرة, التي لا يمكن أن يشكك بها أحد سوى الرجعيين الظلاميين وسيئي النية.‏

الاتجاه الثاني مرتبط في الواقع بعدم الأهلية السياسية للسيادات الوطنية. إذ يجري الترويج لموضوعة عدم المقدرة الجوهرية للحكومات الوطنية, التي لا تبحث لها عن غطاء لدى أصحاب منظومة القطبية الأحادية, على معالجة الفوضى السياسية-الإرهاب والحروب الإثنية والأصولية الدينية المتطرفة والتطرف القومي. كلما كان تعداد أولئك المتطرفين جميعاً أوضح ازداد استياء “المجتمع العولمي” من كل أولئك غير القادرين على فرض النظام المتحضر لديهم, ويمنعون غيرهم, من فعل ذلك.‏

صار يتضح أن من مصلحة “العولميين”, وبغض النظر عن خطابيتهم, تقويض النظام في فضاء الدول الوطنية. ومن هنا تنبع متناقضات “المجتمع المتحضر” المدهشة ومعاييره المزدوجة, التي نشهدها اليوم. ونتساءل ما الذي يمكن أن يكون أشد ذمامة من السلفية العشائرية لزعامة “الاستقلاليين” الطموحة, التي حطمت الفضاءات القومية الضخمة الموحدة – وهي الشرط المختبَر من أجل التقدم – واستبدلت بها سيادات إثنية؟‏

بهذا تصير مفهومة غرائب العولميين الذين لا يقفون أمام شيء في سبيل تحطيم منجزات الحداثة نهائياً على صعيد الأمم الكبيرة لصالح الانفصالية القبلية والتطرف, هذا التحطيم الذي نلحظه في الفضاء ما بعد السوفييتي وفي يوغسلافيا, والذي سرعان ما سنلحظه, على الأرجح, في الصين و الهند. يتلخص الأمر في أن الأمم الموحدة الضخمة قادرة على أن تصير عائقاً في وجه الساعين إلى السلطة العولمية على العالم؛ لهذا تحديداً يتحالفون مع ناشطي الانفصاليين الإثنيين ويمولونهم.‏

وهكذا, نقترب من فهم جوهر العولمة الحالية الحقيقي. إن أصحابها في الغرب – هم في الحقيقة أولئك الريفيون الإثنيون, الذين يرفضون مستقبل البشرية؛ وعولمتهم لا تسير أبعد من الاستحواذ على موارد الأرض من قبل الأقلية “المختارة” الجشعة, التي تعتبر سواها من البشر غير جديرين بهذه الثروة.‏

الموارد العولمية من أجل مصالح الأقلية الأنانية الضيقة – هذه هي العقيدة الحقيقية لـ ” العولمة”, التي يدور الحديث عنها هنا.‏

1 – يستخدم المؤلف مصطلح السكان الأصليين هنا ولاحقاً للدلالة على النظرة الفوقية التي تنظر بها النخب إلى شعوبها, كما كان ينظر مكتشفو القارة الأمريكية إلى سكانها الأصليين (المترجم).‏

“الحُجاج” و “السيّاح”

لكن للعولمة أيضاً مُرَكِّبَة أخرى تحدِّد بعدها “الإنساني”. يدور الحديث عن فلسفة ما بعد الحداثة. يجري اليوم إبراز نتائج “الحرب الباردة” في أغلب الأحوال على أنها انتصار لليبرالية على الشيوعية. لكن إذا كان في الإمكان أن يدور الحديث هنا عن الليبرالية, فإنه سيدور فقط حول ما بعد الحداثة “المعاد بناؤها”, والأدق, حول ما بعد الحداثة “مفككة البنية”. فإلام يُرجَع هذا التفكيك؟‏

يدور الحديث في المقام الأول عن التدمير المقصود لمشروع التنوير السوسيوثقافي الهائل, المرتبط بإنشاء فضاء كبير موحد وزمن تاريخي كبير ذي توجه موحد. لقد عرف الجميع في أوار “الحرب الباردة” أن ثمة مشروعين كبيرين يتصادمان فيها, وقد ولد كل منهما من التنوير الأوربي, من الحداثة. لقد تكلم المشتركون في الصراع بلغة التنوير الواحدة؛ كان الناس في كل قارة – في أوربا وآسيا وأفريقيا وأمريكا يوازنون بين المشروعين, الشيوعي والليبرالي(الرأسمالي), المتصادمين في ميدان سوسيوثقافي واحد. لقد دار الحديث لا عن اختلاف الأهداف, بل عن الفهم المختلف لطرق الوصول إليها. أما الأهداف المعلنة فكانت واحدة: الحرية, المساواة, التنوير, الحراك الاجتماعي الشاقولي وغير ذلك.‏

بدأت فلسفة ما بعد الحداثة تحطيمها للغة الثقافة الواحدة مع تحطيمها للفضاء الواحد. منذ ظهور الحيوان العاقل لم يشك أحد في أن نوعاً إنسانياً وحيداً يقطن الأرض, يمكن أن يتميز في داخله بعلامات عرقية وإثنية, لكن هذا لا يؤثر كثيراً على وحدته الجوهرية. وها هم ما بعد الحداثويين, مستغلين مقولة تعددية الثقافات, وقد صاروا يتكلمون على تعدد الأنواع البشرية أو الفضاءات السوسيوثقافية التي لا لغة أو أفكار مشتركة بينها.‏

في مثل هذا السياق ما عادت الاشتراكية, مثلاً, تبدو كشكل مختلف للمشروع الحداثوي (التاريخي), قادر على إلهام الناس في أي قارة, بل صار يبدو كخصوصية غير مأنوسة لثقافة “السكان الأصليين” الروسية. ومن المفيد أن نستعين, من أجل الموازنة بين النظرتين الكلاسيكية وما بعد الحداثوية إلى الأشياء, باستعارات من أحد أشهر دعاة ما بعد الحداثة وهو زبيغنيف باومان.‏

يقول باومان إن في الإمكان تشبيه ثقافة الحداثة بشخصية الحاج, وثقافة ما بعد الحداثة بشخصية السائح. إن وعي الحاج مركزي التوجه: أينما وجد فإن طريقه إلى مكة أو هيروشليم يعني أن مكان إقامته الدائم ومركز العالم المقدس هو جوهر نقطة الفضاء التراتبي المنظم الواحد, الذي يعطي حياتنا معناها الأسمى. يسير الحاج لا ليمتع ناظريه بالمعالم, بل ليؤكد خضوعه للقيم الواحدة, التي لا يمكن للبعد المكاني أن يضعفها.‏

أما السائح فيسلك سلوكاً مختلفاً باعتباره شخصية مركزية لعصر ما بعد الحداثة. إنه يعبر القارات راغباً في تذوق الغرائب الثقافية, التي ليست أكثر من مثيرة للفضول. هنا لا يجوز افتراض وجود خضوع لتلك القوى والقيم التي يفيض بها وسط الثقافات الأخرى. بل على العكس, إن الإحساس بالاغتراب عن تلك القوى والقيم, أي إدراك شعور المراقب الحر أو البطالين أو المقلدين المتدللين, يشكل المتعة الرئيسية للسياحة. لا يبحث السائح عن الفكرة الواحدة؛ بل على العكس, إنه يعبر حدود الثقافات المختلفة متوقعاً أن يرى كل مرة ما هو مختلف اختلافاً مبدئياً, وما لم يره من قبل. كلما ازداد تجزؤ ميدان العالم السوسيوثقافي ازداد حبور السائح. ستلائمه الموزايكية الكاملة للعالم, المأهول بأنواع بشرية مختلفة.‏

على هذه اللوحة تحديداً تصر فلسفة ما بعد الحداثة. إننا هنا نصطدم بالمفارقة ذاتها التي ذكرناها أعلاه. فشخصية الحاج, السلفية منذ الآن, كانت أقرب على نحو لا يقارن إلى العولمة الأصيلة من شخصية سائح ما بعد الحداثة. لقد آمن الحاج إيماناً مقدساً بوحدة النوع البشري وبوحدة العالم, ولهذا كان مستعداً للجدال حول القيم. في الواقع: إذا كان الحديث يدور عن الفضاء الواحد الذي سيعيش الجميع فيه, فإن الأمر يستحق الموازنة بين المشاريع والقيم المختلفة بهدف انتقاء الأفضل للبشرية كلها.‏

السائح يرفض النقاش لأنه مستعد لأن يصدق أن كوكبنا مأهول بأنواع بشرية مختلفة, كل منها “ممتع بأسلوبه الخاص” وجيد في مكانه. ليس مصادفة أن الوعي الذاتي لعصر الحداثة استند إلى الاقتصاد السياسي وعلم الاجتماع – هذين العلمين اللذين يشدان نحو التقدم الشامل الواحد. أما وعي ما بعد الحداثة الذاتي فيتشكل مرتكزاً إلى الأنثروبولوجيا وعلم الأعراق – العلمين اللذين يؤكدان على تجزؤ الحقل السوسيوثقافي للبشرية.‏

إن ما يكتسب الأهمية الحقيقية هو أي وضع أنثروبولوجي نمنحه للفروقات الثقافية. فإن لم نفقد من وراء هذه الفروقات وحدة الجنس البشري المبدئية, ووحدة الأفق التاريخي فهذا أمر, والأمر الآخر هو أن نتحول, على نحو لا نلحظه, إلى “عنصريين حسني النية” وأصحاب مذهب ثقافي يشجب وحدة البشرية بحجة احترام التعددية السوسيوثقافية. إن السفسطات الخطيرة لما بعد الحداثة موجهة من أجل استبدال المصطلحات والمعاني: صار اختلاف الإيديولوجيات, التي خرجت جميعاً من جذر واحد – من التنوير الأوربي, تكتسب منذ الآن معنى “ثقافي – أنثربولوجي”, يفترض عدم اجتماعها المبدئي.‏

يُعتبر الكثيرون منا اليوم ضحايا لهذا التزوير السفسطائي. وهذا يتعلق خصوصاً بظاهرة الشمولية. لقد فهم أسلافنا, الذين لم يَخبروا دروس ما بعد الحداثة, فهماً جيداً أن الاتحاد السوفييتي قد بني على المشروع الذي اتحدت فيه تعاليم مور وكامبانيلا وأوين وسان سيمون وماركس ولاسال. لقد وحدتهم جميعهم فكرة المجتمع المنظم عقلانياً, والمنتصر على نزوات الطبيعة والتاريخ.‏

لكن اليوم, حين يناقش المنظرون والناشرون “الليبراليون” الشمولية, فإنهم يرتكزون على الجذور “السكانية الأصلية” – أي على تقاليد المشاعية الروسية, وعلى نزوات الذهنية القومية غير القابلة للانصلاح, وباختصار, على خصوصيات طبيعة الإنسان الروسي. وما دام الأمر كذلك فسيبرز خياران لا ثالث لهما: إما أن نقبل جبرياً الشمولية الروسية على أنها خصوصية “طبيعية” من خصائص الثقافة المعنية, وإما أن ندمر هذه الشمولية والروس معها باعتبارهم حاملين عضويين لها. إن الوعي النابض ضمن حدود هذين الخيارين خطير للغاية, خصوصاً إذا شعر أصحابه بأنهم منتصرون في “الحرب الباردة”, وأن كل شيء مسموح لهم منذ الآن.‏

1 – باومان, من الحاج إلى السائح // المجلة الاجتماعية. 1995, عدد رقم 4.‏

“منظمو العالم” السِّريون

يتعلق الجديد الجوهري الآخر لما بعد الحداثة بمسألة وحدة الزمن التاريخي. لقد مسَّ انقلابُ المسيحية الأنتولوجي المرتبط بوضع لوحة جديدة للعالم, فهمَ الزمن التاريخي بالدرجة الأولى. كان فهم الوثنية للعالم يمتاز بالتصورات الطبيعاوية(1), حول دورات الزمن, التي تذكر بتبدل أوقات السنة أو أطوار الحياة (الولادة ثم النضج ثم الشيخوخة ثم الموت).‏

ارتبط الانقلاب التوحيدي بالإيمان بأن أهداف الكون محددة بالإله الواحد. عندئذ يكتسب التاريخ اتجاهاً صارماً: ينشأ شعاع(2) الزمن الممتد من نقطة الانطلاق باتجاه أفق ما منشود – هو النهاية المولدة للفكر.‏

لقد جادل التنوير المسيحية في كل شيء, لكنه حافظ على أحكامها المتعلقة بفكرة الزمن التاريخي السائر في الاتجاه المعطى. لقد آبت مشاريع التنوير الإيديولوجية كلها, على هذا النحو أو ذاك, إلى المشروع المسيحي الوحيد – إلى امتلاك البشرية لأرض الميعاد, التي هي منتهى الترحال التاريخي المستمر منذ آلاف السنين.‏

ويشاء القدر أن يمحص, بالدرجة الأولى, الفلاسفة الفرنسيون مسألة شرعية نهاية التاريخ في عصرنا ما بعد الديني. إن هذا التوجه سرعان ما صار محدداً بحوار الثقافة الفرنسية مع الثقافة الروسية. وتفسِّر إلى حد كبير الجديةُ المأساوية لهذه الأخيرة, التي لا تسمح بتحويل الأفكار الكبيرة إلى لعبة أو محض تقليد, حقيقةً أن الروس تحديداً هم أول من جرّب حقاً تحويل أكثر مشاريع الحداثة الأوربية إغراءً إلى واقع. وإذا كانت الفلسفة الأنكلو – أمريكية, بحكم بعدها النسبي عن الحماسات القارية, لا تزال قادرة على وصف “الاشتراكية الواقعية” بالطرق المصلحية الثقافاوية على أنها ظاهرة إثنية روسية غريبة, فما بال الفرنسيين, الذين لمسوا جيداً قَرَابة مقاصد التنوير العامة, يفعلون ذلك.‏

وبالأخص, لم يحاول جان بول سارتر أن يفسر دراما الاشتراكية الواقعية إثنياً – باعتبارها دراما روسية, بل أنتولوجياً – باعتبارها صراع أفكار جوهري مع الواقع الخامل, الذي يشوه نقاء المعنى الابتدائي. فمع “موت الإله” يحدث لدى سارتر أيضاً موت العالم المادي الخارجي: لن يلوح فيه منذ الآن المعنى السامي, لن تكون فيه أي ضمانات أنتولوجية. يصير العالم الخارجي عديم المعنى, لكن هذا لا يعد تبرئة لنا على تقاعسنا عن الفعل. إن واجب الإنسان هو أن ينفذ مشروعه في تنظيم الحياة بغض النظر عن فقدان الضمانات الميتافيزيقية السامية, المرتبطة بمشاركة النظام الحياتي ذاته في آمالنا المضيئة.‏

إن تبرير أفكارنا ليس محدداً أنتولوجياً, بل أنثروبولوجيا: إننا نظل أوفياء لمشروعنا ليس لأن بنية الحياة ذاتها تعدنا بإمكان تنفيذه, بل لكي ننقذ أرواحنا في العالم الذي لا معنى له. إن سارتر يلقي بهذا تحديداً الضوء على مرض “الأصولية الإيديولوجية” الغامض, والمميز للفرنسيين والروس معاً, والذي يصاب به الملحدون أكثر من المؤمنين. فالمؤمن يستطيع الاتكال على الله, ولا يستعجل سير التاريخ, لكن الملحد لم يوهب هذه السكينة – من هنا قلقه الذي يميزه, و”قلة صبر قلبه”.‏

المرة الأخيرة التي شعر بها الفرنسيون بـ “قلة صبر القلب” الثورية هذه كانت في أيار – حزيران من عام 1968 – في أثناء العصيان الشبابي الشهير. حينذاك قرر الطلاب العصاة, بالطريقة السارترية الخالصة, أن لا يقيموا وزناً للواقعية طبقاً لمقولة “كونوا واقعيين وطالبوا بالمستحيل!”. لقد أعرضوا عن الاقتصاد السياسي كنظرية ثورية, فهو يستند إلى المقدمات الموضوعية للثورة, وبذلك يعتدي على حرية إبداعنا في التاريخ.‏

في مقدورنا أن نشجب قدر ما نشاء طوباوية الطلبة السوربونيين المنتفضين وتطرفهم, لكن يبدو اليوم واضحاً أن هذه كانت آخر محاولة للحفاظ على عموميات الحداثة بضم “اليساريين الجدد” في العالم كله في وحدة اندفاع ما بعد شيوعي وما بعد رأسمالي. لقد رأى “اليساريون الجدد” في الشرق والغرب عالماً واحداً قابعاً في الشر, عالماَ يعاني من العيوب ذاتها, عالماً شمولياً وتنكيلياً. وقد اختلفت أشكال هذا التنكيل في الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي كما يختلف الإرهاب المباشر عن غسيل الأدمغة الاحتيالي. لكن الهدف نفسه: نزع التوق إلى المشاريع التحررية العظيمة منا, وإجبارنا على احترام الوضع الراهن.‏

حين كان الغرب الرأسمالي والشرق الشيوعي يخوضان “الحرب الباردة” في ما بينهما, كان “اليساريون الجدد” ممتلئين عزماً على فض هذا النزال المزيف بين شكلي “المجتمع الشمولي الواحد” والاستعاضة عنه بمشروع جديد واحد ما بعد شمولي. كان في سعي “اليساريين الجدد” هذا طاقة ذلك النبض التحرري السابق, الذي ميز ولادة الحداثة.‏

في تلك اللحظة ذاتها جاءت ردة الفعل ما بعد الحداثوية. لقد وضعت من جهة إستراتيجية التفسير الثقافي الأنثروبولوجي أو الإثنوغرافي لـ “الشيوعية الروسية”. وقرر التضامن المتبادل المناهض للاستبداد بين محبي الحرية في الغرب والشرق تغيير ذلك الاحتقار المتكبر من قِبل الغرب الموفق نحو الشرق الشيوعي الغريب و”المنحوس على نحو عجيب”. ولهذا كانوا يحتاجون إلى الإعلان عن شمولية المرض القومي الروسي.‏

من جهة أخرى قامت الإستراتيجية على وجوب تبريد, مرة وإلى الأبد, الخيال الثوري عموماً لواضعي أي مشاريع تحررية كانت, وذلك بالإعلان عن تقادم التخطيط التاريخي من حيث المبدأ. إذا كنا تحدثنا سابقاً عن التدمير ما بعد الحداثوي للفضاء الكبير الواحد, المستبدل بـ “موزاييك الثقافات” فإن حديثنا هنا يدور عن تحطيم الزمن التاريخي الكبير, الذي يربط بداية الدراما الإنسانية ونهايتها على الأرض.‏

لقد أبقت الوجودية الملحدة, وهي آخر تعبير للحداثة عن الذات, على فرصة لمحبي الحرية العنيدين الخارجين من التنوير, حتى بعد إعلانها أن العالم الخارجي لا معنى له. لقد طلبت منهم الإخلاص لمشروعهم بغض النظر عن صمت العالم الخارجي بعد موت الله الذي ما عاد يزرع الأمل فينا.‏

صار أتباع ما بعد الحداثة يعلنون الآن أن أي مشروع تاريخي هو حقد معاصر واعتداد بالنفس. وها نحن نحصل, عوضاً عن التاريخ المطعون بمخطط عام هو مشروع التحرر الواحد, على عدد لا حصر له من “التواريخ” ذات الاتجاهات المختلفة, والتي تعتبر في الواقع بنت يومها وتنتهي بانتهائه. منذ الآن صار من حق الإنسان أن يعيش لحظته من غير أن يثقل كاهله بالأهداف الكبيرة. هنا, خصوصاً, تكمن الليبرالية الجديدة, التي تحرر الإنسان من عبء المسؤولية التاريخية وما يرتبط بها من تضحية. يؤكد ليبراليو ما بعد الحداثة على تساوي أي فترات زمنية, ويقترحون علينا أن نغرق في موزاييكهم, تاركين جانباً كل اهتمام بمعنى الزمن الاجتماعي واتجاهه.‏

لقد تبين أن محاولة تحطيم الشعاع التاريخي في الثقافة هذه غير بريئة قط. في الواقع: ينبغي في هذه الحال الاعتراف بأن الممارسات كلها متساوية في القيمة ومتساوية في احتمال الوقوع. وتصير مفاهيم المنحط والسامي, المتحضر والبربري, المنتخب والبدائي غير ملائمة.‏

لقد حافظ شعاع الزمن التقدمي على نحو مخفي, كما تبين, على شفرته الأخلاقية التقليدية: تموضع المشكوك به اجتماعياً وأخلاقياً “في الأسفل”, في الماضي, و بمقدار التقدم إلى الأعلى أُفسح المجال أكثر فأكثر للأعدل والأكثر كمالاً. أما بعد الوقاية ما بعد الحداثوية فيختفي في الثقافة الأسفل والأعلى. وسرعان ما سينعكس هذا في ممارساتنا العملية الاجتماعية والثقافية اليومية.‏

ليس مصادفة أن أتباع ما بعد الحداثة يثيرون اشمئزازنا على نحو منهجي من الخطاب الأخلاقي, ومن المحاكمات التقويمية. من هنا تأتي المتناقضات المُغِمَّة للعصر الليبرالي الجديد: – الحكام الليبراليون يتعاونون مع المافيات؛ المفكرون الليبراليون المستخفون بـ “تعاليم ماركس المتوحشة”, الذي انتمى, في نهاية الأمر, إلى رعيل مفكري الحداثة العظام, يقبلون من غير أن يرف لهم جفن المسلسلات التلفزيونية الأشد وحشية وأفلام الرعب والأفلام السوداء والإباحية معبودة الجماهير. كنا حتى أمس أكثر تسلحاً بالمعايير التي تسمح لنا بالتفريق بين بضائع الاستهلاك الواسع والكلاسيكية السامية, بين القيم الأصيلة والمزيَّفات متدنية الجودة, بين الإلهام الإبداعي و”نشوة” المخدرات. وما بعد الحداثة تحطم هذه المعايير.‏
المصدر : صحيفة النور الصادرة عن الملف برس – الكاتب: الملف برس

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий