Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > خَطـوات الطـِّبّ النفسي الأولـى بالمغرب – جليل بنانـي – ت: محمد أسل

خَطـوات الطـِّبّ النفسي الأولـى بالمغرب – جليل بنانـي – ت: محمد أسل

يعتبر تطور رعاية المرضى العقليين عموما، والمجانين بالخصوص، واحدا من المظاهر الأكثر تميزا للتاريخ المغربي. لاشيء ربما يمنح فكرة أكثر دقة وإثارة للدهشة عن عظمة الإمبراطورية وانحطاطها أكثر من هذا الجانب.
في سنة 1910، أي سنتين قبل إقامة ج. لوكسيوني نظام الحماية في المغرب، كَلَّفَ وزيرا فرنسا في الداخلية والتعليم العمومي (كان رينيو
Régnault آنذاك وزيرا لفرنسا في المغرب) طبيبين عقليين شهيرين، هما لووف وسيريو، فلاحظا أن خدمة المرضى العقليين وعلاجهم – بالمعنى الطبعقلي – كانا “منعدمين في المغرب”، وأوضحا أنهما لا يتهمان الإسلام في ذلك، وإنما “حالة الانحطاط العميق” التي كانت توجد فيها البلاد. كان تعليم الطب العقلي منعدما، ومن ثم كان يتم اللجوء إلى وسائل سحرية ودينية لعلاج المرضى أو التخفيف عنهم.
قام لووف وسيريو ببحث (مارس-يونيو 1910) في مارستانات أهم المدن المغربية وسجونها (طنجة، أصيلة، العرائش، القصر [ الكبير]، فاس، الرباط، سلا، البيضاء)، فميزا في البداية بين ثلاث فئات من الحمقى: “المهادنون”، وهم الذين يعيشون أحرارا في الهواء الطَّلق، ثم “المزعجون”، وهم المحروسون في المنازل، وأخيرا الذين يُعتبرون “خطيرين” صراحةً، وهُم المسجونون في المارستانات أو السُّجون.
يشكل أصحاب الفئة الأولى، أي الأحرارُ، العدد الأكبر، وهم يعيشون على التسوّل. وقليلون منهم فقط يحصلون على الوضع الاعتباري لـ “الأولياء”، ويبجَّلون لأفكارهم الصوفية (أو أفعالهم، الأمر الذي لا يحدده المؤلفان). ويذكر المؤلفان بأن هذه الظاهرة، مع أنها لا تخص المغرب، كانت وراء نشأة الخرافة الشائعة في أوروبا، والتي ترى أن المسلمين يعتبرون دائما الأحمق منهم وليا. أما أصحاب الفئة الثانية، فيمكن أن يشكل الإبقاء عليهم في المنازل حبسا حقيقيا: فبسبب إزعاجهم أو خطورتهم، يمكن أن يتعرضوا للاغتيال من قبل محيطهم. وأخيرا، يتعايش أصحاب الفئة الثالثة مع “مساكين” “محمومين” و”مُعدين”. ويقدر عددهم الإجمالي في مجموع مارستانات البلاد بحوالي المائة.
كان لووف وسيريو أول أوروبيين يزوران المارستانات. رافقهما في زيارتهما تلك الدكتور وسجربرغ
Weissgerber، وهو “كشافة مشهور جدا”، وكذا “بعض موظفي المخزن”. وقد رأيا في المارستانات “نوعا من مستودعات التسول الملحقة بالمساجد”. وما تأثر له الزائران أكثر هو طوق الحديد الذي كان يحمله المرضى ليل نهار، ويتألف من رباطين نصف دائريين يجمعهما مَفصِلٌ غليظٌ، وتربطه سلسلة طويلة بالجدار، علما بأن الطوق نفسه كان يوجد في السُّجون. أما المرضى الهائجون والمجرمون فكانوا يحملون على مستوى العرقوبين قيدين هما عبارة عن لوحة حديدية ثقيلة. وبذلك كان المرضى العقليون يعيشون جنبا إلى جنب مع سجناء القانون العام ويلقون المصير نفسه فيما يتعلق بالوقاية الصحية، والفاقة والمرض. أما من لم تطالب بهم عائلاتهم أو بعض أصدقائهم، فكانوا يمكثون هناك مدى الحياة. ومن ثمة، اضطر لووف وسيريو إلى الإدلاء باقتراحات لتحسين مصير المجانين.

كانت الحكومة الفرنسية في تلك الفترة قد أحدثت مستوصفات ومستشفيات في أهم المدن المغربية، تحت إشراف أطباء فرنسيين. ولاحظ الأخصائيون أن “لا كراهية الأجانب، ولا اختلاف التصورات الدينية منعا الأهالي، رجالا ونساء، من التوافد بالمئات على أولئك الأطباء طلبا للاستشارات الطبية أو الجراحية. والأمر نفسه سيحدث للحمقى يوم أيقن مسلمو المغرب أن بإمكانهم معالجة مرضاهم في معازل مجهزة تجهيزا لائقا”. كان المؤلفان آنذاك يتموقعان ضمن وجهة نظر الاستعجال الطبي وكان الطب العقلي يُتَنَاوَلُ كلية من الزاوية الطبية. غير أن قناعاتهما ظلت مجانبة للواقع، وذلك إلى حدود الخمسينيات على الأقل. ففي سنة 1954 لاحظ إيجر – وهو طبيب عقلـي عسكري – ومعاصـروه استمـرار مقاومـة المرضى [المغاربـة] للظاهرة الطبعقلية وللعلاجات الغربية.
ولنر من هو سيريو (1864-1947) والمكانة المتميزة التي كان يحتلها داخل الطب العقلي الفرنسي. إنه طبيب معازل السِّين، وَصَف مع كابراس
Capras “الهذيان التأويلي” الذي يحمل اسميهما في أعمال (1909) تعود إلى نفس حقبة زيارته للمغرب. ويدخل هذا (التأويل) في إطار الذهان العُظامي كما حَدَّدَه كرايبلن Kraepelin (1899). وستُعرف دراسة هذا الذهان تحليلات واسعة في التقليد الطبعقلي والتحلينفسي، بفرنسا وبالبلدان الناطقة بالألمانية على السَّواء.
يطرح هؤلاء المرضى المضطَهَدين-المضطَهِدُون قضايا طبية-قانونية هامة، وبذلك ليس من المستغراب أن تسند مهمة بمثل تلك الأهمية إلى هذه الشخصية الشهيرة في الطب العقلي الكلاسيكي. ومن المفهوم جيدا أنه باعتباره عياديا متنورا وباحثا شهيرا، فهو لم ينشغل فقط باقتراح مشروع، بل اهتم أساسا بمعرفة من هم المجانين.
ليبرر لووف وسيريو الحلول التي اقترحاها سنة 1911، فقد ألحا على أن ظاهرة غياب الرعاية الطبعقلية في المغرب لا ترجع إلى أسباب دينية، ولكن لأسباب اجتماعية داخلية تتمثل في عصيان القبائل، والحروب الأهلية، وانشغال الحكم المركزي بالقوى الخارجية، ثم ضُعْفُ الموارد. كان الحكم المركزي يضع في المقام الثاني الاهتمامات الخاصة بالرِّعَاية العمومية ويترك المجال فسيحا لما أسماه المؤلفان بـ “معتقدات البدائيين”. وقد ذكَّرا بأنه في وقتٍ كانت فيه الأمراض العقلية بأوروبا تُعزَى إلى أصل فوطبيعي، كان للعرب مفاهيم أكثر علمية بصدد هذه الأمراض وكانوا قد أنشأوا مؤسسات للمجانين في كل من المغرب ومصر وإسبانيا. غير أن جميع آثار تلك الحضارة العظيمة، بما فيها تدريس الطب في جامعة القرويين الشهيرة، كانت قد اختفت تماما إبَّان مجيئهم.
لذلك كانت المارستانات هي مؤسَّسات الأمراض العقلية الوحيدة. لكن قبل أن ينتهي المطاف بالمرضى إليها كانوا يخضعون لممارسات سحرية ودينية أو سحرية-طبية تهدف إلى طرد الجن من أجسادهم. فقد كانَ يُنظَرُ إلى عدد كبير من الحمقى باعتبارهم مسكونين بالجن أو مسحورين، وبذلك كان يتم اللجوء إلى الطالب الذي كان يصنع عندئذ طلسما كما كان يمكن أن يدلي بتوجيهات. كان يمكن استدعاء مطببي طائفة كناوة لصرع الجن، أو الاتجاه بالمريض إلى ضريح ولي صاحبُ بركة قادرة على صنع المعجزات.
لاحظ لووف وسيريو غياب العناية الطبية بالمارستانات فشبهاها بسجن للمرضى العقليين بسبب الشروط غير الصحية السَّائدة فيه والإكراهات الممارسة، واستنتجا أن ثمة “انحطاطا يتواصل منذ قرون عديدة، ربما لن يوضع حدا لمسيرته القدرية إلا تدخلٌ أجنبي خارجي”. وكان الباب مفتوحا لذلك التدخل. وقد اقترحا “مشروعا لخدمة المجانين من الأهالي” و”مشروعا لخدمة المجانين الأوروبيين”.
كان المشروع الخاص بالأهالي يتضمن أقساما ثلاثة: تطوير الصِّحَّة والوقاية من الأمراض الاجتماعية لرصد الأفراد “غير الأسوياء” – داخل مجموع السكان – الذين يشوشون على النظام العمومي، ثم استعمال البنيات المتوفرة، أي المارستانات، بتكليف أطباء بمراقبة الأمكنة، وأخيرا علاج جميع المرضى، العقليين وغير العقليين. وحينئذٍ تُبَرِّرُ العناياتُ الطبيةُ “في أعين السلطات المغربية” المشروعَ المقتَرَح، علاوة على أن استعمال المارستان كان يتيح مراعاة “الأحكام المسبقة لدى سَاكنةٍ قلَّما كانت متنورة”. وأخيرا كان المشروع يتيح ضمان مراقبة طبية داخل السجون.
كان المشروع يرمي إلى الحماية من الأمراض، والصِّحَّة، والانتقاء وتصنيف المرضى العقليين. وبذلك كان مع سعيه لتحسين ظروفهم طبيا، يدخل ضمن سياسة تمييزية تشكل تمهيدا لإنشاء المعازل. ويذكر المؤلفان مثال الإنجليز الذين كانوا وراء تشييد معزلي العباسية وخانكة في مصر (على التوالي لـ 000 1 و600 مريض) ومعزل الهولانديين في بلاد الهند الهولاندية. أما بخصوص الأوروبيين، وكانوا إلى ذلك الحين يُنقَلون إلى مرسيليا وجبل طارق أو قاديس، فقد اقترح المؤلفان إنشاء ثلاث مصحات تمريضية للمرضى العقليين بالبيضاء وطنجة وفاس. كان هذا الحل يتيح تقليصَ تكاليف النقل وعلاجَ أولئك المرضى بأسرع ما يمكن. ولجعل ذلك المشروع يحظى بالقبول، سيما أنه أثار نوعا من “الانفعال” لدى علماء طنجة، لم يتردد المؤلفان في تذكير السّلطان بفضل الأطباء العرب وتقديم مشروعهم باعتباره رجوعا إلى التقاليد الإسْلامية.
أمكنـة الجنـون وعواملـه من خـلال النظـرة الأوروبيـة المـَارستـــــان
نحنُ في بداية القرن، لم يعد في المغرب أطباء على الإطلاق، تدريس الطب اختفى نهائيا، يستسلم المرضى للأولياء أو للطُّلبَة، فالجراحة بين يدي مطببين أو حلاقين يمارسون الختان والحجَـامة، ويجبـرون الكسور… والمؤسسات الصحية الوحيدَة الموجودَة هي المارسْتـانات.
لقد خصَّصَ لوكسيوني، وهو رئيـس إدارة الحبُـوس بالمغرب طوال فترة الحماية، وكان يُقَدَّم باعتباره “مغربيا أصيلا عليما بأشياء هذا البلد وأهله”، خصَّصَ مقالا لـ “المارستانات في المغرب” يذكِّر فيه بالماضي المجيد للموحدين (
XIIم) الذين أفادوا المرضى بمحاسن الحضارة الأندلسية. فقد استقدموا من إسبانيا أطباء مشاهير، وهم: أبو مروان، وابن زُهر، وأبو بكر، وابن طُفيل، ثم ابن رُشد. وفي القرن XIV واصل المرينيون في البداية عمل الأسرة الحاكمة السَّابقة، لكن بعد ذلك سرعان ما غرقت البلاد في الفوضى.
كتب لوكسيوني: “بعد المرينيين انطوى المغرب على نفسه، فبقي معزولا وبرانيا عن تيارات الحضارة والتطورات التي اجتازت بلدان المسيحية مع أنها مجاورة له. أما مؤسَّسَاته التي صنعت مجده في العصر الوسيط فقد انحطت بوتيرة متزايدة. وهي الآن عميقة في مجال رعاية المرضى”.
ويذكِّرُ بأن كلمة “مارستان” ربما جاءت من كلمة “بيمارستان” المركبة بدورها من مفردتين فارسيتين، هما: “بيمار”، وتعني “مريض”، و”ذو عاهة”، و”أحمق”، ثم “سَتَان”، وتطلقُ على المكان أو المؤسسة المخصصين للمرضى. لقد كانت المارستانات تستقبل جميع المرضى، دون تمييز بين الإصابات العقلية والجسمية، كما كان يتوفر فيهـا غالبـا تعليمٌ طبيٌّ أو جراحـي. بعـد ذلك، صـارت تستخـدمُ معـازل للمجانيـن بالأساس.
يرجع بناء أول مارستان إلى القرن
IXم، حسب ما يبدو. كان هذا المعزل العربي الأول يقع في بغداد وكان الرازي كبيرَ أطبائه. وبعد وقت قصير، ظهرت مؤسسات مماثلة في دمشق، والقدس، والإسكندرية، والقاهرة، وفاس، والجزيرة الخضراء، وقرطبة. وربما يعود بناء مارستان القاهرة إلى عام 1304، سابقا بناء نظيره ببلنسية بحوالي نصف قرن على الأقل. ومع أن الملاحظين يرون أن الطب العربي سقط في الشعوذة ابتداء من القرن XVم، وبالتالي وجدت المارستانات نفسها في وضعية مزرية، فإن مارستانات جديدة رأت النور بعد هذا التاريخ. ومنها مارستان التكية بتونس الذي بناه علي الباي الأول عام 1775. والـ “دار [الـ] مغربية للمجانين” التي كانت توجد في الجزائر سنة 1830. وقد كتب المؤلفان نفسهما: “معلوم أن أحياء المجانين في أوروبا كانت ملحقة بمستشفيات وبملاجئ. ففي نهاية القرن XVIII وبداية القرن XIX، كان في فرنسا مستودعات للتسوُّل يتلقى فيها العلاجَ كل من المتسولين، والمتسكعين، والبنات الضائعات، والعجزة والحمقى. وكانت تلك المستودعات تشبه الـ xénodochies، والمارستانات“.
كتب إسكيريول سنة 1836: “لا نعثر على أولى المفاهيـم المتعلقـة بحجـز المجانيـن إلا في المشرق”. وكان قد استند على كتابات ليون الأفريقي لاكتشاف مارستان فاس. وإسكيرول هذا هو مُنظِّم المعزل في القرن
XIX ومؤسس قانون 1838 الخاص بالعزل وبحقوق المجانين. وفيما كان يُنظرُ إلى الجنون في القرن XVIII من زاوية الأسباب الأخلاقية، وكان بينل قد نصَّبَ نفسه مُنظِّرا للنَّفس والعواطف، صار يُنظَرُ إلى الجنون نفسه في القرن XIX من زاوية العلل العضوية.
في سنة 1911، انضم لووف وسيريو إلى رأي إسكيرول، فكتبا: “يبدو جيدا أن الملوك العرب كانوا سباقين إلى خلق مؤسسات خاصة بالمجانين (مصر، المغرب، إسبانيا). بل ومن المحتمل أن فكرة رعاية الحمقى إنما انتشرت لاحقا في باقي العالم المسيحي بواسطة المعازل التي أنشأها المسلمون في إسبانيا”.
وفي سنة 1938، أسرَّ بول سيريو لدِسرويل وبيرسو برأي مخالف من آرائه غير المنشورة آنذاك، فأحالا عليها، منها: أنَّ “أصول رعاية المجانين ليست عربية إطلاقا، وإنما بيزنطية. والحضارة العربية بكاملها مستمدَّة من الغير. فسواء تعلق الأمر بالفلسفة، أو الهندسة، أو الطب، أو الطب العقلي، أو بالرعاية الطبعقلية، لم يكن العرب إلا وُسطاء. تعود الرعاية الطبعقلية في أصولها إلى أسباب ثلاثة اجتمعت في الحضارة البيزنطية، وهي: علم الطب الإغريقي، والمسيحية (تعددية المؤسَّسَات الإحسانية)، ثم التنظيم العالِم للإدارة البيزنطية”. بيد أن الأمر هنا لا يعدو مجرد رأي أو أطروحة لا تستند إلى أي حجة. ففي مقال ديسرويل وبيرسو المنشور تحت عنوان: “رعاية المجانين عند العرب من القرن
VIIIم إلى القرن XIIم” يستخدم المؤلفان استدلالا ملتويا لإظهار أن الطب العربي، على أهميته الكبرى في التاريخ، يبقى مُقتَرَضا من التقليد الإغريقي القديم أو البيزنطي. من السهل إعادة رسم تاريخ العلاجات المقدمَّة للمرضى، إلى حدود بلاد الإغريق القديمة. غير أن المؤلفان يغضان الطرف عن مناقشة العلاج النوعي للمرضى العقليين في مكان مخصص لهم، هذا العلاج الذي يظل من صنيع التقليد العربي. ومعنى ذلك أن المؤلفين مع اعترافهما بالمصادر التي يستشهدان بها، فهما يـنحرفان عنها ولا يتوصلان إلى صياغة استنتاج واضح فيما يخص إسهام التقليد العربي في العلاج الطبي الخاص بالمجانين. ولنشر إلى الجملة التي تشكل عصب هذه الحجة: “المستشفيات الأولى بيزنطية الأصل بدون نقاش، تأسيسها يعود إلى روح الإحسان المسيحية. ولا شكّ في أن أحياء للحمقى، تشبه أحياءنا الملجئية، كانت موجودة في تلك المستشفيات”. ومع أن هذه “الحجة” تبدو قصيرة جدا، بل والسِّجال نفسه ليس له إلا قيمة تنقيبية، يمكن التساؤل عن مصدر الالتباس الذي يعبر عنه المؤلفان في نهاية مقالهما: إنه يعود بدون شك إلى احترامهما الكبير لبول سيريو الذي أهدياَ إليه المقال، والذي كان أطلق – بدون دليل – الفكرة القائلة إن علاج الحمقى لابد أن يكون مرتبطا ببيزنطة وبـ “إحسانها المسيحي”، كما يعود ذلك الالتباس، بكيفية عامة، إلى السياق الاستعماري الذي كتب فيه ديسرويل وبيرسو تلك السطور.
لذا، يؤكد المؤلفان في معرض تكرارهما ملاحظات سيريو أنه “لا ينبغي أن يفهَم من الشرق العرب وحدهم، بل بيزنطة” وأن “أول المستشفيات تظل بالتأكيد بيزنطية الأصل”.
وبذلك وجد السجال حول إسهام الطب العربي نفسَه يطرحُ من جديد حول أصل المعزل، وحول الاعتراف بأن إنشاء أولى المؤسسات الخاصة بالمجانين قد تمَّ في المشرق. وقد كان تحيز المؤلفان يهدف إلى محو دور العرب في مجال العلوم وحتى الحضارة!
بينما لم يجد الأطباء العقليون الفرنسيون أي مارستان في الجزائر، وبينما دُعيت “التكية” في تونس إلى الاختفاء – خلال تشييد جناح “للمصابين بالخرف” بمستشفى منوبة للأمراض العقلية -، كانت مجموعة من المارستانات التي شيدَها ملوك مغاربة مازالت موجودة بهذا البلد. وقد كانت الدولة تتكفل بها عموما. بعضها كان يحصل علـى مـداخيـل هامـة “بفضل إنشاء الحبوس، يمنحه إياها إما مؤسس المارستــان أو بعض الخواص”، وكانت موضوعة تحت حماية الأولياء.
وكان مارستان سيدي فرج هو أقدم مارستانات المملكة وأهمها وأشهرها. وبعد إنشاء مؤسسة الحبوس لصالح الفقراء، لم يعد المارستان مؤسسة موجهة للمجانين فحسب، بل وأيضا مؤسسة موجهة للأهالي والأجانب والمساكين والعَجزَة.
بخلاف مارستان سيدي فرج الذي لا يُعرَف أي ولي بهذا الاسم، كان مارستان سيدي بنعاشر بسلا ملحقا بضريح يحمل الاسم نفسه، ويشرف عليه حفدة الولي (أو أشخاص يزعمون أنهم كذلك)، ومن ثمة كان لهم حق في الهدايا المقدمة للشريف. وسيدي بنعاشر هذا وُلِد بالأندلس وتلقى دراساته في الجزيرة الخضراء. وبعد ما جال في المشرق استقر بسلا، حيث صار مشهورا بقداسته، وعلمه وهِبَاته العلاجية، وتوفي سنة 765هـ (1365).
اندهش الأطباء العقليون الأوائل لدى زيارتهم المارستانات المغربية لمظهرها السجني. كان هذا الجانب موجودا بالتأكيد، لكن الأمر لم يكن يتعلق بتاتا بقمع خالص يستهدف شخص المجنون ولا بتعذيبه. ذلك أنه إذا كان المرضى يتلقون معاملة فظَّة، فإن ذلك كان يعود في بعض الحالات على الأقل إلى الإيمان بالجن أكثر مما يرجع إلى قساوة مَا.
وبالفعل، فللـ “جن” دورٌ مركزيٌّ في الثقافة العربية، لأنهم يوجدون في قلب ظواهر مسّ الجنّ التي تعتبر الأصل في عديد كبير من الأمراض، ولذا يتعين علينا دراسة دورهم.
الجـن والسَّحـرة.
يمكن أن يكون “الجنُّ” (جمع جني) أخيارا أو أشرارا. ورغم هذا الالتباس، فإن الدِّين يقرُّ بوجودهم كما يشهد بذلك القرآن. بل إن الجن أنفسهم يقرون بالدِّين، مادام قد وَرَدَ في سورة “الجن” أن نفرا منهم تاب إلى الله بعدما ارتكب سيئات. وعلاقة الجن بالدين تضعهم في صلةٍ غير مباشرة بالأولياء. فبعض الأولياء يعتبرون بمثابة جن، ثم إن بين الولي والجن علاقة حميمية، بل يمكن أن ينعدم التمييز بينهما. وبذلك يمكن لولي مَّا أن يكون “جنيا مُنِحَ اسما بشريا”، و”أحيانا قد يتعلق الأمر تعلقا واضحا وواعيا بجني حقيقي”، كما يمكن للولي أن يبدو على شكل حيوان غالبا ما يكون جنيا في خدمته. ويذكر درمنغهايم أنه قد يكون وردَ في حفريات أثرية ونقوش لاتينية أسماء أماكن لزيارة أولياء مسلمين كانت في الأصل لجنٍّ محليين.
تلتبس كلمة “جن” بمفاهيم السّر، والظلام، واللغز والغرابة. يسكن الجن أبدان المرضى ونفوسهم كما لو كانوا ظلالا لها، وبالخصوص في أجسام الأشخاص الذين يُعتبرون مجانين. ومع أن الموطن الأصلي للجن – بحسب الاعتقاد – هو باطن الأرض، فإنهم يزورون سطحها متقمصين هيآت حيوانية، على نحو ما مرَّ بنا، كما يمكنهم أن يكونوا عواملَ لقوى الطبيعة مثل الإعصار أو النيازك.
أثناء إقامة الجن في جسم فرد مَا يمكنهم أن يتسببوا له في الجوع مباشرة بعد تناوله الطعام، أو في اصطكاك الأسنان خلال النوم. إنهم يهاجمون الصحة ويحدثون اختلاجات، ونوبات جنون، وأزمات صرع، وحالات شلل، وأوجاعا روماتيزمية، وحالات حمَّى وأوبئـة.
وبحكم كونهم كائنات روحانية، فهم يلعبون دورا هاما في حياة الأفراد بصرف النظر عن فئة انتمائهم الاجتماعي. يمكنهم أن يسكنوا النفوس، وبالتالي يكونوا في أصل ظواهر القداسة أو يرافقوها.
في بداية القرن الحالي، كان يُعتَقَدُ أن أغلب الأمراض تعود إلى مسّ الجن، كما كان السّحرة في أغلبهم ممسوسين. وللقضاء على المَرَض كان يتم اللجوء إلى ممارسات السّحر وطرد الجن. لقد كتب دوتيه بهذا الصَّدد: “يحدث أن يتصور الإنسان المرضَ كأنه إرادة شريرة ومعاكسة لإرادته، أي إرادة تتأنسن على شكل جني”، وبذلك يقلد الفردُ الجني الذي يسكنه. ثم يضيف دوتيه قائلا: “يعزو المسلمون، وأهالي شمَال إفريقيا بالخصوص، كما سائر البدائيين، الأمراضَ أساسا إلى الجن… ولعلاجها، فهم يستعملون إجراءات هي ممارسات طرد حقيقي للجن، يتم ذلك أساسا في الصَّرع والأمراض المشابهة له”. ويطرح دوتيه سؤال العلاقة بين العُصاب وظواهر السِّحر، بين المسّ والقداسة. ما وصفه الغربيون باعتباره “أزمات عصبية”، و”هستيريا”، و”تنويما مغناطيسيا”، كان المغاربة يعتَبَرُونه مسّا من الجن، سحرا أو حصولا على الوضع الاعتباري لولي. إلا أن المصطلحات الغربية لا تترجِم المصطلحات العربية بأمانة، كما تستوفيها حقها بالخصوص.
يتضح، إذن، أن للجن مكانة ملحوظة في متخيل الأفراد. ومازالت تروجُ حكايات وخرافات، تنحدر من العصور السحيقة، مثل الحكاية التاليـة:
“في قديم الزمان وسالف العصر والأوان، أرادت عجائز أن يقبضنَ على جني، فتساءلن إحداهن: ماذا نفعل كي نجتذبه؟، قلن: ما من خصومة إلا ويحضرها جني، فافتعلت النساء الخصام وأخذن يتبادلن الشتائم، وإذا بالجني يحضر. وما أن حضَر حتى استبدلت النساءُ الصُّرَاخ بالبكاء والنّحيب. قالالجني: مالكن تبكين؟، قلنَ: قد مات الجني. قال: هذا محظ كذب، فأنا هو الجني. ردَّت العجائز: قلنا لك إنه مات، أما أنت فنحن لا نعرفك. قال الجني: إني لصادق في كلامي. قالت النساء: لن نصدقك إلا إذا دخلت هذا الجراب… وما دخل الجني حتى أغلقت عليه العجائز، فعلا صوته صارخا: افتحن لي. قالت العجائز: بحق النار لن نطلق سراحك، فأخذ الجني يرميهن بالشتائم: يا كلبات، يا ناقات، يا عاهرات. بادلنه العجائز الشتائم قائلات: وأنت يا أعور، يا ذا ظفيرة واحدة، فإذا به يستعطفهن: أه يا بناتي، اطلقن سراحي وسأجازينكن خيرا. قالت العجائز: كيف تصنع خيرا وأنت أبو الشر؟ قال سأعلمكن كيف تكدن بالرجال، فاستجابت العجائز لطلبه، فعلمهن السحر، وفن علاج جميع الأمراض”.
أوردتْ هذه الحكاية الخرافية أ.-ر. دولانس، وهي ابنة طبيب وحفيدة طبيب كلاهما من مدينة باريس. وإذا صحَّ ما قاله الدكتوران سبردر
Speder وليبناي Lepinay في التقديم الذي خصا به مؤلفها، فإنها تسللت إلى جميع العائلات المغربية وتمكنت من لغة البلد وعاداته.
الجنّ، الأمراض، السِّحـر ومفهـوم العِلاج، كـلُّ ذلك تتضمنـه الحكايـة السابقـة التي تذكِّرُ – إن كان لابد من التذكير – بالقدرة السِّرية التي تمتلكها النّساء… والتي أحسنت المؤلفة نفسها بدون شكّ استعمالها. أن تملك النساء الأسرار، هذا شيءٌ معروفٌ جدا، فيما يقالُ. ولذا، فإحدى طرق النفاذ إلى تلك الأسرار تكمن، على نحو ما كتبه الدكتوران سبيدر وليبناي، في “دفـع النسـاء العجائـز إلى الكـلام”. وقد أفشت دولانس على امتداد سنة بكاملها أسرارَها إلى قراء مجلة “المغرب الطبِّي”.
بيد أنه إذا كان ثمة مجالٌ تجتمع فيه مفاهيم اللغز، والشَّرّ، بل وحتَّى النجاسة أو الخطيئة، فهو حقل الرَّغبة. وتقدم لنا قصة عائشة قنديشة، وهي أشهر النساء الجنيات، نموذجا للاعتداء الذي يشنه الجن على الجنس:
إنها جذابة ومثيرة للفزع، رمز للمرأة المثيرة، الثائرة، ذات الاندفاعات المجنونة، كما أنها أيضا تخصي وتعقِلُ من توقع بهم من الرجال. بالإضافة إلى كونها مسؤولة عن التهييج الجنسي وتوقيف الرغبة الجنسية على السَّواء، فهي تعدُّ مسؤولة عن “أزمات جنون” حقيقية. جنون الحب، والاستحواذ على العقل. إنها تجتاح المخاوف الاستيهامية تجاه المرأة وتغذي ملاحظات الأطباء العقليين. بما أن المرأة جنية، فهي يمكن أن تكون أيضا ساحرة. لقد كتب دوتيه: “يعتبر البربر والعرب القدماءُ النساءَ بالخصوص سَاحرات (…) ويثيرُ الشرط البدني لـ “الجريحة الأبدية” دهشة البدائيين وخوفهم، إذ يعتَقَدون أنها مختلفة عن الرجل مع أنه يُفصل عنها. إن لها طبعا غريبا، مقدسا وسحريا بالأساس”. يعثر الإثنوغرافيون ثانية في إفريقيا الشمالية على “نمط” الساحرة المكروهة والمثيرة للفزع، ذات “العين الشريرة”، “القاضية على الأطفال بالخصوص”. ومازالت الملاحظات التي أجراها وسترمارك تؤكد الاقتران بين الجن والمرأة: “يقول المغاربة: عندما يزداد مولود ذكر يولد معه مائة شيطان، وعندما تولد طفلة يولد معها مائة ملاك، لكن في كل سنة ينتقل شيطان من الولد إلى البنت وينتقل ملاكٌ من المرأة إلى الرجل، بحيث عندما يبلغ الاثنان مائة عام يصير الرجل محاطا بمائة ملاك فيما تصير المرأة محاطة بمائة شيطان. ويضيف مثلٌ مغربي: “ما يقوم به الجني في عامٍ تقوم به العجوزُ في ساعة واحدة””.
يتمثل الهدف الذي توخَّاهُ أول الأطباء الفرنسيين بالمغرب، بشكل صريح أو ضمني، في اكتشاف التقاليد، وفهم المرضى وجعلهم يقبلون العلاج قبولا أفضل. ومع أنهم اتخذوا من النفاذ إلى السَّرائر والتغلب على المقاومات استراتيجية طبية لتحقيـق الهدف السَّابق، فإن هذه الأخيرة كانت تدخل في إطار موجود مسبقا.
فقبل أن يحل الأطباء العقليون بالمغرب كانَ الإثنولوجيون قد سبقوهم إليه، فلم يجدوا مغربا ذا تقاليد طبية موروثة عن الطب العربي، وإنما بلدا تسوده ممارسات متأصلة في عصور سحيقة، أقرب إلى السِّحر منها إلى الدِّين، خيَّبَت البعض وأبهرت البعض الآخر. ولكم تمّ السعي إلى مقارنة هذا المجتمع بمجتمع العصر الوسيط الغربي بل وحتَّى بما يسمى بالمجتمعات الـ “البدائية”. لقد انساق الكثيرون لذلك. الإثنولوجيون بالدرجة الأولى، ثم احتذاهم الأطباء العقليون والمحللون النفسانيون. انطلقوا من النماذج والنظريات التي شيدتها المدرستان الأنثروبولوجيتان الفرنسية والإنجليزية، فانتهوا في أغلب الأحيان إلى استنتاجات مغلوطة. لكن الفضل في الحصول على أوصاف ملحوظة للعادات المغربية يعود مع ذلك إلى انبهارهم، الواعي أو غير الواعي، وإلى ذوق الملاحظة لديهم وجدية إسهامهم.
وعلى هذا الإسهام سأقف هنا لأرسم، من خلال ملاحظاتهم، “حالة البلاد” عند وصول أول مشاهير الأطباء العقليين إلى المغرب، مقتصرا في ذلك على المشاهير منهم الذين لا يمكن تحاشي أعمالهم، وهم: دوتيه، ولاووست، ووسترمارك، دون نسيان درمنغهايم صاحب كتاب شعائر الأولياء في الإسلام المغاربي.
إسهـام الإثنولوجيـا:
لم يكن اختفاء الرعاية الطبية داخل المارستانات يعني اختفاء كل علاج. فقد كان بعض الفاعلين الاجتماعيين يحاولون الإجابة، بوسائلهم الخاصة، عن سؤال الصحة العقلية. وعليه، فقد كان ثمة إطارٌ تستمد منه بعض الممارسات وجودها وأشكالها. هذا الإطار يمكن أن نقدمه على شكل خطاطة ذات ثلاثة جوانب: الأول يميل إلى لعب دور يعود إلى الدين، الثاني إلى الجن والسِّحر، والثالث إلى العلاج. ويشكل مفهوم القداسة قطب جذب للجوانب الثلاثة. وسنرى كيف أن قطب الولي يتيح مَفصَلَة السِّجلين القدسي والتطبيبي، مع أن هناك فاعلين اجتماعيين آخرين يتقاطع دورهم ثانية مع التمييز الثلاثي السَّالف.

الأوليـــاء :الولـي والدِّيـــن
تعتبر القداسة أقرب الأشكال إلى الإلهي. ففيها تجتمع، وفي آن واحد، مفاهيم القوة الملغزة واللقـاء المفضـل مع الفوطبيعـي والإلهي. وقـد استأثرت ظاهــرة القداسـةباهتمام مؤلفَين على الخصوص، هما درمنغهايم ووسترمارك.
من هو الولي؟ توجَد مصطلحات عديدة في البلدان الإسلامية لتسيمة الشخص الذي تنطبق عليه هذه الصفة. فإلى جانب “الولي” هناك “الصالح”، و”الصدِّيق”، و”العارف بالله”. كما ترتبط مصطلحات أخرى مباشرةً بمفهوم الولاية، وهي: البركة، أي من القدرة الملغزة، والإحسان، والبرهان، والرضى المتبادل بين النفس والله، ثم السِّرّ الذي يكمن في ما وراء النفس وفي أعماق الروح. يميز مؤرخو السير بين نوعين من الأولياء، هم: الأولياء الشعبيون والفلكوريون، ثم الأولياء العالمون والمتعلمون. الأوائل يغذون الخرافات والأساطير ويحافظون عليها، لأنهم يتباهون بكراماتهم المتمثلة في كونهم يطيرون في الهواء ويسيرون على الماء أو يُسقِطون المطر. ويُشَدِّدُ درمنغهايم على أن “الأهم ليس الكرامة، بل الحكاية، الحكاية التي تعدُّ، وفي آن واحد، عملا فنيا وإشارة إلى واقع متعال. ويتم الحرص على إقامة شعائرهم، لأن بمقدرتهم استخدام قواهم لفائدة مريديهم، وضد خصومهم. وفي حين يستجيب الأولياء الشعبيون للاستعداد المسبق لدى العامة لتقبل الغرابات والشذوذ، يتخلى الأولياء العالمون والمتعلمون عن الأعمال الفرجوية، عن الضغينة والانتقام، كما عن النِّعَم الحسِّية التي لا تشكل لبّ الحياة الصوفية. إنهم ينشغلون أكثر بإنجاز واجباتهم وبالخلاص الكوني. غير أن ذلك لا يمنع دون أن تروجَ حول شخوصهم حكاياتٌ وخرافات.
معنى ذلك أن مصطلح بركة، حسب ما يبدو، هو المُحَمَّلُ رمزيا أكثر. يحتفظ وسترمارك بمفهوم البركة ويماثله بالقداسة قائلا إنه “كلمة تعني هبة لدنيَّة”. لكن يبدو أن كلمةُ قداسة هي التي تترجمه أفضل باعتبارها تطلق على قوى معروفة بكرامـات ذات طبيعـة خيِّرَة بالأحـرى (…)”. ويُعتبَر الملغز والعجيب والفوطبيعـي أساس البركة وأصل خوارقها.
لبعض الأعداد أيضا طبيعة مقدَّسة، بمعنى أنها ذات فضيلة خيرة، وبالخصوص الأعداد المفردة، لأن الله واحدٌ. والكلمات والمقاطع القرآنية هي الأخرى مُحمَّلةٌ بالبركة.
للأولياء أمكنةٌٌ. الأولياء الشعبيون “ملاكو الأمكنة” (أهـل المكان) التـي يُمارسـون فيها تأثيرهم. ومن الأمور الحيوية بالنسبة لقرية مَا أن يكون لها وليٌّ، ذلك أن الأولياء يمارسون أدوارا اجتماعية، ويمارسون سلطات، ويلعبون أدوار وساطة، كما ينطقون بنبؤات. وتطلق كلمة “سِيّدْ”، “في آن واحدٍ، على الولي الحي، والولي المدفون، والأثر الذي يأوي قبره، وأسلاف الولي، والأشياء، أي الأشجار والحيوانات المقدَّسة بهذا القدر أو ذاك. وقد انتهى الأمر بكلمة مرابط (التي تدل في الأصل – وفي آن واحد – على الرجل الزاهد الذي يعيش في رباطٍ وعلى الرباط الذي تولدت عنه أسماء الرباط، المرابطين) في الجزائر إلى أنها صارت تُطلَقُ عمليا على كل فئات المقدَّس، وذلك تحت تأثير ترجمة الفكر بالفرنسية على الأقل”.
كيف يصير المرءُ وليا؟ يصيره بالاستحقاق الشخصي أو بنداء الله، أي بـ “الانتقاء”. بهذين الجانبين يبلغ الولي التوازنَ، الزهد، والرعاية الإلهية. ذلك أن القداسة تقتضي نكران الذات، والمصلحة الشخصية والاستسلام للرعاية الإلهية، للحياة الكونية. القداسة “تُصيبُ” الشخصَ، تستحوذ عليه، “تنفد إليه كشيء خارجي في الظاهر، كصعقة الحب. ويمكن الاعتقاد أن الأمر يتعلق بالدخول في لذة قوة صانعة للمعجزات أكثر مما يتعلق بعاقبة أثر كمال أخلاقي”. يقف وسترمارك على أشكال عديدة من نقل القداسة، هي: الوراثة، والتقوى، والنُّسك الخارق، والنقل الإرادي، ثم التعارك البطولي…”. يكتب بهذا الصَّدد: “لم يمتلك رجلٌ من البركة ما امتلكه النبي محمَّد. فبركته نُقِلَت للشرفاء والشريفات، أي إلى أحفاده في خط متصل، ذكورا وإناثا، من ابنته فاطمة… وفي إفريقيا الشمالية يوجد عدد ملحوظ جدا من الأشخاص الذين يلقبون بالـ “شريف””.
بذلك، يختلطُ في حالة الشريف الشخصُ والمفهومُ والمكان داخل ميتافيزيقا تشمـل العلاجَ بالكرامة والتقـوى، ميتافيزيقا قادرة علـى تحويل الطبيعة والكائنـات.
الولـيُّ، الجـنُّ والسِّحــر
لا تعقد القداسة صلاتٍ مع الدين فحسب، بل كذلك مع السحر من وجهة النظر الدنيوية. ورغم أن السِّحر لا يدخل ضمن الدين، فالقرآن يقر بوجوده. إلا أنه بينما يمكن للـ “جني” أن يكون خيرا أو شريرا، حسب الحالة، لا يكـون “السِّحـرُ” بالضرورة إلا شريرا، ولذا يتعين على المسلمين الأخيار أن يحتاطوا منه.
من خلال الاتصال ببركة مكان مُقدَّسٍ يصير العمل السحريّ فعَّالا. مذ ذاك، كان يكفي اجتياز خطوة واحدة فيصير المجال مفسوحا لتشبيه مجتمعات إفريقيا الشمالية بالمجتمعات التي تسمى “بدائية”، والتي كانت تهيمن عليها الإحيائية بمعنى أن الأشياء والنباتات والحيوانات لديها تشكل جزءا من جوهر مشترك يُدعَى “مانا”. وقد قاد تجذرُ هذه المعتقدات لدى البربر الباحثينَ إلى افتراض أنها ذات أصل سابق عن الإسلام. “للمعتقدات والطقوس الخاصة بالزراعة – بدون شك – في إفريقيا الشمالية جذورٌ تمتد إلى العصر القديم للعرق البربري. من المعروف أن زراعة الحبوب كانت موجودة فيها قبل الفينيقيين حتى. وتعرضُ هذه المعتقدات والطقوسُ تشابهات مثيرة مع مفاهيم وممارسات مألوفة في بلدان تقع في الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط وتوحي كذلك، مثل ظواهر أخرى كثيرة، بفرضية مساهمة مشتركة في ثقافة متوسطية قديمة”. ومن المحقق أن الولي يلعب دورا هاما في طقوس الخصوبة البشرية. وبذلك يمكنه أن يحل مشاكل عاطفية، جنسية أو المشاكل التي تنشب بين العائلات المرتبطة فيما بينها بصلات قرابة. ذلك ما ترويه حكاية للا عائشة المنوبية (ق XIIIم) المدفونة في ضواحي تونس، والتي كانت تشتهرُ بشفاء العُقم. كتب درمنغهايم بصددها: “كانت امرأة جميلة جدا. أثناء توجهها ذات يوم للالتحاق بجماعة من أهل الصوفية راوَدَها أحدُ الفتيان وتبعها إلى أن وصلتْ منزل الزهاد، فهمُّوا بطرده، لكنها نهتهم عن ذلك قائلة: لا تفعلوا، فهذا الرجل عاشقٌ، ويحب مكافأته عن حبه. إنه عاشقٌ مخلصٌ، فاسقوه الخمرة (خمرة الحب الخالص)”. ثم يضيف درمنغهايم: “فجعلتْه يحظى بقبول الجماعة. ونقف هنا على الرمزية العاشقة التي توجد في أساس الكثير من الأشعار الصوفية العربية والفارسية والتركية، والمتمثلة في الانتقال السَّهل العجيب من الحب الدنيوي إلى العشق الإلهي، ذلك أنه يكون دائما العشق نفسه”، انعكاس الشمس على نور القمر، مثلما الوجود انعكاسُ الكائن في مرآة اللاكائن”.
لكن المرأة تظل تهديدا للقداسة ولمفهوم البركة المراقف له. وبما أن كلّ علاقة جنسية تعد محظورة بقوة الأضرحة، وبالتالي تعَرِّضُ كل مخالف له إلى مخاطر وخيمة جدا، فقد مُنع على المرأة التردد على هذه الأماكن بسبب “دنسها” الدَّوري.
الولـي والعـلاج
من الملائم أن نوضح أوَّلاً أن العلاج الذي يُتوسَّلُ فيه إلى الولي يتعلق بالأمراض الجسدية والنفسية على السَّواء. وسننكبُّ بالخصوص على العلاقات التي يقيمها الأولياءُ مع الجنون.
مع أن للولي علاقات مفضَّلة مع الجنون، فإنه لا يمكن المماثلة بين المفهومين. بالفعل، فـ “انتقاء” الولي هو بالأحرى “جذبة”، بمعنى أن هذه لا تدوم ولا تنتمي بالضرورة إلى بنية بمعنى الذُّهان. يمكنها أيضا أن تنتمي إلى العُصَاب، وإلى الهستيريا بالخصوص. إضافة إلى ذلك يمكن للقداسة أن تندرج في بنية قبْذُهَانِيَّة (
prépsychotique). والوضع الاعتباري الذي يُعطى له يضفي عليه مشروعية، قدرةً وغطاءً رمزيـا.
من وجهة نظر السكَّان، على الأقل، يمكن أن يكون الوليُّ في آن واحدٍ مجنونا ويستطيع أن يُشفي من الجنون. ويرى درمنغهايم أنه لا ينبغي الخلط بين الجنون والقداسة: “تكون الحدودُ أحيانا غير دقيقة بين الجنون والقداسة، بين القدسي الإلهي والقدسي المعلَّق، بين القدسي الوقور والقدسي المُفزِع. ومع أن الورع الشعبي يرى أنه لا يجب الحكم على المظاهر، فإن ميله إلى اعتبار المجانين أولياء يسهِّلُ طبعا التباسات تدعو للأسف”.
لنعت الشخص المصاب بالجنون تطلق عليه كلمة “مجذوب”. و”المجذوب” هو الذي تستحوذ عليه الجذبة، ويصير مذ ذاك سلبيا، أي غير مسؤول، يصير “منتشيا”. هذا الحال يمكن أن يدوم لحظة قصيرة أو إلى ما لا نهاية. “إن هؤلاء المجاذيب… لا يقاومون غرائزهم، إنهم يتفوهون، وبأشكال مفارقة، بحقائقَ عميقة. لا يجب الخلط بينهم وبين مجرد البُلْه أو المهابيل أو البهاليل (على التوالي جمع أبله، ومهبول، وبهلول) أو الحمقى المجانين. لكن في غمرة الشك، تمنح الشعرية الشعبية عن طيب خاطر، بعناية واحترام، قسط قداسة لكل كائن مختل العقل أو يأتي سلوكات شاذة عن المألوف. كأن ثمة تناقضا تاما وصارما بين الحضور في هذا العالم والانجذاب نحو العالم الآخر”. ويبقى أن المجتمع لم يكن ينظر إلى هؤلاء المجاذيب باعتبارهم مناهضين له.
يصف وسترمارك كذلك ظاهرة إمكان انحدار الأولياء من جماعات مجانين:
“يُعزَى اختلالُ العقل في أي حالة من الحالات إلى تأثير فوطبيعي. يُنظَرُ إلى الحمقى الهائجين باعتبارهم ممسوسين، ولا يُرى من السَّيء أن يوضَعوا خارج حالة الإزعاج، في سجن أو في معزل إذا تعذر ذلك. لكن الجن يحظون بالاحترام باعتبارهم أولياء عقولهم في السَّماء وأجسادهم في الأرض”. وهذه خلاصاتٌ تلتقي مع خلاصات لووف وسيريو، وكذلك مع استنتاجات مازل
Mazel.
هكذا نرى أن الولي يمكن أن يُعتَبَرَ، في آن واحد، جزءا من عالم “المجانين” ويقدر مع ذلك على مكافحة الجنون. والعلاجات التي يساهم فيها تكون إما فردية أو جماعية.
يمكن لمريض مَّا أن يُشفى بزيارته السّيّد وبتلقيه مساعدة من الولي في الحلم. ويمكن إدماج ممارسات أعنف في علاج طقوسي مَّا. هكذا ففي للا حوَّاء بمراكش تُخبط رؤوس المرضى سبع مرات في اليوم على إحدى سَوَاري الساحة الداخلية التي تدعى “ساحة العقل”. وفي سيدي يحيى قرب المدينة القديمة بموغادور، يُغطَسُ المرضى الهائجون بقوة في أحواض الضريح، يُرمَى في هذه الأحواض المرضى والجني الذي يسكنهم في آن واحد. ومقاومة المرضى نفسها تُعزى إلى الجني الذي يعبر بذلك عن خوفه من الماء ورفضه لأن يُطرد.
يمكن لهبة العلاج أن تكون وراثية، وبالتالي تنتقل من جيل إلى جيل. كما يمكن للولي أن يشفي من جميع الأمراض، وبالخصوص العصبية أو الصَّرعية منها. ففي سيدي يحيى بير ماندريس، مثلا، يُغسَلُ المريضُ بماء مثلج في مقصـورة تقـع أسفـل التلّ، ثم يُنَوَّمُ في ضريح الولي.
يقوم الولي بدور التوسُّط في العلاج. وبوصفه وسيطا بين الفرد والله، فهو قابلٌ لأن يتعرض لهجوم الدين. وهذا الغموض الأساسي يوجدُ ثانية في مستوى آخر من الاندماج الاجتماعي، داخل حفلٍ، هو الحضرة التي يُدمَجُ فيها العلاجُ الفرديُّ ضمن علاجٍ جماعيٍّ. يلحق اللغز بما يتعذر وصفه، وتصير الفرجة انبهارا، بهجةً للممثلين، تعصبا أو هستيريا للمتفرجين الغرباء عن هذه الممارسة. “لا يُسعى إلى علاج المرضى فقط، بل وإلى علاج الجماعة بكاملها. فالهدف المتوخَّى هو التطهير الجماعي. في هذه الحالة يستعيدُ الجنون حقوقه. يُشيَّد المسُّ على شكل نظامٍ، يُتحكَّم فيه، يصير وسيلة تنجح النفوسُ بفضله في التخلص من أغلالها.
تجري جلسات الحضرة في حضن طوائف تنتمي كلها إلى وليٍّ مَّا. وتهدف ممارساتها إلى تحقيق الانتشاء الصوفي. والمبدأ الكبير، أو الكلمة المفتاح، أو المنهج العام هو الذكر. ويعني في آن واحد ذكرى وإنشادا، استذكارا وإحالة، فكرا وصلوات. إنه صلوات توقظ ذكرى أفكار أولية جوهرية. التأمل والذكر هما اللذان يجمعان الكائن بالفكر الإلهي، بمبدئه، يضمنان الـ “عودة” و”تسكين النفس، توحيد المنشِد، الإحالة والمحال إليه”. وتعتبر حضرةُ عيساوة واحدة من الحضرات المعروفة أكثر عند الباحثين والجمهور. ينهضُ درمنغهايم ضد الذين ينعتونها بالهستيريا، أو التعصُّب، أو الوحشية أو الخِداع، ثم يحاولُ القيام بدراسة إثنولوجية وتاريخية، رابطا هذه الحضرة بالممارسات الإغريقية اللاتينية القديمة. تتضمن الحضرة المعنية شطرين: “الحِزبُ”، ويتضمن إنشاد القدَّاس، والصلوات وتقديم الهدايا، ثم الـ “الجذب” وهو “الرَّقصُ الانتشائي”. يتألف القسم الأول من إنشاد آيات قرآنية، وصلوات وابتهالات، هي عبارة عن قصائد تصلح للتقديم أو الختم. أما القسم الثاني، فيستهل على قرع البنادر والقصبة (الناي). يقوم رجلٌ واحدٌ أو عدة رجالٍ ثم يرقصون، وهم يُميلونَ جِذوعَ أجسادهم ورؤوسهم، منحنين جدا إلى الأمام. يوزع الشيخ قطعا حديدية، هي نوع من السيوف، تُختارُ للألعاب. لكن قبل ذلك يجب على المنفِّذ أن يكون قد تهيأ سلفا كي لا ينتابه فزع، كي يختار اللعب عن طيب خاطر ولا يتألم، مما يدل على أنه دخَل في عالَم للـوَرَع والمحبة. “كل واحدٍ يرقص ويتصرف لحسابه الخاص، في استقلال عن الآخرين، بحسب الإلهام. ومع ذلك، لا ينتابنا في أي لحظة من اللحظات إحساس بالفوضى. كلهم يتقدمون داخل فضاء ضيق جدا، لكن دون أن يصطدموا ببعضهم أو ينزعجوا، تُدارُ السُّيُوف في جميع الاتجاهات، حسب ما يبدو، ويُلمَسُ المتفرجون أنفسهم… من حين لآخر، يتزايد عدد الراقصين بكثرة، بجنون، يكتفون بالرقص وحده إلى أن يسقطوا مغشى عليهم.”.
وآنذاك تأتي الامتحانات الأشد إثارة للدَّهشة. يدسُّ بعض الراقصين قطع حديد كبرى في أكتافهم وتحت أفخاذهم. يستلها الشيخ، يمرر أصبعه فوق الجرح وإذا به يتلئم على الفور. ولا يجب على الدَّم أن يسيل. ثم يصير الإيقاعُ أكثر قوة، أكثر إلحاحا، أكثر جنونا، والراقصون أكثر عددا، والتأرجحات أكثر قوة. بعضهم ينهارُ، منتفضين بالرَّعشات فيُغطَّون ببرانس. وعندما تحل الإثارة الأكثر كثافة يمكن أن تنتاب أحد المريدين رغبة اللعب بالنار أو بـمِجرَفةٍ حديدية… أما النهاية فيصفها المؤلف بطريقة شعرية قائلا: “تكفُّ البنادر عن الضرب، ينام الراقصون أو يجلسون. يعلو نشيدٌ، متحسرٌ ومُسِرّ، ممزقٌ وباتٌّ، نحو ملايين النجوم، نشيد الروح التي تعرف أنها لن تستطيع أبدا أن تطفي عطشها، لكنها مع ذلك تخلِّدُ نصرَها على اللحم المذعور وامحاءها أمام الواقع المتعذر سبرُه الذي يسعى إلى المستحيل، المستحيل الذي يهرب دائما، والذي ربما لا يُسعى إليه لو لم يكن مُمتَلَكا سلفا”. وفي معرض دفع درمنغهايم تهمة أن يكون كالذين لا يفهمون يوضح أن “في كل هذا الـهيجان ليس هناك أي خلل، أو وحشية، أي هستيريا. تُقطعُ حبالُ المركب لكن دون أن يفقد التحكمُ أبدا”. الموسيقى، الإيقاع، والصوت كذلك يـؤكِّدُ حركات الجسد والرّوح، بغاية إثارة العواطف أو تهدئتها أو منحها توازنا جديدا.
في الحضرة، تصير الأزمة – وهذا يلاحَظ – جذبةً مفتَعَلة. هناك تحكم القوى الخارجية، تحكم لبلوغ القوى الداخلية. المسُّ، الجنون، أو العُصَاب كل ذلك حاضرٌ، دون أن يُرزح تحت وطأته، ولكن مُشتَهى ومندمجا داخل نسق. كما لو كانت حالة الشر، بصرف النظر عن مصدره، تجد ليس مكانها فقط، بل تعليمها نفسه. حقا، لمدة بضع لحظات يفقد التحكم، لكن أيضا للمتعاكسين الشعوري واللاشعوري، للحواجز بين سواية القيم ولا سوايتها مثل الخير والشَّرّ.
هكـذا يكشـف الأوليـاء عــن تراتبيــة اجتماعيـة مخبـأة وإعـادة تـوزيـع الأدوار الاجتماعية: هذه التَّراتبية تميلُ إمَّا نحو السِّحر أو نحو الدين. إعادة توزيع الأدوار هذه تحول جذريا الأدوار التقليدية للرجل والمرأة، ما دام الوليُّ الأنثوي
le saint féminin يمتلك سلطة حقيقية. تمسُّ صورة الولي جميع الفئات الاجتماعية بتكيفها مع جميع أشكال المعتقدات، عالمة كانت أم غير عالِمة.

باقي الممثليـن الاجتماعييـن: الفقيـه، المعلـم والسَّحَــرة:
إلى جانب الأولياء، وهم شخصيات شهيرة ومواضيع شعائر، يؤدي في المجتمع التقليدي ممثلون اجتماعيون آخرون وظيفةَ مطبِّب.
فهناك أوَّلا “الفْقيه”، وهو شخصية دينية، يمتلك معرفة باطنية تأتي من كتابات مقدَّسة. يصير المرءُ فْقيها بعد أن يسبق له أن كان “طالْبْ”، وهو مصطلحٌ يطلق على من يحفظ القرآن. ويتعين على من يريد أن يصير “مْعَلّم”، أي يشرف على التعليم القرآني، أن يكون حائزا على “إجازة”، وهي شهادة يستلمها من أستاذ مرتبط بمسجد، تشير إلى أنه درسَ الطِّبَّ: ومتى كان الحائز على هذه الشهادة شريفا صار أفضل طبيب. ويستخلص دوتيه أن “الطب يرتدي الطب لباسَ الدين” ، ثم يأسفُ كثيرا، مثل باحثين آخرين من تلك الفترة، على كونه لم يعثر إطلاقا على تقاليد الطب العربي المجيدة.
الجميع يشدِّدون على الأصل السحري أو الجني الممنوح للأمراض. ومن ثمَّ سينصبُّ العلاجُ على التوسُّل إلى السِّحر وشن هجوم مضاد على ممارسته. “وبذلك يكون علاج المرَض نشأ بسبب علته الفوطبيعية أكثر من أعراضه الظاهرة”، يكتب ج. بوريلي في كتابه: “دراسة في الإثنوغرافيا المغربية”، “وهذا ما يتعلق به الأمرُ على الخصوص بتشخيصه. هنا تتدخل المعرفة، أو تتدخل، بالأحرى، مختلف نظم المطبِّبين” . يمكن للفقهاء أن يصنعوا حُجُبا، تتضمن عبارة تشفُّعية أو آية قرآنية: إنها “الحروز”. ويعود مفعولُ الحجاب إلى قداسة الوصفة. كثيرا ما يحلل المريض مداد الوصفة في الماء ثم يشربه. يمكن يتبع ذلك علاجٌ يعود إلى الفعالية المدهشة للغة الجسد أكثر مما يرجع إلى تدخُّل الوصفة السحرية. في حالات أخرى، ستكتَبُ الوصفة السحرية على لوحة شعير، على قشور بَصَلٍ أو على قشرة بيضة، قبل أكلها. والورق الذي يُكتَبُ عليه الحجابُ يُحرَق أحيانا والدُّخان المستنشَق.
طارد للجنّ، ساحرٌ خيِّرٌ بكتابة آيات قرآنية أو قراءتها أو ساحرٌ شديدٌ، قادرٌ على إطلاق قوى الشَّرِّ، يمكن للفقيه أن يـسلط “الثقاف”، أي العجز الجنسي بطلبٍ من امرأة غيورة أو منافسةٍ. كما يقوم بوصف بعض البخور ذات الأصل النباتي: ومن ثمة فهو أيضا مُطَبِّبٌ ولا يتميَّز عن الصيدلي.
يسمى المطبِّبُ عموما “طُبيبا” أو “مْعَلّم”، وهو غالبا ما يكون أمِّيا، هو رجل فنٍّ، حِرفيّ ماهر حق. لقد تعلَّمَ مع آخرين، وغالبا في تقليدٍ عائلي كيفية استعمال مختلف إجراءات العلاج. إنه يتقن إحدى التقنياتً، كجبر الكسور ويمارس عمليات جراحية بسيطة حتى. وفيما يخصُّ الجنون، سيستمد تقنيات علاجه من التمثلات التقليدية للمرض العقلي ليدلي ببعض النصائح أو يستعمل وسائل طاردة للشرّ أو يُوَمِّئُ مشاهد لطرد الجنون الأشرار. ويرى دوتيه أن الفقيه مناهض للسحر، ويذكِّرُ بأنَّ كلمة “طبّ” تعني، في العربية الكلاسيكية، السِّحر والطِّبّ على السَّواء.
يمكن أن تطلق على المطبب تسمية أخرى هي “حكيم”، وتعني حكيما وعالِما؛ كانت تُطلق على الفلاسفة القدماء. “بينما لا يعدو الطبيب مجرد من يزاول مهنة العلاج، فإن الحكيم هو من يمتلك تقاليد غريبة تعود إلى القِدَم، إلى أفلاطون، وأرسطو طاليس، دون أن ننسى سحرة الإسلام نصف الخرافيين أمثال جعفر الصادق، مرورا بهرمس المثلَّث، وهو من يعالج بالعزائم والبُخُور”.
ما أن يُعزى المرض إلى الجن حتى يمتزجُ الطبّ والسِّحر في أغلب الأحيان داخل الممارسات العلاجية. هكذا فبالنسبة للصَّرع، تُستَعمَلُ، عزائم، وبخورٌ وحقنات أنفية: يجب إحراق الجن بأعشابٍ ووصفاتٍ.
توجدُ أيضا “التي تعطي الكلام”. ويتعلق الأمر هنا بنساءٍ مطبِّباتٍ يهتمن بالعِرَافة، باستحضار الأرواح وبالسِّحر. يسمين أنفسهنَّ مرابطاتٍ، لكن لا علاقة لهن بالولاية. إنهن يحتسين شراب الأنيسون وعرق قصب السُّكَّر عندما يأمرهنَّ جنهنَّ بذلك. لبعضهنَّ بطاقات زيارة مطبوعة، تحدد أيام الاستقبال. يرتدين ألوان الجني الذي يحلّ، يجلسنَ فوق كرسيٍّ باللون نفسه، يُجبن الزبناء بالتحدث إليهم بصوت خفيض تحت غطاء الرأس. يمنحن أيضا جلسات للجذب وتقديم الذبائح…
النكافات عموما نساءٌ ينظمن حفلات للزواج. من وجهة النظر الاقتصادية، يستخدمن رؤوس أموال هامة. يعالجن الأمراض العصبية بنوع من الفعالية ويـشتهرنَ بكونهن محسِّنات للصحة والخصوبة والسَّعادة.
لقد ذُهلت أ.-ر. دولانس أمام العجائز اللواتي شبهتهن بساحرات العصر الوسيط، بـ Sybille والـ Pythie القديمتين، وتوصي الأطباء بالتوجه إليهن بالسؤال لمعرفة البلد. للعلاج، تقيم تلك العجائز في إقامات العائلات الثرية طيلة المدة التي يستغرقها المرض. يسألن المريض، يحضِّرنَ خلائط ويقدمن شروحات عنها، يقدمن نصائح بشأن المواقف الواجب اتخاذها والكلمات الواجب التمسُّك بها.
نقـل المــرَض
توجد الأجوبة عن الأمراض، إذن، في مختلف المستويات، تستدعي علاجات مختلفة، حسب الفئات الاجتماعية والمعتقدات. ومن بين هذه الفئات هناك واحدةٌ قابلة لمساءلة المحلل النفساني بالخصوص، وهي مفهوم نقل الشَّرّ. طرد، نقل، تحويل الجن الذي سيكون من الآن فصاعدا ليس داخل الذات ولكن داخل الآخر. لطرد الشَّرّ، تستعمل وسائل عديدة.
أعشابٌ ونعناعٌ برِّي أو زرع، أو أشياء كآجرة مثلا، موضوعة على المريض، يمكن أن تعتقل الشَّر. كما يمكن تخريج الشَّرّ في الشعر، والأظافر أو الدَّمّ؛ عندما يكون الشر قد خرج، يتم دفنه. بعض الأطفال الذين يتعرضون للهزال بمجرد ما تسقط عليهم نظرة عين يُشتَبَه في أن يكونوا قد شمُّوا دمَ شخص مقتول. دم خرافة “الدم المغدور” هذا، يمكن أن يستخدم لغايات شريرة، يُسكَبُ، يُحرَقُ ثم يُدفَنُ. لإشفاء الطفل يتم كيُّه صدره وظهره.
يجري النقل أحيانا إلى أشخاص. يورد الدكتور يوجي
Legey أن بعض المصابيـن بالـ belnnorragie يعتقدون أنـه يجب على الـرجل أن “يضاجع زنجيـة” كي “يُشفى منه”. ورهابُ الحيوانات غير مقصي.
يصف لاووست العلاج التقليدي للاختلاجات المشخصَنَة تحت اسم “بوتومَّز”. لاجتناب هذا المرض الذي يقتل المواليد في اليوم السَّابع منذ ولادتهم، تقوم المرأة الحامل بـ “رشم دجاجة بين فسقة* فرَّخَتْ فورا. تصرخ: “ها هو كتكتك آه يا بوتومّز”!. لا يجب أكل بيض هذه الدَّجاجة أو بيعه. عندما يبدأ وجع الولادة، تربَط الدَّجاجة إلى جانب المرأة. ومن ثمَّ ينتقل الوجع إلى جسم الدَّجاجة، ويعود إليها وهكذا ذواليك لكي تمكث الأوجاع – بعد الولادة – في الدَّجاجة التي تُذبَح ويُنزَعُ ريشها ثم تُطبَخُ. تأكل المرأة جزءا من مختلف الأعضاء وتدفن الباقي مع الأمعاء، الريش والدَّم. من الآن فصاعدا، لن يموت أبناؤها إطلاقا بـ “بوتومّز”.
بمعزل عن الأشياء، عن الحيوانات والأشخاص أو الجن، ما هو مستهدَفٌ في مفهوم الشَّرّ هذا هو العلاقة مع الموت في المجتمع التقليدي.
وذلك أن ما يتعذَّرُ استيعابه، ونعني به الفوطبيعي، ما يمكن أن ينفصل عن جسدٍ ما، هو الرُّوح. وفوقَ ذلك، لا يُعزى للأطفال الذين لا يتكلمون بعد وللحيوانات القدرةَ على بلوغ الرُّوح التي غادَرَت الجسَد على الفور. يُحكَى أيضا أنَّه عندما يموتُ أبُ عائلةٍ مَّا ويحين وقت غسله، يُقطَعُ جزءٌ من جلبابه ويُوضَعُ فوق أعضائه التناسلية. هذا الجزء يُحفَظُ بمثابة ذخيرة ستُحفظُ فيها القوة الفحولية والبرَكَة. عندما تتزوَّج البنات، توضع هذه القطعة من الصوف على رأسهن كي تُنقَلَ إليهنَّ البركةُ الأمومية يوم الزَّواج.
تزداد بركة الأولياء بعد موتهم. يقال إن جسدهم لا يتفسَّخُ، وإنما ينام في قبرهم. يمكنهم أيضا أن يظهروا للأحياء، ليس في الحلم فحسب، بل وكذلك في الواقع.
يذكر وسترمارك أن كبر السِّنِّ يمنح البركة. يمثل الشيوخُ الحكمَةَ. إنهم يحتفظون بالتقليد والعادات. لا زالوا يمثلون اليوم ذاكرة تُحتَرَم أو يتمُّ الإنصات إليها.
كيف يمكن أن يتصرف الطبيب المسلَّحُ بعلمه وحده؟ لقد أدهَش العجيبُ والخارقةُ المتحمسين للعلم وبذرا الالتباس في أذهان الممارسين بصدد الأمكنة والشخصيات المعنية بالحمق. إزاء تشابك المعتقدات والعلاجات كان يتم البحث عن تفسير بفضل مصطلح السِّحر، قابل، داخل الغموض، لأن يفسِّر كل شيء. وحتَّى بالنسبة لباحثٍ مَّا يقظٍ جدا مثل دوتيه، فإن “قدرات السحرة هي نفس قدرات الأولياء، والصُّلاَّح، ولا شيء أعقد من التمييز بين الولي والسَّاحر”.
في نظر السُّكان، كان الأطباء في أغلب الأحيان سحرة. كان هناك أولئك الذين يثيرون الخوف والذين يتم تحاشي علاجهم وحضورهم الجسدي. لكن كان هناك أيضا أولئـك الذين تُعزَى إليهم قدرات ملغزة. يذكر دوتيه أن كلمة “غريب” في العربية – كما في الفرنسية – تدل في آن واحدٍ على البرَّاني والمبهم: لهذا السَّبب، يُعتَبَر المسيحيون واليهود سَحَرة بالدرجة الأولى. فهم يستمدون قدرتهم في هذا الباب من المسيح الذي كان يحيي الموتى، أو من الأنبياء اليهود، كسليمان، الذين كانوا سَحَرة خرافيين حقيقيين.
من ثمة، إمكانية إدماج صورة الطبيب العقلاني في إطار التقليد: لا يتردد بعض الأولياء في إقامة علاقة بينهم وبين الطبيب، ويطالبون بحقوقه. هكذا فأبو يزّة، وهو أحد أوائل ممثلي المذهب الصوفي في المغرب العربي، وكان أستاذا لأبي مزيان، وهو يرى نفسه محطَّ عتاب من قبل الفقهاء، لكونه كان يلمسُ صدور نساء يزرنه ثم يكشف عن وجوههن، كان يردُّ قائلا: “ألا تبيحُ شريعة هؤلاء الفقهاء للطبيب أن يمسَّ الأعضاء المريضة ومشاهدتها إذا دعت الضرورة؟ ألا يعتبرونني واحدا من أطبائهم؟“. سواءٌ في حالة الولي أو السَّاحر، فإن ظاهرة أن يكون المرءُ غريبا تتيحُ له التدخُّل في ما يراه فردٌ مَّا قد أتى من الخارج: المرض الجسدي أو العقلي. في المشرق، ما لم يكن السَّاحر يهوديا أو مسيحيا، يكون السَّحَرة بانتظام من المغرب العربي. في معقل الإسلام الأول، وهو مكة، يكون السَّاحر كلاسيكيا مغاربيا. لكن من الطبيعي جدا في المغرب العربي، سيكون السَّحَرة مشارقة”، يقول إدموند دوتيه. ولذا، عندما يتعلق الأمر بالعلاج، فإن الطبيب الغربي يمكن أن يُمنحَ الوضعَ الاعتباريَّ نفسَه للذي للسَّاحر أو الول. لنضف أيضا أن مكانة الغريب لا تُستَشعَرُ بطريقة واحدة لدى مختلف أنواع السُّكَّان: المجتمع المغربي يفهم العرب (الوافدين من المشرق خلال الفتوحات التالية للهجرة) أو البربر (القاطنين أصليا في المنطقة)، الثواني دخلوا الإسلام على يد الأوائل. لهذه الأسباب التاريخية، ليس للعلاقة بالأجنبي قيمة واحدة داخل مختلف هذه الجماعات السُّكَّانية.
للطب التقليدي منطقه الداخلي: إنه ذو تجانس شديد: بل يمكن المضيّ إلى قول إنه متجانس جدا بالمقارنة مع الطب العلمي بقدر ما يقدم أجوبة عن أسئلة لا يطرحها الطب العقلي. فإلقاء مسؤولية مرضٍ مَّا على الجنّ، مثلا، يتيحُ الإجابة عن السؤال الذي يطرحه المريض: “لماذا أنا؟”، سؤال يبقى بدون جواب في الممارسة الطبية العصرية.
دون البحث عن إنكار الطبيعة المادية لمرضٍ مَّا، فإنَّ العامل العِلِّي، بالنسبة للمطبِّب التقليدي، يوجَدُ في مكانٍ آخر: هو حالة الجن، الذي يشكل جزءا من نظام آخر من الواقع. المرضُ تحدِّدُه قوى خفية خارجية تفعل في الأفراد ويحركها في بعض الظروف عاملٌ آخر. بموضعة الطب التقليدي الفردَ داخل الكوزموس، فإنه يجيب عن أسئلة لا يجيب عنها الطب العقلي.
يرى العديد من المرضى المغاربيين أن الطب العصري لا يتعارض مع الطب العصري لأنه إذا كان الأول يركِّزُ على مادية الظواهر، فإنه لا يفسِّرُ العلل الروحية للمرض.
ما مكانة التحليل النفسي في هذا السِّجَال؟ بالنسبة للتحليل النفسي، عبر اللغة يعبِّرُ الأفراد عن المرَض، سواءٌ أنتمى الجوابُ عن هذا المرض إلى الطب التقليدي أم إلى الطب العصري. واللغة لا تنتمي إلى الفرد بل تتعالى عنه: يمكن للمحلل النفساني أن يساعد المريض على فك رموز ما يعتمل بداخله، إذا أبدى استعدادا لقبول تورطه في خطابه: بهذا الثمن يجري التحوُّل الذي بفضله يجدُ المريضُ نفسَهُ طرفا معنيا في انطلاق مرضٍ مَّا.

الإثنولوجـي: المستكشف، الغازي، والرَّائــد
في المغرب العربي، كانت الإثنوغرافيا في البداية قضية إداريين، تراجمة ورجال استعلامات، قبل أن تكون مسألة جامعيين.
لو انكب الأطباء العقليون والمحللون النفسانيون على مؤلفاتهم لما وجدنا في أعمالهم تأكيداتهم اللاذعة بتفحصها نندهش لغياب أسماء دوتيه، لاووست، وسترمارك ودرمنغهايم. احتفظ الممارسون أكثر بملاحظات الإداريين الذين تحوَّلوا إلى الإثنولوجيا وملاحظات الذين، بحكم مهنتهم، جعلوا من أنفسهم مفسرين للمجتمع المغربي. نجد أسماء Legy وأ.-.ر. دُولانس أو بوريللي Bourilly. في كتاباتهم تتعدَّد الخرافات والكليشيهات، يختلط الفلكلور بالعلم. إثنولوجيٌّ واحدٌ شهيرٌ طبَع أعمال مدرسة الجزائر التي كانت تعَدّ المدرسة الطبعقلية الوحيدة المهيكَلَة في المغرب خلال الاستعمار الفرنسي: يتعلق الأمر بليفي برول، بالخصوص في دراساته حول “الروح البدائية”. مع اعتراف الممارسين بأنه لا يمكن اختزال الفرد من “أهالي” إفريقيا الشمالية إلى الإنسان البدائي، فإنهم سيستمدون الكثير من نظرية ليفي برول مع اختزالها.
وإذن لا يمكننا تجاهل هذه الأسماء الكبرى. فهي تضيء فكر المرحلة والأسس النظرية للممارسين، وإن كان هؤلاء لا يحيلون إليها.
في بحث دوتيه عن “نمط متوسط للفلسفة المسلمة” بالمقارنة مع مختلف أجناس الإسلام، توقف هذا الباحث عند حالة المغرب العربي: “بلدٌ متوسطي وصحراوي، مناخ متوسط، عرق متوسط، قليل التألق ليس له مميزات خاصة، موهوب بما فيه الكفاية، شهد تطور حضارة مسلمة متوازنة جدا وقارَّة. والمغرب الذي ظل منغلقا على نفسه، معزولا إلى ذلك الحين عما هو مسيحي، يحفظُ لنا النمط الثابت تقريبا منذ قرون، وقد لا يكون من باب المبالغة اعتبار هذا البلد هو البلد الذي يحفظ الحضارة الإسلامية القُحَّة”. ولا شك أن هذه الجمل تلخص اهتمام الباحثين من كل البقاع بهذا البلد.
يهتـمُّ دوتيـه بظاهرتيـن نمـوذجيتيـن للمجتمـع المغربي، هما السحر والدين. بـل ويمضي إلى حد كتابة: “السحرُ في أساس الدِّين”. في غشت 1908، كتب دوتيه في مقدمة كتابه “السحر والدين في إفريقيا الشمالية”، الذي تولد في الأصل من درسه في تاريخ الحضارة الإسلامية بالمدرسة العليا للآداب بالجزائر، كتَبَ أن “الفكرة العامة لدرسـ(ه) كانت تطبيق نظريات صاغها منذ نصف قرنٍ الإثنولوجيون، وبالخصوص إثنولوجيو المدرسة الأنثروبولوجية الإنجليزية، على الظواهر الدينية الملاحَظة في إفريقيا الشَّمالية”. لقد شكَّ المؤلف في هشاشة مثل تلك المقاربة، وسنعود إلى النقد الذي وُجِّهَ إليها. مثل عديد من الباحثين، افتتن بالسِّحر الذي كان يهيمن على المعتقدات، والعلاجات والأفعال الأكثر شيوعا في الحياة.
يقول لنا إن ممارسات “السِّحر التعاطفي” ترتكز على الاعتقاد في أن قسما من الجَسَد أو الشيء الذي سبَقَ أن مَسَّ الجسد يمكنهما أن يعوِّضَاه، وأنه متى تمَّ إخضاعهما لعلاجاتٍ مَّا أصيب الجسدُ نفسه الذي ينحدران منه بما أصابهما”. وتشير عددٌ من الظواهر، في نظر المؤلف، إلى التّشَابه مع “الذهنية البدائية”. يـؤكد دوتيه خلاصة المدرسة الأنثروبولوجية الإنجليزية التي ترى أن السِّحر يحكمه قانون التعاطف لا سحر الجنّ: وبذلك فإن هذه المدرسة “تختزل السِّحرَ إلى تطبيق قانون أساسي لعلم النفس، وهو قانون تداعي الأفكار، بالتَّشابه أو بالتَّجاور”.
“السحرُ مجالُ الرَّغبة”: هذه الجملة لهوبير وموس سيعيدها دوتيه، إذ يوضح أن السحر وإن كان مجموعة مزدهرة من الممارسات ترمي إلى إشباع الرَّغبة، فهو مع ذلك ليس علما. العلمُ الذي يتحدَّثُ عنه دوتيه كان يرتكز على العلاقة الثابتة بين السبب والنتيجة. والعلم الحقيقي في نظره هوَ حتمي: وتعتَبَرُ حتميةً كل علاقة قابلة للقياس بين السبب والنتيجة تتيح إجراء تنبؤ مسبَق. وهذا، في نظره، ما ينقصُ البدائي: يكتب: “في الحقيقة، لا يمتلك المتوحش بعدُ مفهوم العلاقة الثابتة بين السبب والنتيجة، ولو كان يملك هذا المفهوم لعرف العلم”.
وإذن فدوتيه يقارنُ مجتمعات شمال إفريقية بالمجتمعات البدائية، مع احتراسه من “إلصاق صفة الدونية بالحضارة الإسلامية، فإن عالم الإسلام يقتَربُ من المجتمعات قليلة التميُّز”، على حد قوله. ويقيم هذا التقارب على أمثلة عديدة. من ذلك مسألة تحريم الصُّور. فهو يرى أن جميع المجتمعات البدائية تخشى التمثيلات المصوَّرة، وهي نوعا من قرائن [ج. قرين] للروح يمكن إجراء ممارسات سحرية عليها. أو أيضا، المرأةُ في تلك المجتمعات كائنٌ ملغزٌ، سحري أو قدسي ولهذا السبب فهي تثير الخوف، الاحترام والاحتقار. والنشاط الذهني يلحـق بمنطق العواطـف والسيكولوجيـا الوجدانية: إنسان إفريقيا الشمالية، شأنـه في ذلك شأن البدائي، هو حِسِّيّ.
أما الدين، فيعتبر أنه يصعب في الأصل تمييزه عن السِّحر. والإسلامُ – في نظره – ليس سوى غطاء سطحي لمُخَلَّفَاتٍ قديمة. من ذلك، مثلا، عيد عاشوراء الذي تُشبَّهُ احتفالاته الهزلية بالكرنفال وتعتَبَرُ مخلفات شعائر فلاحية قديمة. ويشجب دوتيه هذه العادات التي يعتبرها، بطريقة قدحية، تنتمي إلى العصر الوسيط.
لقد وجَّهَ لوكاس
Lucas وفاتان Vatin انتقادات قاسية لكتاب دوتيه “السحر والدين في إفريقيا الشَّمالية”، بينا فيها جيِّدا أن الإثنولوجيا لا تنفصل عن المشروع الاستعماري. فهما يميزان بين ثلاثة اتجاهات في هذا الحقل المعرفي. الأول ينتمي إلى إسلامولوجيا أولية في الغالب. انطلاقا من عناصر مستَمَدَّة من مختلف جماعات المجتمع، الطوائف والإسلام، خلاصات، تعميمات بل وحتَّى نصائح عملية تمَّ تقديمها. الثاني كوَّنَه الذين يـتأثرون بالحكاية؛ إنه اتجاه الهاوي، اتجاه الرحالة الذي تصيرُ النكتة عنده مسألة عادية. التفاهات أو الظواهر المجردة من المعنى تأخذ عنده معنى، مغربة عن سياقها. أما الاتجاه الثالث، وهو اتجاه الأنثروبولوجيا الجامعية، فيرتكز على محاولة ذات نزعة مقارنة مع مجتمعات أخرى (هي المجتمع الروماني القديم). وبما أن هذا الاتجاه جاء بعد الإثنوغرافيا العسكرية والإثنولوجيا الاستعمارية، فإنه لم يكن يمضي بالضرورة في اتجاه الإيديولوجيا السَّائدة.
من الإسلام لم يكن يحتَفَظ في الغالب إلا بنظرةٍ متخلفة، فظَّة، معمِّمَة للجنون أو مُطَفِّلَة. وبذلك كانت المرأة تقدَّمُ دائما باعتبارها الضحية الأساسية وعلامة الطبع المتخلِّف للمجتمع. أما الرَّجُل، فكان يُشَبَّهُ بالطفل في المجتمعات الغربية. هذه الشعوب قد تكون ظلَّتْ في الخلف، في مرحلة “شرقية” وقَرَوُسْطية. لم تكن العادات والتَّقاليد ذات قيمة، بل كانت تعتَبَرُ أساسا عامل انحطاطٍ. في هذا النوع من التحليلات تُثَارُ مسألةُ المخلَّفات (أو الرواسب
survivances) السابقة عن الإسلام.
يقـوم عمـل عبد الله حمُّودي بنقــد لهـذا التَّحليـل ويكشـف عـن رهاناته. فهـو يلاحظُ في دراساته أنه في نهاية القرن
XIX، وبالخصوص في المغرب، تمَّ وصفُ الطُّقوس، الألعاب وحفلات التَّقنُّع، وملاحظتها في المقام الأول من قِبل الفرنسيين، باستثناء وسترمارك، وهو عالم اجتماع فنلندي يكتب باللغة الإنجليزية. أما أعمال المؤرخين العرب، فهي لا تقول أي شيء عن الاحتفالات المقامة على هامش السنة الهجرية. تُشجَبُ تلك الاحتفالات وتُدرَجُ ضمن “العادات الشَّعبية”.
يرى المؤلفون الفرنسيون أن الألعاب وحفلات التَّقنُّع هي وثنية وسابقة عن ظهور الإسلام. يصير التاريخ الإسلامي مجرد حادث عرَضي، قوسين في تاريخ المغرب العربي. ويعتبر دوتيه ولاووست أساتذة هذا المذهب. الاهتماماتُ العلمية تسيرُ في اتجاه المصالح القوة الاستعمارية واستنتاجاتها لا تدين للإسلام في شيء. هكذا الأمر بالنسبة لتحليل الأضحية وحفل التَّقنُّع اللذين قد يكونا تبقَّيا تحت غطاء اعتناقٍ سطحيٍّ للإسلام وقد تكون إعادة إنتاج للحركة الدينية العتيقة والمتوسطية للبربر، ألا وهي حركة اغتيال الله وانبعاثه. ثمَّة موقف علميٌّ ذو مرمى سياسي: فهو يهدف إلى وصف ديانةٍ للبربر، أثرتها إسهاماتٌ رومانية ومسيحية، وجعلتها بذلك قريبة من القيم الغربية.
ستجد هذه النظريات أصداء كبرى لدى الممارسين. فهم يرون أن العلم الأوروبي كان ينفذ إلى ذلك العالم، لكنه كان يصطدم بتصلب الطقوس والعقائد. بالنسبة للممارسين والإثنولوجيين على السَّواء، كانت الإيديولوجيا تتَحَكَّمُ في البحث، والشعوب التي كانوا يكتشفونها قد تكون بقيت في طورٍ يوصف بأنه قروسطي. تُرفَعُ الكليشيهات والقوالب الجاهزة إلى حقائق علمية، حسبما يبدو.
يتم كل شيء كما لو كان عمل الإثنولوجيين، الملحوظ في أغلب الأحيان من زاوية الملاحظة، لا يـحتفظ من عمل المحللين النفسانيين الغربيين إلا بجانبه الأكثر قابلية للنقاش: جانب التحليلات، الأحكام والملاحظات المحمَّلة بإيحاء إيديولوجي قويّ. وبذلك يأخذ عمل الإثنولوجيين مظهرا كاريكاتوريا: كان استدلالهم يرمي إلى وصف بنية مجتمع مختلف عن المجتمع الغربي، دون حاجة إلى إدخال الاختلاف بين السَّوي والمرضي. الأطباء العقليين، بدافع مهنتهم، اهتموا قبل كل شيء بعلم الأمراض. وسنرى كيف أن الفرق بين السوي والمرَضي، وهو فرقٌ أساسي في منظور العلاجات الطبية، قد قادَهُم إلى الانحراف عن خطاب الأنثروبولوجيين.
قد لا يمكن إنهاء هذا الفصل دون التشديد في آن واحدٍ على أهمية وجهٍ كبيرٍ للإثنولوجيا الفرنسية، وهو ليفي برول، والطريقة التي تمَّ بها تحريفُ أعماله. سيرتكز الأطباء العقليون الجزائريون، على رأسهم بورو وسوتير
Porot et Sutter، على أعمالهم. احتفظوا من أعماله حول “الروح” و”الذهنية البدائية”، بالنزعة الصوفية، بغياب عقل التركيب والموضوعية، وبالعقلية ما قبل المنطقية… وجدا ثمَّة عناصر للمقارنة مع فرد شمال إفريقيا الذي يشدِّدَان عليه بقوة، سنة 1939، النزعة القدرية، المعتقدات المسماة قبل إسلامية، التعلق الوجداني بالطبيعة. عشرون سنة بعد ذلك، أعاد رونيه لافارغ R. Lafargue، الذي أدخَلَ التحليل النفسي إلى المغرب، هو أيضا نظريات ليفي برول وأنجز دراسة تحلينفسية لحفل تحطيم الشَّجَرة كما وصَفَه. مبتعدا عن العيادة، لن ير لافارغ المجازفة التي كان يعرض نفسه إليها بالاستعمال المبالغ فيه لما يسمى بالتحليل النفسي التطبيقي.
من الملائم التذكير بأن أعمال لوسْيَان ليفي برول لا تتعلق بالمجتمعات المغاربية. فهو في كتابه الروح البدائية يدرسُ الطريقة التي يتمثل بها البدائيون الفردَ في علاقاته بجماعته أو بنفسه. يكتب: “إنه يربط الأحَاسِيس واللذات والآلام التي يحسّ بها، مثل الأعمال التي يعرف بأنه فاعلها الإرادي، يربطها بنفسه. لكنه لا يترتب عن هذا أنَّهُ يـدرك نفسَه بنفسه باعتباره “ذاتا”، ولا بالخصوص أنه يشعر بهذا الإدراك باعتباره متعارضا مع تمثل الـ “أشياء” التي ليست إياه. وسيكون منحه هذه التمييزات والتعارضات التي يجهلها سقوطا في ما كان يسَمِّيه وليم جيمس
William James “وَهْم عالم النَّفس”. سيكون في الآن نفسه تجاهلا للطبيعة الجمعية لتلك التمثُّلات. في الفكرة المبهمة التي يمتلكها البدائي عن نفسه، لا تدخل العناصرُ التي تأتي من تفكير الفرد في ذاته، كما هو معروف، إلا في قسم صغير جدا”.
“[المرءُ] الإفريقي الشمالي لا يوجد باعتباره فردا”: هذا التأكيد يوجد على طول تاريخ الطب العقلي الاستعماري. وسنرى أن مفاهيم العلاقة بالجماعة، قوة الدين الخارقة ستُسند هذه البحوث. وقد جازف الأطباءُ العقليون الجزائريون بإجراء مقارنات بين الطفل والشمال إفريقي على الرغم من أن ليفي برول حذَّرَهُم من التماثلات بين البدائي والطفل. بالإضافة إلى ذلك، فإن عمله هو نفسه متباين بشكل كبير حسبما توحي به إحالات الأطباء العقليين إليه. باعتبار ليفي برول مفكرا من سلالة عالية، فإنه لم يكف عن تغذية تأمل في تطور مستمر.
هكذا نرى أن الأطباء العقليين والمحللين النفسانيين لم ينكبوا بجد على عمل الإثنولوجيين. لو فعلوا ذلك لما عانى عملهم بالقدر الذي عانى به من النزعة الوثوقية ومن الأفكار الجاهزة التي ينقلها. كان من شأن معرفة أعمق بالمجتمع وتاريخه أن تضفي طابع النسبية على تحليلاتهم. ولذلك حدثت انزلاقات والتباسات في مقالاتهم. وسنذكر هنا ما يلي: تعميم تحليلاتهم على المجتمع بكامله، على شعبٍ مَّا، في استقلال عن التمييزات الواجب إجراؤها داخل الفئات الاجتماعية؛ نفي وجود الذات باسم القوة المطلقة للجماعة – حتى وإن كان وجود الذات غيرُ مؤكَّد كما في المجتمعات الغربية، فإنَّ لها مكانتها -؛ أخيرا الغموض حول نمط المجتَمَع. وهم يبحثون عن الوجود المسبَق لعناصر “بدائية” في المجتمع التقليدي، استنتجوا، بطريقة مغلوطة، “بدائيتها”. لقد أخطأوا حول نمط المجتمع فاستعملوا بذلك، وبطريقة اختزالية، تحليلات كتحليلات ليفي برول. ومع ذلك يمكن فهم هذه المحاولة، لأن ليفي برول يثير الخضوع إلى السلطة داخل المجتمعات البدائية، الالتباس بين الأنا والعالم الخارجي، بين الأفراد والأشياء، النباتات والحيوانات التي لها جميعا جوهرا مشتركا (“المانا”)، القوة المطلقة للجماعة وانعدام وجود الذات. وقد جاء الخطأ الأساسي من كون مجتمعات إفريقيا الشمالية لم تكن “مجتمعات بدائية”. كان لها تاريخها وحضارتها. ربما كان يجب بالأحرى الانكباب على أسباب انحطاطها.
اختبرتُ تلك الرحلة، وضعية المغرب في بداية القرن من خلال خطاب الإثنولوجيين. لقد ساهموا في الآن نفسه في غزو هذا البلد، اكتشافه وكانوا رواد الأبحاث والأعمال حول المغرب.
بمعزل عن الانتقادات الموجَّهة للإثنولوجيا الاستعمارية، يمكن الاعتراف لهذا الحقل المعرفي بأهمية مزدوجة: الأولى هامة جدا، هي أهمية الملاحظة. ومن المعروف أنه أحيانا لا أحد يستطيع أن يلاحظ أو يكتشف ما يلاحظه ويكتشفه الأجنبي من أمكنة، وعادات، وشخصيات، وذلك بسبب شخصيته نفسها. أما الأهمية الثانية، وهي لا تقل أهمية عن الأولى، فتكمن في القطيعة التي ولَّدَها خطاب الإثنولوجي بين السِّحر والعِلم. السِّحرُ، أساسُ الممارسات العلاجية، ليس بالتأكيد علما. لكنه تعبير عن رغبة مَّا، يقول لنا الإثنولوجيون. وهو في ذلك يفيد التحليل النفسي، كما يفيد الفرد، بحثا عن علاجٍ بواسطة السِّحر. هكذا حدث لي أن استقبلتُ مرضى يرغبون في أن أكشف لهم عن اسم الشخص الذي يكون سحَرهُم. غير أنه عندما يقتصر خطابهم على هذا الطَّلَب وحده، فإن المحلل النفساني لا يستطيع القيام بأي شيء لفائدتهم. وبالمقابل، لأن السِّحر يهم الرَّغبة، لأنه محكوم بقانون الاقتران ولأنه يمسُّ سجلّ الوجدان، يمكننا القول إنه يمكن أن يشكِّل موضوع تأويلٍ بالنسبة للمحلِّل. إلا أن هذا التأويل ينفصل جذريا عن السِّحر لأنه لا يحاول التحكم في الظواهر التي يهتم بها السِّحر إلا لهدف علمي. مسعاه عقلاني بالمعنى الاشتقاقي لكلمة “
ratio” التي تفيد في آنٍ واحدٍ خطابا وعقلا.
مع الإثنولوجي وبعده، يدخل الأطباء العقليون إذن قطيعة في حقل المعتقد السِّحري. إلى الأول يعود الوصفُ والنظريةُ بدون ممارسة عيادية، وإلى الثاني تعود العناية بتطبيق النظرية تحت غطاء العلم.
كانـا يؤمنـان بمشروعهمـا: “المهمَّـة المُحَضِّـرة”. أراد الإثنولوجيــون العثـور علـى المخلَّفات الوثنية، أي ما كان يمكن أن ينتمي إلى الثقافتين الإغريقية والرومانية وتبقَّى مع حضور الإسلام، بكيفية تحتية (أو غامضة). أراد الأطباء العقليون ملاحظة الظواهر التي كانت في طور الاختفاء في الغرب: الإيمان بالجن، الممارسات السِّحرية وأعمال السِّحر الهادف لعلاج المرضى.
مهما كانت الأحكام القبلية والأخطاء المرتكبة في تحليلاتهم، فقد حدَّدت تلك المهمة لنفسها التحديث باعتباره هدفا. وقد أفضتْ إلى نتيجة: القطيعة النسبية مع الإيمان بالسِّحر. دون مطاردة الممارسات التقليدية، أتاحت تلك القطيعة تشييد الجهاز الطبعقلي. وبذلك نشأ تباعدٌ بين السِّحر والعلم. بواسطة خليطٍ بين السِّحر والدِّين، الاثنان مجتمعان في حضن التقليد، قابل الأطباء العقليون بين التقليد والحداثة العصرية. عقلانيا، هذا التعارض موجود، لكن في الممارسة يكون التمييز سطحيا.
في الواقع، كما رأينا، في المجتمع المغربي، لكل علاجٍ تُعزَى قدرة قابلة للتشبيه بقدرة السَّاحر، الوليّ… أو رسول الله. لا يمكن فهم هذه القدرة إلا بالرجوع إلى التمثلات التقليدية لهذه الشخصيات. ولو أنها مُزدانة بصورة العلم، فإن القدرة المفرطة للإنقاذ (أو القتل)، وكذا الاعتراف بالجميل اللانهائي الذي يترتب عنها، لا يستطيعان الحيلولة دون طبعِ هذا العلم وجعل ممتكله شخصية خاصَّة.
في هذا السياق يمكن أن يكون الطبيبُ الأجنبي دخيلا أو ملعونا. لكن في أغلب الأحيان يكون المنقِذ، الغريب الذي يأتي بالخلاص، النبي الذي ليس – أو لم يعد – نبيا في بلده. بواسطته تعوضُ المداواة العصرية بالأدوية التقليدية التقليديةَ والتقنيةُ الجِراحية تتيحُ إيقاف انتشار المرض وتدفعُ إلى الاعتقاد في إمكانية معجزات أخرى.
السِّحرُ لا يُقَدِّمُ العالَم. ويجب الاعتراف للممارسين الفرنسيين بفضل كونهم، في بداية القرن، أعادوا إدخال العِلم. يوجدُ السِّحر بالتأكيد في المجتمع العصري. يكتشفُ المحلِّلُ النفساني علاقاته مع اللاشعور وبهذه الصفة – وبها وحدها – تتولَّدُ في ممارسته، نتائج مماثلة لتلك الملاحظة في السِّحر. لكن المحلل النفساني، وهـو يدمـِجُ تجليـات السِّحـر داخـل اللغـة، يُتَـرجِمُهــا داخـل عقليـة مـَّا. مثـل العِلمِيّ، ينخرطُ في تقليدٍ منظورٍ نقديّ ويُدخِلُ، في نمطٍ خِطابيّ آخر غير الخطاب العلمي، قطيعة بين حقل الإيمان السِّحري وحقل العقل.
سنرى أننا مع الطبيب العقلي والمحلل النفساني، مثلما مع الإثنولوجي، سنشهدُ الإدخال الجديد لمنظورٍ علميّ، رغم ما يتضمنه الخطاب الإثنوغرافي لتلك المرحلة من هفوات وأخطاء.
مصدر الترجمة:
Jalil Bennani, La psychanalyse au pays des saints, Casablanca, Editions le Fennec, 1996, (ch. I: “Premiers pas de la psychiatrie. Lwoff et Serieux chargés de mission au Maroc”, pp. 21-57).

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий