Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > دراسات الدين المقارن وأصول المجتمع المدني – برانون ويلر*

دراسات الدين المقارن وأصول المجتمع المدني – برانون ويلر*

تشير الدراسات الحديثة للمجتمعات الإسلامية إلى أهمية إحلال قيم التسامح، والاعتراف بالتعددية الدينية، باعتبار هذين الأمرين الأساس لإقامة مجتمعٍ مدني يتّسم بالثبات والصلابة والاستقرار. أمّا ما لم يجر الاهتمام به حتى الآن فدراساتُ الدين المقارن. ذلك أنّ الدراسات المقارنة في الشأن الديني كفيلةٌ بتدعيم الحوار والتفاهم بين أهل الأديان والثقافات. وتستطيع الحضارة الإسلامية أن تتطلع بفخرٍ إلى أحد أعرق التقاليد العلمية في العالم للدراسات المقارنة، والدراسات ذات المناهج المشتركة والمتلاقية؛ في العلائق بين الأديان، وفي أمورٍ أُخرى. وهكذا يمكن للدراسات الأكاديمية المعاصرة في المجتمعات الإسلامية في الشرق الأوسط وآسيا أن تبني مؤسساتٍ علميةً للمقارنة غنية بالتقاليد، وقائمة على تحليل التاريخ والعقائد والممارسات لدى الجماعات الدينية المختلفة، من المسلمين وغير المسلمين. ولابد من الاعتراف هنا أنّ مثل هذا النوع من الدراسات ما يزال قليلاً في الشرق الأوسط وآسيا. بيد أنّ التخصص نفسه يمكن تتبعه في الثقافة الإسلامية إلى حدود القرن العاشر الميلادي حيث عرف ازدهاراً وتطوراً كبيرين. وقد كان ذلك النوع من التخصصات أو الدراسات ضرورياً لتطوير مجتمعٍ واعٍ للتعددية، ومؤسسات اجتماعية واسعة الأفق والأهداف، ضمن الحضارة الإسلامية. ويؤكد الباحثون على الأصول العامة والتطور الاجتماعي للجماعات الدينية المختلفة التي كانت تملك بنىً استيعابية، وأُخرى حامية حتى للمجتمعات المحلية الدينية المختلفة عنها. ولهذا ينبغي أن تُعطى عناية أكبر للتقاليد المحلية العارفة والمتسامحة، ومدى استمراريتها في المؤسسات المعاصرة، اعترافاً بدور الماضي، وإمكان إفادتها في مجال إقامة وتطوير مجتمعات وتقاليد استيعابية معاصرة.

دراسة الدين في المجتمعات الإسلامية الكلاسيكية

تستند الدراسات الدينية النظرية المعاصرة في معلوماتها ومراجعها عن الدين ودوره في المجتمعات الداخلة في الحضارة الإسلامية، والأخرى المجاورة لها، إلى تقليدٍ كلاسيكي لهذه الدراسات والاستطلاعات نشأ في العصر العباسي في القرن العاشر الميلادي. فقد قام في ذلك العصر علماء كبارٌ أنتجوا كتباً ودراساتٍ عن الدين، صارت مراجع ومصادر لمن أتى بعدهم في القرون التالية، في مجال دراسة الدين، والديانات المقارنة.

البيروني: لعلَّ أفضل النماذج لهذا النوع من الدراسات، تلك التي قام بها أبو الريحان البيروني (973-1050م). كان البيروني في بلاط محمود الغزنوي، في أفغانستان الحالية. وقد كتب كتاب “الآثار الباقية من القرون الخالية” عن حضارات ما قبل الإسلام. كما أنه كتب موسوعةً عن ثقافات وديانات جنوب آسيا مع اهتمامٍ خاصٍ بالهند ثقافةً وديناً عنوانها: “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولةٍ في العقل أو مرذولة”. والملاحظ في تراث البيروني ودراساته أنها تجمع بين الإثنوغرافيا والقراءات النصية، والتي يستعملها لتحصيل وتفسير المعتقدات الدينية والممارسات التعبدية في جنوب آسيا.

الملل والنحل: تتأسسُ كثيرٌ من دراسات الدين في العالمين العربي والإسلامي اليوم على تقليد كتب الملل والنحل الموروث من العصور الكلاسيكية. وقد كان المعتقد أنّ هذه الدراسات تخضع لعوامل التوجهات العقدية والدعوية. لكننا نعرف الآن أنّ كثيراً من هذه الأعمال ترفع من شأن السياق التاريخي، وتدرس تلك الموضوعات بطرائق منضبطة، وقريبة من المصادر التي عُثر عليها أو نُقل عنها، وهكذا فالنوع الأدبي لكتابات “الملل والنحل” يقدّم رؤيةً واسعةً للعقائد المنسوبة لحركات تاريخية أو معاصرة. وعادةً ما يقوم المؤلفون بتقسيم تلك البحوث تحت عناوين معينة، مثل: العقيدة الإسلامية والفِرَق، والعقائد الإسلامية وفِرَق أهل الكتاب أو الديانات السماوية، وأديان وفلسفات أخرى. وفي بعض الأحيان يقتصر التقسيم أو ينكمش إلى قسمين: عقائد المسلمين، واعتقادات المشركين، كما فعل فخر الدين الرازي؛ الذي رغم العنوان العام يناقش عقائد اليهود والمسيحيين والزرادشتيين والثنويين والصائبة والفلاسفة.

ابن حزم: أبو محمد على بن أحمد بن حزم (994- 1064م). كان كاتباً مشهوراً، خصَّص الكثير من كتاباته لتأمل عقائد غير المسلمين، وعلائقها بالعقائد الإسلامية. ويتحدث ابن حزم في “الفصل في الملل والنحل” عن عقائد فرق مختلفة، تحت عناوين معينة. لكنه كثيراً ما يضع عناوين فرعية أيضاً. ففي المسيحية بعد أن تحدث عن التاريخ والعقائد، عقد فصلاً لطبيعة المسيح في اعتقاد الفِرَق المسيحية المختلفة. وكذلك فعل مع اليهود الذين ذكر أنّ توراتهم موحاةٌ في الأصل، لكنها محرَّفة، ثم ذكر نقدهم للتثليث المسيحي. أما الزرادشتيون (المجوس) فهو يمدهم لقولهم بالنبوات، لكنه ينقد زعمهم أنّ زرادشت أفضل من الأنبياء الآخرين. ويبحث ابن حزم في عقائد البراهمة والفلاسفة والثنوية، ومجموعة من الديانات والشيع الأخرى. كما أنه يعقد فصلاً يذكر فيه ما هو معروفٌ عن بعض أنبياء العهد القديم، وهالة القداسة المحيطة بهم. ويتبع ذلك نقاشات عن العقائد المتصلة بخلق الجنة والنار، وبعث الأجساد يومَ الدين، وعذاب القبر، والتوبة. وفي فصوله الأخيرة يتحدث في مسائل دينية لا تخصُّ فرقةً بعينها مثل الأعلام والرؤى، والطبيعة المخلوقة لبعض الأشياء، وعلاقة الجسد بالروح.. إلخ.

والمعروف أنّ ابن حزم كتب أعمالاً تُقارن قَصص الأنبياء في القرآن والتقاليد الإسلامية، بما ورد عنهم في التوراة والإنجيل. وهو يستند كثيراً للنقد الذي تعرَّض له العهدان القديم والجديد من جانب العلماء المسلمين، ويضيف لذلك إسهاماتٍ خاصة؛ وبذلك يتقدمُ ابن حزم في نقده النقدَ الذي تعرض له العهدان بعد ذلك بمئات السنين. ويتعرض ابن حزم للديانات الأخرى أيضاً في أعماله عن الفقه الإسلامي. وهو يرى أنّ القرآن والشريعة يهيمنان على كل الشرائع السابقة عليهما، كما أنّ النصّ القرآني نسخ كلَّ النصوص السابقة عليه، باستثناء المواطن التي أكَّدها منها. ورأيُ ابن حزم هذا نابعٌ من مذهبه في أنّ الدين الإسلامي هو الوحيد بين الأديان الذي يقدّم شريعةً موحاةً دعامتاها الإرادة الإلهية المتجلية في التاريخ، والعقل.

أبو المعالي محمد بن عبيد الله (ت.حوالي 1092م)، وهو المؤلّف بالفارسية لكتابٍ في الملل والنحل عنوانُهُ: بيان الأديان، يدرس فيه الديانات السابقة على الإسلام بما في ذلك الدين العربي القديم، والفلسفة الإغريقية، واليهودية والمسيحية والزرادشتية والمزدكية والمانوية. وهو يميّز هذه الديانات عن الأخرى الوثنية مثل الهندوسية. والغرض الرئيسي من كتاب أبي المعالي الذهاب إلى أنّ كل الناس، بما في ذلك غير المسلمين، يؤمنون بالخالق، وهذا في نظر الكتاب أبلغ دليلٍ على وجود الله.

الشهرستاني: محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (1086-1153م). ألّف أشهر الكتب في “الملل والنحل” عن سائر ديانات العالم، التي يقسّمها إلى قسمين كبيرين: الديانات المستندة إلى الوحي، والأخرى غير المستندة إلى الوحي. والقسم الأول يتضمن المسلمين وأهل الكتاب. وأهل الكتاب من بينهم اليهود (القرائين والعيسوية والسامرية)، والمسيحيون (الخلقيرونيين والنساطرة واليعاقبة)، والذين يحملون كتباً مزيّفةً مثل الزرادشتيين والمانوية.

أما الديانات غير الموحاة فمنها الصائبة من أهل حرَّان، واليونانيون، والفلاسفة الإسلاميون، وديانات العرب قبل الإسلام، والعقائد الهندوسية (البراهمة، وعبادة الأرواح، وعبادة النجوم، وعُبّاد الأوثان).

يؤكد الشهرستاني في عمله على فكرة الخلْق، والصدور عن الإله الواحد. وبسبب حديثه عن الفيض، فقد هاجمه البعض باعتباره من الإسماعيلية النزارية؛ على الأقل في ما يتصل بخلْق العالم. وعقيدة الفيض هذه هي التي مكّنتهُ من أن يعتبر أنّ كل الديانات تتضمن شيئاً من الحقيقة، لأنَّ كلاً منها تجمعُ بين الموحى (الصحيح) وغير الموحى، وكلها صادرة مباشرةً أو بشكل غير مباشر عن الله. وإلى نفس الفكرة يذهب كلٌّ من مسكويه في الحكمة الخالدة، وصاعد الأندلسي في طبقات الأمم، باعتبار أنّ الله أعطى كل أمةٍ من أمم الأرض مواهب فكرية ومدنية، تلك التي ميزتهم، رغم انحرافهم عن الطريق المستقيم المتمثل في الإسلام.

التاريخ: غالباً ما يسجّل المؤرخون المسلمون أخباراً عن تاريخ الديانات الأخرى، فمحمد بن جرير الطبري (839- 923م) على سبيل المثال، أورد في تاريخه المعروف باسم: تاريخ الرسل والملوك، روايات كثيرةًّ من مصادر إسلامية وغير إسلامية، عن عقائد الإيرانيين القُدامى وممارساتهم الدينية، وكذلك الأمر في ما يتصل بالجزيرة العربية، ومصر، وبلاد ما بين النهرين والهلال الخصيب.

وقد جرى تكرار ذلك والتأكيد عليه لدى المؤرخين المتأخرين في تتماتهم وتذييلاتهم على التواريخ العالمية الإسلامية المبكّرة. وهناك مؤرخون آخرون مثل أحمد بن عبد القادر المقريزي (1364-1442م) يوردون أخباراً تاريخية تفصيليةً عن بعض المجموعات الدينية، مثل اليهود بمصر في الحقبة التي عاصرها. ويعتمد المقريزي في تقاريره على مصادر كثيرة قديمة بما في الترجمات العبرية الوسيطة عن تواريخ قديمة، ككتاب يوسيفوس.

قصص الأنبياء: وعلى القدْر نفسه من أهمية المرويات الأسطورية التي لها علاقةٌ بقصص الأنبياء في تفاسير القرآن وكتب التاريخ. وتشير المرويات في هذا الصدد إلى سلسلةٍ من الحكايات مرتبطة بالأنبياء من آدم إلى محمد؛ وهذا الأمر أحدُ أبلغ الأدلة على التداخل بين اليهود والمسيحيين والمسلمين، في المصادر الإسلامية. ويشير بعض العلماء مثل ابن كثير إلى اقتباساتٍ من العهدين القديم والجديد، وشروح المسلمين واليهود على تلك الفقرات؛ ثم تجري المقارنة من الناحيتين المضمونية والشكلية وبين الواردات ومثيلاتها الموجودة في القرآن وتفاسيره. وهناك شخصياتٌ أخرى مثل شمشون والخضر والراقدين السبعة (أهل الكهف)؛ وكلُّها موثوقات موجودة لدى اليهود والمسيحيين والمسلمين، وقد جرى استيعابها في قصص الأنبياء. والطرائق التي جرت فيها المقارنة بين المصادر لتلك القصص، كما جرت المقارنات، تدلُّ على تقدمٍ نوعيٍ لدى العلماء المسلمين في ما يتعلق بنقد المصادر، والتي يمكن اعتبارها أحد الأمثلة المبكّرة للسرديات المقارنة.

الرحلة والجغرافيا: تركّز معظم كتب “المِلَل والنِحل” والكتابات التاريخية، على المصادر الأدبية، ومسائل العقائد. وهناك متابعةٌ وصفيةٌ للممارسات، تستندُ إلى مراقبةٍ إثنوغرافية، تحضُرُ في كتب الرحَلات التي أنتجها عرب ومسلمون منذ الحقبة الكلاسيكية وحتى القرن التاسع عشر. وابن بطّوطـة (1304- 1368) أحد أشهر أولئك الرحّالة. وقد بدأ سفَرَهُ من طنجة وزار بلدان الشرق الأوسط، وشرق إفريقيا، وآسيا الوسطى، والهند والبنغال وسومطرة والصين. وتقاريره عن رحلته تشبه في بنيتها قَصَصَ الحُجّاج أو الذين يقصدون الحجَّ بدايةً، ثم تتّسع جولاتُهم في الذهاب أو الإياب. وقد حجَّ ابن بطّوطة أربعَ مراتٍ خلال رحلته الطويلة حول العالم. وقد ترك ابن جبير (1145-1213) أحد التقارير المبكِّرة التي يتكوَّنُ منها النمط السالفُ الذكر، أي رحلة الحجَّ الممتدة. وتشكلّ متابعاتهُ الوصفية لمشاهداته تعبيراتٍ عن اهتماماتٍ بالممارسات الدينية والعقدية. أما العلماء مثل الهروي وابن الحوراني فقد كتبوا ما يشبه “دليل الرحلة” للحجاج الذين يريدون زيارة مشاهد محلية أو إقليمية بمنطقة الهلال الخصيب. وتتضمن مشاهداتُهم المشجَّعة وصفاً فريداً أحياناً لممارساتٍ لدى المسلمين وغير المسلمين، إضافةً لمشاهدَ مدوَّنةٍ عن الشعائر والاعتقادات المرتبطة ببعض المواطن والمزارات التي تخَصُّ مجموعاتٍ دينيةً أخرى في المنطقة.

وهناك مؤلفون جغرافيون عرب يوردون في مؤلَّفاتهم معلوماتٍ عن الجماعات الدينية المختلفة عقائد وممارسات. ومن هؤلاء مؤلّفو المعاجم الجغرافية مثل ياقوت وابن الفقيه والبكري، الذين تتضمن كتبهم أحاديث طويلةً عن التقاليد الدينية المرتبطة ببعض المدن والمعابد والجغرافيا الطبيعية (الجبال والينابيع..إلخ) والمزارات المحلية. ويركّز علماء الجغرافيا مثل القزويني على عجائب البلدان والمخلوقات، عن طريق جمع أساطير مرتبطة بأماكن معينة. وكتب العجائب هذه تتضمن أحياناً معلوماتٍ تاريخية أو لغوية أو إثنوغرافية. وهناك كتب عجائب مبكّرة تتحدث عن غرائب الهند والصين. وهناك مناهج أخرى لمقاربة الأساطير والخرافات المنتشرة حول بعض المدن مثل القدس ودمشق ومكة وبغداد. وتُسمَّى تلك المؤلفات: كتب الفضائل، وهي تستخدم في عملية جمع التقاليد التاريخية والإثنوغرافية المرتبطة ببعض المعابد والشعائر والاعتقادات السائدة لدى بعض الجماعات المحلية.

دراسة الدين في الأزمنة الحديثة بالشرق الأوسط وآسيا: تحضُرُ في برامج بعض الجماعات الرسمية والخاصة بالشرق الأوسط المعاصر مادة: الدين المقارن. أما الأقسام المختصة بالأديان فهي قليلةٌ إن لم تكن نادرة. أما أقسام “الدعوة” فهي موجودةٌ في جامعات بلدان الخليج، من مثل الجامعة الإسلامية بالمدينة، وقسم الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى بمكة المكَّرمة. والبرامج في هذه الأقسام موضوعٌ لكي يتخصص الطلاب في مسائل دينهم من سائر النواحي. وهناك جامعاتٌ في الشرق الأوسط، تعرضُ مادة الدين المقارن في أقسامٍ أخرى. فجامعة عين شمس في القاهرة على سبيل المثال، تدرّس مادة الدين المقارن في أقسام اللغات ضمن كلية الآداب؛ بما في ذلك لغات الأمم الإسلامية. والدين اليهودي ضمن قسم اللغة والآداب العبرية. وهناك دبلوم في التاريخ والتراث بجامعة موريشيوس تجري فيه دراسة الإسلام إلى جانب دياناتٍ أخرى مرت بها موريشيوس في تاريخها. أما دراسةُ الدين بجامعة الإمارات فموجودة ضمن العلوم الإنسانية؛ وكذلك الأمر بالجامعة الأميركية ببيروت، وجامعة محمد بن عبد الله بفاس، وجامعة السلطان قابوس بمسقط، وجامعة بوغاز باسطنبول، والجامعة الأميركية بالقاهرة.

أصول الدين: تخصّص بعض الجامعات بالمنطقة العربية أقساماً أو كليات كاملة لدراسة الدين بشكل عام. فالجامعة الأردنية على سبيل المثال تملك قسماً لأصول الدين تحته فروعٌ للمجالات الفرعية للدراسات الإسلامية بما في ذلك الملل والنحل، و”مواد” مفردة للدين المقارن، وللحوار الإسلامي المسيحي. وفي جامعة القدس قسمٌ لأصول الدين بجامعة أم درمان الإسلامية بالسودان. وتحتوي كلية أصول الدين بجامعة الأزهر على أقسام في مختلف فروع الدراسات الإسلامية. وهي تعرض “مواد” في نشأة الأديان، وعلائق الدين بالمجتمع، وتاريخ ومناهج ونظريات الدين، ورؤية الإسلام للأديان.

كليات الشريعة: وفي منطقة الخليج تظهر دراساتُ الدين المقارن في كليات الشريعة. فقسم أصول الدين في كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود تأسس في الخمسينات. وكلية الشريعة وأصول الدين بجامعة الملك خالد تأسست عام 1976. وفي التسعينات نُقلت الدراسات الإسلامية (بما في ذلك مادة الدين المقارن) بجامعة الكويت إلى كلية الشريعة. وفي جامعة ابن سينا، وجامعة شيراز، وجامعات إيرانية أخرى، تحضُرُ دراسات الدين في كلية الشريعة.

مراكز الدين المقارن: منذ السبعينات من القرن العشرين تأسست في البلاد العربية المختلفة مراكز ومجلات لدراسة العلاقات الإسلامية مع غير المسلمين. وتركّز أكثر تلك المراكز على الحوار الإسلامي المسيحي. وذلك مثل مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية بتونس، والزيادات المتبادلة بين الفاتيكان والأزهر، ومركز الحوار الإسلامي المسيحي بطرابلس، ليبيا، 1976. بيد أنّ كثيراً من تلك المراكز تبدو معنيةً بالمسائل السياسية، أكثر من عنايتها بالدراسة الأكاديمية للدين.

وفي السنوات الأخيرة، واستناداً لزيادة التخصص من جانب بعض الباحثين والدارسين، ظهر عددٌ من المؤسسات والمراكز المعنية بدراسات الدين المقارن. وأهمُّ النماذج لذلك المعهد الملكي للدراسات الدينية بعمّان بالأردن، والذي أسسه الأمير الحسن بن طلال عام 1994. ويهتم المعهد بدراسات اليهود والمسيحية والإسلام، كما ينشر مجلةً فصليةً، ويملك سلسلة محاضرات، ويدعو باحثين من مختلف أنحاء العالم. وهناك مؤسساتٌ تدعمها الدولة وأخرى خاصة صارت تُعنى بتطوير برامج لدراسة الدين، باعتبار ذلك وسيلةً لتوسيع المعارف الأكاديمية والوعي العامّ بالانتماء الديني والتواصل المدني.

والنموذج الآخر لهذا التطور قسم لاهوت الأديان في جامعة قم بإيران، والتي تأسس عام 2001 مع الإعلان عن الاهتمام باستحداث الحوار بين الحضارات. كما أن مركز حوار الحضارات بجامعة عين شمس يهتم أيضاً بالدراسات الدينية المقارنة إلى جانب مقارباتٍ أخرى. ومنذ العام 2001 استحدثت جامعة الأزهر وحدةً إنجليزيةً للدراسات الإسلامية. أما جامعة طشقند الإسلامية فقد طوّرت برنامجاً لدراسة الأديان العالمية. وهذا بالإضافة إلى إقبال الجامعات بشمال إفريقيا وتركيا على إنشاء وحدات ومراكز الحوار مع الديانات الأُخرى وبخاصةٍ المسيحية. وهذه المراكز والوحدات بحاجةٍ للتشجيع والتحسين والتعاون باعتبارها وسائل لدعم التفاهم، ومدّ الوعي بالأدوات التي تشجع التواصل وتوسع الآفاق.

خاتمة: يتركز الاهتمام بالمنطقة حتى الآن على دراسة الجغرافيا التاريخية والعقدية في الأديان والعلاقات فيما بينها. ولذلك فليس هناك اهتمامٌ واسعٌ بالجوانب الثقافية والحضارية التي تشكّل السياقات والمجالات المتوسعة لكلّ دين. وبذلك تنفصل دراسة (الدين) عن التراث والثقافة. وقد كان الرحالة والمؤرخون وعلماء الملل والنحل في الحقبة الكلاسيكية أكثر توسعاً في قراءة الأديان ومحيطاتها وسياقاتها. ويضافُ لذلك ضآلة المقاربات النقدية للنصوص والنظم العقدية. ويرجعُ ذلك للتحدي المتمثل في تصاعد اعتقادٍ بالجامعات العربية أنّ دراسات الدين المقارن تعني تشكيكاً أو مجازفةً في إبراز التشابهات أو الاختلافات. ويبدو ذلك بوضوح في الطرائق الدفاعية والحمائية التي يمارسُها الدارسون عند قراءة سيرة النبي، أو علوم القرآن، وهذه المقاربة الدفاعية تحدُّ من إمكانيات تطوير الدراسات الدينية النظرية والمقارنة، وبخاصةٍ إذا عرفنا أنّ القراءات النقدية والتاريخية للنصوص والنظم الدينية متأثرةٌ في الأصل، وفي أوروبا وأميركا الشمالية، بالدراسات الدينية القديمة في عالم الإسلام. فقد حمل علماء مسلمون كثيرون في العصور الوسطى على الوصول لتعريفٍ وتحديدٍ للدين مفاهيم ومجالاتٍ بغضّ النظر عن البحث عن “الحقيقية” و”الخلاص”؛ قروناً قبل ظهور وتطور الدراسات النقدية والمقارنة للدين بأوروبا. فحتى العام 1960 ما كانت الدراسات الدينية المقارنة جزءًا من البرنامج في الجامعات التي تدعمُها الدولة بالولايات المتحدة الأميركية. بينما كانت الدراسات الإسلامية للدين والظاهرة الدينية في العصور الكلاسيكية مرحلةًً أساسيةًً في تطوير مقاربةٍ علميةٍ للعقائد في أصولها وتحولاتها. ولا شكَّ أنّ عالمية الحضارة الإسلامية، والقوة المشهودة للانتماء الإسلامي، والتعددية الدينية للمجتمعات الإسلامية؛ كلُّ ذلك أدَّى إلى نظرةٍ أكثر اعتدالاً وتوازناً للدين قبل ظهور التحدي الاستعماري الأوروبي.

**********

الهوامش

*) أكاديمي وأستاذ في الدراسات الإسلامية بجامعة واشنطن.

– علي بن أحمد بن حزم، الفصل في الأهواء والنحل، ثلاثة أجزاء، بيروت، 1999م.

– أحمد بن عبد القادر المقريزي، المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار، عدد الأجزاء 2، القاهرة، 1992م.

– محمد بن عبد الكريم الشهرساتي، الملل والنحل، جزء 2، بيروت، 2001م.

– محمد بن جرير الطبري، تاريخ الطبري، 16 جزءا، لايدن، بريل.

– Camilla Adang, Muslim Writers on Judaism and the Hebrew Bible: from Ibn Rabban to Ibn Hazm (Leiden: E.J.Brill, 1996).

–              R.J.C. Broadhurst, The Travels of Ibn Jubayr (London, 1952).

–              Carl Ernst, Following Muhammad: Rethinking Islam in the Contemporary world (Chapel Hill: University of North Carolina press, 2003).

–              H.A.R. Gibb, The Travels of Ibn Battuta, 2 vols, Hakluyt Society (Cambridge, 1958-62).

–              Ali b. Ahmad Ibn Hazm, al-fisal fi al-ahwa wa al-nihal, 3 vols, ed A.Shams al-Din (Beirut, 1999).

–              Mohamed Abdul Salam Kafafi, trans. The Bayan al-Adyan by Abu’l-Ma’ali Muhammad ibn ‘Ubayd Allah (London, 1949).

–              Ahmad b.’abd al-Qadir al-Maqrizi, al-Mawa’iz wa al-I’tibar fi dhikr al-Khitat wa al-athar. 2 vols. (Cairo, 1982).

–              Josef W.Meri, “A Late Medieval Syrian Pilgrimage Guide: Ibn al-Hawrani’s al-Isharat ila amakin al-ziyarat (Guide to Pilgrimage Places), “Medieval Encounters 7 (2001): 3-78. Based on edition edition by Bassam al-Jabi (Damascus: Maktabat al-Ghazali, 1981).

–              G. Monnot, “Les ecrits musulmans sur les religions non-bibliques”, MIDEO 11 (1972): 5-48.

–              Muslim Perceptions of Other Religions: A Historical Survey. Ed. Jacques Waardenburg (Oxford: Oxford University Press, 1999).

–              Azim Nanji, ed, Mapping Islamic Studies: Genealogy, Continuity, and Change (Berlin: Peter lang, 1997).

–              H. Asin Palacios, Abenhazam de Crodoba y su historia critica da las ideas religiosas (Madrid, 1927-32).

–              Eduard Sachau, trans, Chronolgie orientalischer Volker (Leipzig 1878), trans. Into English as The Chronology of Ancient Nations (London, 1879).

–              Eduard Sachau, trans, Al-Beruni’s India, 2 vols. (London 1888-1910).

–              Muhammad b.’Abd al-Karim al-Shahrastani, al-Milal wa al-nihal, 2 vols, ed, A,Mahna and A. Fa’ur (Beirut, 2001).

–              Muhammad b. Jarir al-Tabari, Ta’rikh al-rusul wa al-muluk. Ed, M.J. de Goeje. 16 Vols. Leiden: E.J.Brill, 1879-1901. English translation of section on pre-Islamic period: The History of al-Tabari: Volume 1: From Creation to the Flood, trans. Franz Rosenthal (Albany: State University of New York Press, 1989); Volume 2: Prophets and Patriarchs, trans. William Brinner (1987); volume3: The children of Israel, trans. William Brinner (1991): Volume 4: The Ancient Kingdoms, trans. Moshe Perlmann (1987).

–              Steven Wasserstrom, Between Muslim and jew: The Problem of Symbiosis under Early Islam (Princeton: Princeton University Press, 1995).

–              Brannon Wheeler, Prophets in the Quran: An Introduction to the Quran and Muslim Exegesis (London: Continuum, 2002).

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий