Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > دراسة العلاقات بين الثقافات وتجديد مفهوم الثقافة- دوني كوش

دراسة العلاقات بين الثقافات وتجديد مفهوم الثقافة- دوني كوش

من الثابت أن التفكير حول  مفهوم الثقافة قد تعمّق من خلال تركيزه على دراسة الثقافات المفردة والمبادئ الكليّة للثقافة.لكن لابدّ من فتح مجال جديد للبحث في العمليات المسماة ب”المثاقفة” من أجل إبراز طرف خيط نظري جديد.ومع أنه لم يتم تجاهل وقائع الاحتكاكات الثقافية تماما،  فمن الغريب أنه لم يتم، حتى وقت متأخر نسبياً،  تخصيص سوى عدد قليل من الأعمال   لعملية التغيّر الثقافي المرتبط بهذه الاحتكاكات الثقافية.وقد اهتم االأنثروبولوجيون الانتشاريون كثيراً بظواهر الاقتراض   وانتشار “السمات”الثقافية بدءاً بالموطن  الثقافي المفترض.لكن أعمالهم انصبت على نتيجة الانتشار الثقافي ولم تصف سوى الحالة النهائية لقيام تبادل جدي باتجاه واحد.من جانب آخر، إذا فُهم الانتشار على هذا النحو فهو لم يكن يقتضي بالضرورة احتكاكاً بين الثقافة المتلقية والثقافة المُعطية.

وكما بيّن ملفيل هيرزغوفيتش، الأنثروبولوجي الأميركي، الرائد في هذا المجال، فقد توجب انتظار الدراسات حول الظواهر المسماة ب”المثاقفة” لكي يتسنى لنا أفضل فهم لآليات الثقافة.

حينما تتصارع التقاليد  تبيّن إعادة الضبط  في داخل الثقافة الطريقة التي ترتبط من خلالها عناصرها  مع بعضها والكيفية التي يعمل الكل من خلالها
[1937، ص263] . ويمكننا التساؤل عن تأخر الأبحاث المتعلقة بتقاطع الثقافات مقارنة بالأعمال المتعلقة بالثقافات التي تم تناولها بشكل منعزل.

(خرافة البدائي)

من المحتمل، كما يلاحظ روجيه باستيد(1968)أن يكون التوجه الأساسي للإتنولوجيا التي اتجهت نحو الثقافات المسماة ب”البدائية” هو السبب الأساسي وراء هذا التأخر.ولطالما خضع الإتنولوجيون لما يسمونه “خرافة البدائي” أو “أسطورة البدائي” حيث كان الأمر بالنسبة لهم يعني إعطاء الأولوية لدراسة الثقافات “الأكثر قدماً” لأنهم كانوا ينطلقون من فرضية أن هذه الثقافات تقدم للتحليل أشكالاً أولية للحياة الاجتماعية والثقافية التي لم يكن بوسعها إلا أن تصبح أكثر تعقيداً مع التطور التدريجي الذي يشهده المجتمع.وبما أن الأبسط تعريفاً، هو أسهل من المركب على الإدراك، فكان لابد بالتالي من البدء بدراسة الثقافات من هذه النقطة.

من جانب آخر، كان ينظر إلى الثقافات البدائية على أنها ثقافات لم يغيرها الاحتكاك أو غيّرها قليلاً، كما يُفترض أن احتكاكها بالثقافات الأخرى كان محدوداً جداً.وبالتالي لم تكتف الإتنولوجيا بتهذيب هاجس البحث عن المظهر الأصلي للثقافة.من هذا المنظور كان ينظر إلى كل خلط بين الثقافات  على أنه ظاهرة تفسد نقاءها الأصلي وتعرقل عمل الباحث لأن من شأنه طمس الآثار.وبالتالي،  على هذا الباحث ألا يغفل دراسة هذه الظاهرة في المرحلة الأولى من دراسته على الأقل.

في هذه الشروط، ليس من المفاجئ أن يكون أحد “المخترعين “الأساسيين لمفهوم “المثاقفة” هو هيرزغوفيتش الذي أدار ظهره منذ عام 1928  للدراسات المتعلقة بالهنود،  وهو الموضوع الذي كاد أن يكون الموضوع الوحيد للدراسات الأنثروبولوجية في الولايات المتحدة، ليتجه(أي هيرزغوفيتش) نحو تحليل ثقافة السود المنحدرين من العبيد الأفارقة.وقد بقي هيرزغوفيتش وفياً لأستاذه بواس من خلال اهتمامه الشديد بالعثور على “الأصول” الأفريقية للثقافات السوداء في القارة الأمريكية.وقاده موضوع دراسته  هذا إلى تركيز اهتمامه على ظاهرة التوفيقية الثقافية.وينطوي إبداعه لمجال جديد من مجالات البحث هو علم الأفريقيات الأميركية على مساهمة في جعل الآخرين يعترفون بحقائق المثاقفة باعتبارها حقائق أصيلة وجديرة بالاهتمام مثلها مثل الحقائق الثقافية المفترض أنها “صافية”.

وللأسباب نفسها،  كان روجيه باستيد الذي أدخل الدراسات المتعلقة بعملية المثاقفة في فرنسا خلال الخمسينات هو الذي فتح الإتنولوجيا الفرنسية المهتمة بالأميركان السود، وشكل هذا المجال مختبراً رائعاً لدراسة ظواهر تداخل الثقافات.وخصص باستيد أعمالاً هامة للثقافة الأفريقية البرازيلية، ووقف في وجه مقاربة دوركهايم حول  نشوء الثقافات وتطورها، والتي رأى فيها سبب تأخر البحث الفرنسي في مجال المثاقفة[باستيد، 1956]. وعلى الرغم من اهتمام دوركهايم بتجاوز الاتجاه العضوي  الذي يشبّه المجتمع البشري بالعضوية البيولوجية فقد استمر في الظن بأن تطور المجتمع البشري يقوم انطلاقاً من هذه العضوية.ويرى أن التغير الاجتماعي والثقافي ينتج بالأساس عن التطور الداخلي للمجتمع.والتغيرات الناجمة عن الخارج تبقى دون تأثير كبير على الطابع الخاص بكل مجتمع، ويبقى العنصر الحاسم في التفسير هو الوسط الداخلي.وبالتالي فإن المهمّ هو البحث عن الأصل الأول لأية سيرورة اجتماعية تنطوي على شيء من الأهمية في تشكل الوسط الاجتماعي الداخلي[….]إذ لو كان الوسط الاجتماعي الخارجي، إي ذلك الوسط المتشكل من المجتمعات المتماسة قادراً على إحداث أي تأثير، فلن يكون مؤثراً أبدا إلا على الوظائف التي هدفها الهجوم والدفاع، ولا يمكن، فضلاً عن ذلك، الإحساس بتأثيره إلا عن طريق الوسط الاجتماعي الداخلي[1958)، 1983، ص 111و115-116].

ومن جانب آخر، كان دوركهايم يقدّر أنه إذا كانت هناك  منظومتان اجتماعيتان شديدتي الاختلاف عن بعضهما، فلن يكون بينهما أي تداخل ثقافي.وهنا يضعف احتمال نشوء منظومة توفيقية:

“على وجه العموم، من المحتمل ألا تكون المسافة بين المجتمعات المركبة composantes كبيرة جداً ،  بعبارة أخرى، لا يمكن أن تقوم بينهما رابطة معنوية[(1985)، 1983، ص 85].

قد تكون مواقف دوركهايم النظرية قد أبعدت البحث الفرنسي إلى الأبد عن مسألة المواجهات الثقافية.وكان لا بد من لقاء روجيه باستيد بالعالم البرازيلي الأسود، أو لقاء جورج بالاندييه بالمجتمع الاستعماري في أفريقيا لكي تتم معالجة هذه المسألة أخيراً بالقدر الذي تستحقه، لكن هذا لم يتم إلا بعد الحرب العالمية الثانية.

اختراع مفهوم المثاقفة

من المؤكد أن ملاحظة وقائع الاحتكاكات بين الثقافات لا تعود إلى اختراع مفهوم المثاقفة، لكن هذه الملاحظة كانت تقوم في أغلب الأحيان بدون نظرية تفسيرية، وطالما كانت تسودها أحكام قيمة تتعلق بأثر هذه الاحتكاكات الثقافية.وكان عدد من المراقبين يعتبرون المزج الثقافي مثله  مثل المزج البيولوجي يشكل ظاهرة سلبية أي مرضية إلى حد ما.ولا يزال كثيرون اليوم يستخدمون عبارة “فرد” أو مجتمع غير متثاقف  acculturé للتعبير عن الندم والإشارة إلى خسارة لا تعوض..أما الأنثروبولوجيا فقد أرادت أن تتميز عن هذه المفاهيم السلبية أو الإيجابية للمثاقفة، وأن تمنح المصطلح مضموناً وصفياً بحتاً لا يقتضي اتخاذ موقف مبدئي من هذه الظاهرة.

يبدو أن كلمة “مثاقفة” قد نشأت منذ عام 1880 على يد بويJ. W. powel. والسابقة  a في كلمة  acculturation هي مشتقة من اللاتينية ad التي تدل على حركة تنم عن الاقتراب من..ومع ذلك كان لا بد من انتظار الثلاثينات من القرن العشرين  لنشهد نهوض تفكير منهجي حول ظواهر تلاقي الثقافات .وقاد هذا التفكير الأنثروبولوجيين الأميركيين إلى تعريف مفهوميّ لهذه العبارة، حيث لم يعد بعدها من الممكن قبول أي استخدام غير دقيق لها.وتعتبر الأنثروبولوجيا الثقافية أن ذكر عملية التثاقف يقود بالضرورة إلى تحديد نمط الثقافة المعني وكيفية نشوئها والعوامل التي قامت عليها، الخ…

مذكرة لدراسة المثاقفة

أمام ضخامة المعطيات التي تمّ جمعها حول هذا الموضوع،  قام مجلس البحث في العلوم الاجتماعية عام 1936 في الولايات المتحدة الأميركية بتكليف لجنة من أجل تنظيم البحث حول وقائع المثاقفة.وشكلت اللجنة من كل من : روبيرت ريدفيلد ورالف لينتون وميلفيل هيرسكوفيتش، وأصدرت ما اشتهر باسم مذكرة لدراسة المثاقفة عام 1936، وبدأت بعملية توضيح دلالي، ثم أصبح التعريف الذي وضعته معتمداً:

“المثاقفة هي مجموع الظواهر الناتجة عن احتكاك مستمر ومباشر بين مجموعات أفراد تنتمي إلى ثقافات مختلفة تؤدي إلى تغييرات في الأنماط الثقافية الأولية للجماعة أو الجماعات”

ورد في المذكرة أنه يجب تمييز المثاقفة عن “التغير الثقافي”،  وهي عبارة يستخدمها الأنثروبولوجيون البريطانيون على وجه الخصوص، لأن المثاقفة ليست سوى شكل من أشكال التغيّر الثقافي الذي ينشأ أيضاً لأسباب داخلية.واستخدام المصطلح نفسه للتعبير عن ظاهرتي  التغير الداخلي والتغيّر الخارجي يعني افتراض أن هذين التغيرين يخضعان إلى القوانين نفسها،  وهو أمر يبدو قليل الاحتمال.

من جانب آخر، علينا ألا نخلط بين “المثاقفة” وبين “التماثل” الذي يجب فهمه على أنه المرحلة النهائية من مراحل المثاقفة، وهي مرحلة يندر أن نصل إليها.وهي تقتضي غياب ثقافة الجماعة غياباً نهائياً واستبطان تام لثقافة الجماعة المهيمنة.

أخيراً، علينا عدم خلط “المثاقفة” بمفهوم “الانتشار”، إذ حتى لو كان هناك انتشار بلا احتكاك “مستمر ومباشر”من جانب، فليس هناك أبداً سوى وجه من عملية المثاقفة التي هي عملية أكثر تعقيداً.

المذكرة السابقة تشكل مساهمة حاسمة وثمينة لأنها تخلق مجال بحث نوعي وتجهد في تنظيمه من خلال دعمه بأدوات نظرية كاملة.وتقترح تصنيفاً للأدوات المتاحة بفضل التحقيقات التي تم إنجازها وتصنيفها للاحتكاكات الثقافية:

– تبعاً لوقوع الاحتكاكات بين المجموعات كلها أو بين سكان بأكملهم ومجموعات خاصة من سكان آخرين(البعثات التبشيرية، المستعمرين، المهاجرين ..)

-تبعاً لكون الاحتكاكات ودية أو معادية،

-تبعاً لكون هذه الاحتكاكات تقع بين مجموعات تتساوى في حجومها، أو بين مجموعات مختلفة الحجوم.

– تبعاً لكون هذه الاحتكاكات تقع بين مجموعات ثقافية ذات مستوى واحد من التعقيد أولاً.

– تبعاً لكون هذه الاحتكاكات تنشأ عن الاستعمار أو الهجرة.

بعد ذلك يتم فحص حالتي الهيمنة والتبعية  subordination المتتابعة والتي يمكن للمثاقفة أن تنشأ فيها، أي أشكال “اختبار”العناصر المُقترضة أو المقاومة ل”الاقتراض”وأشكال اندماج هذه العناصر في النموذج الثقافي الأصلي، وأخيراً الآثار الأساسية الممكنة الناتجة عن المثاقفة بما في ذلك ردود الفعل السلبية القادرة أحياناً على السماح بوجود حركات مثاقفة مضادة.

لقد عرف كل من هيرسكوفيتش ولينتون وريدفيلد كيف يبينون تعقيد ظواهر المثاقفة.ومن خلال لاحقة وسابقة كلمة  acculturation فإن المصطلح يدل بوضوح على ظاهرة ديناميكية وعملية في طور التحقق.وما ينبغي تحليله هو هذه العملية التي هي في طور الإنجاز وليس تحليل نتائج الاحتكاك الثقافي فقط.

التعميق النظري

في مقابل الفكرة التبسيطية والعرقية المركزية حول مثاقفةِ تقوم بدور “لمصلحة”الثقافة الغربية، المفترض أنها أكثر تقدماً، أدخل الأنثروبولوجيون الأمريكيون في تحليلاتهم مفهوم “المَيل أو الاتجاه  tendance الذي أخذه سابير عن اللسانيات لشرح أن المثاقفة ليست مجرد تحول من ثقافة لثقافة أخرى.و تغير الثقافة الأولية يتم عبر “انتخاب” عناصر ثقافية مٌقتَرضة وهذا الانتخاب يتم تلقائياًتبعاً “للميل أو الاتجاه” العميق للثقافة “المُقترِضة، وبالتالي فإن المثاقفة لا تسبب،  بالضرورة، غياب الثقافة “المقترضة” ولا تغيّر منطقها الداخلي الذي يمكن أن يبقى مهيمناً.

وقام هيرسكوفيتش بتعميق تحليله فاقترح مفهوماً جديداً يوضح  مختلف مستويات المثاقفة، وهو مفهوم “إعادة التأويل” réintéprétation  الذي يعرّفه على النحو التالي”

“العملية التي يتم من خلالها نسبة الدلالات القديمة إلى عناصر جديدة، أو التي من خلالها تقوم القيم الجديدة بتغيير الدلالة الثقافية للأشكال القديمة”
[1948]

بعد ذلك استخدمت الأنثروبولوجيا الثقافية هذا المفهوم بشكل واسع..ومع ذلك فإن أغلبية الباحثين، مثل هيرسكوفيتش نفسه، قد أشهروا الجزء الأول من التعريف باعتبارهم ورثة الثقافوية، إذ كانوا مهتمين بتوضيح الاستمرارية الدلالية للثقافات بما في ذلك التغيّر. ويمكننا رؤية تعزيز هذا المفهوم في الشكل الخاص الذي يمارس من خلاله شعب الغوكوركاما في غينيا الجديدة لعبة كرة القدم التي تعلموها من المبشرين، فهم لا يقبلون بإيقاف اللعبة إلا بشرط تعادل الفريقين، وبالتالي فقد تمتد هذه اللعبة إلى عدة أيام.وهم لا يمارسون كرة القدم لتأكيد روح التنافس بل لكي يحولوها إلى طقس هدفه تعزيز التضامن فيما بينهم(ك.ريتش، عن ليفي شتراوس[1963، ص10]).

لتوضيح عملية المثاقفة قام بارنيت الذي يستشهد به باستيد[1971،
ص 51] بتمييز” شكل” (التعبير الواضح) و”وظيفة السمات الثقافية و”دلالاتها”.وانطلاقاً من هذا التمييز يمكن الحديث عن ثلاثة انتظامات  régularités متكاملة:

كلما كان الشكل “غريباً”(أي بعيداً عن الثقافة المتلقية)، كلما سهل تلقيه،

يمكن نقل الأشخاص بسهولة أكثر من نقل الوظائف.ويؤكد بارنيت، خلافاً لما كان يظن مالينوفسكي، أن المتكافئات الوظيفية المفترضة التي تم إدخالها في ثقافة معينة، نادراً ما تستبدل بالمؤسسات القديمة بشكل فعّال.

مهما كان شكل السمة الثقافية ووظيفتها فستكون مقبولة ومندمجة بشكل أفضل، بحيث تكتسب دلالة منسجمة مع الثقافة المتلقية.وهنا نعثر على فكرة”إعادة التأويل” العزيزة على هيرسكوفيتش.

نظرية المثاقفة والثقافوية

نشأت نظرية المثاقفة عن بعض التساؤلات التي طرحتها الثقافوية الأميركية.أحياناً يتركز التحليل كثيراً على بعض “السمات “الثقافية  المعزولة ويبدو أنه ينسى،  مع ذلك، ما وضعه أنثروبولوجيو مدرسة”الثقافة والشخصية” أي أن الثقافة هي كل متكامل، أي منظومة.لأن الثقافة هي وحدة منظمة ومهيكلة ترتبط العناصر فيها ببعضها بعض، وأنه من المهم، كما تتمنى بعض الاتجاهات الإنسانية، الزعم باختيار المظاهر التي يفترض أن تكون “إيجابية” في ثقافة معينة لتركيبها مع مظاهر “إيجابية” لثقافة أخرى بهدف التوصل إلى منظومة ثقافية “أفضل” .وبمعزل عن أحكام القيمة التي تطرح سلسلة من القضايا و التي ينطوي عليها هذا الاقتراح، فإنه يبدو، بكل بساطة، غير قابل للتحقق.

من جانب آخر، هناك تركيز كبير من قبل بعض المؤلفين بمن فيهم هيرسكوفيتش، على ما يسمونه ب”البقاء” الثقافي  survivance culturelle أي عناصر الثقافة القديمة التي حافظت على نفسها كما هي في الثقافة الملفقة، يمكن أن تؤدي إلى نوع من طبعنة  naturalisation الثقافة وذلك بعد جهد جهيد للبرهنة بأي ثمن على استمرارية الثقافة على الرغم من التغيرات الظاهرية.والواقع أن الثقافة تبدو،  عندئذ، مفهومة على أنها “طبيعة ثانية” بالنسبة للفرد –غالباً ما استخدم هذا المصطلح –يمكنه التخلص من طبيعته البيولوجية.وانصب اهتمام الدراسات اللاحقة المتعلقة بالمثاقفة على توزيع هذا التماثل بشكل نسبي بين الثقافة والطبيعة  وإبراز أهمية  ظواهر الانقطاع في عملية المثاقفة.

وفضلاً عن هذا، فإن بعض الدراسات الأنثروبولوجية المتعلقة بهاتين العمليتين تقع على النقيض مما يسميه باستيد ب” الاتجاه النفساني”.وقد أصاب الأنثروبولوجيون في تشديدهم على كون أن الأفراد هم الذين يحتكّون ويتصلون ببعضهم بعض وليس الثقافات.والواقع أنّه لا ينبغي علينا تشييء  الثقافة لأنها ليست أكثر من مجردات.لكن هؤلاء الأفراد، ينتمون إلى مجموعات اجتماعية مستقلة استقلالاً شديداً.وبالتالي  لا يمكننا فهم مقتضيا تهم في عملية المثاقفة بالرجوع إلى علم النفس الفردي فقط.، إذ لا بد أيضاً من أخذ الضغوط الاجتماعية التي يرزحون تحت وطأتها  بعين الاعتبار .وإذا أردنا الاكتفاء، مهما كلف ذلك، بتحليل عبارات الشخصية، فعلينا ألا ننسى السياق الاجتماعي والتاريخي الذي يؤثر على الشخصيات المفردة[باستيد، 1960، ص 318].

إن تحليلات لينتون وكاردينر حول الشخصية الأساسية تسمح بتجاوز التوجع النفسي الأكثر اختزالاً والذي كان يكتفي بدراسة الأسس النفسية للوقائع الثقافية.وجاهد إيرفينغ هالويل، بعد أن وضع نفسه ضمن رؤية المؤلفين السابقين، من أجل توضيح أن تغيرات الشخصية خلال الجيلين الأول والثاني للأفراد الموجودين في حالة تثاقف، (هذه التغيرات)تبقى سطحية؛ولا يصيب التغيّر الشخصية الأساسية إلا في الجيل الثالث[1952].

روجيه باستيد والأطر الاجتماعية للمثاقفة:

في فرنسا، لا يمكن لمهتم بظواهر المثاقفة إلا الرجوع بشكل أو بآخر إلى روجيه باستيد(1898-1974) الباحث في الثقافة الأفرو_أميركية وألأستاذ في جامعة السوربون.وهو الذي كان،  إلى حد كبير، وراء التعريف بالأنثروبولوجيا الأميركية المتعلقة بالمثاقفة، كما كان وراء تحقيق الاعتراف بميدان هذا البحث كمجال أساسي من ذلك الفرع المعرفي.وفي الوقت الذي يشير فيه باستيد إلى فضائل الرواد الأميركيين إلا أنه يجهد في عدد كبير من أعماله،  من أجل تجديد دراسة المثاقفة.

ربط الاجتماعي بالثقافي

بما أن باستيد درس علم الاجتماع والأنثروبولوجيا فقد انطلق من فكرة أنه لا يمكن دراسة الثقافي بمعزل عن (الوضع) الاجتماعي.وهو يرى أن النقص الكبير في الثقافوية الأميركية حول الدراسات المتعلقة بالمثاقفة يكمن في غياب الربط بين الثقافي والاجتماعي[1960، ص317].في الثقافوية، يكمن خطر اختزال الوقائع الاجتماعية إلى وقائع ثقافية(وبالعكس، يمكن القول أن في ما يمكن تسميته ب”التوجه الاجتماعي“يكمن خطر اختزال الوقائع الثقافية إلى وقائع اجتماعية).وبالتالي علينا دراسة العلاقات الثقافية في داخل مختلف أطر العلاقات الاجتماعية التي يمكن أن تعطي الأولوية لعلاقات الاندماج والمنافسة والصراع الخ، .وعلينا أن نعيد وضع حقائق التلفيق والمزج الثقافي أي التمثّل assimilationفي إطار التنظيم أو عدم التنظيم الاجتماعي.

ويأسف باستيد لأن الثقافوية تشكو من الخلط بين مختلف مستويات الواقع وبين الجهل بالجدل المتناوب الذي يبدأ بالبنى الفوقية وينتهي بالبنى التحتية .على الرغم من أن هذا الجدل هو الذي يسمح بتفسير ظاهرة التفاعل المتسلسل المعروفة جيداً في عملية المثاقفة.إن أي تغير ثقافي ينتج آثاراً ثانوية غير متوقعة ولا يمكن تجنبها حتى لو لم تكن متزامنة.

ونسوق هنا مثالاً واحداً.إن دخول المال مع الاستعمار  إلى المجتمعات التقليدية الأفريقية لم يؤد إلى تغيير المنظومات الاقتصادية القائمة على التبادلية(عطاء/عطاء مقابل) فحسب،  وإعادة التوزيع. وتسبب هذا الاستعمار ببلبلة أصابت جوانب أخرى لا سيما في منظومة المبادلات الزواجية. فللحصول على زوجة تقول القاعدة المعتادة أنه ينبغي تسليم عائلة الخطيبة تعويضاً زواجياً (بعض رؤوس الماشية مثلاً في بعض المجتمعات) وذلك وفقاً للمنطق القاضي بتقديم عطاء مقابل العطاء. لأن المال حينما يسيطر على العطاء المقابل العيني فهو يغير بنية التبادل بشكل عميق: جمع المبلغ اللازم لدفع” ثمن  الخطيبة” لم  يعد يتطلب تعاون جماعة الأقارب كلها (خلافاً لما يحدث عند تشكيل القطيع)وبالتالي أصبح الزواج قضية فردية واتخذ،  بالتدريج،  شكل مساومة اقتصادية فقط وليس  مساومة كانت اجتماعية بالأساس(تقليدياً،  كانت أولى غايات التبادل الزواجي هي التحالف بين مجموعتين من الأقرباء).في بعض الحالات فإن الزوجات اللواتي يقمن بجمع المال بأنفسهن من خلال ممارستهن التجارة أو العمل اليدوي،  يمكنهن ترك أزواجهن بيسر أكبر لأنهن أصبحن قادرات على رد التعويض الزواجي.وبالتالي ازدادت حالات الانفصال (بينما كانت إحدى وظائف التعويض الزواجي التقليدي هي تأمين استقرار الزواج).وحينما وجد المبشرون أنفسهم إزاء ما كانوا يعتبرونه إساءة مزدوجة لمبادئ الأخلاق (“شراء الزوجة” و”عدم الاستقرار الزوجي”) حاولوا إلغاء عرف التعويض الزواجي.لكن النتيجة خالفت توقعاتهم: فمن جهة، كان الأزواج يعتبرون أنفسهم شبه متزوجين، ومن جهة ثانية، فقد سهل على الزوجات المتحررات من واجب إعادة التعويض،  الحصول على الطلاق وتغيير الشريك باستمرار.

إن وقائع المثاقفة تشكل “ظاهرة اجتماعية شاملة” على حد قول مارسيل ماوس، ويتبناه روجيه باستيد أيضاً.فهذه الوقائع تلامس مستويات الواقع الاجتماعي والثقافي كله.لذا، فلا يمكن تحديد التغير الثقافي بشكل مسبق ولا بشكل أفقي في داخل المستوى الواحد، ولا بشكل عمودي بين محتلف المستويات.وهذا ما يفسر بعض أوهام المبشرين في الماضي، الذين لم يكونوا يتمنون سوى مثاقفة جزئية للسكان الأصليين أو عملاء التطوير الاقتصادي اليوم، فمثلاً، تشجيع نقل التقنيات المسماة ب”الناعمة أو الخفيفة” بهدف احترام” ثقافة بلد متخلف يمكن أن تكون له، عند حد معين،  آثار هدامة كالآثار التي يتركها نقل التقنيات “الثقيلة” المفترض أنها أشد فتكاً، لأن السلسلة الفاعلة التقليدية كلها قابلة للتغلب في الأحوال كلها ويتبعها تغير العلاقات الاجتماعية المرتبطة بها.

تصنيف حالات الاحتكاكات الثقافية:

لكي يضع باستيد تصنيفاً خاصاً به فقد استعاد الفكرة الأميركية الشمالية حول التصنيف اللازم لمختلف أنماط المثاقفة من أجل تجنب الوصف البحت أو الهروب من التعميم المبالغ فيه في الوقت الذي يتعلق الأمر فيه بعملية بالغة التعقيد.وبقي باستيد أميناً للمبدأ الذي وضعه لنفسه فأدخل فيه الأطر الاجتماعية التي تتم فيها المثاقفة.

وقدم باستيد تعاريف ل”حالات”متنوعة للاحتكاك ومنها الحالة “الاستعمارية” التي حددها جورج بالاندييه  عام 1955.لكن باستيد خالف هذا الأخير الذي كان متسرعاً في تأكيده على أن الأنثروبولوجيا الثقافية لم تكن تأخذ بعين الاعتبار الحالات الاجتماعية، ويذكرنا باستيد أن المذكرة قد تطرقت إلى هذه المسألة في حد ذاتها[1968، ص106).لكن هذا الجزء من برنامج البحث الذي كانت المذكرة تتوقعه لم يتطور بشكل ملحوظ في الولايات المتحدة.ومن المهم أخذ الحالات الممكنة بعين الاعتبار سواء على صعيد المنهج أم على صعيد المفهوم الذي تكون في أذهاننا حول المثاقفة(كظاهرة عامة) والذي يرتبط، في أغلب الأحيان، ب”الحالة”الخاصة التي ندرسه فيها.

ولدى تحليل أية حالة من حالات المثاقفة لا بد من النظر إلى المجموعة المعطية وإلى الأخرى المتلقية.فإذا التزمنا هذا المبدأ سرعان ما نكتشف أنه لا يوجد ثقافة “معطية”فقط، ولا ثقافة “متلقية” فقط بشكل دائم.المثاقفة لا تكون أبداً أحادية الاتجاه.ولهذا اقترح باستيد مصطلح”التداخل الثقافي المتبادل” أو تقاطع الثقافات بدلاً من مصطلح “المثاقفة” الذي لا يشير بوضوح إلى تبادلية هذا التأثير مع أنها نادراً ما تكون متناظرة.وبالتالي يضع باستيد ثلاثة معايير أساسية، الأول عام والثاني ثقافي والثالث اجتماعي[1960، ص 325].المعيار الأول هو وجود أو غياب التعامل manipulation مع الواقع الثقافي والاجتماعي.وهنا تنشأ ثلاث حالات نمطية:

*حالة مثاقفة “عفوية”، “طبيعية”، حرة” (ولا تكون الحالة كاملة أبداً في الواقع)وهذه المثاقفة لاتكون موجهة ولا مضبوطة”.ويعود سبب التغير في هذه الحالة إلى مجرد الاحتكاك ويتم، بالنسبة لكل من الثقافتين المعنيتين، وفق منطقها الداخلي الخاص بها.

*حالة مثاقفة منظمة، لكنها قسرية وتتم لمصلحة جماعة واحدة كما في العبودية والاستعمار.وهنا تكون الإرادة أداة تغيير لثقافة المجموعة الخاضعة على المدى القصير بهدف إخضاعها لمصالح المجموعة المسيطرة، وتبقى المثاقفة جزئية، وفي أغلب الأحيان تنتهي إلى الفشل(من وجهة نظر المسيطرين)بسبب تجاهل الحتميات الثقافية.وغالباً ما يكون هناك انتزاع للثقافة بدلاً من المثاقفة.

*حالة ثقافة مخططة ومضبوطة ترمي إلى أن تكون منتظمة تنظر إلى المدى البعيد.ويتم التخطيط انطلاقاً من معرفة مفترضة بالحتميات الاجتماعية والثقافية.في النظام الرأسمالي يمكن لهذا التخطيط أن يؤدي إلى” استعمار جديد “.و النظام الشيوعي يزعم بناء “ثقافة بروليتارية” تتجاوز “الثقافات الوطنية”وتشملها.ويمكن للمثاقفة المُخَطّطة أن تنشأ بناء على طلب مجموعة تتمنى رؤية تطوير شكل حياتها لتشجيع تطورها الاقتصادي
على سبيل المثال.

المعيار الثاني ذو طابع ثقافي وهو معيار نسبية التجانس والتنافر بين الثقافات المتواجهة.وأخيراً المعيار الثالث ذو طابع اجتماعي، وهو نسبية انفتاح أو انغلاق المجتمعات المتماسة.وستكون هذه المجتمعات أقل عرضة للمؤثرات الثقافية الخارجية حسبما تكون المجتمعات ذات طابع اجتماعي قليل أي ذات تمايز اجتماعي قليل، أو بمجتمعات تتسم بالفردية والتنوع.

وإذا والفنا بين المعايير الثلاثة فسنحصل على اثني عشر نمطاً من حالات الاحتكاك الثقافية، نرى في كل منها  مظهراً عاماً شبه سياسي له وجه ثقافي وآخر اجتماعي معينين.

محاولة لتفسير ظواهر المثاقفة

لم يقف باستيد عند تصنيف ظواهر المثاقفة،  بل سعى أيضاً إلى تفسيرها عبر تحليل مختلف العوامل التي من شأنها القيام بدور في عملية المثاقفة، دون إغفال العوامل غير الثقافية[ 1960، 326].يمكن للعوامل المختلفة  أن يعزز  أو يحيّد بعضها البعض الآخر بشكل متبادل.وإذا اكتفينا بالمتغيرات الأكثر تحديداً فسنقف عند المتغيرات التالية:

العامل السكاني: في المجموعات المتواجهة، نتساءل :من هي المجموعة الغالبة عددياً ومن هي الأقل عدداً؟.لكن علينا ألا نخلط بين الأغلبية الإحصائية والأغلبية السياسية.ففي الحالة الاستعمارية مثلاً، نرى أن الأغلبية الإحصائية تشكل أقلية على الصعيد السياسي.وهناك وجه آخر للعامل السكاني وهو بنية الشعوب المتماسة.

نسبة الجنس والهرم العمري، إذ ترى سكاناً يتكونون من غالبية عازبة(كما في غزو الأمريكتين أو في بعض أنماط الهجرة) أو العائلات المتشكلة، الخ.

العامل البيئي: أين حصل الاحتكاك؟في المستعمرات أم في المدن؟في وسط ريفي أم في وسط مديني؟

العامل العرقي:ما هي بنية العلاقات البَيْعُمرية؟هل نحن إزاء علاقات هيمنة/خضوع؟وما هو نمطها:هل هي “أبوية” أو “تنافسية” (وهل آثارها متعارضة)؟

المهم في دراسة مختلف العوامل هو اهتمامنا الكبير بمختلف البنى الممكنة للعلاقات الاجتماعية لأن العوامل المذكورة تعمل من خلالها.

ثم وضع باستيد نفسه في مستوى آخر من التفسير الأكثر تجريداً، فأدخل عام 1956 فكرة العلّتين les deux causes  اللتين تدخلان في علاقة جدلية في أية عملية مثاقفة وهما العلة الداخلية والعلة الخارجية.ولم يكن باستيد أول من ذكر هاتين العلّتين لكن مساهمته الشخصية تكمن في تشديده على إثبات الفعل المتبادل الدائم بينهما.فالعلة الداخلية لثقافة معينة هي طريقة عملها الخاصة،  أي منطقها الخاص بها.وقد تُشجّع أو تعرقل أو تمنع  التغيرات الثقافية الخارجية.وبالتناوب فإن العلة الخارجية المرتبطة بالتغير الخارجي المنشأ لا تعمل إلا من خلال العلّة الداخلية.

هذه العلة المزدوجة هي التي تفسر ظاهرة النتائج المتتابعة المذكورة أعلاه.وهناك سبب خارجي يسبب تغيراً في مرحلة ما من الثقافة.وهذا التغير تمتصه تلك الثقافة تبعاً لمنطقها الخاص ويسبب عودة متتالية لعملية الضبط.وبتعبير آخر، العلة الخارجية تحرّض العلة الداخلية لأن كل منظومة ثقافية تصاب في نقطة معينة ستعمل للبحث عن تجانس معين.

يعترف باستيد أن دوركهايم كان مصيباً في تشديده على أهمية الوسط الداخلي، لكنه اختلف معه في إظهار دور الوسط الخارجي لاسيما علاقته الجدلية بالسابق.

وجدلية الديناميكيتين الداخلية والخارجية تؤدي إلى بناء ثقافي جديد يمكن أن تهيمن فيه العلة الداخلية حينما يبقى التغير سطحياً، أو تنتصر فيه العلة الخارجية إذا كانت هناك محاكاة ثقافية.

تجديد مفهوم الثقافة

لقد جددت الأبحاث الجارية على عملية المثاقفة، بشكل عميق، مفهوم الباحثين في ميدان الثقافة.فاعتبار العلاقة الثقافية المتبادلة والحالات التي تتم فيها قادت إلى وضع تعريف ديناميكي للثقافة.

بل وانقلب المنظور:فلم نعد ننطلق من الثقافة لفهم المثاقفة، بل من المثاقفة لفهم الثقافة.فليس هناك ثقافة في “حالة صافية” مشابهة لنفسها باستمرار دون أن تشهد القليل من التأثيرات الخارجية.وعملية المثاقفة ظاهرة عالمية حتى لو شهدت أشكالاً ودرجات متنوعة.

العملية التي تشهدها ثقافة معينة في وضع تماس ثقافي، أي عملية تفكك بنيتها ثم إعادة بناء تلك البنية، هي في الواقع،  نفس مبدأ تطور أية منظومة ثقافية وأية مثاقفة هي عملية دائمة من التفكك والبناء وإعادة البناء، أما الذي يتنوع فهو أهمية كل مرحلة تبعاً للحالات.وربما علينا استبدال كلمة  culture(ثقافة) ب (تثقيف) culturation  التي تتضمنها كلمة (مثاقفة) acculturation  بهدف الإشارة إلى هذا البعد الديناميكي للثقافة.

لذا بين باستيد أن دراسة مرحلة التفكيك deconstruction  تُعدّ أيضاً مرحلة هامة من وجهة النظر العلمية لأنها غنية بالعبر كغنى مرحلة إعادة البناء باعتبارها تكشف عن أن مرحلة نزع الثقافة   déculturation ليست بالضرورة، ظاهرة سلبية تؤدي حتماً إلى تفكيك الثقافة  décomposition de la culture .

إذا كانت عملية نزع الثقافة يمكن أن تكون نتيجة لتلاقي الثقافات فيمكنها أيضاً أن تكون سبباً في إعادة البناء الثقافي.وهنا أيضاً،  يستند باستيد إلى الحالة المثالية لأنها حالة حدية(نهائية)، وهي حالة الثقافات الأفرو-أميركية .فعلى الرغم من،  أو بالأحرى، بسبب عهود العبودية، أي عهود التفكك الاجتماعي والثقافي الذي كاد أن يكون مطلقاً لأن زنوج الأمريكتين قاموا بخلق ثقافات أصيلة وديناميكية.

وهنا يخالف باستيد ليفي شتراوس وفكرته حول مفهوم البنية الذي يرى فيه مفهوماً شديد السكونية.وعوضاً عن الحديث عن بنية فينبغي الحديث عن بناء  structuration  و”تفكيك بناء”  déstructuration  و ” إعادة بناء”  restructuration .الثقافة هي “بناء” تزامني” يتكون كل لحظة من خلال هذه الحركة الثلاثية.ويتفق ليفي شتراوس مع نظريته البنيوية هذه، لذا تجد رؤيته متشائمة حول ظواهر نزع الثقافة في المجتمعات الخاضعة للاستعمار.وهو يعد أن نزع الثقافة هذا لا يؤدي إلا إلى “الانحطاط”الثقافي، وهو “عَرَضُ” لمرض مشترك بين [ المجتمعات المنزوعة الثقافة] كلها:

“في الوقت الذي تتفكك فيه المجتمعات كلها فهي، رغم اختلافها، تلتقي عند حالتها الأصلية.وهناك ثقافات ميلينيزية وأفريقية وأميركية.الانحطاط ليس له سوى شكل واحد( استشهد بها باستيد [ 1956، ص 85]).

يصح في بعض الحالات أن تتمكن عوامل النزع الثقافي من الهيمنة لدرجة تمنع معها أي إعادة بناء ثقافي.ويمكن لبقايا متناثرة من الثقافة الأصلية أن تتعايش مع المساحات الجزئية للثقافة المنتصرة، لكن ليس هناك علاقة بنيوية بينهما، وتضيع الدلالات العميقة لهذه العناصر بشكل نهائي .وهذا الكل غير المتجانس لا يشكل منظومة.والهدم الذي لا يترافق مع إعادة بناء ممكنة يؤدي إلى الضلال أي ضياع الأفراد، وهو ضياع يتبدى على شكل أمراض عقلية أو تصرفات منحرفة.

ومع هذا لا يكون النزع الثقافي (الهدم) إلا المرحلة الأولى من مراحل إعادة التكوين الثقافي الذي سيكتسب  فيما بعد أهمية معينة.فأحيانا نشهد تبدلاً ثقافياً حقيقياً، أي أن الانقطاع يتغلب على الاستمرارية.في هذه الحالة، يتحدث باستيد عن “مثاقفة شكلية” لأنها تصيب “أشكال”الحياة النفسية أي بنى اللاوعي التي تتأثر بالثقافة.في الحالة الأخرى تسمى المثاقفة ب”المادية” أي أنها لا تصيب سوى مضامين الوعي النفسي الذي يشكل “مادتها”  (مثل القيم والتصورات) ويندرج في إطار الوقائع المدرَكَة  مثل نشر سمة ثقافية معينة أو تغير طقس من الطقوس أو إشاعة أسطورة معينة الخ.[ باستيد، 1963].

هذا التمييز يسمح بفهم أفضل لبعض الظواهر لا سيما تلك المسماة بظواهر “المثاقفة المضادة” كالحركات الميسيانية والأصولية.وعموماً كل محاولات “العودة إلى الأصول” .وقد بيّن التحليل أن الثقافة المضادة لا تنتج إلا حينما تكون عملية النزع الثقافي شديدة العمق بما يكفي لمنع مجرد أية إعادة إبداع للثقافة الأصلية.وغالباً ما تقترض حركات المثاقفة المضادة، دون وعي منها،  نماذجها التنظيمية وحتى منظومات التمثل اللاواعية من ثقافة مسيطرة تزعم، رغم ذلك،  أنها تحاربها.المثاقفة المضادة هي دائماً تقريباً رد فعل يائس على المثاقفة الشكلية.قد يجهد المرء في سبيل الأفرقة أو “العربنةarabisation) والعودة إلى “الأصالة” الأولية، لكننا بهذا لا نقوم إلا بالحد من آثار المثاقفة المادية.أما المثاقفة المضادة الشكلية فهي مستحيلة.إذ لا يمكن فرضها ولا تنجم عن إرادة واعية.للثقافة المضادة لا تعني العودة إلى الأصول-وهو ما تتمناه- بل هي نمط من بين أنماط أخرى من البناء الثقافي الجديد، وهي لا تنتج القديم بل الجديد.

وبالتالي فقد قادت الدراسات المتعلقة بوقائع المثاقفة إلى إعادة النظر في مفهوم الثقافة وأصبحت الثقافة من الآن فصاعداً مجموعة ديناميكية متماسكة نوعاً ما(لكن ليس تماماً) ومتجانسة إلى حد معين.العناصر التي تتكون منها ثقافة معينة لا تندمج دائماً ببعضها تماماً لأنها ذات مصادر متنوعة في الزمان والمكان.وبعبارة أخرى، هناك “فراغ” في المنظومة مع أنها منظومة بالغة التعقيد.هذا الفراغ هو الفجوة التي تنزلق عبرها حرية الأفراد والجماعات من أجل “إدارة “الثقافة.

وبالتالي ليس هناك ثقافات” نقية” من جهة  وأخرى “مختلطة” من جهة أخرى.فكلها ثقافات “خليطة” بدرجات متفاوتة تشكلت من الانقطاعات والاستمرار لأن الاحتكاك الثقافي هو حقيقة عامة.وغالباً ما يكون هناك انقطاع بين ثقافتين دام التماسّ بينهما أطول من الانقطاع الذي حدث بين حالات منظومة ثقافية واحدة إذا نظرنا إليها عبر مراحل متميزة من تطورها التاريخي.وبتعبير آخر، كما بيّن باستيد،  علينا البحث عن الانقطاع الثقافي في الترتيب الزمني أكثر منه في الترتيب المكاني.والاستمرارية الأكيدة لثقافة معينة تتعلق في الأغلب بالإيديولوجيا أكثر من تعلقها بالواقع.وما أن تترسخ هذه الاستمرارية المزعومة حتى يتفجر الانقطاع في الوقائع، حيث في لحظات الانقطاع يكون خطاب الاستمرارية عبارة عن “إيديولوجيا تعويضية”[باستيد، 1970].

إن التشبث بتمييز الثقافات من خلال اعتبارنا لها كماهيّات منفصلة، قد يكون مفيداً من الناحية المنهجية وينطوي على قيمة كشفية  heuristique أكيدة في تاريخ الاتنولوجيا من أجل التفكر في التنوع الثقافي.أين تبدأ وأين تنتهي هذه الثقافة أو تلك؟إن التساؤل حول هذه المسألة هو تساؤل عن “السلّم”المناسب لدراسة الثقافات ووضعها كما يقول ليفي شتراوس:

“الثقافة هي كل مجموعة إتنوغرافية، كما يبين التحقيق الميداني، تقدم انزياحات دالة بالنسبة للثقافات الأخرى.وإذا سعينا لتحديد الانزياحات الدالة بين أمريكا الشمالية وأوروبا فسنعالجها كثقافات مختلفة.لكن على فرض أن الاهتمام ينصب على انزياحات دالة لنقل بين باريس ومرسيليا فهذان المجموعان الحضريان من شأنهما أن يكونا وحدتين مستقلتين بشكل مؤقت.[..]ومجموعة الأفراد نفسها، إذا ما نظر إليها في الزمان والمكان، تنشأ في الوقت نفسه عن عدة منظومات ثقافية:منظومة عالمية، منظومة قاريّة، منظومة وطنية، منظومة ريفية، منظومة محلية الخ.وعائلية ومهنية ودينية وسياسية الخ[1958، ص 325].

ليس هناك انقطاع حقيقي بين الثقافات المتواصلة مع بعضها تدريجياً،  على الأقل في داخل حيز اجتماعي معين.الثقافات الخاصة ليست غريبة أبداً عن بعضها بعض .حتى حينما تتفاقم اختلافاتها لتترسخ بشكل أفضل ولكي تتميز عن بعضها بعض.وعلى هذا الثبت أن يقود الباحث لاعتماد مسعى يتسم ب”الاستمرارية”ويشجع البعد العلائقي الداخلي والخارجي للمنظومات الثقافية المتواجهة[أمسيل، 1990].

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий