Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > دراسة سوسيو-أنثروبولوجية لـ”حكاية بقرة اليتامى” – الجزء الربع و الأخير

دراسة سوسيو-أنثروبولوجية لـ”حكاية بقرة اليتامى” – الجزء الربع و الأخير

الباحث سليم درنوني

ثالثا: الدراسة الأنثروبولوجية للحكاية

1)     البعد الثقافي للحكاية:

نقلت الروايات المختلفة لهذه الحكاية تفاصيل الحياة اليومية المعيشة لسامعيها ، والتي استمدت منها شواهدها، فالحكاية بدون ملامح وخصائص مجتمعها، تفقد حيويتها وعلاقتها المتواشجة مع مُتلقيها، كما استطاعت أن تجمع بين بيئة تعيها، وخطوط مشتركة لخصائص جماعة تمازجت، وتداخلت مع ذات البيئة، والمقصود هنا علاقة الأخذ والعطاء، بين مجتمع البدو والحضر، الرُحل والمستقريـن، الرعاة والمزارعين مثلا، بالإضافة إلى بيئة ثالثة سمعت عنها فيما تواتر وتناقل عن جماعة مرت في سفرها وترحالها وأبقت بعضاً من سماتها وملامحها، وقد انعكست تلك الثقافة من خلال ذكر الراوية لأسماءِ مواقعَ جغرافية أو مكانية مُحددة في نهر، أو عين (منبع ماء)، مقبرة، مرعى…ضمن أجواءِ حكايتهم التي حوت ما أَلفوه من أمكنةٍ معروفة ونباتات، وحيوانات، وتقاليد ملبس ومأكل وممارسات شعبية في الأعياد والمناسبات فرحا وحزنا.

غرست الحكاية من خلال رواياتها المختلفة والمتعددة، ووفق قيم وموروثات اجتماعية الصورة النموذجية المرغوبة في شخصية الرجل والمرأة والتي ينبغي أن يتشربها سامعوها، فالرجل السيد الشجاع، الفارس المقدام المدافع ، يذود عن أهله وعشيرته، العامل المجد، التاجر الناجح الموفق في تجارته، ويظهر ذلك من خلال شخصية السلطان، وقد ينقلب الأمر ليصبح الرجل خاضعا تابعا مؤتمرا بأوامر الزوجة، كما يظهر ذلك أيضا من خلال شخصية الزوج المطيع لزوجته الشريرة والتي دفعته إلى تشريد عائلته. أما المرأة المرغوبة، وذات الصفات النمطية التي أسبغتها عليها الثقافة والتوارث العرفي مثل صفات الكيد والغدر والجهل والضعـف، إنها في هذا العرف الثقافي كائن ضعيف ناقص وقاصـر، جعل من صـورة المرأة الراضية المَرضِية المُنقادة والتابعة الصموتة، المـؤدبة الخجولة والعاجزة عن حل إشكالاتها الحياتية، وإذا ما حاولت فالخطأ هو النتيجة، وإذا ما ارتكبت محظورا اجتماعيا منافيـا للأخلاق يشاركها الرجل في فعلتها، تصبـح الرذيلة والعقاب القاسـي مسؤليتهـا وحدها، وهي إشـارة إلى أن المـرأة ( تصفُ جِنسهـا وتصورهُ حسب الصورة التي اصطنعهـا الرجل)[1]

التزمت رواية الحكاية المحاذيرَ والضوابطَ الاجتماعية التي سادتْ في زمنها، والمُرتبطة بقانونٍ أو دستورٍ شعبي غيرِ مُوثـق يسمى بالعرف، لكن مخالفتهُ والإخلال بالنظام الاجتماعي المألـوف والمُتعـارف عليه، يجعلُ الفردَ عُرضـةً للعقاب النفسي والبدني أحيانـا وقد عرضت في الحكايـات وبواسطـة الراويـة نمـاذج لتلك العقوبات التطهيرية وإن عكست في بعضٍ منها ما يُجدر لسلوكياتِ الخوفِ والجبن والرضـوخ والاستسلام تجاه سُلطات دينية كالولي والفقيـه ، أو سلطات سياسية كالسلطان والحاكم ، أو سلطة اجتماعيـة مُمثلة فـي الأب أو العم وقد يكون الخال، في سبيل تأكيد غلبة قوى دينية أو سياسية أو اجتماعية على بقية أفراد المجتمع.

أدت رواية الحكاية دورا نقديا لبعض من السلوكيات التي تناقض القيم الأخلاقية الدينية التي تمس حقوق وقيمة الإنسان، داعية للعدل والمساواة، فقد حملت رواية الحكاية على عاتقها نبش مخلفات اجتماعية موروثة، تُفرق بين الغنى والفقير بين السيـد والخادم الأبيض والأسود، التمايز الطبقي والعنصري، الخير والشرير، كما أن وعى بعض الراويات اللائي اشتهرن بالحكي والقص والمبدعات كان دافعا لطرح المظالم الاجتماعية التي عانين منها كأفضلية الرجال على النساء، فتبرز المرأة في الحكايات قادرة على أن تفعل ما يفعله الرجل، بل وتتفوق عليه أحيانا في أعمال الزراعة والرعي بل وحتى التجارة، أو تحمل مسؤولية أسرتها في غياب الأب أو الأخ، وتتخذ قرارها عند اختيار شريك حياتها.

2)     الجو الطقوسي للحكاية:

لقد ذكرنا فيما سبق أثناء إشارتنا إلى سياق الحكاية أن هناك جوا طقوسيا يحيط بعملية سرد الحكاية، فمعايشتنا لهذا الجو الطقوسي الذي تروى فيه هذه الحكاية وغيرها من الحكايات الخرافية، تجعلنا نعيشه بكل جوارحنا، ونشعر بتلك القداسة التي تضفى على راوي الحكاية. فالراوية هنا هي جدة الجميع، وهي أم للجميع، ويحترمها الجميع…يطلق عليها محليا أسم«لاله». وهذا الإسم يضفى أيضا على بعض القمم الجبلية العالية كقمة شليا التي تسمى بـ «لاله كلتوم» و قمة جرجرة التي تسمى بـ«لاله خديجة»، كما يطلق على بعض الأشجار المقدسة مثل ما نجد في منطقة عين الدراهم ناحية (فريانة) بتونس شجرة عملاقة يسميها السكان المحليون بـ«لاله فرنانة»[2]. ثم تنصح الجدات بعدم تداول الحكاية في النهار بحجة أن من تداولها نهارا يصاب بمرض الجرب، كما أن من شروط روي الجدة للحكاية أن تجلس هي وأحفادها في حلقة حول الموقد أو الكانون الذي يوضع فيه الجمر في وسط المنزل أو وسط الخيمة، والموعد هو الليل، وكأن الليل هو مُستـودع الحكايـات ، فلا تظهـر إلا فيه، حيث تقوم بمُسامرة أحفادها وكل من يستمع إليها، تبعث فيهم المتعة والإفادة في آن واحد، وبقدرتها الفنية الإبداعية تُحول الروي والسرد إلى لُعبة مشوقة، يتعاطاها طرفان : طرف يتكلم ويتحرك ويومئ ويقلد وأحيانا يغني، وأمامـه طرف ثـان يُنصت ويتعجب، ويقترب ويبتعد ويندمج، حينها تشحنُ مُخيلته وعقله بفطنتها الفطرية العفوية، وبلغتها العامية البسيطة، لتبلغ هدفها الوعظي الإرشادي.

التشكيل الفني الجمالي الذي يميز سردية الحكايات الخرافية أو الشعبية، وهو الجذب والتشويق والتأثير في السامعين عند توصيل الفكرة المرغوبة، أو المنبوذة، والتي تتعدد صورها بدءاً من اللهجة العامية، وسيلة الاتصال بين الراوية ومستمعيها والمنطلقة من جذور محلية بمفرداتها الانسيابية البسيطة، وبما حوته من سجع، وتورية، واستعارة وترادف وتعدد ألفاظ للمعنى الواحد والتكرار التوكيدي، ومفردات التودد، والتعجب والتحسر والتوجع بتغير نغمـة الصوت وتقمص الأدوار المختلفة، والحوار الفردي والثنائي، والانتقـال من  نظـام تعبيـرٍ لساني شفـوي، إلى نظام تعبيرٍ جسدي وحسي،  في حين تأكيد مشهدية الحدث بالإشارة والإيماءة ، كما يدخل في التشكيل الفني الجمالي للحكايات الشعبية احتواؤها على الأمثال الشعبية التي تحمل قولا مأثورا أو حكمةً تتوافق مع الحدث الواقع، كما لعبت الأغنيةُ المُرتجلة والتي تؤديها الراوية منغمةً عنصرَ جذبٍ للسامعين، وفي الأبياتِ المنظومة كسرٌ لرتابة السرد، وتواصلٌ لما هو سائد من وجود الأغنية في الواقع المعيش، حين تُشيع الفرح والبهجة في المُناسبات المُختلفة، أو تُحمس على العمل أغاني الحصاد، أعمال البناء، أغاني الرحى.

3)     رمزية الحيوان:

لا يمكن لنا الجزم بأن كل الحكايات التي تروى للأطفال تتضمن الرموز الحيوانية، لكنه يحق لنا الحكم بأن معظمها يشيع فيها استعمال الصور الحيوانية. لقد حكم قبلنا جيلبير دوران بأنه لا شيء أقرب إلينا منذ الطفولة من قصص الحيوانات[3]، كما أن نصف عناوين كتب الأطفال، على الأقل تحمل أسماء حيوانات، وفي أحلام الأطفال التي يعرضها بياجيه في كتابه «تشكيل الرمز عند الطفل» نجد كما ورد في كتاب ج. دوران بأن تسعا من أصل ثلاثين رواية واضحة للحلم تتعلق بالحيوانات. فهذه الرموز الحيوانية تؤكد بصورة دامغة المغزى العميق للرموز الحيوانية.

لقد رافق الحيوان الإنسان منذ بدء الخليقة، وفي جميع مراحل حياته، وحتى يومنا هذا، ومع مرور الأيام ازداد الاتصال وثوقاً بينهما، فسعى الإنسان في المجتمعات القديمة، إلى الاستفادة من الحيوان الذي يعيش معه، فسخره لأعماله وخدمته، ولازمه في البيت، وفي العمل.
وقد اتخذت الشعوب القديمة من الحيوانات رموزاً لها، في محاولة منها الربط بين ظواهر الحياة نفسها، ولا نكاد نبحث اليوم في أدب أمة أو قوم، إلا ونجدها قد ابتدعت الأساطير على لسان الحيوان، حتى نجد آلاف القصص، والحكايات الشعبية، والأساطير المنسوجة، على لسان الحيوان، وأحياناً نجد تشابهاً

كبيراً بين بعض الأساطير عند مختلف الشعوب.

ويحتفي دارسو التراث الشعبي بحكايات الحيوان والطيور والنباتات والزواحف احتفاء خاصاً، هذا على الرغم من إيجازها الشديد، بل وواقعيتها الشارحة المحددة، وهناك من يرى: أن حكايات الحيوان هي بداية الأساطير، وأنها أكثر قدماً وبدائية منها. إذ أنها كانت وعاء لشرح وتقديم الأفكار والمعتقدات، أي أن أكثر هذه المعتقدات كان يتجسد في شكل حيوانات وطيور…. كالنسر، والبومة، والبقرة، والثور، والذئب، وغير ذلك.

لقد حفلت الحكاية التي بين أيدينا على اختلاف رواياتها بالرموز الحيوانية، بدءا بالحيوان الأساسي داخل الحكاية المتمثل في البقرة مرورا بالحمار والفرس والغزال وصولا إلى القط والكلب. وحتى الطيور كانت حاضرة مثل الديك والغراب…فالبقرة في الثقافة الشعبية تمثل رمز الخصوبة والوفرة، ففي الثقافة المحلية في جبال الأوراس يطلق اسم البقرة المدرارة على كل مصدر قوت لا ينفذ أبداً، فهذا منبع ماء كثدي البقرة، وهذه امرأة يدر ثديها الحليب كثدي البقرة، وتلك خلية نحل يقطر منها العسل كما يقطر الحليب من ضرع البقرة…وقد وجدنا بعض الشيوخ يشبهون جبل شليا بضرع البقرة الذي يرضع منه عدة أعراش.

والبقرة في هذه الحكاية ترمز إلى الأم التي ترضع أبناءها وتجود عليهم بكل ما تملك، ففي الطبيعة يوجد ما يعوض الأم الطبيعية، أو الأم البيولوجية، إن البقرة رمز الخير تماما مثل الأم الطبيعية التي تعطي للطفل الدفء وتمنحه الحنان، إضافة إلى تلبية احتياجاته البيولوجية الضرورية، فكل ما يوفر له ذلك ويقوم بهذا الدور فهو مثال الخير، وكل من يحرمه من ذلك فهو مثال الشر، فالأم الشريرة هي التي تجوعه وتهمله  وتحرمه احتياجاته، ولا يجدها عند الحاجة.

ومن بين الحيوانات التي تكون حاضرة في الكثير من الحكايات الخرافية نجد الفرس أو الحصان، فهذا الحيوان احتل مكانة رفيعة منذ القدم في قلب الإنسان، إنه رمز البطولة والفروسية والرشاقة، إضافة إلى طواعيته واستجابته لأوامر الفارس. وما يجلب الإنتباه هو أنه كلما ذكر الحصان في الحكاية إلا وذكر معه البطل أو الفارس أو السلطان باعتبار أن السلطان بالضرورة يكون فارسا. ولا ننسى التأثير الديني في البيئة التي نتحدث عنها، فالدين الإسلامي حبب المسلمين الخيل وشجعهم على تربيتها والعناية بها. لقد روي عن النبيr أنه قال: «إن يكن الخير في شيء ففي ثلاث، المرأة، والدار، والفرس»[4]. وقد ارتبط الخيل ببعض العادات العربية، فهو يرمز إلى النسب والمصاهرة، كما يرمز إلى القوة وإنجاب الذكور، إذ نجد من عوائد العرب أن تشرب النساء مما تبقى من ماء شربت منه فرس أصيلة[5].

الغزال:

حيوان رشيق وجميل، يخاف كثيراً، وهو مرهف الحواس، بخاصة حاستي السمع والشم، وسريع العدو، وحذر جداً، ويصلح في القصة شخصية وديعة، صداقته إيجابية مع نفسه، ومع بقية أصدقائه. وهو ما دلت عليه شخصية الفتى الغزال في حكايتنا«بقرة اليتامى»

الكلب:

من الحيوانات المرافقة للإنسان منذ أقدم العصور، لهذا فإن أولى صفاته صداقته، وإخلاصه لصاحبه، ويمتاز بحاسة شم عجيبة، وسرعة فائقة في الجري، ويتحمل كل المتاعب، ويعيش في أي مكان، وينقض بمهارة على فريسته، ومطيع وذكي، ويمتاز بالنشاط والوفاء، وفي قصص الحيوان يلعب الصديق الإيجابي الذي يقدم المساعدة لأصدقائه، ويتعاون معهم في رد العدوان.

القط:

العقرب:

العقرب رمز الأذى، وهو ما تعبر عنه بعض الأقوال الشعبية والتي سجلناها من خلال معايشتنا للواقع الإجتماعي الجاري الحديث عنه. مثل«هقساس امتغيرضمت»أي لَدْغَاتُو كِي الْعَـﭭـْرَبْ

الغراب:

الغراب رمز للتشاؤم والغربة والموت والخراب، والعامة عندما يسمعون نعيق الغراب يقولون: «اخبار الخير ولا في راسك خير»، لقد استعمل الغراب في الحكاية لإخبار الأطفال اليتامى برحيل أهل الدار وبقاء المكان فارغا، وهذا ما يعبر عنه باللغة المحلية بـ«هامزيرث»وقد شرحناها فيما سبق بالدار المهجورة.

الديك:

يضرب به المثل للذكورة، والخصب، وهو صلب، وصلف في طبيعته، غير أن له طبيعة جميلة، هي إيقاظ النائمين بصياحه في آناء الليل، والتبشير بإقبال الصباح وطلوع الشمس، ويوقظ الفلاحين لعملهم، والصناع لصناعتهم وأعمالهم. أما في حكاية «بقرة اليتامى» استعمل صياح الديك ليرمز إلى إيقاظ المرأة الشريرة من غفلتها، وتنبيهها إلى أن ما في الكيس هو أشلاء ابنتها التي دفعت بها إلى المصير الذي لقيته.

النعجة:

النعجة هي الحيوان الذي يفتدى به، فعندما يحس بوجود خطر، أو يكون جاهلا لمصدر الشر يقوم بذبح رأسا من رؤوس الغنم فدية ودرءا لكل شر، فعندما تم ذبح النعجة قرب البئر بالنسبة لرواية الطاهر العمارة، تم التخلص من الأفعى ذات السبعة رؤوس.

وفي الجدول الموالي نحاول المقارنة بين الروايات الثلاثة لمعرفة الرموز الحيوانية الحاضرة والغائبة في كل رواية:

الحيوانات التي تضمنتها الحكاية الروايات الثلاثة لحكاية بقرة اليتامى
رواية الطاهر العمارة رواية عائشة درنوني رواية الجدة زينب
البقرة
الغزال
النعجة    
الفرس  
الحمار
القط  
الكلب    
الديك    
الغراب    

4)     رمزية النبات:

في الرواية التي قمنا بجمعها عن هذه الحكاية تظهر العناصر الطبيعية التي تتضمنها البيئة التي تتداول فيها، أو توجد في بيئة أخرى قريبة منها يحدث  فيها بين الحين والآخر احتكاك ثقافي بين المجموعات البشرية التي تنتشر وتتوزع فيها. فانطلاقا من الموقع الجغرافي الذي تتميز به المناطق الجنوبية للأوراس، وهي مناطق شبه صحراوية وتنتشر فيها النباتات الصحراوية، يحدث التمازج الثقافي بين سكان الزابين(الغربي والشرقي) وسكان الأوراس. وخلال هذا التمازج الثقافي يتم نقل العناصر الثقافية من بيئة ثقافية إلى أخرى، لذلك نجد أن النخلة باعتبارها رمزا قديما يدل على الإنتاج والوفرة حاضرة في الرواية الخاصة بحكاية بقرة اليتامى والتي قمنا بجمعها من منطقة وادي الأبيض.

وقيمة النخيل في الوسط الشعبي كما يقول الدكتور أكرم قانصو ليست نابعة من فراغ، إنما لها خلفية دينية وجذور تاريخية قديمة[6]. فالنخلة ذكرت عشرين مرة في القرآن الكريم، وهنا يتجلى التأثير الديني في البيئة التي تروى فيها هذه الحكاية، كما يمكن لنا الإشارة إلى الطفلة التي احتمت برأس النخلة تأكل من تمرها تماما مثل العذراء مريم التي استظلت بجذع نخلة عندما جاءها المخاض وقالت: «ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا، فناداها من تحتها، ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا، وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا»[7]. هذا عن رواية عائشة درنوني، أما عن رواية الجدة زينب فإننا نجد نفس المضمون تقريبا: في يوم من الأيام اشتد شوقهما لرؤية أمهما، فذهبا خفية إلى مقبرة القرية يزوران قبر حبيبتهما ويشكوان لها حالهما،، وصلا إلى القبر جائعين يلهثان من العطش فوجدا عليه ضرع البقرة يفيض حليباً دافئاً، كان ينتظرهما كالعادة وبالقرب منه نخلتين باسقتين كثيرتا العراجين التمرية، تأتي أكلها كلَّ حين[8].‏

كما أن للنخلة وتمرها أهمية كبيرة في حياة سكان هذه المناطق إذ يعتبر التمر أهم عنصر غذائي إلى جانب الحبوب يتم الاعتماد عليه لدى سكان الأوراس والصحراء، فالذي يملك هذين المصدرين الغذائيين يملك (العولة ) كما يعبر عنها محليا. وقد ورد ذكر التمر في الحكاية التي أشرنا إليها واعتبر المصدر الغذائي الذي ظهر بصورة سحرية في طريق الطفلين المحرومين.

وما زاد من القيمة الرمزية للنخلة هو أن النخلة كانت في القديم من الأشجار المقدسة. يذكر د. أكرم قانصو أن الفينيقيين وحدوا بين النخلة التي اعتبرها الساميون شجرة الحياة في جنة عدن، وبين إلهة الإخصاب عشتروت. وقد جعل العرب من النخلة إلها، إذ عبدوا في نجران نخلة طويلة، وكانوا يحتفلون بها كل عام[9].

وتعتبر النخلة وغيرها من الأشجار والنباتات، كشجرة الزيتون والكرمة والسدرة والنمشة…من الأشياء المقدسة لدى الإنسان المغاربي كما يرى الأستاذ محمد الصغير غانم. وقد يعود ذلك إلى الخصائص التي تتوفر عليها، أو لأن الإنسان يدين لها ببعض الأغذية التي يستهلكها منها[10]. لقد قام الإنسان المغاربي بعبادتها ولا زالت بعض المظاهر مستمرة إلى يومنا، فلازالت بعض الأشجار تضفى عليها قداسة خاصة، ولا يمكن لأحد أن يجرأ على إيذائها أو اقتلاعها أو قطع فروعها…وبعض الأشجار تقام تحتها مزارة يقصد إليها عند الحاجة للتبرك أو لطلب أمنية…

5)     نظام القرابة في الروايات الثلاث للحكاية:

يشتمل التنظيم الإجتماعي على عدد كبير من الأنماط والقوالب الثابتة والدينامية. ومن أهم اشكال التنظيم الاجتماعي نجد د. محمد رياض يصنفها إلى أربعة أشكال[11]: العلاقة بين الجنسين التي تشتمل على تقسيم العمل، ووظيفة ودور الرجل والمرأة في المجتمع، كما تشتمل على تنظيم العلاقة الجنسية، نظام الزواج وأنظمة القرابة ونوع الأسرة. ثم علاقات المكان وعلاقات الدم في تكوين أشكال التجمعات المحلية، كالبدنة والعشيرة والقبيلة. وطبقات السن وتقسيم المجتمع إلى وظائف اجتماعية مرتبطة بالسن وتكوين الوظائف السياسية والقانونية. وأخيراً المعتقدات الدينية وتكوين هيئة رجال الدين ومجموعة القوالب الحضارية الخاصة بالطقوس المختلفة في حياة الأفراد.

ولسنا هنا بصدد الحديث عن كل هذه الأشكال من العلاقات، وإنما ما يهمنا هنا هو العلاقات بين الجنسين، وتحديداً، نظام الزواج ونظام القرابة. إن المجتمعات القديمة والحديثة تقوم بتنظيم ما في العلاقات الجنسية، لأن كينونة الإنسان حضاريا قد عقدت مشكلة الجنس وجعلتها شديدة الإختلاف عن العلاقة الجنسية البسيطة بين الكائنات الأخرى والتي تستند فقط إلى الدوافع البيولوجية. وتدل الدراسات الأنثروبولوجية على أن مجتمعاتنا العليا الراهنة تضع الكثير من القيود على هذه العلاقة فيما قبل الزواج، وتحرم أية علاقة خارج العلاقة الزواجية.

لقد تناول د. عبد الحميد بورايو هذه الأشكال من العلاقات في مقارنته بين ثلاث حكايات (ولد المتروكة، نصيف عبيد، ولونجة) من حيث القرابة والجوانب المتعلقة بالتنظيم المكاني الذي تكشف عنه كل حكاية[12]. أما نحن فما يهمنا هو تقريبا نفس الموضوع، لكن من جهة المقارنة بين ثلاث روايات لحكاية واحدة هي بقرة اليتامى أو لونجة في بعض المناطق المغاربية.

إن الزواج الذي تتضمنه رواية الحكاية التي قمنا بجمعها، ورواية الجدة زينب التي قام الأستاذان رابح خدوسي وعائشة بنت المعمرة بجمعها ونقلها إلى العربية الفصحى، هو الزواج من خارج المجموعة الذي يصطلح عليه بالزواج الإغترابي Exogamie ، في حين نجد رواية الطاهر العمارة تشير إلى الزواج الإضوائي أو التزاوج الداخلي Endogamie الذي يتم داخل المجموعة وليس خارجها. فقد نجد داخل المجتمع الذي يتم فيه تداول هذه الحكاية يجمع بين هذين النوعين من الزواج، مع الإشارة إلى أن النوع الثاني منتشرا بصورة أوسع، باعتباره نوعا نشأ في ظل ظروف كانت تدعو إلى تماسك المجتمع تماسكا شديدًا، للحفاظ على كينونة العشيرة والجماعة، في تحركاتها الرعوية ونزاعاتها على المرعى ومصادر الماء. يقول د. محمد رياض: « إن ظروف الجفاف وقلة مصادر الماء والمرعى قد أدت إلى أن يصبح التنظيم الأساسي البدوي مرتبطا بتجمع صغير لكي يسهل التحرك، ولتجنب تعقيدات القيادة لمجتمع متحرك كبير العدد في بيئة فقيرة. ولهذا فإننا نجد الوحدات الأساسية للبدو لا تزيد عن مجموعة نسب مباشرة لا تتعدى في عمقها ثلاثة أو أربعة أجيال يمكن أن نسميها عشيرة أو آل أو بني أو بدنة »[13]. ويرتبط هذا النوع من الزوج أكثر بين أبناء العمومة أو الخئولة(زواج بنت العم أو زواج بنت الخالة) فالقرابة هنا كاملة.

أما بالنسبة للزواج الإغترابي أصبح بعد تغير المجتمعات التي يجري حديثنا عنها هو السائد فيها، وذلك بفعل ورود متغيرات ثقافية جديد، كالإستقرار وتغير نمط المعيشة، والإحتكاك بمجتمعات أخرى. لقد أشارت الرواية التي جمعناها ضمنيا إلى احتكاك المجتمعات المغاربية بالمجتمع الفرنسي، فالرجل كان له زوجتان، إحداهما عربية والأخرى أجنبية. وهذا هو نظام تعدد الزوجات Polygamie.

لنعد مرة أخرى إلى رواية الطاهر العمارة، التي تتحدث عن رجل تزوج بشقيقة الزوجة المتوفاة،)  خالة أبنائه( Polygamie sororale. فقد يكون امتداد لزواج الشخص بزوجته المتوفاة، وقد يتدخل في هذا الأمر الصداق المدفوع من قبل، إذ أن شقيقة الزوجة ستكون استيفاء للصداق الأول. ويختلف هذا النوع من الزواج عن نظام تعدد الزوجات الشقيقات، في أنه لا يتم  إلا بوفاة الزوجة الأولى، ولا يبيح الجمع بين شقيقتين على قيد الحياة[14].

كما أنه يمكن أن يكون عبارة عن تعهد المجموعة المانحة للزوجة تجاه المجموعة الآخذة: يقول هذا المبدأ بأنه لدى وفاة الزوجة في صباها مثلا، أو دون أولاد أو من مرض غامض…يكون على المجموعة التي كانت تنتمي إليها قبل الزواج تقديم إحدى أخواتها كبديلة لها[15].

احتمالات زواج الأب الأرمل:

  1. مع شقيقة زوجته.
  2. مع ابنة شقيق زوجته.
  3. مع عمة زوجته سواء كانت أرملة أو لم تتزوج.
  4. في الحالات القصوى حيث لا توجد الاحتمالات الثلاثة السابقة يتزوج زوجة شقيق زوجته بعد أن يطلقها الأخير.

احتمالات زواج الأب الأرمل:

  1. مع شقيقة الزوجة المتوفية.
  2. مع بنت العمة.
  3. مع زوجة الشقيق الأرملة أو المطلقة.
  4. مع بنت الخال.
  5. مع بنت الخالة.
  6. الزواج بأجنبية أخرى.
  7. عدم الزواج مادام له زوجة ثانية.

[1] عبدالله الغذامي،” ثقافة الوهم ” ( المرأة واللغة –2- ) ،  ط (1) – بيروت ، الدار البيضاء – المركز الثقافي العربي – 1996 م.ص130.

[2] د. محمد الصغير غانم،” الملامح الباكرة للفكر الديني الوثني في شمال إفريقيا” دار الهدى، عين مليلة-الجزائر، 2005، ص-69.

[3] جيلبير دوران، ” الأنتروبولوجيا“، رموزها- أساطيرها- أنساقها، ترجمة د. مصباح الصمد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع- بيروت- لبنان، 2006م، ص- 45.

[4] د.أكرم قانصو ” التصوير الشعبي العربي” عالم المعرف، سلسلة ثقافية شهرية يصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب-الكويت، العدد 203 ، نوفمبر 1995م، ص-122.

[5] د.أكرم قانصو ” التصوير الشعبي العربي” ، ص-122.

[6] د.أكرم قانصو ” التصوير الشعبي العربي” ، ص-100.

[7] القرآن الكريم، سورة مريم، الآيتان 23 و 25.

[8] عائشة بنت المعمورة  و رابح خدوسي، “بقرة اليتامى“، ص-21.

[9] د.أكرم قانصو ” التصوير الشعبي العربي” ص-101.

[10] د. محمد الصغير غانم،” الملامح الباكرة للفكر الديني الوثني في شمال إفريقيا” ، ص-71.

[11] د. محمد رياض، ” الإنسان” دراسة في النوع والحضارة، دار النهضة العربية للطباعة والنشر- بيروت – لبنان، الطبعة 02، 1974، ص- 479.

[12] د.عبد الحميد بورايو”الحكاية الخرافية للمغرب العربي” ، ص- 84.

[13] [13] د. محمد رياض، ” الإنسان” ص- 489.

[14] د. محمد رياض، ” الإنسان” ، ص- 497.

[15] فيليب لاﭙورت-تولرا و جان-بيار فارنييه، “إثنولوجيا أنتروبولوجيا“، ترجمة د. مصباح الصمد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت- لبنان، ط(01)، سنة 2004، ص-77.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий