Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > درس اللغة والتقليد الانثروبولوجي

درس اللغة والتقليد الانثروبولوجي

محمد حافظ دياب (باحث واكاديمي من مصر)

ان التقاء الدرسين اللغوي والانثروبولوجي قد أثمر بعضا من النتائج الاجابية، يقف على رأسها الخروج على النمط السائد في الدرس اللغوي، الذي كان يعلي من شأن الدراسات النصية غير المباشرة، وذلك باحتفائه بالبحث الميداني المباشر.

امتلكت دراسة اللغة دوماً موروثا متصل الحلقات، بدأ كتقنية تعليمية في الهند مع أقدم نحوي عرفه التاريخ المدون وهو بانيني Panini واستمر في بلاد ما بين النهرين ومدرسة الاسكندرية واليونان القديمة. وتطور في العصر الوسيط ومع ازدهار الحضارة الاسلامية والنهضة الاوروبية. انتهاء الى الاتجاهات العلمية الحديثة في القرنين الاخيرين.

ونظرا لأهمية هذا الدرس وتعدد قضاياه، فان مقاربته لم تقتصر على اللغويين، بل شملت محاولات قدمها الفلاسفة والمناطقة والنقاد ورجال الدين والعاملون بمختلف التخصصات العلمية، ممن أثاروا تساؤلات تتعلق بطبيعة اللغة ومكوناتها ونشوئها وتعدد وظائفها وعلاقتها بالفكر والانسان والمجتمع.

ضمن هذه التخصصات، برز التقليد الانثروبولوجي الذي تصدى بمنحى ميداني لدراسة العلاقة بين اللغة والثقافة، وساهم في امكانات لم تقف عند حدود الأغراض النظرية وحسب، بل تعداها الى محاولات إحراز فهم أعمق للمشكلات الثقافية- اللغوية- الاثنية، وبخاصة في مجالات محو الامية، والتخطيط اللغوي والسياسة اللغوية، وبناء أبجديات حديثة، والازدواج والتعدد اللغوي، ومهارات الاتصال، والاثراء المتبادل بين اللغات والترجمة، واللهجات واستخداماتها الشفاهية والمكتوبة، وارتباط اللغات القومية بثقافتها، وآثار الوعي والولاء اللغويين على مجالات ثقافية بعينها.

يزيد من أهمية هذا التقليد راهنا شواهد حالّة في تجليات العولمة، تؤثر في تشظي اللغة وتناقض مدلولاتها، إن على مستوى المفاهيم او التصورات.

ولعل من اهم شواهد هذا التشظي، تحول عالم القول الى حمولات متباينة، تمتلك المفاهيم والتصورات عبر التباسها ومدلولها المراوغ، وهو ما تؤشر له كافة المفاهيم المتصلة بالعولمة (آلية السوق، اعادة الهيكلة، الشراكة، حقوق الانسان، نهاية التاريخ، صراع الحضارات، حرية الأديان، حق الأقليات، تداول المعلومات…).

ذلك أن »ثقافة« النظام العالمي الجديد، تبتدع لغة خاصة بها، تتظاهر بالعلمية وبالقدرة على فتح آفاق نحو التقدم والرفاهية، فيما هي في الحقيقة تمتلك مراوغتها الدلالية. ويتم هذا التشظي في اطار ما يشير اليه الانثروبولوجي الفرنسي بييربورديو P.Bourdieu بتوسيع نطاق »السوق اللغوي الكوني«، بما يشمله من احتكارات وعلاقات قوى وأشكال من السيطرة لها منطق نوعي، يسعى نحو تشميل التصورات التي تبني الوعي بالآخر، بل وبالعالم ومعرفته، بما يعنيه ذلك من إغفال للخصوصيات الثقافية- اللغوية.(1)

من هنا يتحدد مسعى هذه المساهمة، في البحث عما يسمح بمقاربة التقليد الانثروبولوجي في درس اللغة، إن من حيث مسار الاهتمام به، او التعرف على مباحثه المشتركة، واتجاهاته النظرية.. وكلها حيثيات تشكل قلق وطموح هذه المساهمة، والصعيد الذي تطمح الى الوقوف فيه.

إضـــــاءة

يعين الانثروبولوجي الأمريكي ادوارد سابير E.Sapir أهمية هذا التقليد في توطيد دعائم علم اللغة وتوسيع آفاقه، انطلاقا من: »ضرورة أن يهتم هذا العلم، شاء أم أبى، بالمشكلات المتعددة للانثروبولوجيا كعلم يمتد في مجال اللغة.. فمن الصعب على اللغوي الحديث ان يقتصر على موضوع دراسته التقليدي، ولا يمكنه، إلا إذا كان خاليا من الخيال، أن يفوته الاهتمام بالمجالات المشتركة بين هذين العلمين«.(2)

وفي هذا الصدد، تجدر الاشارة الى أن درس اللغة قد تطور عبر التقليد الانثروبولوجي، سواء على المستوى الوصفي الاثنوجرافي، أو المستوى الاثنولوجي المقارن.

وعلى ما يوضح فرانزبواس F.Boas: فان معرفة الاثنولوجيا لا يمكن ان تتم بغير معرفة علمية باللغة، وفهم اللغة لا يستطاع تحقيقه بمعزل عن الاثنولوجيا، اعتبارا من أن المفاهيم الاساسية التي توضحها دراسة اللغات الانسانية لا تتمايز في النوع عن الظواهر الاثنولوجية. وأكثر من ذلك، فان الخصائص المرتبطة باللغات تنعكس بوضوح أجلى في آراء وتقاليد شعوب العالم«.(3)

وقد ساهم التعاون المشترك بين علم اللغة والانثروبولوجيا في تحقيق مزيد من فهم القضايا اللغوية والثقافية. والأمر هنا يتعلق باستيضاح العلاقة بين اللغة الانسانية ووسائل الاتصال الموجودة لدى الكائنات الأخرى، مما أثر في تجلية طبيعة هذه العلاقة وجوانبها، ودحض تصورات شائعة عنها، من قبيل التقابل التقليدي بينهما على أنه تعارض بين ظواهر ثقافية وأخرى طبيعية، أو ما رآه السلوكيون من تكريس الفارق بينهما في الدرجة لا في النوع، أو ما قدمه بعض اللغويين من مناهضة دراسة هذه الوسائل بالاستناد الى الاطار الذي تدرس فيه اللغة الانسانية، والتي تأسست على انعدام الاستمرار بالمعنى التطوري بينهما، وهي استيضاحات يمكن أن تتيح فرصة أكبر لتعميق النظرية العامة للغة.

وساهم هذا التعاون كذلك في توجيه الاهتمام للتراث اللغوي الخاص بالمجتمعات »البدائية«، ورفض التمييز بينها وبين اللغات الأخرى، حيث كافة اللغات الانسانية تعكس واقعاً اجتماعياً وحضارياً يكون خصائصها ومختلف جوانبها المتعددة.

وثمة فوائد أخرى مشتركة، ساعدت على تطوير مشكلات تعيين موقع اللغة في التطور الحضاري، والتنافذ اللغوي Lingual Penetration بين الثقافات والمجتمعات، والارتقاء بأساليب البحث اللغوي الميداني، من حيث معايير اختيار العينة، والاعتماد على الرواة اللغويين، وزيادة فهم ومعرفة طبيعة اللغة المدروسة من خلال إطارها الثقافي، وكلها أمور يراها اللغوي الفرنسي اميل بنفنيست E.Beneveniste لم تقتصر على مجرد رفد الانثروبولوجيا بمفاهيم جديدة، بل استهدفت أساسا صياغة جديدة للفكر الانساني، فيما يمكن أن يطلق عليه (الانثروبولوجيا الكبرى) أو علم الانسان العام Anthropologie generale«(4).

والارتباط بين علم اللغة والانثروبولوجيا يتخذ أشكالا متنوعة، وبخاصة في المدارس البريطانية والامريكية والفرنسية.

ففي بريطانيا، كان اهتمام انثروبولوجييها باللغة واضحاً، كمحاولة لمزيد من فهم ثقافات مستعمراتها، وهو ما توضحه كتابات سيرادوارد تايلور Sir E. Tylor في القرن التاسع عشر، مرورا ببرونسلاف مالينوفسكي B.Malinowski حتى سيرادوموندليتش Sir E.Leach.

وفي الولايات المتحدة، التقى العلمان في المدرسة التي جمعتهما أول الأمر في تخصص واحد، حين وجد الانثروبولوجيون الذين كانوا يدرسون بعضا من قبائل الهنود الحمر انفسهم مضطرين الى تعلم ووصف لغات هذه القبائل، والتي لم يكف نموذج عائلة اللغات الهندية- الاوروبية لتفسيرها، فضلا عن كونها لغات لا تمتلك أي تراث مكتوب، وبالتالي راحوا يلجأون في دراستها الى وسائل وأدوات التحليل الانثوجرافي، وهو ما يتضح في عمل بواس المشهور (مختصر اللغات الهندية الامريكية) Handbook of American- Indian Languages الذي نشره في الفترة ما بين عامي 1911- 1922، وتضمن تعريفا بأكثر من ألف لغة منها، تضمها (55) عائلة لغوية.

وقد ركز العمل على دراسة الجوانب اللغوية والثقافية لعدد من هذه القبائل، وخلص الى تأكيد تكامل هذه الجوانب. وأضحى من التقاليد السائدة لهذه المدرسة ان تربط بين البحثين اللغوي والانثروبولوجي، وهو ما يتضح في أعمال تلامذة بواس، واشهرهم سابير الذي يعدّه البعض واضع الاسس الانثروبولوجية لدراسة اللغة.

وفي فرنسا، تعد محاولات كلود ليفي ستروس C.Levi- Strauss الافادة من منهج التحليل الفونولوجي في دراسة الاسطورة ونظم القرابة والأسماء والتوتمية والطعام والاتصال، من ابرز الجهود في هذا المجال.

وفي تراثنا العربي، مثلت دراسة اللغة في علاقتها بالثقافة، أقدم المحاولات وأكثرها تطوراً وتنوعا واشدها اجتذابا للاهتمام، خاصة مع اتساع الفتوحات الاسلامية، واختلاط العرب بغيرهم، وسريان اللحن الى ألسنة العامة«، وهو ما يفسر تعرض بعض العلماء العرب لدراسة جوانب من هذه العلاقة، رغم قيامها على تفاصيل تعميمية، لم ترق الى شمول النظرية المستقرة. وتوزعها بين الملاحظة العجلى والمتأنية، وتفاوت أخذها بالمعايير الفنية والدينية والاثنية. ومع ذلك ورغمه، نواجه في الآراء المبثوثة بالمدونات المبكرة، سمات مواقف نظرية، تبلورت حول مفهوم اللغة وخصائصها ونشوئها وعلاقتها بالمقام وأثر المتغير الديني والايكولوجي عليها، وهو ما نلحظه في أعمال ابن جني حول علاقة الانسان باللغة عبر الحاجة«.(5) وعلاقة الاسلام بلسان العرب عند ابن تيمية وابن فارس، وحتمية حضور العامل اللغوي في استقامة تعايش الناس عند حازم القرطاجني.(6)، والحاجة الى بيان اللسان عند الجاحظ(7)، وفضيلة اللغة في نوع الانسان لدى الآمدي(8)، وتبعية الاعتبارات اللغوية لأحوال المخلوقين عند عبدالقاهر الجرجاني(9)، وتعيين الوظيفة التي تؤديها الكلاميات عند الفارابي(10)، وصحة الملكة اللسانية وفسادها عند ابن خلدون، والاهتمام بجمع مفردات الحياة البدوية في مصنفات معجمية لدى الشيباني وابي عبيدة والأصمعي والسجستاني وابن سيدة.

وحديثا، فرغم مغالات الزعم بوجود أعمال عربية اخذت بالنظرة الانثروبولوجية كأداة رئيسة في المعالجة والتحليل، فان هذا لا ينفي ملاحظات صائبة نلمحها لدى جرجي زيدان. جبر حنومط، انستاس الكرملي، زكي الارسوزي، ساطع الحصري، ابراهيم انيس، علي وافي، محمود السعران، احمد ابوزيد، عبده الراجحي، عبدالسلام المسدي، خير عثمان، محمد اركون، بسام بركة، احمد المتوكل، وصالح بن عمر، وكلها تنطوي على استبصارات تمثل انتباها واعيا للبعد الثقافي في دراسة اللغة، وان راوحت بين الاخذ بالاطر المعرفية والمنهجية الغربية، وبين محاولات تأصيلها في الدرس اللغوي العربي.

عموما، يمكن القول ان: »دارس اللغة الذي يكون في نفس الوقت متخصصا في الانثروبولوجيا. لا يقصر اهتمامه على المشكلات اللغوية وحسب. بل انه يهتم اساسا بالعلاقات العديدة، القائمة بين لغة شعب من الشعوب وجوانب ثقافته. وهكذا يمكن أن يدرس- على سبيل المثال- الكيفية التي ترتبط بها لغة جماعة معينة بمكانة تلك الجماعة او وضعها الاجتماعي، والرموز اللغوية المستخدمة في الشعائر والاحتفالات الدينية، وكيف ان هذه الرموز تختلف عن الكلام اليومي العادي، وكيف يعكس تغير الحصيلة اللغوية في احدى اللغات مجمل الثقافة المتغيرة للشعب الذي يتكلمها، وكذلك العمليات التي تنتقل بواسطتها اللغة من جيل الى آخر، وكيف تساعد تلك العمليات على نقل المعتقدات والمثل العليا والتقاليد الى الاجيال التالية. فالدارس الانثروبولوجي للغة يحاول ان يفهم دورها في المجتمعات البشرية، والمهمة التي اضطلعت بها في رسم الصورة العامة للحضارات الانسانية«.(11)

مباحث مشتركة

وقد أثمر التعاون بين الدراسات اللغوية والانثروبولوجية عددا من المباحث الفرعية المشتركة الموزعة بين العلمين، بما قد يشي بالتداخل والازدواج. فمقابل الانثروبولوجيا اللغوية، والاثنوجرافيا الدلالية، والاثنولوجيا الفيلولوجية في الانثروبولوجيا، يتواجد علم اللغة الاثنولوجي، وعلم الدلالة الاثنوجرافي، وفقه اللغة الاثنولوجي في علم اللغة، وهو ما لاحظه الباحث الأمريكي ديل هايمز D.Hymes حين نبه الى ان الانساق المعرفية الكبرى التي تتصدى لدراسة اللغة، أقبلت على مرحلة تتوزع فيها الى مباحث فرعية متداخلة.(12)

ولعل محاولة لتفصيل هذه المباحث، يمكن أن تؤدي الى خطوة اكثر تقدماً في استيضاحها:

الانثـروبولوجيا اللغوية: Linguistic Anthropology

وقدمها ديل هايمز، محددا مجالها باعتبارها: »دراسة اللغة في الاطار الانثروبولوجي.(13)، يقوم على إلغاء التعارض بين اللغة والمجتمع على نحو يؤدي الى دراسة اللغة بوصفها ظاهرة اجتماعية ونمطاً سلوكياً في الوقت نفسه.

وتتجه عناية دارسي هذا المبحث الى التخصص في لغات الجماعات المنعزلة نسبياً، او بمعنى آخر يوجهون اهتمامهم الى اللغات »البدائية«، واللهجات المحلية والاقليمية، والآداب الشعبية، حيث حظيت مناطق ثقافية منعزلة بدراسة ميدانية مستفيضة من قبل انطوان توماس A.Thomashomas وفلهلم فنت W.Wumdt بالاساس، فتهيأت بذلك دراسة لغات محلية عديدة لم تكن معروفة قبلا، لأنها لا تتصل بالعائلات اللغوية الكبرى المنتشرة في الجماعات التاريخية.

كذلك اهتم البعض من هؤلاء الدارسين باللغة، باعتبارها خاصية انسانية، ووسيلة للاتصال بين افراد الجماعة الواحدة، مما حدا بهم الى دراسة المهارات الحركية التي تفصح عنها بعض من اعضاء الجسد اثناء التلفظ، بمثل ما قدمه بول سبنسر P Spencer حول التعبير الحركي في الحياة اليومية، اضافة الى محاولات بيركلي بيبودي B. Pealody واريك هافلوك E Havelock وهارولد شويب H. Schwid ووليام هوايت W. White حول التعبير الحركي اثناء الكلام الشفاهي. وقد تمخضت هذه المحاولات عن تنامي مجالين بحثيين: أولهما يسمى (اثنولوجيا الاشارة) Ethnogestique ، وينطلق من ان مجموع تقنيات الاشارة التي تشارك في التعبير الحركي، انما هي نتاج ثقافي في الاساس، كما ان تواصلها ينبغي الا ينفصل عن اطاره الثقافي العام.(14) وثانيهما أطلق عليه صاحبه راي بيرد ويسل R. Birdshisted (علم حركة الجسد) Kinesics، ويقوم على دراسة استخدام حركات الجسد في عملية الاتصال، وتحليلها تحليلاً علمياً مستمدا من مبادئ علم اللغة البنيوي اطارا حدد داخله وحدات هذه الحركات، فقسمها الى مستويات مناظرة لمستويات اللغة، من وحدات صوتية وصرفية ونحوية وتراكيب. فكما تتحدد أعضاء النطق في علم الاصوات باللسان والشفتين والاسنان وسقف الحلق والحنجرة، ونوزعها على مناطق يصدر عنها الصوت، قسم بيردويسل الجسد الى مناطق تصدر منها واليها الحركة، كالوجه وبه العينان والانف، والكتفين، والجذع، والعجز، ثم الساقين والقدمين، هذه الوحدات تتشكل منها تصاميم وانشاءات اكثر تعقدا، وحيث مجمل هذه الوحدات يصوغ ضربا من ألف باء حركات الجسد، ويسمى بيردويسل اصغر وحدة دلالية باسم »كين« Kin او »كينيم« Kineme، مقارنة بالفونيم Phoneme في علم الاصوات، باعتباره أصغر وحدة كلامية تساعد على تمييز نطق لفظة عن أخرى. ومن الكينميات تتشكل »كينيمورفات« Kinemorphats، التي تقابل الجمل في اللغة، وهو ما يمثل لدى قبولها وادراكها في حال التواصل معجما لحركات الجسد.(15)

بخلاف هذين المجالين البحثيين، اتسع الحديث عن المهارات الحركية للتلفظ، حيث ذهب كل من مالينوفسكي ووليام طومسون W. Thomson إلى أن التعبيرات الايقاعية ظهرت في الجماعات »البدائية« الأولى، كمحاولات تلقائية للتواصل الفكري والتعبير عن المشاعر وما يقتضيه تنظيم العمل الجماعي في مصاقبته مع هذه التعبيرات.

وفي موازاة الانثروبولوجيا اللغوية، ظهر علم اللغة الاثنولوجي Ethnolinguistics، ويعني عموما بدراسة العلاقة بين اللغة والثقافة، ويشير هويجر H. Hoijer الى الغموض الشديد لمضمون هذا البحث، حيث يتصل عند سابير بدور الدراسات اللغوية المتعلقة بتاريخ الثقافات، ويعنى عند فوجلين Voegelin بدراسة الارتباط بين السلوك الثقافي والكلمات في موقف معين، وعند جورج ميد G. Mead بدراسة اللغة كأداة من ادوات البحث في الاثنولوجيا، ولدى بينيامين وورف B. Ehorf بالتعرف على علاقة السلوك والتفكير باللغة.(16)

ويعزى الى الباحث الامريكي اولستيد D. Olsmstdt منذ عام 1950 توضيح مجالات هذا العلم واهتماماته، حين قصد به الافادة من نتائج علم اللغة في الدراسات الاثنولوجية، ومن هذه الدراسات في علم اللغة، سواء من حيث المنهج، او القضايا التي يحتاج بحثها الى مادة من كلا العلمين، بغرض صوغ منهج متكامل للعلوم الاجتماعية.(17)

والفضل يرد الى مالينوفسكي، الذي تحدث منذ عام 1920 عن الحاجة الملحة لما اسماه »النظرية اللغوية الاثنولوجية« Ethnolinguistic، للمساعدة في استيضاح الألفاظ والعبارات المحلية.

واجمالا، يميل هذا المبحث الى دراسة اللغة في علاقاتها بكلية الحياة الثقافية والاجتماعية، وهو ما يعني اقترابه من فرضية النسبية الثقافية Cultural relativism التي صاغها بواس، وبلورها سابير وهورف، وتقوم على ان كل لغة هي بمثابة رؤية محددة للعالم، ومن ثم فان كل جماعة لغوية تمتلك رؤيتها الثقافية المتميزة.

فخلال عشرينيات القرن الماضي، اكتشف اللغويون الامريكيون ثراء وتعقد لغات الهنود الامريكيين، وركز الانثروبولوجيون على اهمية اللغة في حياة مثل هذه الجماعات الاثنية Ethnuc groups . إذ حتى هذا التاريخ، كان الميل لديهم الى إهمال لغات هذه الجماعات، والاقتصار على دراسة نظمها الاقتصادية والقرابية والايكولوجية والضبطية، دون إشارة محددة الى هذه اللغات، حتى جاء بواس الذي لاحظ الرابطة بين اللغة والثقافة، وهو ما يحدو للقول بان مؤلفه حول اللغات الهندية الامريكية قد ساعد على تقريب المسافة بين الدرسين اللغوي والاثنولوجي، لتتوالى بعده اعمال سابير وهورف على نفس الخط.

وفي فرنسا، استطاع عدد من اللغويين المهتمين بدراسة الاسس الثقافية للغة، تنمية هذا المبحث، وهو ما يبدو في أعمال برنارد بوتيه B.Pottier عن اللغات الاسبانية ولغات الهنود الامريكيين، وبيير الكسندر عن اللغات الافريقية، ومارسيل كويو M.Coyaud عن اللغة اليابانية، كذلك قدم بعض من الاثنولوجيين محاولات في هذا الصدد. قامت على ملاحظة دور اللغة في الحياة الثقافية، لعل من اهمها دراسة جنفييف كلام جريول G.Calam-Griaule حول الدور المهم للسلوك اللغوي في ثقافة الادب الشفاهي عند قبيلة الدوجون عام 1965.(18)

الاثنوجرافيا الدلالية Semantic Ethnography

وحتى وقت قريب، شكلت الدراسة النظرية لموضوع الدلالة Semantic او تعيين المعنى، أحد الاهتمامات التقليدية للفلسفة، حتى ظهر في الوقت الحاضر كاتجاه تطبيقي في علوم اللغة والمنطق والنفس والانثروبولوجيا، ويقوم على التحليل الدلالي الوصفي او البنيوي لمفردات اللغة.

عبر هذا المجرى- وفي محاولة لتأكيد الصلة بين اللغة وكثير من جوانب الثقافة، درج بعض اللغويين والانثروبولوجيين على الاكتفاء باستيضاح العلاقة الخارجية بين هذه المفردات ومحتوى الثقافة السائدة، كما كانوا يحرصون على ان يبينوا أن مثل هذه المفردات تعكس الى حد كبير اهتمامات المجتمع والجوانب التي ترتكز عليه، مثل التكنولوجيا، والنسق الايكولوجي، والتنظيم الاجتماعي، والدين، والعلاقات القرابية.

وقد تطورت هذه الفكرة عند التطبيق، الى منهج في تحليل مفردات يقوم على نظرية الحقول الدلالية، التي تبلورت في عشرينيات وثلاثينيات القرن العشرين.

وحسب تعريف اللغوي الفرنسي مارتينيه A Martinet، فالمقصود بالحقل الدلالي chmp Semantique قطاع متكامل من المادة اللغوية التي لا يوجد ترابط بين غالبية مفرداتها طبقا للاشتقاق، كما لا يصل بينها أي تداع نفسي فردي اعتباطي طارئ، فاذا ما رصفناها كما ترصف حجارة فسيفساء متفاوتة، فانها تغطي بالضبط حقلا من الدلالات، محصوراً ضمن حدود معينة، تنظمه الخبرة الانسانية، اما بطريقة تقليدية او علمية«.(19) وهو ما يوضح العموم والخصوص، والترادف والتقابل الدلالي بين المفردات، اضافة الى تعدد المعنى، على النحو الذي يبين بدقة دلالة كل لفظة في اطار حقلها الدلالي. والمنطلق الاساس هنا، ان معنى الكلمة لا يتحدد ببحثها مفردة، بل ينبغي ان تدرس عبر مجموعتها الدلالية.

ويقسم أولمان S. Ulmann هذه الحقول الى ثلاثة: الاولى محسوسة متصلة، ومثالها نظام الالوان الذي يمتلك امتدادا متصلا في اللغات يمكن تقسيمه بطرق مختلفة، والثانية محسوسة ذات عناصر منفصلة، ومثالها نظام العلاقات القرابية الذي يحوي عناصر تنفصل واقعياً في العالم غير اللغوي، وثالثها واهمها الحقول التجريدية، وتمثلها ألفاظ الخصائص الفكرية«.(20)

وفي هذا الصدد، لاحظ الانثروبولوجيون تعقد تصنيف المكونات المادية والاجتماعية والفكرية، خاصة في المجتمعات »البدائية«، وهو ما توضحه دراسة ليفي ستروس عن النباتات، حين ذكر ان ستر تيفانت E. Sturtevant صنف قرابة (250) نوعا منها، وان هناك (350) نوعا آخر عند قبيلة الهوبي Hopi، وأكثر من (500) عند قبيلة النافاهو Navaho، اذ :»ليس ثراء الكلمات التجريدية بحكر على اللغات الحضارية«.(21)

ولاشك ان التصنيفات الاثنولوجية للمكونات المادية والعلاقات الاجتماعية والعادات والتقاليد، والتعبير عنها بمفردات معجمية من وجهة نظر الجماعة اللغوية لها اهميتها الانثروبولوجية، في تأكيد الخصائص الحضارية لهذه الجماعة، عبر كشف دلالات المفردات المستعملة في لغتها، كما ان دراسة التطورات او التغيرات داخل الحقل الدلالي، تعني في نفس الوقت، دراسة التغيرات التي طرأت على عناصرها الثقافية، كما قد تفيد في الكشف عن علاقات التنافذ اللغوي والتثاقف الاثنوجرافي، وان تطلب الأمر بحثها بدقة، تتجاوز النظرة الجزئية الى الكلمة، وتوضح دلالتها في اطار لغوي او اثنوجرافي دقيق، ويطلق فريك C. Frake على مبحث (الاثنوجرافيا الدلالية) تسمية (الاثنوجرافيا الجديدة) New Ethnography ، ويحدد هدفه بتحليل المكونات التي تقوم عليها عملية تصنيف المركبات الثقافية، عن طريق تصنيف الدوال او الكلمات التي تشير اليها في لغتها، مستخدما مفاهيم وأدوات من مثل: المجال الدلالي Semantic domain والمكونات Componests، والمركبات الثقافية Cultural Complexes، والتصنيف Taxonomy«(22).

ويقترب هذا المبحث من آخر مشابه له في علم اللغة، يطلق عليه (علم الدلالة الاثنوجرافي) Ethnographic Semantics وان جاز القول ان التمييز بينهما يعادل التمييز الذي حدده جورج ماتور G. Mastore بين (علم الالفاظ) Lezicoligie و(علم المعاجم) Lexico graphie، مذكرا: »انه من المستحسن عدم الخلط بين علم الألفاظ، وهو علم ذو طابع تركيبي Synthtique، غايته دراسة الاحوال الحضارية، وعلم المعاجم كعلم من علوم اللغة، يدرس أحوال مفرداتها دراسة تحليلية«.(23)

والامر هنا يتعلق بتصنيف كلمات كل لغة في مجموعات ينتمي كل منها الى حقل دلالي معين، وان بدا التركيز على الجانب اللغوي اكثر من الجانب الاثنوجرافي، بما يمكن من تقديم أعمال معجمية كاملة ، تضم داخل كل حقل على اساس تفريعي تسلسلي، بواسطة حصر الحقول او المفاهيم الموجودة في اللغة وتصنيفها، والتمييز بين الكلمات الاساسية والهامشية فيها، ثم تحديد العلاقات بين الكلمات داخل كل حقل.

ويلفت النظر ان اللغويين العرب، ممن اهتموا بجمع مفردات الحياة البدوية في مصنفات معجمية، قد بدأوا التفكير في هذا الصدد منذ مطالع القرن الثالث الهجري، وخلفوا اعمالا جادة، من أمثلتها (النحل والعسل) لأبي عمرو الشيباني، و(العقارب) و(الخيل) لأبي عبيدة، و(الصفات) للنضر بن شميل، (الألفاظ) لابن السكيت، و(الابل) للأصمعي، و(البئر) لابن الاعرابي، اضافة الى ما قدمه الجاحظ، وابو حاتم السجستاني، والأخفض الأصغر. وقد وصل هذا الاتجاه الى قمته عند اللغوي الاندلسي ابن سيدة في معجمه (المخصص)، وهو اضخم ما وصل الينا من معاجم الموضوعات.

ومؤخرا، قدم الباحث التونسي صالح بن عمر محاولة تستهدف دراسة التأثير المتبادل بين اللغة والتكنولوجيا، وضبط الأوجه المختلفة للعلاقة التي تربط بينهما في جميع المستويات الصوتية والصرفية والدلالية والتركيبية والبلاغية والميكانيكية والالكترونية. وأطلق الباحث على محاولته تسمية (علم اللغة التكنولوجي) Technolinguistique ، وهو مبحث لا يقتصر لديه على دراسة المصطلحات التقنية في ذاتها، أي من الناحيتين الصوتية والصرفية، وإنما يتعداها الى مقاربة آثارها في بقية المستويات، او ما يصطلح على تسميته »باشعاعها« داخل اللغة، سواء على صعيد الحقل المعجمي بإحصاء مفردات الحقل الدلالي التكنولوجي للفظ التقني المدروس، او الافعال والصفات وحتى الأسماء الأخرى المتصلة به والتي قد تكون مشتقة منه أو على الصعيد التركيبي بإبراز مدى قدرة اللغة على استيعاب المعاني المتصلة بالتكنولوجيا، سواء بالوضع او بالاقتراض من لغات أخرى، أو على الصعيد البلاغي المجازي بدراسة القوالب اللغوية المعبرة عن التكنولوجيا. وفي هذا الاطار، قام الباحث بمحاولة تطبيقية، استهدفت تحليل نص في الهندسة الميكانيكية لبديع الزمان الجزري، عن طريق دراسة الحقول الدلالية المتصلة بكل مصطلح من المصطلحات المستعملة في النص، والنظر في أصله وأصول الألفاظ المنتمية إلى حقله الدلالي صوتياً وصرفياً ومعنوياً، وضبط مدى تنافذه التركيبي او البلاغي، واخيرا الربط بين النتائج المتحصل عليها وبين نوع التكنولوجيا السائد في عصر الجزري وبيئته.(24)

الانثـروبولوجيا المعرفية: Cognitive Authropology

وهذا المبحث لا يبتغى كسابقه (الاثنوجرافيا الدلالية) مجرد تصنيف المكونات الاثنولوجية التي تحويها مفردات لغة معينة، لكنه يقوم على الكشف عن تصورات المتكلمين واسلوب ادراكهم لهذه المكونات، والمبادئ التي تكمن وراء هذا التفكير والتصور من خلال استخدامهم للغة. مما يوحي بأنه يستهدف دراسة البنى المعرفية وما يقابلها من مصطلحات لغوية، عن طريق تحليل الكيفية التي يتحدث بها أعضاء ثقافة معينة عن عالمهم كوسيلة لفهمه، بغرض معرفة قواعد السلوك المقبول ثقافيا بالرجوع الى الطريقة التي يتكلم بها الناس عما يفعلونه.

ويفترض هذا المبحث ان كل الافراد الذين يعيشون في إطار ثقافة واحدة لهم نسق معرفي واحد، يتشكل بفعل هذه الثقافة، ويعمل عل تنظيم مكوناتهم المادية والاجتماعية والنفسية والفكرية، وهو ما يعني انه يمثل محاولة للاجابة عن تساؤلات من قبيل: ما هي طريقتهم في تنظيمها؟ وما هي قواعد السلوك المقبول ثقافيا بالرجوع الى الطريقة التي يتكلمون بها؟ وكيف يستدل الانثروبولوجي على هذه الطريقة في لغتهم؟

والمشكلة التي تواجه الباحث هنا، انه يشاهد بعضا من جوانب الثقافة، التي تختلف عن الجوانب التي يراها اصحابها انفسهم، مما ينشأ عنه وجود فئات تصورية تختلف عن تلك التي يشاهدها ويقوم بها. لذلك يتخذ هذا المبحث من منهج الفهم الذاتي Ethnoscience وسيلة لاستخلاص مكونات النسق المعرفي للافراد، بواسطة جمع وفهم الألفاظ والكلمات، وتحليلها والاحاطة بمحتواها العقلي، للتعرف على الطرق التي ينظر هؤلاء الافراد، من خلالها الى خبراتهم الخاصة وطريقة تصنيفهم لها.(25) بمعنى آخر، تستند هذه الوسيلة المنهجية الى تحليل المقولات اللفظية التي يستخدمها الافراد في التعبير عن هذه الخبرة، والتي تعكس مكوناتهم المعرفية ونظريتهم الكلية للحياة.

ويتميز منهج الفهم الذاتي بالتخلص من كل القيود التي تُفرض على حرية الباحث عند وصفه الآخرين، حيث يسرد المتكلم اوصافا كثيرة عنهم، ليقوم الباحث باستخراج المتغيرات الادراكية من مضمون المقولات اللفظية التي يستخدمها المتكلم ، بغرض الوصول او الكشف عن الدلالات الاجتماعية لهذه المقولات، دون أدنى تدخل أو تحيّز من الباحث، الذي عليه، كما يوصي فريك، »أن ينظر من خلال عيون المتكلم، وأن يرى العالم كما يراه«.(26)

والدراسة المشهورة التي قدمها فريك عام 1964، وعنوانها »كيف تطلب مشروبا في سوبانون؟«، تعد احدى الدراسات المهمة في الانثروبولوجيا المعرفية، وتدور حول احاديث الشراب عند السوبانون، وهم مجموعة من المزارعين ، يقطنون الجبال في مقاطعة زامبوانجا Zamboanga بجزيرة مندانوا Mindanoa في الفلبين، وتقوم على تحليل الاحاديث والطقوس والممارسات التي تقترن بموقف تناول الشراب عندهم، فتوقفنا على الدور الاجتماعي لهؤلاء الأفراد، وبخاصة عن طريق استخدامهم للالفاظ في المخاطبة والجدال والمناقشات، بحيث يمكن في النهاية استيضاح اساليبهم ورؤاهم.(27)

اثنوجرافيا الاتصال: Ethnography of Communication

وهو منظور اثنوجرافي اقترحه ديل هايمز عام 1964 لأول مرة، ويقوم لدى تطبيقه على مجموعات محددة، بوصف وتوضيح حدود المجتمع المحلي الطبيعية والاجتماعية التي يمكن أن يتم فيها الاتصال، وملامح المواقف الاتصالية، وانماط اختيار المتحدثين والمستمعين والكتاب والقراء، والقيم والاختيارات من بين الاساليب السائدة، والمناسبات، ومضمون الرموز اللغوية المنطوقة والمكتوبة في المجتمع.(28)

وقريبا منه، اقترح هايمز بعد ذلك مبحث (اثنوجرافيا التكلم) Ethnography of Speaking، كنظرية عامة لتحليل السلوك الكلامي Speeech behavior، حين رآه مهملا من قبل اللغويين والأنثروبولوجيين والسوسيولوجيين والسيكولوجيين، ومن ثم يمكن ان يضم في اهابه كافة تخصصات هؤلاء المشتغلين، والمرتبطة بدراسة اللغة.(92) ويحدد هايمز لهذا المبحث موضوعات من قبيل: الموقف الكلامي، واستخدام الانماط اللغوية ووظائفها، ودور الكلام في التنشئة الاجتماعية، وقواعد الكلام، وارتباط اللغة بالثقافة، والعلاقة بين السلوك المعرفي والتعبيري، وتخطيط الحدود بين اللهجات، والقواعد المعرفية للبلاغة، ومظاهر السلوك القولي.(30)

ويشارك الآن عدد من الباحثين في صوغ المحددات النظرية والمنهجية لهذا المبحث، وهو ما يتبدى في أعمال سلوبين Solbin، وابندكس Appendix وهوجان Hogan، وسانكوف Sankoff، ووشرام Wishram، ومسنجر Messenger.

وخلال ثلاثينات القرن العشرين، نادى اللغوي »السوفييتي« نيكولاي مار N.Marr بتأسيس علم لغة واحد، أطلق عليه (العملية اللغوية) Glottogonic، ركز فيه على إقامة قوانين عامة لتطور اللغة الانسانية، ارتباطاً بتطور التكوينات الاجتماعية، وتلك نظرة مبالغة، تنظر الى اللغة عبر صيغة مسطحة لنظرية الانعكاس الماركسية، وتحدد وجودها وخصائصها وتطورها باعتبارها انعكاساً مباشرا للبنية التحتية الاقتصادية للمجتمع، بما حدا به الى تصنيف اللغة في عداد عناصر البنية الفوقية. وقد شجب جوزيف ستالين J. Staline هذا التصور الساذج، مذكرا بأن وجود اللغة وخصائصها وتطورها لا تحدّدها البنية التحتية، ومن ثم لا يجوز تصنيفها كعنصر في البنية الفوقية، لأنها في هذه الحالة سوف نكون مطالبين بتحطيم اللغة التي نمت مع البنية التحتية القديمة. وإنشاء لغة تطابق البنية التحتية الجديدة، وهو ما لم يحدث في التاريخ.(31)

عموما يمكن القول ان التقليد الانثروبولوجي في درس اللغة لم يقتصر على هذه المباحث الأربعة، بل امتد ليشمل مباحث اخرى من مثل (اثنوجرافيا فقه اللغة) Philological Ethnography، مقابل (فقه اللغة الاثنوجرافي) Ethnographic Philology في علم اللغة، وكلها عُنيت بمقاربة القرائن الحضارية للنصوص القديمة، وأكدت استتباعا على تنامي التواصل بين الدرسين اللغوي والانثروبولوجي.

إسهامات أساسية:

ويشير تعدد هذه المباحث الى كثرة الاسهامات البحثية المقدمة حولها، وما يعترض الاحاطة بها، اطلاعاً وفهما وتمثلا، من صعوبات. ولهذا وقع الاختيار هنا على اسهامات أربعة منها، حكم اختيارها اعتبارات تصل باستقرارها وفعالياتها النسبية، وهي تحديداً نظرية سياق الموقف لدى مالينوفسكي، وفرضية اللغة ورؤيا العالم عند سابير وهورف، والتحليل الفونولوجي لنظم القرابة كما أورده ليفي ستروس، واللغة وحيدة البعد في المجتمع الصناعي مثلما عاينها هربرت ماركيوز H.Marcuse، يمكن مدارستها تفصيلا كالتالي:

مالينوفسكي ونظرية سياق الموقف:

وتنطلق هذه النظرية لديه من تعريفه للغة »على انها حلقة في سلسلة النشاط الانساني المنظم، رافضا اعتبارها مجرد وسيلة للتعبير او الاتصال. ذلك ان المهمة الاساسية للغة لديه تتبدى في تنظيم الانشطة والتصرفات البشرية، مما حدا به أن يولي اهمية خاصة لدورها. وبالذات لدى الجماعات »البدائية«. فهي التي تنظم أعمالهم الزراعية، كتمديد رقعة الارض التي تزرع، وتعيين الحدود بين الأراضي، والوصول الى اتفاق في هذا الشأن، واعطاء أسماء للنباتات والأشجار المختلفة، والربط بين مظاهر النشاط الزراعي، وكلها وغيرها أدوات ترتبط بالغاية الاساسية للغة عند هذه الجماعات، وهي ان تكون عملية بالنسبة لهم.(32)

والأمر هنا يتعلق بالنظر الى اللغة كجزء من السلوك الانساني، او بتعبير مالينوفسكي »كضرب من الفعل« a mode of action، وليست أداة عاكسة للفكر، ويضرب امثلة على ذلك، حين يلاحظ وجود تعاويذ سحرية متعددة للحديقة عند سكان جزر التروبرياند Trobriand في المحيط الباسفيكي، كل تعويذة منها ترتبط بفعل معين، فيما احداها تقال أثناء استصلاح الأرض أو تشييد حديقة جديدة، واخرى عند الاستزراع، وثالثة أوان الحصاد… الخ كذلك فان أنواع التحية المختلفة لا يقصد بها مجرد التعارف، بل انشاء علاقة اجتماعية او تنميتها. واجمالا، فان اللغة هي التي تيسّر تنشئة الافراد، وتسهل سبل التواصل، وتمكن من القيام بالطقوس الدينية والانتاج، وتنظيم الضوابط الاجتماعية، مما يجعل منها الأداة الفذة والوسيلة الضرورية لوصل الروابط الأساسية، التي يستحيل بدونها تحقق او قيام العمل الاجتماعي المشترك.

من هنا، استطاع مالينوفسكي ان يقدم اسهاما رائدا في مجال تطويره لنظرة اثنوجرافية للغة مع توصله الى ما أطلق عليه نظرية (سياق الموقف) Context Situation ، من خلال بحوثه الحقلية في جزر التروبرياند، والتي استمرت اربع سنوات كاملة ما بين عامي 1941- 1981، وقدم شرحا وافيا لها في بحثه عن (مشكلة المعنى في اللغات البدائية).(33)

ذلك أن الواقعة اللغوية الحقيقية لديه، هي »النطق الكامل داخل سياق الموقف«، ويعني بهذا السياق مجموعة المعدات المادية والانشطة والاهتمامات والقيم التي ترتبط بهذه الواقعة.

ويضرب مثالا لذلك بأن لغة الحدائق التي يستخدمها سكان جزر التروبرياند تتضمن اهدافا عملية، كما ان لغة السحر عندهم تنطوي على محتوى تطبيقي، ولكي يزداد وضوح الأمر، علينا أن نشير الى الكيفية التي تقدم بها التعويذة السحرية، بواسطة وصفها وصفا اثنوجرافيا علميا، يتفق مع السلوك العملي الذي تستقيم معه التعويذة، تمهيدا لمقاربة تركيبها وتحليلها اللغويين، والأفكار والمعتقدات المحيطة بها.(34)

طبقا لهذا، وجد مالينوفسكي انه ينبغي علينا ان نربط ما بين دراستنا للغة ودراسة مجمل الانشطة الاجتماعية والانسانية الأخرى، وان نفسر، من ثم، دلالة كل لفظة في اطار السياق الاجتماعي الذي تنتمي إليه. وبهذا الفهم، يمكن للغة أن تعد نمطا من أنماط السلوك البشري الذي لا يؤدي مجرد وظيفة ثانوية، بل دورا وظيفياً خاصا به، على اعتبار أن الالفاظ هي في الواقع تصورات لغوية لا وجود لها في الحقيقة، إذ أنها نتاج تحليل لغوي متطوّر، أما الحقيقة اللغوية فهي العبارة المنطوقة في سياق موقف معين.

وقد وجد نفسه في غمار الانشغال بلغات جماعة التروبرياند، بإزاء صعوبة، ترجمة ألفاظها وتعبيراتها الى لغات أخرى، ذلك أن ترجمة هذه الألفاظ لا يقتضي مجرد تقديم نظائرها المتخيلة، وإنما يلزم شرح ما فيها عن طريق وصف دقيق لثقافة وتقاليد هذه الجماعة.

ومن الطريف أن شغفه ببعض هذه الألفاظ، حدا به يوردها في دراسته بلغتها الأصلية، إذ كان يرى أن ترجمتها إلى الانجليزية تسلبها كثيرا من خصائصها ودلالاتها.

ولذا كان من رأي مالينوفسكي انه من العسير ترجمة ألفاظ لغة الى لغة أخرى، خاصة حينما تكون الشقة بين الثقافتين التي تنتمي اليها كلتا لغتيهما متباعدة، الأمر الذي يزيد من صعوبة العثور على مترادفات عبرهما، فتعريف الترجمة عنده، هي اعادة صياغة اللغة الأصلية الى لغة اخرى مختلفة، ومن ثم وجب ألا تعني مجرد استبدال لفظة بأخرى، بل ترجمة سياقات برمتها. ويدلل على ذلك بكلمات انجليزية مثل genteleman و Fair-play وSport ، يصعب ترجمتها الى لغة أخرى بنفس معانيها ومتضمناتها في لغتها وثقافتها الأصلية، وهكذا فان ترجمة أي مفهوم، ينبغي أن يصحبها دراسة البنية الاجتماعية الثقافية للمجتمع الذي يستخدم فيه أصلا وداخل اطار هذه البنية، وهو ما يؤكد أن اللغة تمتد بجذورها الى حقيقة الثقافة، وانها لا يمكن أن تفهم دون اشارة الى هذه الحقيقة.(35)

ويتحدث مالينوفسكي عن هذه التجربة بقوله: »خلال قيامي ببحوثي الاثنوجرافية بين القبائل الميلانيزية لشرق غينيا الجديدة (جماعة التروبرياند)، تعاملت بشكل لصيق بواسطة اللغة المحلية، وجمعت من المخبرين informants الذين كنت ألتقي بهم، عددا كبيرا من النصوص، تشمل صيغا سحرية وفنونا شعبية وأقاصيص وشظايا محادثة وجمل، الى غير ذلك من ألوان الكلام. واثناء الاشتغال خارج هذه المادة اللغوية.حاولت ترجمة هذه النصوص الى اللغة الانجليزية، وان أصوغ بشكل عارض معجما وقواعد لهذه اللغة المحلية، فواجهتني صعوبات جوهرية، وبخاصة انني اطلعت على محاولات في هذا الصدد، سجّلها المبشرون لأغراضهم العملية، وكانت تقوم على تقديم مثل هذه النصوص في أقرب صورة لها بالانجليزية، عن طريق احلال كلمة انجليزية محل نظيرتها في اللغة المحلية. لكن هذه الطريقة ثبت عدم صلاحيتها، ما لم نرفدها بالتعرف على السياق الذي يتصل بها«.(36)

ويجمل فيرث J.R.Firth الاضافة التي قدمها استاذه مالينوفسكي، فيراها في تقديمه نظرية عامة، وبخاصة استعماله لتصورات سياق الموقف، وأنماط الوظائف الكلامية، وتحديده معنى اللفظة والاشارة الى سياقها الثقافي، وبحثه قضية المعنى والترجمة، وصلة اللغة بالثقافة، وعلم اللغة بالانثروبولوجيا.(37)

فرضية سابير- هورف:

على أن باحثين آخرين، أظهرهم سابير وتلميذه ومساعده بنيامين لي هورف B.L.Whorf، لم يكتفوا في دراستهم للعلاقة بين اللغة والثقافة، بمجرد استيضاح الصلات الخارجية بين مفردات اللغة ومحتوى الثقافة، وتبيان أن هذه المفردات تعكس الى حد كبير اهتمامات المجتمع وأوجه نشاطه المختلفة كما قدمها مالينوفسكي، بل توصلوا الى ان اللغة تتدخل في تحديد وتركيب أنماط التفكير السائدة.

فكما أن الفنان وعالم النبات ينظران الى الأشجار والنباتات والزهور من وجهتين مختلفتين، كذلك الحال بالنسبة للجماعات التي تتكلم لغات مختلفة وتنظر الى العالم نظرات مختلفة، وتدركه بطرق مختلفة. وهذا معناه ان الاكتفاء بدراسة العلاقة الواضحة بين اللغة والثقافة لا تعني اكثر من أن اللغة لها أساس ثقافي.

وقد جاءت محاولات سابير وهورف في مقاربة التأثير الفاعل بين اللغة وأنماط التفكير، كنقض للتصور السائد الذي يرى بأن اللغة مرآة للواقع الذي نعيه دون وساطة من اللغة، ثم تجيء اللغة بعد ذلك لوصف هذا الواقع. ولما كان هذا الواقع متشابها الى حد بعيد لدى الجميع، اعتبارا من عدم اختلاف البيئة والمجتمع في نظرهم، فإن اللغات تتماثل جميعا في جوهرها، وفي طريقة وصفها لهذا الواقع. وتعارضت هذه المحاولات كذلك، مع الفكرة القائلة بأن سلوكنا هو الذي يحدد أقوالنا: أي أن الناس يفعلون أولا، ثم يصفون أفعالهم بعد ذلك. ويمكن رد هذه المحالاوت الى ما قدمه في ألمانيا يوهان هيردر J.Herder ويوهان فيخته J.Fichte، وماكس نورادو M.Noradow ، وفلهام فون همبولت W.Von>Humboldt، ممن توصلوا الى ان معرفة صورة العالم أو رؤيا العالم تتأتى من خلال اللغة، حيث في كل لغة تكمن رؤيا محددة للعالم، ومن ثم فان اللغات لا تختلف في أصواتها ورموزها فحسب، بل أيضا في رؤيتها للعالم.

وفي هذا الصدد، قدم سابير محاولته في اثبات ان الجماعات التي تتكلم بلغات مختلفة، تعيش »عوالم من الواقع« مختلفة، وأن هذه اللغات تؤثر بدرجة كبيرة في مدركاتهم الحسيّة وفي انماط تفكيرهم ورؤيتهم للعالم.

ويتلخص مبدأ سابير في ان اللغة التي تنتمي الى مجتمع معين، ويتكلمها ابناء هذا المجتمع، ويفكرون بواسطتها، هي المنظم لتجربة هذا المجتمع، وهي بالتالي التي تصوغ عالم أعضائه وواقعهم، حيث كل لغة تنطوي على رؤية خاصة للعالم.(38)

إن اللغة لديه نظام ثقافي اجتماعي، يتميز بالنسبية والتغير والاصطلاح، وهي تحمل وظيفة اساسية هي الاتصال، ما دام هدفها الرئيس هو التعبير عن الافكار والرغبات والعواطف عند الجماعة التي تتكلمها.

ورغم أن المجتمع يحظى بوسائل اتصال اخرى ، فان اللغة تبقى أهمها، نظرا لكونها: »تحقيقا صوتيا لميل الانسان الى رؤية الواقع بطريقة رمزية«.(39) وهو ما يعني ان الواقع الخارجي يتمثل في الذهن ضمن نظام من الرموز يدعى »الفكر«.

وإذا كانت اللغة تتأثر مباشرة بالاطار الواقعي الذي يحيط بمستعمليها، فمن البدهي لديه ان تعكس بدرجات متفاوتة عناصر هذا الاطار وترتيباته، ويميز سابير بين المجال الطبيعي والمحيط الاجتماعي، حيث: »اللغة لا تعكس المجال الطبيعي إلا في نطاق تأثره بالعوامل الاجتماعية، أي أن تأثير هذا المجال على اللغة ينحصر في النهاية بالمحيط الاجتماعي، لكنه لابد من التنويه الى وجود عوامل اجتماعية تنتج عن احتكاك الانسان بالعالم الطبيعي.. لذلك فان مفردات اللغة تعكس بصورة واضحة المجال الطبيعي والمحيط الاجتماعي للجماعة التي تتكلمها«.(40)

ويذهب سابير الى القول بأن اللغة لا تدل فقط على المرجع الاجتماعي، بل تعكس كذلك بعض الخصائص النفسية للمتكلم او الجماعة، ان من زاوية اختيار المفردات او العبارات او البنى النحوية، ويتم ذلك بطريقة شبه مستقلة عن محتوى الرسالة اللغوية ومضمونها التعبيري.

فاللغة ليست مجرد نسق مرجعي System of reference ، بل هو نسق تعبيري كذلك expressive . فكل رسالة لغوية تحمل مجموعة رموز موجودة دوما، لكنها تظهر وتختفي وفقا للسياق والقرينة، اذ: »لا يفترض لفهم قصيدة مثلا، معرفة مختلف كلماتها في معناها العادي وحسب، بل كذلك معرفة مجمل حياة الجماعة والمجتمع التي تنعكس في هذه الكلمات، او التي توحي بها اكتفاءاتها«.(41)

وعندما يقول سابير ان اللغة دليل الواقع الاجتماعي ومرآة العالم الحقيقية، فانه يعني بذلك انها نتيجة اسقاط لا واع للعادات اللغوية على الواقع المحيط. وهو يتفق مع فردينان دوصوسير F.de > Saussure في قوله ان اللغة ليست كما يظن البعض لائحة تضم مختلف عناصر التجربة التي يستطيع الافراد تمييزها، فهي في رأيه نظام رمزي خلاق، لا يرجع الى التجربة المباشرة للانسان فحسب، بل يحدد كذلك أبعاد هذه التجربة ويقننها، لأن المرء يسقط بنية لغته الداخلية على حقل تجاربه. وهكذا، فاللغة التي تتشكل لحاجة اجتماعية وضمن اطار الجماعة، تؤثر بشكل مباشر على كيفية ادراك هذه الجماعة لمحيطها وواقعا. وهي تتمتع بدور رئيسي وفعال في عملية المعرفة، ما دام ان اهم وظائفها تكمن في تقصي الواقع، أي انها تؤثر تأثيرا مباشرا في التجربة الفردية والاجتماعية على حد سواء. ومن ثم: »فمن الخطأ تصور أن الانسان يتكيف مع واقعه دون استخدام اللغة، أو ان اللغة هي مجرد وسيلة عارضة لحل مشكلات الاتصال والتفكير. وذلك ان جوهر القضية يكمن في أن العالم الواقعي مبني بطريقة لا واعية على أساس عادات الجماعة اللغوية«.(42)

وقد وسّع هذه الفكرة، وأعطاها أبعادها التجريبية، تلميذ سابير ومساعده، بنيامين هورف، الذي كان أول من قام بدراسة شاملة للغات القبائل الهندية في أمريكا الشمالية، وبخاصة لغة قبيلة الهوبي Hopi. وقد طبق مبدأ سابير في هذا المجال. وتوصل الى فرضية عرفت فيما بعد بفرضية سابير- هورف.

وفحوى هذه الفرضية أن كل لغة تتضمن، وتضع مسبقا، وتفرض على متكلميها طريقة محددة لرؤية العالم، بما يشي ان ما يطلق عليه »عموميات اللغة«، البادية في المشابهة بهذا القدر او ذاك بين لغتين، لا تصلح كمقياس مشترك لهما، خاصة وان المتكلمين بهما يختلفون فيما بينهم حول الاوضاع المرتبطة بهذه الظواهر المشتركة، ولا يعطيانها نفس الدلالات.

انطلاقا من هذه الفرضية، توالت بحوث تستهدف التوصل الى شخصية الجماعة من خلال تحليل الخصائص اللغوية التي تستخدمها، من مثل مقارنة ثورنر I. Thorner بين الانجليز والألمان من حيث طرق النداء المستخدمة في التخاطب.(43) ومحاولة كسكيميتي P.Kecskemeti وليتس N. Leites الاستعانة بتحليل اللغة الالمانية للتوصل الى خصائص الشعب الالماني.(44) وقدم شوبي E. Shouby دراسة تحليلية للغة العربية، باعتبارها ذات تأثير على السيكولوجية العربية، وليست مجرد نتاج لها، مقررا ان التفكير العربي غامض، من الصعب الوصول الى مضمونه، بالنظر الى ان اللغة العربية تتكون من بنى ووحدات غامضة وجامدة وغير متميزة، وهو ما رآه يؤدي الى ضحالة مستوى العمليات التصورية، والى غموض مواقف الحياة اليومية.

وزعم شوبي ان تراث هذه اللغة، خلافا لتراث اللغات الاوروبية، يبالغ في تأكيد أهمية الالفاظ وموسيقاها، على حساب معانيها ومضامينها والعلاقات بينها، وان التعبير بالعربية يتميز بالانفعال والنمطية والمبالغة الشديدة التي تجعل التفاهم متعذرا خاصة مع غير العرب، وهو ما يرجع في نظره الى ان: »العرب مضطرون لزيادة التأكيد والمبالغة في سلوكهم، وهو ما يبدو في اكتناز اللغة العربية باساليب المبالغة«.(45)، كذلك قدمت مارينا ياجيللو M.Yaguello دراسة حول وضع المرأة الفرنسية ودورها في المجتمع، من خلال تحليل الكلمات والافعال والعبارات والتراكيب الشعبية المقدمة عنها في المعجم الفرنسي، وتوصلت الى أن الرجل في المجتمع الفرنسي لا يحترم المرأة، وكذلك لا تقدرها اللغة الفرنسية المستخدمة.(46).

وحديثا قدم الباحث التونسي منصف شللي دراسة مقارنة بين اللغتين العربية والفرنسية، في محاولة منه لصوغ نظرية تقيس نسبية الثقافات انطلاقا من بنية اللغات التي تحمل مضامينها، وضمنيا تحديد هوية الانسان العربي ووعيه لذاته ومجتمعه، وتوصل الى نتيجة مؤداها ان من يتكلم العربية عربي في كينونته، ومن يتكلم الفرنسية فرنسي في كينونته.(47)

ليفي ستروس والتحليل الفونولوجي للنظم القرابية:

وقد افاد ليفي ستروس من منهج التحليل البنيوي كما تبلور عند الفونولوجيين، وطبقه في دراسته لعدد من الظواهر الاثنولوجية.

ومرد هذه الإفادة يعود في الواقع، لا الى المصادفة كما توحي بعض الكتابات، ولكن الى موقف ثابت منه تجاه اللغة كظاهرة اجتماعية، والبنيوية كمنهج، وعلم اللغة كعلم طبق هذا المنطق بنجاح. ولديه، فالبنيوية تمثل اكثر المناهج قدرة على فهم وتحليل المعلومات الاثنوجرافية، وتعد في الوقت نفسه أفضل وسيلة يمكن بها تجاوز هذه المعلومات ووقائعها العيانية المشخصة، والوصول الى الخصائص العامة للعقل الانساني، لأنها تستهدف أساسا الكشف عن الصيغ الكلية التي تكمن وراء الفكر، بصرف النظر عن اختلافات الزمان والمكان، وتباين المجتمعات والثقافات.

فكما أن اللغة تتكون من عناصر صوتية بسيطة تتحد فيما بينها لتشكل معنى، دون ان يكون هناك معنى لأي من هذه العناصر على حدة، كذلك فان الظاهرة الاثنولوجية لا تحمل في ذاتها أي مدلول خاص، ولكن علاقاتها بالظواهر الأخرى هي التي تمنحها المعنى. ولهذا، فان ما يجب أن يوضع في الاعتبار ليست الوقائع ذاتها، وإنما العلاقات بينها، بما يشي ان البنيوية: »تقترح على العلوم الانسانية نموذجا معرفيا أقوى من كل ما عرفته حتى الآن، فهي تكشف وراء الاشياء عن وحدة وتناسق، يعجز عنها مجرد وصف الظواهر التي تبدو وكأنها متناثرة بدون تنظيم«.(48)

وتعلم ستروس أسس منهج التحليل البنيوي كما تبلور في مبحث الفونولوجيا عند اللغوي الروسي نيقولاي تروبتسكوي N.Troubetskoy وكان يطلق عليه »عمدة الفونولوجيا الشهير«، لأنه فرق في دراسته للأصوات بين مجالين هما: مبحث الأصوات Phonoetiqe الذي يصف الأصوات كوحدات مستقلة عن بعضها فيدرسها دراسة تشريحية، ومبحث وظائف الاصوات Phonologie الذي يحاول دراستها من خلال وظائفها داخل النظام اللغوي، كعناصر في بنية كلية تتسم بسمات فونولوجية معينة، وهو ما أفاد منه ستروس في مماثلاته بين المنظومة اللغوية والمنظومات الاثنولوجية التي درسها، بادئا بموضوع القرابة كمثال تطبيقي لذلك المنهج، حيث النسق البنيوي بين النظامين الفونولوجي والقرابي واحد، وان اختلفت المادة أو المحتوى.

لقد وفرت نظم القرابة له اول مماثل دقيق للنظم الصوتية، فهي في الواقع مكونة على المستوى اللاشعوري من الفكر، ثم ان الدوال الوحيدة فيها هي ازواج التقابلات، وبوجه عام العناصر الفارقة (أب/ ابن، خال/ابن اخت، زوج/امرأة، أخ/أخت)، فالنظم القرابية بالتالي ليست على مستوى المفاهيم، بل على مستوى أزواج العلاقات.

غير أن ستروس الذي حاول أن يماثل بين البنى الفونولوجية والبنى الاثنولوجية، والقرابة بخاصة، كان ينطلق من وحدة للتأويل يمكن اكتشافها بسهولة عبر مفهوم »التبادل«، الذي تستخدمه البنيوية كأساس لتغير العلاقات القائمة بين البنى، وتترجم في المجال اللغوي الى مفهوم »الرسالة«.

أما كيف ربط ستروس بين المفهومين: »التبادل« و»الرسالة«، فقد وجد اللغة اساسا إنما تقوم على تبادل الدلالة للنص الذي يتفوّه به الفرد كي يفهمه الآخر. أحدهما يصوغ الرمز، والآخر يفكه. فهناك مصدر للإرسال وآخر للتلقي، والجسر الواصل هو الرسالة او مضمون الرمز، وهو أمر موضوعي متعارف عليه، وفي الاصل لا يمكن القول بجماعة ان لم يكن الرابط بين خلاياها الفردية وصيغتها الجماعية ونظمها هي شبكة التبادل.

واللغة اساسا هي التي تحقق قاعدة التبادل، بما يشي بإمكانها تفسير مختلف العلاقات والبنى الاجتماعية والانسانية. وقد صاغ ستروس تحليله على وحدة هذا التماثل بين اللغة، من حيث هي بنية التبادل، وبين مختلف شبكات التبادل الاثني والانثروبولوجي، مرتئيا ان نظام القرابة نفسه انما يعكس شبكة تبادلية للنساء، تعكس في ذاتها نظام العلاقات القرابية بين الافراد والجماعات. من هنا تبدو رسالة القرابة كتحريك لموقع المرأة بحسب نظم التحريم والسماح، إنها لغة تتكلم شبكة العلاقات الاجتماعية القائمة، التي يحكمها نظام القرابة أصلا«.(49)

ويحدد ستروس الأمر على شكل السؤال التالي: »يمكن اعتبار ظواهر القرابة، على مستوى آخر من الواقع، على شاكلة ظواهر اللغة. فهل في مستطاع الباحث الاجتماعي باستعماله طريقة مماثلة لتلك التي قدمها مبحث وظائف الاصوات ان يدفع علمه في تقدم شبيه بذلك الذي تحقق في علم اللغة؟«.(50)

ان ما قدمه ستروس يقوم على إثبات هذه الامكانية، وعلى استطاعته الوصول الى نتائج »صارمة«، تماثل نظريتها في علم اللغة، ففي دراسته للقرابة، يكون الباحث الاجتماعي في وضع مماثل لوضع اللغوي. اذ على غرار النظم الصوتية، فان نظم القرابة تحمل دلالة، وان جاز القول ان أركان القرابة مثل الدلالة اللفظية، لا تكتسب دلالة اجتماعية إلا بشرط أن تتكامل في نظم.

بيد أن التماثل بين اللغة والقرابة لا يظهر، إلا إذا نظمناه انطلاقا من الخصائص التي تجعله ارتباط قرابة، وليس نمطا عضويا. ذلك لأن قواعد الزواج: »تمثل وجوها من تأمين تبادل النساء داخل الفئة الاجتماعية، يعني ابدال منظومة من العلاقات البيولوجية، بمنظومة قرابة اجتماعية«.(51) وان جاز النظر الى نظم القرابة كمواجهة درامية بين الطبيعة التي تطالب بالتقاء النوعين، وبين الثقافة التي تتدخل لكي تنظم هذا الالتقاء.

ومع ذلك ورغمه، تتبدى مفارقة عجيبة عبر هذه النظم، هي ان احدى نظمها الفرعية، والخاصة بمنع الاتصال بالمحارم Prohibition de l`inceste والتي تتميز بانتشارها بين كافة المجتمعات، وبإمكان رد كافة صلات القرابة إليها، تنتسب الى الثقافة، وفي نفس الوقت تتصف بالعمومية. ومن ثم حاول ستروس أن يثبت جدارة منهجه البنيوي في حل هذه المسألة، التي طالما اصطدم بها الاثنولوجيون قبله، ولم يتوصلوا الى تحديد أسبابها الحقيقية.

وعنده، فان منع الاتصال بالمحارم لا يمكن ان يفسر في نطاق التقابل بين الطبيعة والثقافة. ذلك ان التفسير الطبيعي الذي قدمه وسترمارك Westermark، وبرره بالفتور الغريزي من الاتصال بالمحارم، او لويس مورجان L.Morgan الذي عزاه لما قد ينجم عنه من أضرار على النسل، يعد تفسيرا غير مقنع. لسبب جلي، هو ان الاثنوجرافي يكشف في المجتمعات المدروسة عن درجات من القرابة ينطبق عليها المنع، ونفس هذه الدرجات لا ينطبق عليها المنع في مجتمعات أخرى.(52) كذلك فان التفسير الثقافي ليس أكثر إقناعا، إذ كيف يمكن أن يكون الاساس وراء ظاهرة عامة كتلك، ثقافات متنوعة وأسباب جزئية؟(53). إن منع الاتصال بالمحارم ليس طبيعيا، كما انه ليس ثقافيا، وانما هو في مفترق الطرق بين الاثنين، »فهو يعبر عن الانتقال من حالة طبيعية هي قرابة الدم، الى حالة ثقافية هي التحالف«.(54) إنه تدخل حاسم في مولد النظام الاجتماعي. فالمنع هنا يتخذ وضعا وسيطا وتأسيسيا، حيث انه لا يرجع الى مستوى النظام الاجتماعي، كما انه لا يرد الى مجرد المستوى الثقافي الذي يتميز بالمعيارية والقوانين الخاصة والالزام. انه ينتمي الى الميدانين في آن معاً. هو منع يقع على ملتقى الطبيعة والثقافة. ان التحالف او الترابط يلعب في هذا النظام دوراً تحكيمياً كاللغة. هو القاعدة الضرورية التي يضعها الانسان بدلا من النظام الطبيعي، وهو ما يعني القول ان منع الاتصال بالمحارم يحتوي على قواعد خاصة و»كود« Code معياري هو الثقافة، وطابع عام هو الطبيعة. »انه يقع في وقت واحد على عتبة الثقافة وداخلها، وهو، بمعنى من المعاني، الثقافة ذاتها«.(55) وان هذه الفرضية البنيوية توسع التساؤل، لأنها تأخذ في اعتبارها الجوانب السلبية والايجابية لهذا المنع، وتعطيه طابع التعاقد والاتصال الذي ينشأ ابتداء من روابط الزواج الذي يقوم على نظام التبادل.

ذلك أن الوظيفة الأولى لعلاقات القرابة هي إعادة الانتاج الاجتماعي للعلاقات الانسانية، ودوره منع الاتصال بالمحارم عبر ضمان توزيع النساء، وضمان خلق علاقة متبادلة واتصال بين الاسر المختلفة، لانه يلزم بتكوين أسر جديدة، ومن ثم استمرار وجود الجماعة، وهو ما يعني انه لم يوجد إلا لكي يضمن ويؤسس نوعا من التبادل، مباشرة او بطريق غير مباشر.(56)

وهذه الظاهرة لا تنص على تحريم الزواج بالأم أو الأخت او الابنة، بقدر ما تبتغي ضرورة إعطاء هذه الأم او الاخت او الابنة للآخرين. »فالمرأة التي ترفض لك، ترفض لأنها مقدمة لآخر.. ففي الوقت الذي لا أسمح فيه لنفسي بالاقتراب من امرأة لأنها ستكون من نصيب رجل آخر، سيكون هناك في مكان ما رجل يتنازل عن امرأة لكي تكون بالتالي صالحة لي«.(57) إن هذا المنع هو الذي يضمن المقايضة، كما ان المقايضة هي التي تفسر المنع. وهكذا فانه على مستوى الثقافة، يمكن التوصل الى وظيفة منع الاتصال بالمحارم، ليتبقى اكتشاف نسقه على مستوى الطبيعة، وهو ما يعني الانتقال من المقايضة Exchange الى التبادل Reciprocite ، باعتبار هذا الاخير الصورة العامة او المبدأ الذي يضمن لهذه الظاهرة صفة العمومية، ثم ننتقل من التبادل الى البنية الشعورية.

ويرى ستروس ان مبدأ التبادل إنما يجد التطبيق المناسب في التنظيم الثنائي Organisation dualiste للقبيلة، والذي فيه نجد اعضاءها ينقسمون الى قسمين تربطهما صلات معقدة تجمع بين العداء والألفة، وتتم مقايضة النساء عادة بينهما.(58)

وستروس لا يعترف بهذا التنظيم كمؤسسة اجتماعية، كما اعتاد الاثنولوجيون ان يطلقوا عليه، وإنما كتقنين Codification لمبدأ التبادل. فقد كانت عادة الاثنولوجيين ان يفترضوا أولا وجود هذا التنظيم الثنائي، ثم يستنتجون بعد ذلك وجود زواج قائم على الاختيار من النصف المخالف. ويعارض ستروس هذه التصورات، ويراها تاريخية ومثالية، ويؤكد أن هذا النوع من الزواج وجد أولاً، أما التنظيم الثنائي فيهدف الى ان يكيف له النظم الاجتماعية، وهو ما يوضح ان الاولوية هنا لعلاقة حالة Un rapport immanent منظمة لها معقوليتها الداخلية، دون أن يكون لهذه الاولوية أي وجود سابق في الزمن. إذ اننا هنا بصدد خصائص منطقية حالة، لا تعتمد على نية المشرع او على احداث التاريخ. ان هذا المنطق يختبئ في بنية لا شعورية، تمثل الخلفية العطائية للتبادل، وتضمن ظهوره، وتفسر ظهور المقايضة، وهي نفسها التي أظهرت اللغة، خصوصا وان كليهما (الزواج الخارجي واللغة) لهما نفس الوظيفة الاساسية، وهي الاتصال بالآخرين، والتكامل بين الأنا والغير.(59)

من هنا، فان نظام القرابة لا ينفصل عن اللغة، بل هو لغة، من كونه: »لا يرد الى روابط موضوعية للدم بين الافراد، إنما يوجد في أذهانهم فقط«.(60)

ماركيوز واللغة وحيدة البعد في المجتمع الصناعي:

ويجيء اهتمام ماركيوز بدراسة هذا الموضوع، متسقا مع توجهات مدرسة فرانكفورت Frankfurt School ، باعتباره واحدا من أبرز منظريها. وتقوم هذه التوجهات على اساس من فكر نقدي، يؤكد على أهمية العنصر الذاتي في النشاط الواقعي، وعلى الدور الذي تلعبه الثقافة والحياة اليومية في بناء القوة.

ولهذا السبب، رفض ماركيوز معالجة قضية اللغة في المجتمع الصناعي، عبر مبادئ الوضعية المنطقية، موضحا عدم كفاءتها في التحليل اللغوي، لأنه رآها تهتم باللغة المباشرة وتهمل التصورات، ومن ثم تردم الفوارق بين المفاهيم، وتحاصر الأفكار داخل عالم مبتور، هو عالم القول العادي، حين تتخذ من علاج الالتباسات التي تنشأ عن سوء الاستخدام الشائع للغة مرجعا لها، بما يعني استبعادها للتصورات التي تتجاوز هذا الاستخدام.

وقد عالج ماركيوز قضيته، في اطر دراسته لقضايا ومشكلات الانسان في المجتمع الصناعي، المتقدم، يستوي في ذلك لديه المجتمع الرأسمالي منه والاشتراكي »السوفييتي«، ليكشف الجانب المخفي تحت رمزيات هذا المجتمع. وفي نظره، يستهدف هذا المجتمع، تقليص عالم الفرد الداخلي وبالذات مجال اللغة، بواسطة تكريسه للغة وحيدة البعد One- dimensiomed Lasnguage تستبعد من تراكيبها ومفرداتها كافة الافكار والمفاهيم النقدية، وهي اللغة التي تتضح بوجه خاص لدى محترفي السياسة وصناع الرأي العام، حيث تتبدى عارية من التوتر والتناقض والتطور والصيرورة، لتضحى لغة عامية، سلوكية، بلا تاريخ ولا أبعاد، او بكلمة واحدة، لغة مقفلة، منغلقة على ذاتها، تبقي ما هو خاص في نطاق محدود، وتمنع ارتباطه بالبناء الاجتماعي العام، كي يصبح بالامكان حصره ومعالجته، على نحو يكفل حسن سير النظام في مجموعه.(61)

ذلك ان تقدم العلم والتكنولوجيا في هذه المجتمعات الصناعية المتقدمة، فرض ضربا من الهيمنة، تحولت اللغة في سياقه الى مجرد سفسطة، تقوم على تأكيد بأن كل ما في الانسان يجد شرحه في شبكة العلاقات والروابط، داخل منظومة مشيدة على مختلف المستويات العلمية والاجرائية في هذه المجتمعات. ومن ثم، فكل اعتراض كلامي يبدو ضربا من العبث، حيال التماسك الموضوعي، والذاتي معا لهذا الجهاز المنظم الضخم، الذي يخترق بزخمه كل كثافات العالم الخارجي والعالم الانساني، ويحدد بلعبة متحولاته أشكال العلاقات والتصرفات والتعابير كلها. »وهكذا ينشأ نموذج للفكر والسلوك وحيد البعد، تستبعد فيه الأفكار والآمال والأهداف التي تتجاوز بمحتواها الكون القائم للعقول والفعل، او ترتد الى اطار هذا الكون«.(62)

وبهذه الكيفية، يقوم تحليل ماركيوز النقدي للغة المجتمع الصناعي المتقدم، على النفاذ الى ما وراء ظاهر الكلمات، للكشف عن كوامن هذه اللغة في العلاقات الاجتماعية المستمرة بها، والتي غالبا ما يحاول هذا المجتمع حجبها.

ولكن ما هي الآليات التي يتخذها المجتمع الصناعي المتقدم في هذا الصدد؟

يبادئ ماركيوز بالتأكيد على آلية تشييئ reification اللغة التي يلجأ اليها هذا المجتمع، حين يعاينها ككيان مفارق للفعل الانساني، مما يفضي الى إقامة ثنائية من اللغة والقيم، تقوم بتكريس وخدمة واقعه الراهن، بواسطة نظام اقتصادي تقني، يتكفل بحاجات إعادة الانتاج الاجتماعي.

فلديه، يمثل المجتمع الصناعي المتقدم تجسيدا للتشيؤ، وذلك بتفكيكه للوحدة العضوية والترابطات الانسانية في العمل البشري والحياة الاجتماعية، من خلال جعل الاشياء منفصلة، مجزأة، خاضعة للاغتراب. وفي هذا الوضع، تتحكم القيمة الصنمية fitichist للسلع بشكل آلي على الكائنات، مخضعة اياها لمعيار الكم، والقيمة التي تتحدد من خلال الطبيعة الاقتصادية التي تسقط منطق السوق والسلع على الذات والأشياء، بما يشي بتحويل كل ما هو تجريدي الى مادي، يتحكم فيه التشيؤ.

وهذا التشييئ يحول عالم القول الى انعكاس للعالم التقني، اذ انه يضحى تعبيرا عما ينجح وعما يمكن صنعه. فلا تعود اللغة ادراكا للوجود والانسان، بل تصير مجرد استعادة عقلية لعالم موضوع وظاهر، عالم ادنى، وبذا تصبح أداة من الدرجة الثانية للتنبؤ بعمليات والتحكم بأدوات إجرائية. وتقوم هذه العملية على: »اختصار المفهوم في صورة محددة، والتطور المقموع في صيغ سحرية صادقة بذاتها، والتحصن ضد التناقض، وتوحيد الشيء والشخص بوظيفته، وكلها اتجاهات تكشف العقل الواحد البعد في اللغة التي يتكلمها«.(63)

عبر هذا، يتم تحويل اللغة الى جزيئات ثابتة، عاطلة، لا تحيل الى اكثر مما تعني ظاهرا ومباشرة، اتساقا مع تقسيم المجتمع الى أفراد، الى حالات خاصة، الى ذرات، يعيش كل منها في مداره الخاص، ولا يعي الحالة العامة التي يشكل فيها حالة خاصة.

اما الآلية الثانية التي يتخذها المجتمع الصناعي المتقدم نحو اللغة، فتقوم على تسييد معنى واحد ووحيد لها، أو ما يسمى »لغة الكليشيه«. هذه الطقوسية، وهذا المعنى الواحد للغة، ونسيان كثافتها، والتقوقع في »عالم القول المغلق« يفضحه ماركيوز، حين يرى هذا المجتمع قد استولى عليه باسم عقلانيته الخاصة.

من المرجح ان هذه الظاهرة وجدت دوما بوصفها احدى نزعات اللغة، إلا أننا في المجتمع المعاصر الآخذ بالتقنية نشهد هيمنة هذه النزعة. ويتساءل ماركيوز: هل ستكون لها الكلمة الاخيرة؟ انها تترجم نفسها بصيغة لغوية جديدة. هي الكلمة التي تأمر وتنظم، والتي تحرض الناس على العمل والشراء والموافقة والإذعان، وهو الاسلوب الذي ينقلها، حيث بناء الجملة يتلخص ويتكثف كي ينعدم كل توتر وكل فسحة بين مختلف أجزائها، وهو ما يتضح كمثال في استخدام فعل الأمر في لغة الاعلان الامريكية (اشتروا، كلوا، اشربوا…) اللغة هنا تنزع الى التوحيد بين محتوى المفهوم الفكري، والكلمة التي تعبر عنه بطريقة عامة وموحدة. »إن اللغة لا تحيل إلا الى السلوك الذي كيفته الدعاية ووحدته فتصبح كليشيها، وتتحكم بهذه الصفة المحكية او المكتوبة. وعندها يحول الاتصال دون نمو الحواس نموا أصيلا«.(64)

وتبدو الآلية الثالثة في تكريس وهم الحقيقة، بواسطة استخدام أساليب نمطية للغة. إذ يلاحظ ماركيوز ان المجتمع الصناعي المتقدم يمارس صناعة توجيه العقول عن طريق الكليشيهات والشعارات والاختصارات والعبارات الجاهزة ready- made sentences ، الامر الذي يبرر امتداد استعمالها، وتسطيح دلالتها، وتمييع المعنى الحقيقي للمدلولات. ويضرب أمثلة على ذلك، بعبارات تنتشر في المجتمع الامريكي مثل »القنبلة النظيفة«، و»تايلور اب القنبلة الهيدروجينية« و»فون براون مخترع الصواريخ العريض المنكبين«… الخ. »ومثل هذه التعابير، وهو امر ليس صدفة، يتردد بصفة خاصة في كلمات تربط التكنولوجيا بالسياسة وبالنزعة العسكرية، وتدمج بين مصطلحات تنتمي لمجالات او كيفيات مختلفة في كل شامل«.(65)

ويلجأ ماركيوز الى كشف خداع هذه اللغة ووهمها وعناصر السلب الكامنة فيها، بالتساؤل حول شرعية ومضمون امتداد هذه التعابير: فوصف مخترع القنبلة الهيدروجينية بانه اب هو خداع مقصود يربط الحنان بالتدمير، فيستخدم العبارة الاولى الشعرية (أب) لمحو فاعلية العبارة الثانية الفعلية (القنبلة الهيدروجينية). وفي هذا يتبدى دهاء العقل وخداعه في الجمع بينهما، حيث: »مؤالفتهما تساعد على الجمع بين النقائض«.(66)

ونأتي الى آخر الآليات التي يتخذها المجتمع الصناعي نحو اللغة، والتي يحددها ماركيوز في الاستخدام الوظيفي للغة.

ذلك ان اللغة المغلقة والمستبدة في هذا المجتمع، تندمج مع المقومات الاساسية للتنظيم الاجتماعي، فتصبح افضل أدوات الرقابة والقمع ذات الصبغة العقلانية التي تزيد من فعاليتها، إذ تتعاون على دمج الافراد، والتحكم في الجماهير، ليس فقط حسب نوع القيم التي تتنادى بها، ولا كجهاز انتشار للتقنية ، بل أيضا على شكل الاتصالات المنقولة، ونمط الإعلام المقدم، والآراء التي تبتدعها، والدعاية والاساليب التي تفرضها، ونمط الخطاب الأدبي، والبحث العلمي المندمج أكثر من أي نشاط آخر في اقتصاد المؤسسات العملاقة والشركات الكونية.

ويوضح ماركيوز انه في المجتمع الامريكي، يتم استلاب عقول الجماهير، عندما تنسب الأشياء لهم، كي تبدو وكأنها نابعة منهم وصادرة عنهم. »وتتأسس هذه العلاقة عبر لغة مصطبغة، بصيغة شخصية، تلعب دورا فاعلا في وسائل الاتصال الجماهيري: هذا عضوكم (أنتم) في الكونجرس، وهذه دربكم (انتم)، وهذا مخزنكم (انتم) المفضل، وهذه صحيفتكم (انتم).. لقد جلب خصيصا (لكم).. انه يدعوكم (انتم)… الخ. وبهذه الطريقة ، فان الاشياء والوظائف العامة المفروضة، الموحدة المعيار،تتمثل كما لو كانت قد صفت (خصيصا لكم). ولا يهم كثيرا ان صدق الافراد المعنيون هذه اللغة أم لا، لأن فاعليتها تكمن في انها تشجع وتسهل توحد الافراد ذاتيا مع الوظائف التي يؤدونها هم والآخرون في المجتمع.(67)

بل ان اللغة في غالب الخطاب الأدبي بهذا المجتمع الصناعي المتقدم تظل مهمشة، لا صلة لها بالعالم الكلي، انها بتعبير ماركيوز »عالم من الانشاء المغلق«. فالنظام يرفض مضامين هذا الخطاب »الهدامة«، ويحاول ترويضها كمنتوجات ثقافية »غير مؤذية«، يستطيع استهلاكها، دونما خطر، بعض اصحاب المخيلة الخصبة.

كذلك يلاحظ ماركيوز ان لغة البحث العلمي في هذا المجتمع اصطلاحية شديدة التعقيد، يصطنعها الباحثون الاجتماعيون ويتوارثونها، بعد إضافة المزيد من التعقيدات عليها، وتلك لغة يراها تشكل حاجزا يقف بين العقل والفهم، وتخفي الصورة الحقيقية القبيحة للمجتمع، وتخدم اهداف الترشيد الوظيفي لكل العمليات الفردية في الجهاز المعقد للمجتمع الرأسمالي.

على أن الامر هنا لا يقتصر لدى ماركيوز على هذا المجتمع الرأسمالي، اذ يرى ان النظام السوفييتي كذلك يستخدم الصيغ الماركسية التقليدية كشعارات سحرية يخلب بها ألباب مواطنيه، ويخدّر بها عقولهم كي تنتشر بينهم روح المسايرة والرضوخ، وهي نفس الروح المميزة لإنسان المجتمع الرأسمالي، »فهذه اللغة المصطبغة بصبغة الطقوس، تحتفظ بالمحتوى الاصلي لنظرية ماركس على انه حقيقة ينبغي الاعتقاد بها، لكنها تفتقد ذلك في التطبيق الذي يظهر على نحو مخالف تماما«.(68)

إنها اللغة الوظيفية كلغة ادارة شمولية للوجود، والاتصال الموجّه، الذي يكمل السيطرة على البشر والتحكم فيهم، ويفرض التوحيد البشري، ويمارس الرقابة والعنف على الملكات والقوى، وهي أيضا »لغة معادية تماما للتاريخ، لأن العقلية البراجماتية التي تصوغها لا تفسح إلا مكانا واهنا واستخداما ضعيفا للعقل التاريخي.. اعتبارا من انه اذا ما جمد السلوك اللغوي المنظور التصوري، واذا وقف ضد التجريد والتوسط، وإذا استسلم للوقائع المباشرة، فانه يرفض الإقرار بالعوامل القائمة وراء الوقائع، بل يرفض الإقرار بهذه الوقائع ومحتواها التاريخي«.(69)

تقييــــم نقـــــدي:

عبر تلك المباحث والنظريات والمساهمات، وبرغم ما يراه الانثروبولوجي الامريكي رالف لنتون r.Linton من ان: »دراسة اللغة يمكن ان تجري دون اهتمام كبير بعلاقاتها مع الجوانب الاخرى من النشاط الانساني«.(70) فلاشك ان التقاء الدرسين اللغوي والانثروبولوجي قد أثمر بعضا من النتائج الايجابية، يقف عى رأسها الخروج على النمط السائد في الدرس اللغوي، الذي كان يعلي من شأن الدراسات النصيّة غير المباشرة، وذلك باحتفائه بالبحث الميداني المباشر، وان جاز القول ان دوصوسير كان الاسبق في هذا المجال، حين قضى بعض الوقت في منطقة لوثينيا Luthenia يدرس لهجات سكانية دراسة ميدانية، وكان من نتائج تلك الدراسة توصله لمبدأ مهم، حول ان الوثيقة اللهجية الشفاهية اصدق من الوثيقة المكتوبة لدراسة منحى لغة من اللغات.

ومع ذلك ورغمه، فان غالب الدراسات حول اللغة والثقافة ، لا تسلم من التعجل في إقامة الصلة بين البنى اللغوية، وبين مجموعات من الظواهر الاجتماعية الثقافية المدروسة في صورة مسطحة. ذلك ان المجتمع وثقافته، لا يمكن أن يحدا أو يختزلا في نطاق اللغة. صحيح ان عدم وجود علاقة بين نظام الثقافة ونظام اللغة يجعل من النشاط الانساني نوعا من العلاقات الفوضوية المتناثرة، التي لا تقوم تعابيرها وظواهرها على روابط مميزة، لكن الاصح ان تحليل المجتمع وثقافته لا يمكن أن يتم من خلال صورة لغوية ثابتة.

وتورد شارلوت سيمور – سميث Ch. Seymour Smith، ان تبني النماذج اللغوية في تفسير وتحليل النظم الاجتماعية والثقافية، يثير صعوبات فكرية ومنهجية، تتحدد في مدى مصداقية اللغة كنموذج رئيسي يعتمد عليه في تحديد بنى التصنيف او الفكر، وكذلك في مدى مشروعية الثقافة والتنظيم الاجتماعي كأنظمة اتصال، يمكن تحليلها بنفس الطريقة التي يتم بها تحليل بنود اللغة.(71)

ويلمس اللغوي المصري محمود فهمي حجازي هاتين الصعوبتين، حين يرى ان اللغة لها نظامها الخاص بها، وان مفرداتها لا تطابق مفردات الوصف الاثنوجرافي، ذلك انه لو كانت المطابقة مباشرة، لقلنا بان عدد المداخل المعجمية يطابق محتويات الوصف الاثنوجرافي الكامل دون زيادة او نقصان.(72)

كذلك ينتقد رومان جاكوبسون R. Jakobson فرضية سابيروهورف. مذكرا: »ان هذه الفرضية توحي بوجود شبكة من العلاقات الخصبة المتبادلة بين مجموع مفاهيمنا القواعدية وبين ما في عقليتنا قبل الشعورية والاسطورية والشعرية من صور أليفة. لكن هذا لا يسمح لنا بافتراض علاقة إلزامية ما بين المدونة الكلامية وعملياتنا عند إنشاء المعاني الخالصة، او ان ترتبط منظومة المقولات القواعدية بتصوراتنا عن العالم الموروثة عن الأجداد«.(73)

ولا تسلم الأسس المنهجية التي صاغها الانثروبولوجيين أيضا من هذا النقد، مثال ذلك الاعتراضات العديدة حول منهج الفهم الذاتي، الذي تتخذه الانثروبولوجيا المعرفية في دراسة الطريقة التي تعمل على تنظيم خبرات الافراد، عن طريق تحاليل المقولات اللفظية التي يستخدمونها في التعبير عن هذه الخبرة، وهو ما يتضح في قول سابير: »انه من الصعب فهم الفعل الذي يصدر عن شخص ما، حتى اذا قبلنا ضمنيا التعابير التي تفسر هذا الفعل. وكذلك عندما يقوم باحث بوضع تقرير عن أفعال جماعة في ثقافة ما.. في الوقت الذي لا يكون عنده أي تفسير لهذه الثقافة. إذ قد ينجح في تقديم صورة تتفق مع ما يراه ويسمعه، ولكنه لا يستطيع ان يصوغ هذه العلاقات في شكل مصطلحات تكون مفهومة ومقبولة من لدن اصحاب الثقافة ذاتها، فالاسباب التي قد تكون مقبولة لديهم بازاء نوع معين من السلوك، قد لا تكون مقنعة بالنسبة له في تفسيره. وغالبا ما يفشل هذا الباحث في ملاحظة الجوانب المهمة في افعال أعضاء هذه الجماعة،والتي تعطي اهمية لما هو موجود في عقول هؤلاء الناس، الذين عندهم القدرة على فهم هذه الافعال، فالاشكال المهمة التي قد تبدو واضحة له، قد لا يكون لها نفس الاهمية عندهم«.(74)

ان المنطلق الرئيسي لأطر تلك البحوث النظرية والمنهجية وهو حقيقة ان اللغة ليست سوى نتاج اجتماعي، منطلق صحيح، إلا ان تلك البحوث قد أهملت حقيقة اخرى، وهي ان اللغة اقل النتاجات الاجتماعية تأثرا بما يطرأ على الجماعة من تغيرات، بعبارة اخرى، فان اللغة كأداة للاستمرار الاجتماعي، تظل محتفظة بقواعدها ومفرداتها عبر مراحل تاريخية طويلة وحافلة بالتغيرات. وبالتالي فان الاعتماد على تحليل اللغة، للتوصل الى شخصية الجماعة، يغفل ما يطرأ على تلك الشخصية من تغيرات قد تكون اساسية عبر عصور طويلة، تظل فيها اللغة نسبيا على حالها.(75)

الأمر إذن يبدو بحاجة الى بذل جهود مبدعة، تدفع الى تقصي واستغوار العلاقة بين اللغة والثقافة، والاهتمام باشكالياتها وتساؤلاتها، خاصة مع تأثير نذر العولمة راهنا في تشظي اللغة وتناقض مدلولاتها، وتوسع »سوقها الكوني«.

ها نحن نتقدم في المساءلة حين نومئ الى وعود بحثية مطروحة، تقدم أجوبة لم تستطع بعد الانثروبولوجيا ان تشارفها.

الهوامش

1 – بيربورديو: اسئلة علم الاجتماع- حول الثقافة والسلطة والعنف الرمزي، ترجمة ابراهيم فتحي، دار العالم الثالث، القاهرة 1995، ص931- 149.

2 –

Sapir E.: Selected Writings in (Language

Culture and Personality). Edited by D. Mandlebaum

University of California Press. Brkeley- Los Angles.

P161.

3-

– Boas. F: Handbook of Amercan- Indian Languages (Vol.1) Bulletin 40 Washington 1990. P73.

4-

– Benevenist. E: Problemes de linguistque generale (Tome 1). Gallimant. Paris 1497. P38.

5 – ابوالفتح عثمان بن جني: الخصائص، تحقيق الشيخ محمد علي النجار، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1990، ص44-45.

6 – حازم القرطاجني: منهاج البلغاء وسراج الادباء، تحقيق محمد الحبيب ابن الخوجة، دار الغرب الاسلامي، بيروت، 1981، ص73.

7 – ابوعثمان الجاحظ، البيان والتبيين، تحقيق عبدالسلام محمد هارون، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1984، ص21.

8 – سيف الدين ابوالحسن الآمدي: غاية المرام في علم الكلام، تحقيق حسن محمود عبداللطيف،منشورات المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية، القاهرة، 1971، ص121.

9 – عبدالقاهر الجرجاني: اسرار البلاغة في علم البيان، نشر محمد رشيد رضا، القاهرة، 1959، ص43.

10 – ابوالنصر الفارابي: احصاء العلوم، حققه وقدم له وعلق عليه عثمان أمين، مكتبة الانجلو المصرية، القاهرة، 1968، ص57.

11 – محمد الجوهري: الانثروبولوجيا- أسس نظرية وتطبيقات عملية، مطابع سجل العرب، الطبعة الاولى، القاهرة 1980، ص40.

12 –

Hymes. D: Language in Culture and Society New York- London. 1469 P.xxlii.

13- – Ibid. P5.

14- – Argyle 1.

15-

– Birdwhistel. I.RL: Kinesics and Context Essays on body motion Communication.

University of Pennsylvania Press.

Philadelphia. 1970. P38-89.

16 – ايكه هولتكرانس: قاموس مصطلحات الاثنولوجيا والفلكلور، ترجمة محمد الجوهري وحسن الشامي، دار المعارف بمصر، القاهرة، 1971، ص299- 300.

17 –

Olmstdt. DL: Etholinguistics so for in J.B Caroll.

Studies in Linguistics.

Harvsrd University Press. 1699. P121.

18- – Ibid. P419- 1392.

19-

– Martinet. A: Elements de linguistique generale Paris 1397 P72.

20-

– Ullmana. S : Precis de Semantique Francaise A. Francke Berne. 1398. P75.

21 –

– Levi Strauss. C: :La Pensee Sauvage Paris 1692 P31.

22-

Frank. C.O: A structural description of

Subanun in W. Goodenough (ed) Exploration in cultural Anthropology Mc Graw Hill. New York 1469. P92.
32-

– Mathore. G: La methode en Lexicologie

Domaine Francais Didier. Paris 1398. P88.

24 – محمد صالح بن عمر: العربية وثورة المناهج الحديثة، دار الرياح الاربع للنشر، تونس، 1976، ص157- 176.

25 –

Barnoum./ V. An introductiom to Athropology (Vol. 52) Ethnology. The Dorsey Press Homework. 1928 P753- 753.

26- Frake C.O. OP. Cit. P81-

27-

– Frake C.O: How to ask for a drink in Subanum

in J. Pride and J. Holmes (eds.) Sociolinguistics. Penguin Books LTD.

England. 1979. P620- 672.

28- Gumperz. I. I. And D. Hymes. Directions in- Sociolnguistics- The Ethnography of Communication. New York 1972. P61.

29- Hymes . D: The Ethnography of Speaking in -(Readingsin the Sociology of Language). I.A Fishmaned) Mouton Publishers- The Hague. Paris-

New York 1977. P31.

30- – Ibid. P19.

31- Stline. I : A Propos du Marxisme en-LinguistiqueEdition de la Nouvelle Critique. Paris 1979. P28.

32- Malinowski. B: Magic Science and Religion- and ether essays The Free PressLondon 1698. P243.

33- Malinowski. B: The problem of meaning in Primitive languages. Supplement I, in Ogden and Richard. The meaning of meaning Routledge and Kegan Paul. London 1699. P269-363.

34- – Ibid. P180.

35- Malinowski . B. Magiq. Science and Religion Op. Cit. P173-175.

36- – Ibid. P180.

37–Firth. I.R: Ethnograpjic analysis Language with refrence to Malinowsks views in (Selected Papers) m N.Palmer (ed). Longmans . London 1698. P731.

38- Sapir. E: Selected Writings (Vol.2) Barkeley- -Los Angelos 1369 P104.

39- – Ibid P111.

40- – Ibid. P131.

41- – Ibid. P118 .

42- – Ibid P78

43–Thorner. I: German words. German Personality and Protestanism in (Psychiatry). On* . 1598 P403-441.

44- Kecskemeti P. and N. l,eites: Some Psychology- No 72 . 1498 P19-132.

45–Shouby. E: the influence of the Arabic language East Journal on the psychology of the Arabs in (Middle No 5 1159 P298.

46- – Yaguello . M : Les mots et Les Femmes Psyol. Paris 1978.

47- – Chelli . M : La Parole Arabic- Une thcorie

de la relativite des Cultures. La Bibliotheque Arabe.

Sindibad. Paris. 1980 .

48- – Levi- Strauss. C :L`Homme nu in (my thologiques).

Vol.4 Paris 1197. P164.

49- – Levi- Strauss. C:La Pensee sauvage Plon Paris 1692. P70-75.

50- – Levi- Strauss. C: Anthropologic Strueturale Paris 1598. P101.

51- – Levi- Strauss. C: Struetures elementaires de

la Parent. Paris 1499. P68.

52- – Ibid P41-61

53- – Ibid P43

54- – Ibid P63

55- – Ibid P41

56- – Ibid P60

57- – Ibid P64- 65

58- – Ibid P87

59- – Ibid P565

60- – Ibid P659

61 – هربرت ماركيوز: الانسان ذو البعد الواحد، ترجمة جورج طرابيشي، دار الآداب، بيروت، 1979، ص161.

62 – المرجع نفسه، ص12.

63 – نفسه ، ص96.

64 – نفسه ص108.

65 – نفسه ص92.

66 – نفسه ص87.

67 – نفسه ص129.

68 – Marcuse. H : Le Marxisme sovietique tradut Par

B. Cazes Galimard. Paris 1692. P121.

69 – هربرت ماركيوز: الانسان ذو البعد الواحد، مرجع سابق ص97.

70 – رالف لنتون: الانثروبولوجيا وازمة العالم الحديث، ترجمة عبدالملك الناشف، بيروت، 1974، ص20.

71 – شارلوت سيمور- سميث: موسوعة علم الانسان – المفاهيم والمصطلحات الانثروبولوجية، ترجمة باشراف محمد الجوهري، سلسلة (المشروع القومي للترجمة)، رقم (61)، المجلس الاعلى للثقافة، القاهرة، 1998، ص421.

72 – محمود فهمي حجازي: المدخل اللغوي لدراسة العادات والتقاليد والمعارف الشعبية، وحدة التخطيط لجمع ودراسة العادات والتقاليد والمعارف الشعبية، مركز التراث الشعبي، الدوحة، 1985، ص366-367.

73 – Jakobson. R: Essais de Linguistique Generale Paris 1169. P18.

74- – Selected Writings of Edward Sapir in (Langauge and Mandlebum. D. (ed)

Persinality) Berkely university Press. 1469. P654-675.

75 – قدري حفني: الشخصية الاسرائيلية، دار الشايع للنشر، القاهرة- الكويت- امستردام، 1978، ص66.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий