Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > دعوة إلى الأنثروبولوجيا.. هذا العالم الرائع

دعوة إلى الأنثروبولوجيا.. هذا العالم الرائع

تظل الأنثروبولوجيا Anthropologie، علم الإنسان، أو “علم الإناسة” كما يحلو للبعض أن يسميها، واحدة من الموضوعات شبه الغائبة عن المشهد الأكاديمي والمعرفي العربي. ويندر أن نسمع بجامعة عربية تمنح درجة في الأنثروبولوجيا أو تضم دائرة لتدريسها. ولم يسبق لي شخصياً أن قابلت متخصصاً في الأنثروبولوجيا فيمن قابلت وصادقت وعرفت طوال عمري. لكن غياب الأنثروبولوجيا بالاسم لا يعني أنها لا تتسلل إلى وعينا المعرفي تحت عباءة عدد هائل من العلوم والمعارف الأخرى. ومع أن الأنثروبولوجيا أكثر قرابة بعلم الاجتماع، إلا أنها تتداخل مع علم النفس وعلم التشريح ووظائف الأعضاء، والجراحة، والعلوم السياسية، أو حتى نظرية الأدب نفسها. وتكفي معرفة أن كلاود ليفي ستروس Claude Levi-Strauss، أحد آباء الأنثروبولوجيا الحديثة، قد استفاد من “فرويد” في فهم السلوك البشري الفردي والاجتماعي، وأنه أنتج المدرسة البنيوية التي تستخدم، فيما تستخدم، في تأويل النصوص الأدبية والخطاب.

أصبح عالم أنثروبولوجيا الإنجليزي، إدموند ليتش، محاضراً في الأنثروبولوجيا الاجتماعية في كلية لندن للاقتصاد في العام 1946، وحصل في العام 1947 على درجة الدكتوراة في الأنثروبولوجيا من نفس الكلية. وفي العام 1953 أصبح أستاذاً في الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة كيمبردج. ثم انتخب رئيساً لكلية كينغز في الجامعة عام 1966. نال لقب “فارس” في العام 1975 وتقاعد من كلية كينغز في العام 1979. كان رئيساً للمعهد الأنثروبولوجيا الملكي في الفترة ما بين 1971و1975. وزميلاً للأكاديمية البريطانية (منذ عام 1975). وكان طوال تلك الفترة مؤسساً لاتجاه أنثروبولوجي، ومفكراً وشخصية عامة بارزة. كان كتابه الرئيس الأول هو: “الأنظمة السياسية في بورما العليا” (1945)، وفيه فند نظريات البنية الاجتماعية والتغير الثقافي. وفي كتابه الثاني “بول إيليا، جزيرة في سيلان” (1961)، وجه انتباهه إلى نظريات القرابة ليختلف مع العالم والبنيوي الفرنسي الشهير كلاود ليفي شتراوس. وقد ترجم كتابه “ليفي شتراوس” (1970) إلى ست لغات ونفدت طبعاته الثلاث. تعاقد لأربع سنوات في العام 1993 مع شركة “بترفيلد أند سواير” واكتشف أنه لم يحب أجواء العمل التجاري فعاد إلى طاولة مكتبه ليعاود الاشتغال بالكتابة. من أهم كتبه الأخرى: “أسطورة الخلق ومقالات أخرى” (1969).

لعل أفضل ميزات إدموند ليتش هو أنه استطاع النزول بالأنثروبولوجيا، في كثير من المناطق، من عالم النظرية إلى عالم العادي واليومي والعملي. فتحدث عن قضايا الحرية، والاشتراط الاجتماعي، والتعليم، والبيئة، والأقليات، ومستويات الاتصال ومشكلات المحرم، والحيواني والبشري، والثقافة والطبيعة البشرية، من بين موضوعات أخرى كثيرة. وعلى أن الموضوع الذي ترد ترجمته أدناه ليس أفضل عناوين ليتش وأكثرها مساساً بالواقع في مجلده المذكور الصادر عن جامعة ييل، إلا أن المساحة المتاحة في هذا الملحق الناشئ لا تستوعب أطول منه، إضافة إلى دلالته المقصودة على غرابة وطرافة الموضوعات التي تعالجها الأنثروبولوجيا.

المذاق والرائحة (1)

إدموند ليتش

كنت قد ألزمت نفسي في موضع آخر (2) بوجهة النظر القائلة بأن الخبرة الحسية هي مجموع كلي totality، وبأننا إذا ما وصفنا عمليات الحواس المفردة كلاً على حدة، وواحدة تلو الأخرى، فإن ما سنفعله لن يعدو أن ننقل انطباعاً فقيراً جداً عن حقيقة ما يجري. الآن، وبدافع غايات التحرير، أجد نفسي منكباً على فعل الشيء المتعذر نفسه فيما يخص حاستي التذوق والشم المنفصلتين. لهذا السبب الاصطناعي، فإنني سوف أعرّف التذوق على أنه الأحكام التمييزية discriminatory judgments التي يصدرها الفرد على أساس المدخلات الحسية القادمة عبر سطح اللسان. وسأعرف الشم على أنه الأحكام التمييزية المناظرة التي تشتق من المدخلات الحسية القادمة عن طريق الأنف. ولعل من الجدير القول إن خبراء تذوق النبيذ وذواقة الشاي المحترفين، يبدون اهتماماً بالمظهر البصري وبرائحة العيّنة بقدر ما يهتمون بمذاقها.

ومع ذلك، فإنه في هذه المنطقة المخصوصة من التمييز حيث يختلف الشم والتذوق عن الفئات الفرعية الثلاث الواضحة الأخرى من الحواس: البصر والسمع واللمس. إنني إذا ما لفظت كلمة “قط” cat، فإن هناك بداية محددة وواضحة، ونهاية محددة وواضحة تماماً أيضاً للإشارة السمعية. وعلى النفس السوية، فإن الكلمة المكتوبة “قط” Cat (بغض النظر عن لغة الكتابة) لها بداية منظورة ونهاية منظورة أيضاً. وإذا ما تحسستُ جسد القطة في الظلام، فإن بوسعي أن أحس أين يبدأ أنفها وأين ينتهي ذيلها. لكن المذاقات والروائح ليست قابلة للفصل والتجزيء بسهولة وبنفس الطريقة. ومن دون تدريب بالغ الاختصاص، فإن من الصعب على المرء أن يقرر بالضبط من أين يبدأ مثير حسي ما من الرائحة أو المذاق وأين ينتهي آخر. وعندما تتراكب المذاقات والروائح فوق بعضها البعض، فإنها تظهر وأنها تخلق مناخاً atmosphere أكثر من كون الناتج انطباعاً قوامه مجموعة من الموضوعات القابلة للفصل. إن رائحة البهارات في سوق شرقية تكون محرضة على نحو لا يخطئه الإدراك، لكنني أشك في أن أحداً، حتى من أكثر السكان خبرة، سيكون قادراً على القول في أي وقت أي أنواع من البهارات تكون موجودة في المكان وأيها ليست كذلك.

هكذا، نصل إلى استنتاج مخصوص، مباشر، لكنه سلبي. فلأن “الرسائل” المنقولة إلى الدماغ عبر أعضاء الإحساس الخاصة بالطعم والرائحة تكون غير منفصلة، فإن بوسعنا أن نؤكد بشكل قاطع على أنها ليست مبنية أو “مهيكلة” structured كلغة، حتى ولو إلى أكثر الدرجات أولية. ثمة نقطة وثيقة الصلة، وهي أننا عندما نتحدث عن الطعم والرائحة بوصفهما أشياء منفصلة islolates، فإننا نكون معنيين فقط باستقبال الرسائل الحسية، وليس بتوليدها وبثها. في حالة اللغة المحكية أو المكتوبة، والموسيقى والرقص وكافة أنواع الفنون التشكيلية من الرسم والنحت والعمارة، يتمتع الفاعل، أو الفنان، الذي يصنع “الرسالة” بسيطرة وثيقة على الصور الحسية التي يجري بثها، وبحيث يكون هناك نوع من العلاقة –من حيث الإمكان على الأقل- والتي يجري التحكم بها بين الرسالة التي يتم بثها والرسالة التي يتم تلقيها. وحتى في حالة الكلام، فإن هذه العلاقة نادراً جداً ما تكون في حالة تطابق كامل 1إلى1. وفي الفنون الإبداعية الأخرى، يكون من الصعب جداً اكتشاف المدى الذي تتطابق فيه الرسالة المستلمة مع تلك التي كان قد تم إرسالها. وما أود قوله هنا هو أن مجرد احتمال وجود مثل هذا التطابق في حالة التذوق والشم يكون مستبعداً جداً.

تحت تأثير مثيرات حسية من أنواع مختلفة، مثل التعرق الجسدي الكثيف، والجنس، والإخراج وما إلى ذلك، يطلق الجسد البشري روائح قوية، والتي تكون سمة مخصوصة للموقف وللشخص المعني معاً. لكن الفرد الذي يطلق مثل هذه الروائح لا يراقب انبعاثها ولا يستطيع السيطرة على إنتاجها. يمكن لنا، بالطبع، وبطريقة خرقاء، أن نبطل عمل عمليات مخرجاتنا الشمّية الشخصية، إما بالاغتسال المتكرر واستخدام مزيلات الروائح، أو بتشبيع الجو برائحة بديلة ما. من الواضح تماماً أن الرائحة تنطوي على مضامين جنسية (غير واعية وواعية على حد سواء)، ومع أن فنون توليف العطور الماكرة تتمتع بتاريخ يعود وراء إلى ألف سنة، إلا أن هذه اللعبة، مثلها مثل وصفات المثيرات الحسية ذات الصلة، تظل أكثر ربحية للمنتج مما هي للمستهلك. وعلى الرغم من كل التأكيدات المناقضة التي توردها صناعة الإعلان، فإن استجابة الذكور والإناث للروائح التي تنبعث من الأفراد الآخرين، سواء من جنسهم أو من الجنس الآخر، تظل غير قابلة للتوقع وتنطوي على أعلى درجات المزاجية.

ثمة أيضاً بعض الفروقات المدهشة على المستوى العابر للثقافات. فتحت ضغط المعلنين، تعلم الأميركيون الشماليون المعاصرون تمييز “العطور” المنتجة تجارياً، والتي يتم التسامح معها إلى حد كبير، بل وتنال الموافقة والإقرار، عن روائح الجسد الطبيعية التي تظل محل إدانة كونية. وهم يميلون الآن في العموم إلى ربط النظافة بغياب معقول للروائح المميزة. وبهذا، فإن أي سوق للطعام يولد رائحة قوية من أي نوع سوف يصنف على الفور بأنه غير صحي. وعلى النقيض من ذلك، يحتفظ كامل العالم العربي في الشرق الأوسط بتقليد مكرس منذ وقت طويل، قائم على أن الرائحة يجب أن تقدر لذاتها. وليست الأسواق فقط هي الغنية بروائح البهارات والبخور، وإنما يعترف بروائح الجسد كإشارات على الهوية الشخصية.

بالمقارنة مع العديد من الحيوانات الأخرى، بل وحتى الحشرات، تظل حساسيتنا البشرية للرائحة جد بدائية. ومع ذلك، يظل في منتهى الصعوبة أن نعرف كم يعود ذلك إلى كبح وتعطيل هذه الحاسة أم إلى الافتقار ببساطة إلى القدرة. من المدهش أن الرائحة التي تبدو وأنها تثير أكثر ردود الأفعال قوة في الكائنات البشرية في كل مكان هي الرائحة المنتنة والكريهة التي تصدر عن الجثة المتعفنة. على المستوى الخاص، ترتبط الرائحة بصلة حميمة بعمليتي الإخراج وبالجنس، أما على المستوى العام فإن لها صلة مباشرة جداً بالموت. وعلى المستويين، تظل منطقة حسية خاضعة بكثافة للتحريم. إننا نستجيب للروائح كل الوقت، لكننا لا نتحدث عنها كثيراً، وإذا ما حكمنا من منطق الندرة النسبية للمعلومات حول هذا الموضوع، والتي تظهر في الدراسات الإثنوغرافية، فإننا نخلص إلى أن هذا التكتم والغموض هو خاصية كونية عامة.

مع أننا نظل أقل تحرجاً وتحفظاً فيما يتعلق بالتذوق، إلا ان فئات التمييز في هذا الإطار عادة ما تكون شديدة الغموض بدورها. إن مصطلحاتنا مثل: “حلو”، “حامض”، “حار”، “بارد”، “حاد”، “مر”، “رقيق”، “لطيف”، “غني” لها نظائرها في اللغات الأخرى، ولو أنها نادراً ما تحمل نفس امتدادات المعنى بالضبط. في الغرب المعاصر. نحن في الغرب، مسلحون كما هو حالنا بالثلاجات وحافظات الطعام، نميل إلى تجنب تناول الطعام الذي أنتن، والذي يحمل بذلك تلك الرائحة التي ترتبط بالموت. أما في الثقافات الأقل تعقيداً من الناحية التقنية، وخاصة في المناطق الاستوائية، فإن هناك مقداراً كبيراً من الطعام، خاصة الطعام المكون من اللحم، والذي يكون “سيئاً” بمعنى “منتناً” أو “متعفناً”، لكن الروائح والمذاقات المتصلة تميل إلى الاختفاء تحت قناع الاستخدام الكثيف للبهارات، خاصة البهارات “الحارة” من الفلفل والشطة. ومع ذلك، تنبغي ملاحظة أن بعض الأطباق والمشهيات الرفيعة (مثل جبنة ستيلتون)، حتى في الغرب، حيث الطعام “السيئ” عادة ما يصنف سلباً على أنه غير قابل للأكل، تحمل بالضبط رائحة الموت المنتنة تلك، والتي عادة ما يجري تحاشيها في غير هذا الموطن.

من الواضح أن هذه الارتباطات بالموت والجنس هي التي تجلب الروائح إلى داخل نطاق المحرمات الدينية. كما أن من الواضح بنفس المقدار إقحام الاستجابات الفمية والشرجية وتلك الخاصة بالأعضاء الجنسية في عمليات التواصل الاجتماعي الطفولية، إلى جانب المحرمات التي تحيط بالحميميات المتعلقة بالاتصال الجنسي بعد البلوغ، والتي تجلب التذوق إلى نفس النطاق، إلى أطرافه على الأقل. في كل أجزاء العالم، تميل الأسطورة والشعر والكلام غير التقليدي إلى معاملة فعل الأكل والاتصال الجنسي على أنهما نظيران مجازيان: بين الأحبة، لا توحي عبارة من قبيل “يمكن أن آكلك” باحتمال التحول إلى أكل لحوم البشر.

لكن الرائحة يمكن أن تخدم أيضاً كمجاز عن المذاق. وفي السياقات الدينية، حيث يفترض في الكائنات الميتافيزيقية (فوق-الطبيعية) أن تشارك في طقوس بشرية دينية، فإن ذلك يمكن أن يكون مفيداً:

“سوف يأخذ حفنة، من تقدمة الطحين واللحم، ومن الزيت بعد ذلك، ومن كل البخور الموضوع على تقدمة اللحم، وسوف يحرقها على المذبح ليقدم شيئاً طيباً حلواً… للرب” (سفر ليفيتيكوس: 6)

إن ما تمثله الرائحة للإنسان هو مذاق بالنسبة للإله.

لقد لاحظت الآن فقط أن الرائحة تخلق حساً بمناخ كلي أكثر من حس بأشياء قابلة للفصل، وأن استخدام الدين للروائح يشكل مثالاً على هذه النقطة. ينبغي أن يتم عزل الإجراءات الطقوسية عن الأحداث اليومية الطبيعة، سواء في الزمان أو المكان. وبهذا، فإنه ليس كافياً أن تقام الطقوس في بناية مخصصة لهذه الغاية، مثل الكنيسة، وإنما يجب أن تميز الطبيعة المقدسة للمناسبة بطريقة إضافية ما –في العادة الشائعة عن طريق استخدام الموسيقى وأنواع أخرى من الصخب. لكن القدسية الخاصة للحيز الطقوسي ربما تحدد أيضاً برائحة ما –حرق البخور. وبحكم العرف، صنفت رائحة البخور على أنها رائحة حلوة وسارة، أما إذا كانت “حقاً” مختلفة كل ذلك الاختلاف عن رائحة الموت المنتنة، فإن تلك مسألة لا يستطيع سوى المشتغلين بالكيمياء وعلماء الاجتماع التقرير بشأنها. لكن الموت في كل الأحوال، وهو أمر “مرير” عندما يتم توضيعه في عالم العادية الدنيوي، يصبح أمراً “حلواً” سلفاً بمجرد نقله إلى عالم ما-فوق-العادية المقدس. إن مصطلح “رائحة القداسة” كان يطلق تقليدياً، على الرائحة التي يفترض بأنها “حلوة”، والتي كانت تنبعث من جثمان القديس الميت.

الفكرة العامة التي ألمح إليها هنا هي أنه في كل حقل التذوق والشم، فإن كل الأحكام من نوع: الجيد/السيئ، السار/غير السار، تظل كلها اعتباطية أو عرَضية، خاصة وأن من غاية الصعوبة تمييز أي حدود موضوعية لها. إن جذر اهتمامنا بالتذوق والشم هو حيواني أساساً، وهو “مؤنسن” (بالمفهوم العام لجنس “هومو”) أكثر من كونه إنسانياً صرفاً (بمفهوم الهومو سابين)، والتركيز البيولوجي جد ضيق –الجنس، اللحم الميت، وروائح إفرازات الجسد معاً، إنما تغطي كل الموضوع تقريباً. ويميل التحريم taboo إلى ملء وعيناً بهذه التهويمات، لكن الاهتمام الكامن يصعد إلى السطح ثانية في شكل بدائلنا المفضلة. إن رائحة الإفرازات الجنسية البشرية “قذرة”، لكن الروائح البديلة المشروعة: “العطور” التجارية الحديثة، تدخل في توليفاتها إفرازات جنسية لحيوانات ونباتات. ومع أن رائحة الجثث مكروهة، إلا أن الجبنة العفنة، والطيور النتنة، وحتى السمك النتن يمكن أن تعامل كمشهيات، كما أن “رائحة القداسة” عادة ما يخالطها شبه ملحوظ برائحة الموت.

حتى الآن، كنت أحاول القول إن التذوق والشم جد مرتبطين حتى ليكادان يتبادلان الأماكن، لكن الأمر ليس بهذه البساطة. فسواء كنتُ واعياً للحقيقة أم لا، فإن كل وضع أجد نفسي فيه يرسل إحساساً من المحيط عبر الأنف. في إنجلتراً، هناك الكثير من المجازات اللفظية التي تعكس هذه الحالة: مشاجرة صاخبة غير سارة هي “نتانة” a stink، “رائحة سيئة” bad smell تعبر عن الشك في وجود فساد سياسي. لكن التذوق ببعض الوجوه يحمل المضامين المضادة تماماً: “رجل صاحب ذوق” a man of a taste هو رجل صاحب تمييز يخلق مناخه الخاص، “سيئ الذوق” bad taste لا يعني شريراً أو فاسداً، إنه تعبير يعني ببساطة الاتسام بنزعة التظاهر وقلة التعليم. إن الفكرة هي أننا بينما نكون مجبرين على التقاط انطباعات شمية مستمرة للمحيط، لأننا نتنفس ببساطة، فإن التذوق باللسان هو فعل قصدي، عملية اختبار لعينة منتقاة بشكل خاص من الخبرة. هذه التعبيرات المذكورة هي استخدامات في اللغة الإنجليزية، لكن الخلفية أكثر عمومية. في المقام الأول، كان الاهتمام بتحضير الطعام بوصفه “فن الطهي” خاصية لعدد صغير من الحضارات الغنية بشكل خاص، وكان تقدير ذلك الفن عن طريق التذوق اختصاصاً تطور في المقام الأول على يد أفراد من النخب التي تحكم مثل هذه المجتمعات. ثانياً، يجب مع ذلك إدراك أن التذوق باللسان يعتمد في جزء منه على حاسة اللمس. إننا عندما نتذوق شيئاً، فإننا لا نقوم ببساطة بالتمييز بين إحساسات مثل حلو وحامض، أو نكهات تكون فيها هذه الاستجابات مقرونة بالرائحة. إننا نطلق أحكاماً أيضاً عن الملمس texture –الطعام أملس أو خشن، قاس أو لين، دبق أو منساب بحرية، وهكذا. وإذن، وعلى الرغم من الفكرة التي ذكرتها في البداية مباشرة عن غياب الفصل في التدفق الحر لحواس التذوق والشم لدينا، فإنه يظل بوسعنا في واقع الحال أن نستخدم التذوق لخلق تمييزات جيدة جداً، لأن التذوق هو فعلاً مزيج من أنواع مختلفة من الانطباعات التي تشمل الشم واللمس. وقد وصف فوكس Fox الإجراءات التصنيفية لخبراء النبات من زنوج بيناتوبو بالعبارات التالية:

“هناك مرات كثيرة رأيت فيها قزماً زنجياً، والذي عندما لا يكون متأكداً من هوية نبتة معينة، يقوم بتذوق الفاكهة، ويشم الأوراق، ويكسر النواة ويتفحصها، ويعلق على موطنها الأصلي، وبعد كل هذا فقط يقول إن كان قد عرف النبتة أم لا”.

لكن ذلك يعيدنا ببساطة إلى حيث كنت قد بدأت. إن من المضلل افتراض أننا نمتلك حواساً منفصلة نستخدم كلاً منها في كل مرة وعلى حدة. إننا نمتلك حواس متعددة تعمل كلها بالتزامن، وتكون الانطباعات التي تنقلها إلى وعينا نتاج عملية حساب يتم فيها ضم كل هذه الرسائل المتزامنة بتغذية راجعة تأتي من خبرتنا وتوقعاتنا اللاحقة. إن العمليات التي نصفها على أنها الشم والتذوق ليست أكثر من مجرد وجوه من نظام أكثر تعقيداً بكثير من مجموع الانطباعات المتكونة من كافة الحواس.

هوامش المترجم

(1)  كان هذا المقال واحداً من اثنين أسهم بهما إدموند ليتش في كتاب بعنوان: “كيف تشعر بذلك: استكشاف عالم الحواس” الذي نشر في العام 1979.

(2)  الإشارة إلى مقالة أخرى بعنوان “الغشية والعقلانية” في نفس المجلد، ويعبر ليتش عن فكرة شبيهة في مقالة أخرى بعنوان: “مستويات الاتصال” في المجلد المذكور أيضاً. ومع أن موضوع المقال الأخير هو “المحرم” إلا أن ليتش يقارب مسألة الحواس، فيقول: “بينما تجلي لنا الطبيعة نفسها باستمرارية غير منقطعة continuum بين الممكن وغير الممكن، فإن التحريم يقوم بتقطيع كعكة الخبرة إلى شرائح محددة بدقة عن طريق فصل الفئات. فعلى سبيل المثال، من المهم أن يكون كل منا قادراً على التمييز بين “الطعام” و”اللاطعام”. ولا يمكن للبشر ان يقيموا تلك التمييزات “بالغريزة”. ولو لم تكن لدينا قواعد للتحريم، فإن الشيء الممكن أكله وغير الممكن أكله كانا سيختلطان على نحو عشوائي تماماً. ولكن الذي يجري في الممارسة هو أو وجود محرمات، متضمنة وظاهرة، يخدم في الإبقاء على “الطعام” و”اللاطعام” موضوعين منفصلين. كما أن حظر أنواع مشكوك فيها من الطعام الممكن ينبغي أن تعرّف، وبشكل إيجابي، ذلك الشيء الذي يشكل “طعاماً” على نحو لا لبس فيه”

المصدر: موقع الغد http://www.alghad.com/?news=444656

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий