Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > دور الخيمة كموروث ثقافي في رسم ملامح الأنا والهوية والعلاقة مع الآخر. درنوني سليم

دور الخيمة كموروث ثقافي في رسم ملامح الأنا والهوية والعلاقة مع الآخر. درنوني سليم

يلعب التراث الذي يتوارثه مجتمع الزيبان ببواديه وحواضره، دورا أساسيا في تلبية الحاجيات النفسية، وتنمية القدرات العقلية واللغوية، وهذا ما يوجه نحو قابلية الإنصياع والغضوع للقبيلة وللعرش ومراعاتهما أكثر من غيرهما مما تفرضه الحياة العصرية باسم الحداثة والعصرنة، وما يعضد قولنا شيوع الكثير من التعابير اللغوية التي تحمل دلالات واشارت واضحة عن اعطاء الأهمية للعرش مثل « النايلي، لهلايلي، البوزيدي، السامعي… »، ويشار بذلك إما إلى الأشخاص، أو إلى الأحياء التي ينتشر فيعا عرش من الأعراش بكثرة، وهذا هو الطابع الغالب على معظم المناطق الحضرية التي تنتشر حول الواحات أو بالقرب منها في الزيبان.

وتجد الجماعات البدوية المتنقلة والمستقرة في التجمعات الشعبية والأسواق وبعض الأعمال الجماعية، مجالا خصبا لتلبية الحاجات النفسية التي أشرنا إليها، فينشأ عنها ما يسميه «إمل دوركايم»David Émile Durkheim  [1858- 1917] بـ« التضامن الالي »الذي يستند إلى عقائد ومشاعر منبثقة من ضمير جماعي صارم.. فحركة الانسان البدوي داخل العشيرة في سلوكه الاجتماعي مع أعضاء القبيلة . إن ضميره الفردي يستند كلية إلى مــا يفرضـه ( الضمير الجمعي) من قواعد منظمة لسلوكه الاستاتيكي الثابت، حيث تسلب خصائص الشخصية الفردية فتمتص إرادة الفرد وحريته ويسلك سلوكا آليا.

وبطبيعة الحال، تكون المعتقدات الشعبية إحدى الركائز والأسس التي تنبني عليها سلوكيات البدو الرحل والمتحضرين، وتتشكل من خلالها فلسفتهم في الحياة، وفي معظمها تكون نابعة من الدين الإسلامي، وقد تمتد بعض المعتقدات الأخرى بجذورها إلى ما قبل الإسلام. ومن المعتقدات التي بقي لها حضور واسع رغم تعرضها لانتقادات شديدة خاصة في فترة ما بعد الحرب العالمية الأولى لما ظهرت جمعية العلماء المسلمين إلى يومنا هذا نجد: الإعتقاد في الولاية، الإعتقاد في عالم الجن كعالم مواز لعالم البشر، ويعتبر السحر من بين المعتقدات التي استعبدت ذهنية المجتمع البدوي ولا زالت على ذلك إلى اليوم، لما في السحر من وسائل – في نظر الناس- الإيذاء ووسائل دفع الشرور عن الإنسان في الوقت ذاته، ويعد السحر أيضا وسيلة من الوسائل التي يتعامل الإنسان بها مع الجن والعفاريت كذبح شاة عند عتبة باب البيت الجديد لطرد الجن والعفاريت منه.

الخيمة كرمز وشعار للهوية لدى سكان حواضر الزيبان:

وفقا للعديد من الدراسات السوسيولوجية والأنثربولوجية التي تتفق على كون الهوية تعد معطى اجتماعيا يقوم على مبدأ التطابق والانسجام ويحمل دلالات التنوع والتكامل والاختلاف، فإن الهوية تشتغل في التراث الثقافي في الزيبان كشرط وكمناخ. فهي سند الإبداع وشرط الإحساس بالذات والانتماء، بل هي التعبير الصادق عن الذات في أقصى درجات انتشائها واحتفالها، هي بذلك تغدو منطلقا وطريقا وهدفا.. إنها ترتكز على شعور غريزي بالانتماء والمحلية وتظهر ملازمة للثقافة الخاصة في حدود ملامحها الأصلية والأهلية التي تشكل حاملا للهوية الجماعية، أي الهوية القائمة على الإرث الثقافي والسلالة المشتركة كما يطلـــق عليـــها « غيرتس Clifford Geertz » [1926 – 2006] ومن ثم، فهي تساعد على اكتشاف النسق البنياني للمجتمع حتى يتحول إلى كل منسجم على مستوى الوعي. تأسيسا على ذلك، تبدو الهوية في الثقافة الشعبية الصحراوية مكتفية بذاتها بشكل يجعلها تتعالى على أحداث التاريخ لأنها مبنية على مبادئ التراث. فهي مركب متجانس من الرموز والقيم والعادات والتقاليد والأعراف الشعبية التي تحتفظ بطابعها الخاص والاستثنائي، لذلك فهي هوية قائمة الذات. ولأنها كذلك، فلأنها « تعني إيجاد التطابق أو التوافق، أو التوازي بين الكتلة الاجتماعية ديموغرافيا ورقعتها الجغرافية هي التي تمارس عليها نتاجها الاجتماعي، وتعبر من خلالها عن نفسها عبر نمطها الثقافي الخاص بها«[1]

الثقافة الشعبية لدى البدو المتحضرين في الزيبان مطلقة الدلالة على الهوية والذات، ويجب أن تكون مطلقة، غير أن إطلاقيتها تعد قانونا متضمنا ومضمنا يختزل في عمقه ثوابت كثيرة راسخة تستعصي على التغيير وتنفلت من فعل التاريخ وعصيانه. ثقافة شعبية مستمدة من ماض عريق يستمر فاعلا في الحاضر، وحاضر متحول يقبل التراكم الثقافي الموروث الذي يرسم ملامح الأنا والهوية والعلاقة مع الآخر.

الهوية في الثقافة الشعبية الزابية، من التيمات الأساسية التي تتسلل دائما عبر فجوات الإبداع وتسيطر عليه، لتصبح بذلك الذات والهوية شرط وجود، ويتم التعبير عن هذه الهوية من خلال الأشكال الثقافية والمظاهر الاحتفالية والمعتقدات الشعبية والطقوس الدينية ومختلف التعبيرات الشفوية والمسارب الأدبية التي راكمها المجتمع البدوي التقليدي والمتحضر في الزيبان على امتداد تاريخه الثقافي.

فليست الثقافة، من هذه الوجهة، »  كتلة جامدة من المعارف، أو القيم، أو المعاني، أو الرموز، أو العادات، أو القواعد، بل هي الآليات والفعاليات المعقدة والمتباينة التي تسمح بنشوء هذه المعارف وتخلقها. ومتى ما فقدت الثقافة ذلك، تحولت إلى تراث، أي إلى أثر من آثار الماضي. وتحول البحث فيها إلى بحث في التراث، حتى لو وسع المرء في معنى التراث ليشمل ما بقي منه حيا في سلوك الأحياء وعاداتهم اليومية«[2]. كما أنها تعد معطى فاعلا يلعب دورا بارزا في توحيد الهوية مادامت تسعى إلى اعتماد مبدأ الهوية الواحدة لتحديد الهوية الوطنية. وبالنظر إلى الخصوصيات الكثيرة التي تسم المجتمع موضوع الدراسة، ببواديه وحواضره (نمط البداوة، ثقافة الرحل..)، فإن أية مقاربة متحفية لسؤال الهوية في التراث الثقافي الصحراوي، تظل جامدة ولا تسمح بالتعرف على المكانة الحقيقية التي تحتلها هذه الثقافة داخل المنظومة التراثية الشاملة التي نسجها المخيال الشعبي البدوي بالزيبان .

فالثقافة الشعبية الصحراوية إنجاز كمي يتفاعل مستمرا في الزمان/التاريخ والمكان/الجغرافيا، ورصيد حضاري متنوع يستمد قوته وعظمته من قدرته العالية على التكيف مع الوسط الذي أنتجه سيرا على النهج الذي سنته مدرسة “الثقافة والشخصية” التي يقودها بواس. إنجاز قادر على استيعاب مفهوم الحضارة في أفق ثقافتنا الصحراوية المحلية بكل تمفصلاتها وتحولاتها انطلاقا من خصوصياتها البيئية والجغرافية.

يشكل الهوية الثقافية الصحراوية الكثير من العناصر البنيوية المرتبطة بفضاء وإيقاع العيش بالبادية… فضلا عن الإبداعات والعوائد والطقوس الشعبية والاحتفاليات الاجتماعية والدينية التي ترسم في غناها وتعددها هوية الإنسان لصحراوي..ومن ذلك الوسط الطبيعي، أي الصحراء [3] بوصفها مكانا حميميا رحبا.. ومجالا واسعا وممتدا من الرمال والقيظ والغبار. بل امتدادا جغرافيا ضاربا في أعماق المدى.. وذاكرة منفتحة على تاريخ عريق يختزل أشكالا متنوعة من القيم والخبرات الإنسانية الموغلة في القدم.

داخل هذا الفضاء الرحب، يعيش الإنسان الزابي على إيقاع نمط عيش بدوي متنقلا يرعى الماشية (الغنم، الماعز، الإبل..)التي تشكل ملكيته الرئيسية، أو على الأصح (رأسماله الحقيقي) كما يقول الأستاذ «كابوت ري« Robert Capot-Rey  [1977-1897].[4] إلى جانب قيامه بمناشط اقتصادية أخرى كالتجارة والزراعة والصناعات اليدوية التي تعتمد الخامات المحلية كسعف النخيل والتربة والأحجار وما توفره الحيوانات من مواد كصوف الغنم وشعر الماعز ووبر الإبل.. وغير ذلك.

لون الخيمة والتميز القبلي في مجتمع الزاب:

تستطيع وأنت تتجول في صحراء الزيبان بين جماعات البدو، أن تلاحظ وجود نمطين متميزين من الخيام، فالتنقل من الزاب الشرقي إلى الزاب الغربي تنقل بين منتجعات ذات خيم سوداء، ومنتجعات أخرى ذات خيم حمراء، ولما كانت البيئة الواحدة تتضمن هذا التمايز والإختلاف في لون الخيمة فمن البديهي أن تثير هذه الملاحظة الدهشة والحيرة، ومن ثم التساؤل عن سبب هذا التمايز خاصة إذا أخذنا في حسباننا، أن البدو الهلاليين يستعملون نمطاً واحداً من الخيام السود المنسوجة من الشعر تسمى « بيت الشعر»، وحتى من بين التسميات التي يكنى بها هؤلاء البدو لدى الأوراسيين الكنية التي تقول: « عَرَبْ بِيتْ الشَّعَرْ»، فهذه التسمية تنم عن وجود احتمالين: فإما أن الخيمة كلها منسوجة من الشعر، وإما أن الشعر يشكل المادة الأساسية والتي تتواجد في نسيج الخيمة بنسبة كبيرة.

إذن للألوان دلالات متعددة في حياة بدو الزيبان، خاصة عرش أولاد نايل، والألوان التي اكتسبت دلالة خاصة نجد اللونين: الأحمر والأسود. هذان اللونان نجدهما في الغالب الأعم قد اكتسبا دلالاتهما الخاصة، هذه الدلالة لا نجدها في مجتمع الزيبان أو الأوراس، وإنما نجدها دلالة عامة وشاملة موجودة لدى معظم المجتمعات الإنسانية، فالأحمر لون يشير إلى الثورة والنار والغضب وتأجـج المشـاعر والرغبـات الجنسية، بينما يدل اللون الأسود على الحداد والحزن والتعاسة والعتامة. لكن ما يلفت الإنتباه هو أنه قد تكون هناك دلالات متفق عليها لهذين اللونين بدرجة أو أخرى داخل مجتمع واحد، أو لدى عدة جماعات مثل الجماعات التي نجري فيها دراستنا.

بناء على ما سبق نجد أن الألوان ليست ثابتة الدلالة، ولم يستقر لها معنى محدد، هذا ما تشهد عليه ملاحظاتنا الميدانية، وتؤكده مقابلاتنا مع الإخباريين الذين يروون لنا روايات مختلفة ومتباينة، عن أمر الخيمة، والدلالات التي تعطيها هذه الروايات للخيمة الحمراء (البيت الحمراء) والخيمة السوداء (البيت الكحلة). إن تغير المعنى وعدم استقراره يجعل اللونين (الأحمر والأسود) يتفتحان للدلالات المتعددة، تكون في بعض الأحيان دلالات متعارضة ومتناقضة، والتي تختلف من ثقافة لأخرى ومن فرد لآخر، فقد تغيرت دلالة بعض الألوان عبر الزمن، ففي الحضارة المصرية القديمة كان اللون الأسود يرمز للبعث والحياة الخالدة، بينما هو الآن في المجتمعات المعاصرة رمز للموت والحداد والحزن، إن النساء يرتدين الأسود في حالات الوفاة، إلا أنه في المناطق الريفية نجد أن المرأة ترتدي اللباس الأسود ليس دليلا على الحزن، بل كدليل على الحشمة والوقار.

يقول أحد الإخباريين: « نعلم أن سيدنا نايل اسمه محمد وهو من أشراف المغرب وسمي بنائل لدرجة علمه…أي نال العلم…وكانت العروش في القديم تشكل ما يسمى بالسماط والسماط عبارة عن تجمع للقبائل يكون بشكل دائري وكانت الخيمة النايلية من بينهم، لكن معظم الخيم كان يغلب عليها اللون الأسود…في ذلك الوقت كان يتردد بعض الزوار والطلبة على سيدي نايل لأخذ الدروس والمواعظ ومشاورته في أمور الدين والدنيا لكنهم كانوا يجدون صعوبة في إيجاد خيمة سيدي نايل لكثرة الخيم…وعلم سيدي نايل بالأمر فأراد أن يميز الخيمة النايلية على باقي الخيم فأضاف إليها أشرطة حمراء….ومن ذلك الوقت تميزت الخيمة النايلية عن باقي الخيم…»[5].

إذن للألوان اعتبار كبير، إننا نميز بين القبائل وبين العائلات في إطار العرش الواحدة بواسطة اللون الذي صبغت به الخيمة، ففي تكوت جنوب الأوراس لدى عرش «بني بوسليمان» وتحديدا لدى عائلة «بني عبد الرزاق» وجدنا عائلة تسمى بـ« أَيَزُڤَّاغْ »[6] ذلك لأن خيمتهم التي عرفوا بها ذات لون أحمر، وكان أهل المنطقة  في الماضي يعرفون نجع هذه العائلة من خلال لونها الأحمر، فيقولون: «انْجَعْ نَاهُوزَڤَّاغْ»، بمعنى: «نجع أصحاب الخيمة الحمراء».[7] وينظر الناس في هذه البيئة إلى اللون نظرة اعتقادية، مثل نظرتهم إلى كل شيء، فبعض القبائل لدى بدو الصحراء يحمل اللون دلالات الإنتماء والتميز، إذ تكاد قبيلة أولاد نايل  القبيلة الوحيدة –كما أسلفنا- من بني هلال التي تلون خيمتها بالأحمر[8]، أي أن نايل أراد أن يتمايز عن باقي القبائل العربية الهلالية، فاختار اللون الأحمر لتكون مقصدا للغريب  والضيف، كما هو ماثل في المخيال الشعبي لأولاد نايل.

ربما يكون اختيار نايل لهذا اللون انطلاقا من أن لون خيم قبائل الأوراس (الشاوية) خاصة النمامشة كانت حمراء، بينما خيم قبائل بني هلال المهاجرين إلى شمال إفريقيا كانت سوداء، ولما حلوا بهذه المناطق أرادوا لخيمهم أن تتماثل مع خيم السكان الأصليين، وتتمايز عن الهلاليين الوافدين. إن أبناء نايل الذين ينتمون إلى منطقة الزيبان، خاصة الزاب الغربي يتجهون في رحلاتهم وتنقلاتهم إلى الشمال الشرقي (خنشلة، أم البواقي، باتنة، سوق أهراس…) لهذا يقع ذهابا وإيابا تفاعل ثقافي بين قبائل الشاوية وقبائل أولاد نايل، تعبر عن هذا التفاعل الكثير من المضامين والعناصر الثقافية. وقد يرتبط اللون الأحمر بالراية للتعبير عن الإنتماء، فتكون الراية هي التابعة للون، بمعنى أن اختيار اللون الأحمر أولا لتكون الراية بعد ذلك حمراء.

إذا ما أخذنا بعين الإعتبار لون الخيمة النايلية وربطناها بسلالة «نائل» التي تنتهي إلى إدريس الأكبر، لانتهى بنا الأمر إلى الربط بين اللون والسلالة الشريفة، وفي مقابل ذلك تكون الأعراش ذات الخيمة السوداء غير شريفة. وإذا تحدثنا عن المادة التي يتم التلوين بها وهي حجرة«المقرة» فيمكن لأي كان أن يتحصل عليها ويستعملها، ما دامت متوفر في الأسواق التي تسوق فيها السلع التقليدية. وقد يدفعنا البحث والتقصي إلى التفكير في المادة الأولية التي تنسج منها أشرطة الخيمة (لفليج)، فإننا نجد أن أقرب مادة إلى اللون الأحمر هي وبر الإبل، إلا أن هذا الأخير بني أكثر منه أحمر، وبالتالي تسقط هذه الفرضية من الحسبان. وربما يبقى لنا التفكير في ربط اللون الأحمر بالسكان الأصليين، أو بالمعتقدات أيا كان مصدرها، وتتغير بتغير المؤثرات الثقافية المحلية والخارجية. فنتيجة هذا الجدل الموجود بين ذوي الخيمة الحمراء، وذوي الخيمة السوداء، أن قال لنا أحد المبحوثين: «إذا كانت الخيمة الحمراء تدل على الكرم والجود، أو رفعة المكانة، أو دم الشهداء، فإن الخيمة السوداء من لون أستار الكعبة الشريفة».[9]

جدول يبن أعراش البيت الحمراء وأعراش البيت السوداء (الكحلة)

لون الخيمة العرش البلدية ملاحظات
اللون الأحمر

(البيت الحمراء)

أولاد نايل

بني بوسليمان

النمامشة

أولاد جلال، سيدي خالد

رأس الميعاد ، البسباس

تكوت

أولاد رشاش

اللون الأسود

(البيت الكحلة

البوازيد

العمور

السليمة ورحمان

لعبادلية وأولاد مولات

سعيد عمر وأولاد السايح عرش الخذران، أولاد عمر، أولاد بوحديجة

الدوسن

طولقة

أم الطيور ولمغير

جامعة والمرارة

توقرت ولحجيرة

سيدي عقبة ، عين الناقة

البيئة الأوراسية وحياة الحل والترحال:

إن عملية استقراء الأحداث التاريخية تكشف لنا على طابع البداوة الذي يغلب على معظم مناطق الأوراس، لا سيما الجهات الشرقية والجنوبية والجنوبية الشرقية، ومن بين الوقائع التاريخية استحداث السلطات الروماني لخط (اللمس) لطرد البدو من مناطق الهضاب العليا وتعقبهم حتى تخوم الزيبان، وهذا ما نتج عنه بمرور الوقت تكاثر جموع البدو وراء خط (اللمس) الروماني ابتداء من جنوب تونس وطرابلس حتى مسعد بالجزائر، وبذلك تحولت مناطق شاسعة من الأوراس إلى سهوب رعوية، وبهذا تغلب طابع البداوة بصفة خاصة على نواحي الحضنة ( الزاب الغربي )، وعلى جزء كبير من الهضاب العليا ( السباخ ) حيث تتوفر الظروف الملائمة للحياة الرعوية.[10]

إن من بين ما يدفعنا إلى بسط هذه الأفكار، الفكرة الشائعة التي تقول بأن الهجرة الهلالية هي السبب الرئيسي في تغليب الطابع البدوي على الجهات المتاخمة للصحراء من بلاد المغرب العربي، فلماذا لا نفكر في افتراض بأن عشائر الهلاليين التي بلغت المنطقة في القرن الحادي عشر الميلادي كانت خير سند للقبائل الزناتية في تعزيز سيطرتها على المراعي والوقوف في وجه منافسيها من صنهاجة وكتامة، وكان لهذا الحلف الواقعي المستمد قوته من طبيعة الحياة اليومية خير وسيلة لتسهيل عملية امتزاج الهلاليين بالزيانيين مكونين بطون رئيسية اسمها عربي وأصولها مغربية بطون الإثبنج التي أصبحت لها السيادة على الحضنة والزيبان، وفروع الذواودة المنتمين إلى رياح والذين أصبحت لهم الكلمة المسموعة على مناطق شاسعة تمتد من وادي ريغ والزيبان إلى نواحي مجانة في أقصى الشمال الغربي للهضاب العليا.[11] فليس هناك تغير مفاجئ في العلاقات الإجتماعية لسكان الأوراس بفعل هذا العامل او ذاك.

انطلاقا من هذا الوضع البدوي الذي يطبع حياة الأوراسيين خلال معظم الفترات التاريخية، نجد أن المأوى الملائم لهذا الطابع البدوي هو المسكن المتنقل أو المحمول مثل الخيمة، ولما كانت البيئة الأوراسية بيئة جبلية تتوفر على الكثير من المواد الأولية، مثل الحجر والجير، المواد التي تستعمل بكثرة في البناء، والأشجار التي تستعمل في السقف. فهذه المواد تساعد على بناء المساكن القارة والثابتة، وهي المساكن التي تميز أغلب القرى والمداشر التي تتوزع على طول الوديان التي تشق الجبال، كما تنتشر حول الواحات التي تتواجد على الشريط الجنوبي للأوراس. ورغم ذلك نجد أن البيئة التي فرضت المساكن القارة والثابتة، فرضت في ذات الوقت على مجتمع جنوب الأوراس مجتمعا أقرب إلى البداوة منه إلى الحضارة والتمدن، وذلك بحكم عاملين على حد تعبير «محمد شفيق»: أولهما اختلاف المناطق خصبا وجدبا، وبرودة ودفئا، وغزارة أو قلة في الماء، باعتبار تتابع الفصول، ثم وجود هامش صحراوي شاسع وراء الأطلسين التلي و الصحراوي، ونجود داخلية شبيهة بالجرداء. وثانيهما هو اجتياح القحط والجفاف مناطق معينة لفترات طويلة، وشموله لمناطق مترامية الأطراف على مدى سنوات، وهو ما يسمى بـ « توالي المجاعات والإنتجاعات»[12].

هذه العوامل أدت إلى استمرار نمط العيش الإستنجاعي لفترة طويلة من الزمن في مجال دراستنا، بل ولا زال هذا النمط متواجدا بنسب متفاوتة من منطقة إلى أخرى، ولازالت العوامل التي أتينا على سردها هي التي تمارس تأثيراتها، وأدت إلى انحسار القليل من البدو الرحل ونصف الرحل في مناطق محدودة جدا، وكثير منهم فضل حياة الإستقرار والزراعة بعد انتشار ظاهرة الزراعة البلاستيكية في معظم واحات الزيبان، التي  يتملكها الشاوية خاصة واحات الزاب الشرقي. كما أدت هذه العوامل أيضا إلى استمرار النظام القبلي في جل المناطق، ذلك أن النظام القبلي هو المواتي لحياة الحل والترحال الجماعيين. وعلى النظام القبلي ترتب ما ترتب من الخصوصيات في التقاليد الإجتماعية التي تؤثر بدورها في طباع الأفراد. يقول الأستاذ «محمد شفيق» متناولا هذه الخصائص:« ومن تلك الخصوصيات مثلا الميل إلى التقشف ورفض حياة البذخ والتنعم…الحرص على إقرار مبدأ المساواة بين أفراد العشيرة، وبين العشائر في نطاق الكيان القبلي، وعلى إقامة أعراف يتعارف عليها في التساكن والتعايش والتعامل في سياق الإنتجاع المستمر، ثم على مراعاة العصبيات التي هي ضمان القدرة على الدفاع عن المصالح المشتركة، في حدود آفاق القبيلة المكانية والزمنية، أو على أحسن تقدير، في حدود آفاق حلف من القبائل المتجاورة»[13].

كل هذه المؤشرات، وأخرى اغتنت بها الحياة الثقافية لمجتمع الدراسة، تدل دلالة واضحة على المكانة التي تحتلها الخيمة في ثقافة المجتمع الأوراسي، ليس باعتبارها وسيلة من وسائل التكيف مع الطبيعة والتنقل في البوادي بحرية فحسب، وإنما أيضا نجدها عنصرا ثقافيا متميزا لا زالت الذاكرة الجماعية للمجتمع الأوراسي تحتفظ بالصور التي تكون فيها الخيمة نواة الحياة الإجتماعية في الفضاءات التي تشكلها، والأمكنة التي تحتويها. الكل يتحدث عن تلك الذكريات ويستحضرها بطريقته الخاصة، ويتناولها بانفعال كبير كلما بادرته للحديث عنها، المرأة تسترجع صورة الخيمة التي نسجتها لعائلتها من صوف الغنم، والماشية التي حلبتها، والجبن واللبن الذي أنتجته من هذا الحليب. والشيوخ والكهول يستحضرون ذكرياتهم عن صور تنظيم الإنتجاع الذي يقتضي من «شيخ المرعى» أن يكون عارفا لأماكن الكلأ في تسلسلها بين الجبال والسهول، أو النجود والبراري، ولأهمية مساحتها وونوعيتها، وما هو منها ملك خاص (أَڤَـدَّالْ)[14]، وما هو مشاع. وفوق ذلك كله ينبغي له أن يكون ديبلوماسيا قادرا على التفاوض بنجاح مع شيوخ القبائل الأخرى عند كراء المراعي أو عند المنازعات.

الذاكرة الجماعية والحنين للماضي:

تشكل الذاكرة الجماعية في المجتمع المحلي الريفي مجالا خصبا لمجموعة من التفاعلات الرمزية، فهي تختزل مكونات المجتمع، تاريخه، تراثه، تجاربه وعلاقته بالمحيطين الطبيعي والبشري. ورغم أن هذه الذاكرة تتقاطع في خصائصها العامة مع خصائص ذاكرة المجتمعات المحلية المشابهة وخاصة المجاورة لها، فإنها تتميّز بخصوصية محليّة. وقد اشارت الدراسات الانثربولوجية والتاريخية إلى أهمية الصورة التي يكونها الفاعلون الاجتماعيون، حول أنفسهم، بقطع النظر عن درجات (واقعية) تلك الصورة التاريخية. كما أن (الزمن الأسطوري)[15] « فالنسي » Lucette Valensi [1936- ] مثل إحدى أهم خصائص هذه الذاكرة وفق نظرتها إلى العالم الداخلي والخارجي.

يقول الأستاذ والباحث الإجتماعي «شهاب اليحياوي»: فالناس لا ينقطعون عن ماضيهم أي ذاكرتهــم ، عند التحوّل من فضاء إلى آخر مغاير ضمن المدينة أو من فضاء ريفيّ أو تخوميّ إلـى مدينيّ : أي من تمثّل وتصوّر للفضاء ونمط عيش إلى آخر ومن يومي معاش إلى آخر .

الفضاء العمراني الذي كانت تمثله الخيمة والقلعة في البيئة الأوراسية لا زالت الذاكرة الجماعية تحتفظ بصور وقيم رمزية عنه، فما دام الإنسان لا ينقطع عن ماضيه الذي يشكل ذاكرته، وما دام الإنسان قد انتقل من نمط حياة البداوة إلى نمط حياة حضرية أو شبه حضرية، فإن صورا كثيرة من الحياة الماضية تتجلى في الحياة الحاضرة في شكل رمزي أو آخر. إذا كانت وتيرة التحول تسير بسرعة على مستوى الحياة المادية للإنسان، فإن التحولات الثقافية التي تشكل مخزون الذاكرة الجماعية تسير ببطء شديد، إذ تلتصق الكثير من الصور والقيم الرمزية التي يحتفظ بها الموروث الثقافي للإنسان بالفضاء المحتل والمشغول، وقد تتعدى تأثيراتها إلى حد تشكيله. إن اختيار المكان، واستعمال الألوان، وتوجيه الخيمة إلى جهة من الجهات، واستعمال مختلف أدواتها، وتحديد وظائفها، وإعطائها تسميات شتى، وتقسيم الفضاء الداخلي حسب احتياجات الجسد…يخضع لتوجيه مضمون الذاكرة الجماعية، التي تشكل إطارا عاما وجماعيا يتم من خلاله إعطاء هذه الصور والقيم حيوية وديناميكية جديدة. يعني ذلك أنّ كلّ هذا المخزون الذي يشكّل ويكوّن الذاكرة ويتجسّد رمزيّا، يصبغ الفضاء الجديد للإنسان، ويضفي عليه قيما رمزية مستوحاة من فضائه القديم. «الذاكرة لا تحتفظ من ماض إلاّ بما هو حيّ بعد أو قادر على الحياة داخل وعي الجماعة التي تحفظه»[16]. فحسب هالفاكس: التفكير الفردي لا يمتلك قدرة التذكّر أي الإستحضار إلاّ بعد تموضعه من جديد ضمن الأطر الجماعية وينخرط في الذاكرة الجماعية. والذاكرة الجماعية في تصوّره تفكير متواصل وديمومة ينتفي عنها الإفتعال « بما أنّها لا تحتفظ من ماض إلاّ بما هو حيّ بعد أو قادر على الحياة داخل وعي الجماعة التي تحفظه »[17]. يثبت هذا الفهم لهالفاكس مرّة أخرى شرط الحضور المادي للآخرين في فعل التذكّر أي اشتغال الذاكرة الفردية أو الجماعية في تواجد للجماعة ذاتها . فالتفكير الفردي لا يمتلك قدرة التذكّر أي الاستحضار إلاّ بعد تموضعه من جديد ضمن الأطر الجماعية وينخرط في الذاكرة الجماعية. هذه الأطر الجماعية للذاكرة التي هي دالّة جماعية تفضي بنظرية هالفاكس إلى صياغة رابط بين صورة الماضي التي تعيد تركيبها الذاكرة استنادا للذكريات الفردية وأنماط التفكير المهيمنة للمجتمع في كلّ حقبة من تاريخه. وهي من ناحية أخرى نتاج أو حصيلة تركيب أو تجميع ما لذكريات فردية لعدد من أعضاء نفس الجماعة.

لا نستطيع أن نتحدّث عن ذاكرة جماعية نموذجية يتماثل محتواها كليّا لدى كلّ الأعضاء المكوّنة للجماعة، بما أنّ هالفاكس نفسه يعتبر أنّ ذكرياتنا الطفولية منقوصة ومشوّشة وأنّ ذاكرة الفرد تتأثّر فيما تتضمّنه من ذكريات حولها ومن حوله بعوامل عدّة. فكلّ فرد يحتكم على « جغرافيا شخصية لا تتوافق مع الوسط الجغرافي الفعلي»[18]. ثمّ أنّ الذاكرة الجماعية لا ترتبط في نظرنا فعاليتها وحيويتها بحضور شواهد من هذا الماضي الجماعي كالأشخاص النصبيّة أو الأشياء فحسب بل أنّ الفرد يتّجه قصديّا أو لا قصديّا إلى الإحتفاظ ضمن فضائه الخاص ـ المنزل ـ الخفيّ منه أكثر من الظاهر بأشياء توصله بالماضي وتديمه في الحاضر مثلما أنّه يحتفظ بما يتشابه أو يعتقد أنّه يتماثل مع ما يشكّل شاهدا حيّا على ماض لا يريده أن يستمرّ فقط، بل أنّ هذا الذي كان يتواصل عبره، عبر ديمومة سلوكيات وتصوّرات وإستعمالات الأفراد للفضاء اليومي المعاش/ الماضي . فالذاكرة الجماعية لا تختزن فحسب ماضي الجماعة بل تعيد تركيبه. وأبعد من ذلك فهي تعيد عيشه أي تحوّل التاريخ الشخصي مثلما الجمعي إلى تاريخ معاش في الحاضر عبر أشيائه وفضاءاته وعبر إستعمال الفضاء الخاص والتفاعل معه مثلما عبر الحي والجيرة والمدينة والأصدقاء والفضاءات المشتركة أو المعطاة للمعيّة الإجتماعية . إلاّ أنّ هذا الماضي على غرار الذكريات التي تحتفظ بها الذاكرة منه لا يكفّ «يقدّم وسائل ضرورية لإعادة إنتاجها »[19] .

على الرغم من انتشار التصميم الحديث للبيوت من الخارج، إلا أن ذلك العمق التراثي يتسرب عبر تعبير سكان تلك البيوت الحديثة في طريقة إبراز الأثاث بل إن البعض يحرصون على أن يكون ضمن غرف البيت مدلول تراثي يتجسد في لوحة أو تحفة أو من خلال بيوت الشعر في فناء البيت  .

إن الحنين للأصيل القديم يظل راسخا في الأعماق فمهما طغى التطور على حياتنا إلا أن نقطة الحنين بالموروث لازالت موجودة لدى الأغلبية إن لم يكن الكل، وذلك من خلال بناء بيوت الشعر والتي تختلف مساحاتها وأشكالها وتستغل كغرفة لاستقبال الضيوف فهي مميزة تحمل البناء الحديث المزود بالتكييف والمزدان بالمفروشات التراثية بألوانها المعروفة، ونقوشها الجميلة، وبتقنية تطريز حديثة.

وهناك الكثيرون ممن يضعون أجهزة التلفاز للجلوس أطول فترة ممكنة في بيت الشعر، وعندما يكون مدخل البيت صغيراً يقومون بتحويل إحدى غرف البيت أو زواياه الكبيرة والبارزة وتأثيثها بالمفروشات التراثية الجميلة وغيرها على سبيل الزينة والأصالة والشعور بالفخر والاعتزاز بهذا التراث ضمن إضاءات جميلة تعكس ألوان الأثاث وتبرز رونقه.

كما أن العديد من الناس حتى الجيل الجديد يرغب في الالتفاف مع الأسرة حول شرب القهوة وإطلاق العنان لرائحة البخور والعود في فضاءات البيت من ذلك البيت التراثي الموجود في البيت الحديث، وهو يشعر الأسرة بالدفء وبتراث الأجداد المتجدد مهما تعولمت سبل الحياة.

الخيمة رمز الانتماء والهوية:

الهوية الثقافية، هي تعبير عن الحاجة إلى الاعتراف والقبول والتقدير للإنسان كما هو في تفرده وتميزه. ففي الهوية الثقافية تشتغل جدلية الذات والآخر وتعيد كل جماعة بشرية تأويل ثقافتها من خلال اتصالاتها الثقافية، أو قد تنزع نحو المثاقفة-Acculturation وما يشبهها.. وهي كذلك كائن جماعي حي يتحول ويتغير من الداخل على ضوء تغير المصادر القيمية والسلوكيات، ومن الخارج بفعل أشكال التأثير الخارجي الناتج عن علاقة الفرد بالمحيط.. وأيضا كيان يصير، يتطور، وليست معطى جاهزا ونهائيا. وهي تصير وتتطور، إما في اتجاه الانكماش وإما في اتجاه الانتشار، وهي تغتني بتجارب أهلها ومعاناتهم، بانتصاراتهم وتطلعاتهم، وأيضا باحتكاكها سلبا وإيجابا مع الهويات الثقافية الأخرى التي تدخل معها في تغاير من نوع ما، بتعبير «د.عابد الجابري». إنها الحد المكتسب من المعارف والتصورات والممارسات الفكرية لدى الإنسان في محيطه الاجتماعي، والتي تلقاها لمصلحته ومصلحة هذا المحيط.

ووفقا للعديد من الدراسات السوسيولوجية والأنتربولوجية التي تتفق على كون الهوية تعد معطى اجتماعيا يقوم على مبدأ التطابق والانسجام ويحمل دلالات التنوع والتكامل والاختلاف، فإن الهوية تشتغل في التراث الثقافي البدوي كشرط وكمناخ. فهي سند الإبداع وشرط الإحساس بالذات والانتماء، بل هي التعبير الصادق عن الذات في أقصى درجات انتشائها واحتفالها، هي بذلك تغدو منطلقا وطريقا وهدفا.. إنها ترتكز على شعور غريزي بالانتماء والمحلية وتظهر ملازمة للثقافة الخاصة في حدود ملامحها الأصلية والأهلية التي تشكل حاملا للهوية الجماعية، أي الهوية القائمة على الإرث الثقافي والسلالة المشتركة على حد تعبير «غيرتس» ومن ثم، فهي تساعد على اكتشاف النسق البنياني للمجتمع حتى يتحول إلى كل منسجم على مستوى الوعي.

هكذا نجد فضاء الخيمة كنمط للمعيشة، فضاء مليئ بالقيم التي تحمل دلالة الهوية والتميز، القيمة الدلالية للخيمة بوصفها شكلا من أشكال المأوى مشبعا بالقيم الرمزية، أو محمّلاَ بالهوية التي أرادت الثقافة البدوية الإعلان عنها؛ تلك الهوية التي تعكس جدلية العلاقة (الصوفية) بين الإنسان والبادية عندما يتحول الإنسان إلى جزئية مكان وتتحول البادية إلى رمز حي [ممتلكا رِئَتَهُ التي يتنفس بها]. دلالة الحماية وهي مفتتح الألفة التي ستنمو ليكون البيت / الخيمة مكان الاحتفال والفرح.

كلّ شئ في البادية عبارة عن امتدادات متصلة ولعلَّ ذلك ما يعكس شدّة الميلِ للحريةِ والانفلاتِ عند البدوي، والذهنية غير المركبةِ التي تنظرُ إلى الكلي من دون حواجزِ بخلاف الثقافة العمودية التركيبية التحليلية. ولكنّ الامتدادَ والأفقية عند البدوي لا تخلو من العمودي في المشهدِ المكاني وإنْ كان نادرا، وعند ذاك تصبح قيمة ما هو عمودي مكانياَ َ مميّزةَ في ارتباطه الروحي بها.

ولعلَّ الإشكالية السابقة تحيلنا إلى ثنائية جديدة أخرى هي ثنائية المفتوح / المغلق؛ فكل شئ في عالم الصحراء مفتوح حتى الخيمة التي يأوي إليها ابن الصحراء، وهذا ما يجعله يرفض انغلاق أكواخ الواحات وبيوتها عليه. إنَّهُ يحسُّ عندها بفقدان التوازن والحرية وبالغربة وعدم الألفة .

الخيمة كسند للهوية الأنثوية:

سيظل فضاء الخيمة كفضاء سكني جزءاً من التاريخ الاجتماعي للبدو الرحل ونصف الرحل، سيظل هذا الجزء الفيزيائي الذي تتشكل فيه القيم الشخصية حاجة أساسية يطلبها الإنسان، حاجة تتطلع لها المجتمعات لتسجل من خلالها نمط حياتها وأسلوب معيشتها، لتجعل من الشَّعْرِ والوبر والصوف لغة حية مرئية تبعث معاني ذات خصوصية. ولأنه كسائر اللغات الحية الأخرى التي تتطلب تجددا مستمرا، كلمات جديدة تواكب العصر وتقنياته، يعكس فضاء الخيمة، دائماً هذا التجدد وهذه الحيوية، فعندما نتحدث عن هذا النمط من المسكن نحن نتحدث عن الإنسان، عن المكان، وعن الزمان، فعندما ينصب الإنسان خيمته يكون في نفس اللحظة في موقع في الفضاء ومعرض لخصائص بيئية محددة. ولكن عليه كذلك أن يعرف نفسه في هذه البيئة، والذي يعني أنه يجب عليه أن يعرف كيف يكون في مكان محدد؟ الخيمة الأولى هي بداية تشكل الذاكرة والحلم لدى الرجل والمرأة فلا غرو إذن أن نجد هذا التداخل بين الأسرة والخيمة والحنين لذلك العبق الذي يستحيل نسيانه. هذا التواصل العذب يجعلنا لا نبدي أي استغراب لفضاء البيت أو الخيمة الذي ينمي إحساس الأمومة الذي تحدث عنه «غاستون باشلار» Gaston Bachelard [1884 – 1962] في كتابه « جماليات المكان» فذلك الإحساس الفطري موجود بوجود الإنسان فكما أننا نلجأ للبيت لتغذية الإحساس بالأمن كذلك نلجأ للبيت لملء أنفسنا وقلوبنا بالعاطفة والدفء والاستقرار وممارسة النظام اليومي الذي يصنع فينا القدرة على التعامل مع الوقت ويوجد فينا الوعي بأهمية النظام. لقد قال ( باشلار ): « حين نحلم بالبيت الذي ولدنا فيه وبينما نحن في أعماق الاسترخاء القصوى ننخرط في ذلك الدفء الأصلي في تلك المادة لفردوسنا المادي.. سوف نعود إلى الملامح الأمومية للبيت »[20].

نحن نتحدث هنا عن تمازج غامض بين الإنسان والمكان، بين الذات والموضوع، بين الوضوح والغموض وبين الشخصي والعام، المسكن يشكل هذه الظاهرة الغامضة المتشابكة، حينما يكون الحديث عن تصميم الخيمة كفضاء سكني يتحول الحديث إلي خطاب عام أكثر منه خطاباً متخصصاً، فالكل يعني له هذا الفضاء شيء ما، ويختلط بذاكرته ويشكل بيئته المدركة المتحولة، على أن هذا الفضاء السكني لا يعني لكل منا الإطار الفيزيائي فقط بل إنه يمتد إلى أسلوب الحياة، إلي نظام العلاقات اليومية داخل الأسرة وخارجها، وتصميم هذا الفضاء يفترض منه أن يتعامل مع هذا النظام ويرضيه، في حديثنا عن فضاء الخيمة وتصميمه سنتحدث عن المرأة بصفتها انعكاس لفكرة السكن، فنحن نرى المسكن ظاهرة أنثوية أكثر منها ذكورية، لذلك فلا يمكن لأحدنا أن يتناول المسكن كفطرة أو حتى كواقع معاش دون أن يتحدث عن علاقته بالمرأة، هذا الكائن البشري الذي التصق بهذا التكوين الفيزيائي الاجتماعي النفسي. فأحد معاني المرأة هو السكن أو معنى كلمة (سكن) هو (المرأة التي يسكن إليها) مصداقا لقوله تعالى « ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة»[21]. هذه الآية تشير إلى ارتباط السكن والمسكن بالمرأة كما أنها حددت آلية واضحة يمكن اعتبارها ظاهرة اجتماعية وهي أن العلاقة الحميمة بين الإنسان والمكان تبدأ وتتطور في ظل السكن بوجوده الفيزيائي ووجوده الاجتماعي ممثلاً في الأسرة. ولو حاولنا تقصي معنى كلمة «مسكن سوف نجد أن هذه الكلمة لها حضورها المادي مصداقاِ لقوله تعالـى: « والله جعل لكم بيوتكم سكناً»[22] فإذا كانت الخيمة هي الصورة المادية فإنها تتحول إلى مسكن بوجود الإنسان وخصوصاً المرأة فتصبح في هذه الحالة من المحرمات التي تصنف من أعلى مراتب الخصوصية كما في قوله تعالى« ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتاً غير مسكونة»[23]. إذن هناك ثلاثة أبعاد تجعل المسكن أكثر حضوراً بالنسبة للمرأة فكونه وعاء فيزيائيا هو في هذه الحالة الحافظ للمرأة وخصوصيتها من أعين المتطفلين، وكونه استقراراً أو سكينة ذلك أنه يعني المرأة نفسها ملجأ الرجل أمه وأخته وزوجته وابنته، مدرسته الأولى التي تعلم فيها وشب على نهجها. أما البعد الأخير فهو نتاج للأول والثاني فالمسكن يحتوي المرأة وأي تغير في نوعية ودرجة هذا الاحتواء يعتبر مؤشراً لتغير دور المرأة في المجتمع. ففي المجتمعات الجمعية استخدم المسكن كوعاء لحفظ المرأة في المجتمع مما جعله شديد الخصوصية يتخذ موقعاً بعيداً عن الحياة العامة ويتوارى خلف ستائر وأحجبة مصمتة لا تنفذ إليها عيون المارة لذلك نجد أن  المقارنة بين وضع الرجل والمرأة في المجتمعات الجمعية تكشف لنا أن الرجل نشيط اجتماعياً ويميل إلى الخارج بينما المرأة سلبية اجتماعياً وتميل إلى الداخل مما جعل المسكن فيزيائياً وسطاً يحمي المرأة ويركز على الأسرة كمستخدم رئيسي ولكن هذا لا يعني أن الرجل لم يوجد الفضاءات الخاصة به، بل على العكس من ذلك فلقد اتخذ الرجل أجمل فضاءات المسكن ولكنه فصلها كلياً أو جزئياً عن بقية فضاءات العائلة. وإذا كان المجتمع الجمعي جعل المرأة ترتبط بالمسكن فإن المجتمع الفردي قلل من هذا الارتباط حيث أصبحت المرأة أكثر نشاطاً في المجتمع بينما قلت ارتباطات الرجل بالقبيلة والأسرة الممتدة، ارتباطات وثيقة تجعله دائم التعلق بالخارج في السابق، فلقد انفصل الرجل عن تلك الروابط مما جعله يتعلق بداخل المسكن أكثر بينما أدى خروج المرأة للتعليم والعمل إلى بروز نطاق اجتماعي نسائي جعل المرأة ترتبط بالخارج بشكل كبير. ولو حاولنا تتبع التحول الذي طرأ على هذا الفضاء السكني الخاص في مجال الدراسة خلال العقود القليلة الماضية فهل نستطع أن نقول أن المسكن انتقل من الوضع الجماعي إلى الوضع الفردي؟ إن الملفت للنظر هو استمرارية القيمة الرمزية للكرم وان اتجهت أكثر لإبراز المكانة الاجتماعية لصاحب المسكن عن طريق التركيز على المجالس، ولكن كيف تغير وضع المرأة وأين أصبح خط التماس الفاصل بين قسم الضيوف وقسم النساء في المسكن. قبل المضي في الحديث عن وضع خط التماس في المسكن البدوي المتحضر نود أن نوضح أن المرأة البدوية رغم التغيرات الكبيرة التي طرأت على وضعها إلا أن أغلب الآراء اتفقت على أنها مازالت الملكة في مسكنها ومازالت مرتبطة به أكثر من الرجل وذلك لأن المرأة البدوية لها وضعها الخاص فهي ملتزمة، مما يجعل المسكن هو النطاق الترفيهي الذي تروح فيه المرأة عن نفسها.

تماثل المرأة مع الخيمة:

إذا تناولنا اللغة المحلية المتداولة في مجتمع الدراسة في الزيبان وجنوب الأوراس، ببواديها وحواضرها تتضمن الكثير من التعابير التي تتناول الخيمة كثقافة أو كرمز، أو كمأوى للعائلة البدوية وللعائلة النووية المتحضرة على حد سواء. فاللفظ « خَيْمَةُ» لا يحدد فقط مسكن البدو أو المسكن التقليدي، ولكن أيضا وبالمجاز العائلة النووية تأويها الخيمة، إننا نقول « خَيْمَةُ فُلاَنْ» إشارة إلى زوجته ونسله. هكذا « رَجَلْ بْلاَ خَيْمَة »، هو رجل أعزب لم يتزوج بعد، أو أرمل وقد يكون مطلقا يقول أولاد نايل «فْلاَنْ بِيتَهْ – خيمته – طَايْحَةْ». إذن عندما نقـــــــــول « رَجَلْ بْدَارُو» أو « رَجَلْ بْخِيمْتُوْ» فنعني بذلك أنه متزوج، بأولاد أو بدونهم.

من بين الأفعال التي تعبر في اللغة المحلية في مجتمع الدراسة عن الفعل « تزوج » بمعنى «تخيم » نجد: « فْلاَنْ يَيَّا هَاخَّامَتْ» بمعنى « فُلاَنُ تَزَوَّجَ» أو « فْلاَنْ بْنَا دَارْ»، هذه التعابير كلها تشير ضمنيا إلى ما يشير إليه الفعل « تَخَيَّمَ » أو « إِسْتَخْيَمَ» بمعنى بنى خيمة. فالمجانسة بين المسكن من جهة والعائلة خاصة الزوجة من جهة أخرى  كما يرى «سيباستيان بولاي Sébastien Boulay» ، يكون المعنى الذي يستعمل به لفظ الخيمة اليوم أكثر من المعنى الأصلي له[24]. فإلى أي حد عند ذكر المأوى، بل العائلة، يجب أن نأخذ الحيطة والحذر في لغة التخاطب حتى لا نشير إلى الزوجة أو العائلة، لأنها تشكل ما نسميه بالحريم. إن تسمية الزوجة والعائلة بما يحيطهما ويتضمنهما أكثر تلاؤما من الإشارة المباشرة.

لدى الكثير من جماعات الطارق  وعلى رأسها « كيل إلمذن» و « كيل أهڤار» كما يرى «د. كازاجوز»D. Casajus « زوجة شخص ما » يقال لها « خيمته » بينما لدى « كيل فراون » المرأة لا تسمى بالخيمة إلا في الشعر والفكاهة والمزاح والمرح.[25]

هذه المقاربة تبين انتشار لفظ الخيمة وتمثله أو تماهيه مع المرأة الزوجة والأم، وتبين لنا ما فيه من إشادة بوظيفتها الإنجابية. والخيمة في نهاية الأمر في حياة البدو تتوحد بمرور الوقت مع فضاء الخيمة، وبداخله تؤلف فضاء الحياة المحدد. فالخيمة من الناحية المظهرية تبدأ ببداية زواج جديد ويتم تعديل بعض أجزائها أو الإضافة إليها كل سنتي أو ثلاث سنوات، وقد تتجاوز ذلك ويكون ذلك من مهمة الزوجة الجديدة التي تصبح هي سيدة هذا الفضاء الجزئي الجديد، فجمال هذا الفضاء من جمال « مُولاَتْ الْخَيْمَة». لذلك نجد أن الجمال، الإعتدال، حسن الضيافة والوفادة، الحشمة والحياء، الشجاعة والجرأة، الخصوبة كلها فضائل يستحسن أن تتوفر في الزوجة من منظور البدو، وهي الفضائل التي تنبني عليها كرامتها وشرفها وحرمتها. إن البدو يرون المرأة التي لا  تنسج ولا تعرف كل واجبات الخيمة ليست مؤهلة لبناء بيت الزوجية، أو كما يقال بالشاوية «هَخْضَا تَامَطُّوثْ اَمَّخَّامْ»وبالعامية «مَاهِيشْ لَمْرَا اتَّاعْ الدَّارْ»، فالدراية بكل مستلزمات النسيج يعتبر أحد المقاييس التي تحدد بها المرأة الصالحة والمناسبة للإستخيام وإدارة شؤون الخيمة.

المرأة المتزوجة عرف المجتمع البدوي لها حصانة عرفية تجعلها أكثر حرية من العزباء خاصة الفتاة التي بلغت سن الزواج، تستطيع أن تتنقل في فضاء المخيم بكل حرية لتبادل الزيارت والقيام بالأعمال الجماعية المشتركة بين جميع نساء المخيم والمسماة بـ (التويزة). فيوم سد النسيج أو خياطة الخيمة وأية أعمال أخرى لها اعتبار خاص في عادات وتقاليد البدو. وعند غياب الأم عن الخيمة يكون من واجب إحدى بناتها القيام بكل الأعمال التي تتطلبها الخيمة، لكن هذا الغياب يكون قصيرا نظرا لأن الزوج لا يمكن لها التواجد في الخيمة إلا بتواجد زوجته، ففضاء الخيمة فضاء أنثوي محض.

الخيمة والجسد المؤنث:

إن النظر إلى فضاء الخيمة كفضاء يحتوي الجسد المؤنث، هذا الجسد الذي أضفى على ذلك الفضاء كينونة خاصة ومتميزة، وفي نفس الوقت ذلك الفضاء زاد من امتدادات هذا الجسد الذي يجوب في أرجائه، فلما كان من بين إحدى قيم فضاء الخيمة ورموزها أنها رمز للحرمة والحياء والحشمة، رسمت له حدود ومعالم، تشكل هذه الحدود والمعالم الأبعاد الأساسية التي تشكل الفضاء الخاص لما هو خاص، داخل هذا الفضاء تتحدد مقاييس ومعايير بها يتم التعامل والتفاعل مع هذا الفضاء داخل دائر نقطة مركزها الزوجة الشريك الخاص، ونقاطها الأخرى تمثلها علاقات القرابة والمصاهرة، أما محيطها فتشكله العلاقات الإجتماعية الأخرى. بناء على هذا يتسنى الحكم على أن فضاء الخيمة فضاء يحتوى على فضاء آخر، والبحث عن دلالات الأول تستدعي الحديث أيضا عن دلالات الثاني، إنهما فضاءان متلازمان. هذا ما عبر عنه «ميرلوبونتي» Maurice Merleau-Ponty  [ 1908 – 1961] بقولـــــه: « ينتصب الجسد كشيء مدرك وككيان مدرك للأشياء.. يشكل نسقا ضمن أنساق أخرى تلوذ جميعها بالكون بحثا عن معنى وعن دلالة. فإذا كانت كل الأشياء لا تدرك إلا من خلال ارتباطها بهذا الكون اللامتناهي الامتداد، فإن كينونة الجسد تكمن أيضا في ارتباطه بكون ما وجسدنا لا يوجد في الفضاء، إنه الفضاء »[26]

يتشكل الجسد الأنثوي إذن، كدال متكامل ومكثف بذاته وقادر على توليد سلسلة لا متناهية من الدلالات، فداله الجمالي يتعدى إلى الفضاء والحيز الذي يشغله هذا الجسد، إن مقاييس الجمال كما تمنح تفاوتا بين امرأة وأخرى تمنح هذا التفاوت والاختلاف أيضا بين خيمة وأخرى، وكما يجري في فضاء الخيمة تصنيع التأنيث والتدخل في تكويناته يكون هذا العمل قد جعل من فضاء الخيمة فضاء مؤنثا من خلال شروط جمالية ثقافية معتمدة داخل هذا الفضاء. رشاقة الخيمة وجماليتها من رشاقة المرأة والعشق فيها، « يَابَنْتِي َأْنتِ مَثْلُ اْلْخَيْمَة: كُونِي ْروِيشْقَة تَبْقَايْ عْوِيشْقَة»[27] وإذا كانت ركيزة الخيمة مزدانة بنقوش فنية متناسقة، ومكسوة بحلة نسيجية تتناغم فيها الألوان تفننت المرأة في إبداعها، فإن المرأة هي ذاتها الركيزة والدعامة الأساسية التي لا ترفع الخيمة إلا بها، « المرأة هي عَرْسَةُ[28] الخيمة».[29]

إن فضاء الخيمة بخصوصيته الثقافية، وعبر مساره التاريخي يحمل جملة من الأضداد يتشابك فيه ما هو ثقافي بما هو طبيعي، إلى درجة عدم إمكانية تحديد نقطة انتهاء حالة الطبيعة، ونقطة بداية حالة الثقافة داخل هذا الفضاء. فمن جهة يجعل الميلاد الاجتماعي للخيمة الجديدة فضاء يتسم بالطهارة والخير والسعادة ، إنه الفضاء الذي يقوم المجتمع بتخصيبه لتنشأ عنه حياة جديدة، وبإنتاش بذرته تنمو نبتة الخير والسعادة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فضاء يحاط بالكثير من السرية، تتخذ إزاءه إجراءات الحيطة والحذر كما تبرز ذلك الثقافة الذكورية خاصة في المجتمعات المحلية أو البدوية. ألم يستمد ذلك مما يتصف به جسد المرأة من خصوصية بيولوجية وإمكانات طبيعية عبر تاريخ الحضارات الإنسانية والميثولوجيا القديمة والتصورات الدينية. فجسد المرأة يعتبر حقلا لأضداد بارزة، فهو مجال للقوة الميتافيزيقية، إنه سر الأمومة والخصوبة وحمل الحياة الجديدة وفي ذات الوقت يعتبر مجال الشر و مصدر السحر والضرر.

الحياة والموت فكرتان متضادتان تبرزان داخل فضاء الخيمة، وتتمركزان في ذات الوقت حول جسد المرأة. فانكشاف هذا الفضاء للعام هو انكشاف للعورة، إنه مجال السعادة والطمأنينة والسكينة كما أنه مصدر الحيرة والقلق الدائم، هكذا جسد المرأة (العورة) فهو مجال الشهوة ومصدر الفتنة، إنه رمز الدنس من جهة، ومن جهة أخرى رمز القداسة والطهارة والخير والزهد وعلاقة العطاء والخصوبة. إذن فعلاقة الآخر البعيد بفضاء الخيمة الخاص وبالحرمة كعلاقة الآخر بجسد المرأة وعورتها. تقول الباحثة «نجاة الرازي»: « والمرأة هذا الجسد الخصوبة رمز الخير والعطاء، تصوير يزيل عن المرأة مفاهيم التحقير والإهانة ويحيطها بالتقديس والإحترام لما يحيط بجسدها من أسرار ووظائف يعجز الرجل عن آدائها»[30].

الخيمة الجديدة التي تزداد بعقد قران بين زوجين تصبح مثل مكان العبادة لها قداستها وبركتها، ذلك ما ينشأ عن مدى درجة خصوبتها والعلاقات الحميمية التي تنمو في بيئتها وفضائها، فالخيمة السعيدة هي الرحم الذي يعيش فيه الزوجان ويتوالد فيه الأبناء، ويكون بذلك فضاؤها فضاء «مباركا» بركة الأرض التي نصبت عليها، وهذا ما يضفي عليه طابع القداسة، قداسة الأم التي يفضلها الإنسان عن أداء الطقوس التعبدية « مْرَا وَلاَّدَةْ خِيرْ مَنْ مْرَا عَبَّادَةْ»[31]. إن التقابل بين الولادة والعقم هو تقابل بين المرأة والأرض، فالمرأة العاقر امرأة ناقصة وغير كاملة، وليست ركيزة الخيمة والبيت[32]، فهي كالأرض القاحلة. أما المرأة الولودة تضفي على فضاء الخيمة السعادة وتزرع فيه الأمل، فهنا تكون بمثابة ركيزة الخيمة أو البيت « مْرَا ْبلاَ وْلاَدْ مَثْل اْلخَيْمَة بْلاَ وْتَادْ».[33]

هكذا نجد أن دراسة التصميم الخاص بالخيمة، وعلى وجه الخصوص الإصطلاح الخاص ببعض عناصرها التركيبية والتي أشرنا إليها في الفصل الثالث، فهذه تسمح باللجوء إلى استخراج المفردات المتكررة والمستمدة من جسد المرأة وتطلق على مختلف أجزاء الخيمة. ونبدأ من ( فَمْ اْلخَيْمَة) بالشاوية وبنفس المعنى (إِيمِي اْنتَخَّامَتْ) أو ( شْوَارَبْ الْخَيْمَة)، وبالمقابل نجد (ظْهَرْ) الخيمة التي تتمتع بجانبين تماما مثل حوض جسم المرأة أو الخاصرة، إنه (جَنْبُ اْلخَيْمَة) يقال له بالشاوية (إِذِيسْ امَخَّامْ)، وكما يحتاج الجسم للأرجل للوقوف فللخيمة أيضا قوائم لا تقوم إلا بها ( كْرَاعْ الْخَيْمَة).

إن التسميات المحلية لأجزاء الخيمة، والعلاقات الإجتماعية بين الزيبان والأوراس تلجأ إلى مفردات الجسم الإنساني، وهذا يشمل مختلف الجماعات البدوية، وقد أشار«سيباستيان بولاي»Sébastien Boulay إلى وجود نفس التسميات لدى المجتمع الموريطاني[34].

المراجع:

  1. محمد عابد الجابري : “المشروع النهضوي العربي“، مركز دراسات الوحدة العربية، سنة 1996 .
  2. برهان غليون:  “اغتيال العقل – محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية“، المركز الثقافي العربي، الطبعة 03،  سنة 2004.
  3. عبد الرحيم العطري: “عن الهوية الثقافية بالصحراء“، موقع المغر- بوابة المغرب، جريدة ثقافية رقمية، نشر المقال بتاريخ: 11/01/2007 على الموقع: http://www.marocsite.com/ar/modules/news/article.php?storyid=160
  4. محمد شفيق: “لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازغيين“، دار الكلام للنشر والتوزيع، الرباط- المغرب، سنة 1989.
  5. محمد الهادي الجويلي: “مجتمعات للذاكرة مجتمعات للنسيان“، سراس للنشر، تونس، سنة 1994.
  6. اليحياوي شهاب ، ” دور الفاعلين الإجتماعيين في توزيع الفضاء المديني والتغيّر الإجتماعي” ( الحفصية نموذجا ) : أطروحة دكتوراة في علم الإجتماع , عن كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية بتونس 9 أفريل 1938.
  7. باشلار غاستون: “جماليات المكان“، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر بيروت، ط2، 1984.
  8. الرازي نجاة: ” الجسد الأنثوي مقال (المرأة والعلاقة بالجسد)“، سلسلة بإشراف عائشة بلعربي.
    1. Jean MORIZOT : « L’Aurès ou le myte de la montagne rebelle », Éditions L’Harmattan, Paris199
    2. Maurice HALBWACHS, « LES CADRES SOCIAUX DE LA MÉMOIRE», 1925. Des  documents produit en version numérique par Mme Lorraine Audy, stagiaire, Et Jean-Marie Tremblay, Dans le cadre de la collection: “Les classiques des sciences sociales”, Site web: http://www.uqac.uquebec.ca /zone30/Classiques_ des_sciences _sociales /index.html. février 2001..

1.      ناصر الدين سعيدوني، ” دراسات وأبحاث في تاريخ الجزائر العهد العثماني“. سلسلة الدراسات الكبرى، المؤسسة الوطنية للكتاب.

11.  Sébastien Boulay: « La tente dans la société maure(Mauritanie), entre passé et présent », v 01, Thèse de doctorat, Année 2003.

12.  Dominique Casajus: « La tente tourée vers le couchant », L’homme 183, 2007.

13.  Morleau-ponty: « Phénoménologie de la perception », Ed. Gallimard, 1945.


[1] محمد عابد الجابري : “المشروع النهضوي العربي“، مركز دراسات الوحدة العربية، سنة 1996 ، ص177.

[2] برهان غليون:  “اغتيال العقل – محنة الثقافة العربية بين السلفية والتبعية“، المركز الثقافي العربي، الطبعة 03،  سنة 2004 ، ص.293.

[3] إن مصطلح الصحراء- Le désert، المأخوذ من القاموس المصري القديم، هو في الأصل “كلمة هيروغليفية مصرية تلفظ” تيزيرت”- Tesert ، ومعناها المكان المتخلى عنه.. أو المكان المهجور. من هنا استمد الفعل اللاتيني “ديزيرو”-Désero أو يهجر، وقد أتت من هذا الفعل كلمة ديزيرتوم  Desrtum، أي المكان المقفر. وكلمة ديزيرتوس-Desertus، أي المهجور، أو المتخلى عنه”.

[4] عبد الرحيم العطري: “عن الهوية الثقافية بالصحراء“، موقع المغر- بوابة المغرب، جريدة ثقافية رقمية، نشر المقال بتاريخ: 11/01/2007 على الموقع: http://www.marocsite.com/ar/modules/news/article.php?storyid=160

[5] الرواية نقلت عن أحد الإخباريين ( ش – ب) من الزاب الغربي وتحديد من أولاد جلال، نقلت عنه يوم: 03/12/2007، وتعتبر هذه الرواية واحدة من بين الكثير من الروايات التي تتمحور كلها حول شخصية “سيدي نايل” ومناقبه. وقد عثرنا على نفس الرواية مدونة في المتحف البلدي لبلدية الجلفة الموطن المركزي لأولاد نايل.

[6] أَزَّڤاغْ بمعنى الأحمر، وأَيَزْڤَّاغْ نسبة إلى اللون الأحمر، وهم أسرة من رفقة تنتمي إلى عرش بني بوسليمان بزلاطو (تكوت حاليا) وزلاطو الشمالي (إينوغيسن)، تسمى هذه الرفقة بـ: أولاد عبد الرزاق.

[7] نقلا عن الإخباري (ڤ-ع) من عرش بني بوسليمان، رفقة بني عبد الرزاڤ، بتاريخ28/08/2007.

[8] يتم تلوين الجزء الأبيض من (لفليج) بمادة حمراء تسمى(المقرة) بعد سحقها ومزجها بالزيت، وما أن تجف قليلا إلا ويتم حكها على الجزء الذي يراد تلوينه بالأحمر في (لفليج).

[9] أحد المبحوثين من عرش أولاد عمر، طلب عدم الكشف عن اسمه، أخذ عنه القول يوم: 14/04/2008.

[10]Jean MORIZOT : « L’Aurès ou le myte de la montagne rebelle », Éditions L’Harmattan, Paris1991, P88.

[11] ناصر الدين سعيدوني، ” دراسات وأبحاث في تاريخ الجزائر العهد العثماني“، ص 267.

[12] محمد شفيق: “لمحة عن ثلاثة وثلاثين قرنا من تاريخ الأمازغيين“، دار الكلام للنشر والتوزيع، الرباط- المغرب، سنة 1989، ص 101.

[13] المرجع نفسه، ص 103.

[14] أڤَـدَّالْ: المرعى المظور.

[15] محمد الهادي الجويلي: “مجتمعات للذاكرة مجتمعات للنسيان“، سراس للنشر، تونس، سنة 1994، ص 61.

[16] اليحياوي شهاب ، ” دور الفاعلين الإجتماعيين في توزيع الفضاء المديني والتغيّر الإجتماعي” ( الحفصية نموذجا ) : أطروحة دكتوراة في علم الإجتماع , عن كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية بتونس 9 أفريل 1938 م ، ص : 223ـ 234

[17] Maurice HALBWACHS, « LES CADRES SOCIAUX DE LA MÉMOIRE», 1925. Des  documents produit en version numérique par Mme Lorraine Audy, stagiaire, Et Jean-Marie Tremblay, Dans le cadre de la collection: “Les classiques des sciences sociales”, Site web: http://www.uqac.uquebec.ca /zone30/Classiques_ des_sciences _sociales /index.html. février 2001.p53.

[18] Ibid, p70.

[19]Ibid; p270.

[20] باشلار غاستون: “جماليات المكان“، ترجمة غالب هلسا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر بيروت، ط2، 1984، ص38.

[21] سورة الروم، الآية (21).

[22] سورة النحل، الآية (16).

[23] سورة النور، الآية (29).

[24] Sébastien Boulay: « La tente dans la société maure(Mauritanie), entre passé et présent », v 01, Thèse de doctorat, Année 2003, P 228.

[25] Dominique Casajus: « La tente tourée vers le couchant », L’homme 183, 2007, pp, 163 à 184.

[26] Morleau-ponty: « Phénoménologie de la perception », Ed. Gallimard, 1945, p173.

[27] الإخبارية داودي جمعة، بتاريخ 15/07/2007.

[28] العرسة – بسكون الراء وفتح السين -: هنا بمعنى الركيزة الأساسية في الخيمة، وقد يفهم منها معنى آخر وهو العرسة من العروس، بمعنى أن الخيمة الجديدة تتأسس دائما بإمضاء عقد زواج جديد.

[29] نفس الإخبارية.

[30] الرازي نجاة: ” الجسد الأنثوي مقال (المرأة والعلاقة بالجسد)“، سلسلة بإشراف عائشة بلعربي، ص48.

[31] الإخبارية شالة فطيمة، بتاريخ: 26/03/2008.

[32] في الزاب الغربي وتحديدا بمناطق جنوب مدينة بسكرة يستعمل لفظ البيت بدل لفظ الخيمة. كما يستعمل لفظ الصحراء بدل لفظ البادية.

[33] الإخباري مسعود بن لمسبل، بتاريخ: 15/04/2007.

[34] Sébastien Boulay : « La tente dans la société maure(Mauritanie), entre passé et présent », v 01, Thèse de doctorat, Année 2003, P 233.

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий