Много шаблонов для WordPress на wordpreso.ru
Вы просматриваете: Главная > آراء ومقالات > ذات القبعة الحمراء والخبرة الجنسية

ذات القبعة الحمراء والخبرة الجنسية

الخميس 3 أيلول (سبتمبر) 2009

بقلم: دارين أحمد

تمهيد:

في الأسطورة والحكاية يحضر التاريخ بوجهه الآخر، الوجه الذي لم يكتبه المنتصرون بوضوح ودقّة؛ يحضر بوجهه المعقّد وعبر لغة رمزية مشتركة بين البشرية ككلّ. فيهما لا يأخذ المرء معلومة جاهزة يحفظها في ذاكرته بل حالة كلّيّة تشاركه حياته، تعطيه موادَّ أوّلية لتأخذ منه أفكارًا ودهشة. والأسطورة والحكاية مثل الإنسان ناقصتان دائمًا ومفتوحتان على الإمكانات كلّها.

في هذا المقال أحاول البحث في حكاية “ذات القبّعة الحمراء” أو “ليلى والذئب” التي نعرفها جميعًا، في الغرب والشرق، وأحاول اقتراح تأويل جديد لها حرّضتني عليه قراءتي لتأويل “فروم” في كتاب الحكايات والأساطير والأحلام، إذ شعرت أثناء القراءة بوجود إمكانات أخرى أكثر اتّساعًا فيها خاصّة أنّها تمسّ موضوعًا محرّمًا في ثقافتنا؛ وهو الخبرة الجنسية لدى المرأة، كما أنّها تنقل بعضًا من روح العصور القديمة عندما كان يحتفل بالطمث كرمز لانتقال المرأة من مرحلة الطفولة إلى مرحلة البلوغ، على الضدّ من حالنا اليوم حيث يُربط الطمث بالنجاسة ويعدّ نقمة على المرأة لا جزءًا جوهريًا من طبيعتها.

رغم أنّ الجميع يعرف القصّة إلا أنّي رأيت نقلها هنا؛ فبالإضافة إلى متعة القراءة هناك التفاصيل التي يمكن أن تكون قد غابت عن أذهان بعض القراء.

الحكاية

كان في قديم الزمان فتاة صغيرة حلوة أحبّت كلّ إنسان نظر إليها مجرّد نظر، على أنّ أكثر من أحبّتهم كان جدّتها التي لم تعرف أيّ شيء كان عليها أن تهبه للطفلة. وذات مرّة أهدتها قبعة من المخمل الأحمر؛ وبما أنّ هذه القبّعة ناسبتها تمامًا وصارت تلبسها دائمًا سميت بـ”ذات القبّعة الحمراء”. وذات يوم قالت لها أمّها: تعالي يا ذات القبعة الحمراء، هذه قطعة من الكعك وزجاجة نبيذ، خذيهما إلى جدّتك فهي مريضة وواهنة القوى، وستنتعش بهما. انطلقي قبل أن يشتدّ الحرّ. وإذا خرجت فامشي بأدب ولا تحيدي عن الطريق وإلا سقطت وكسرت الزجاجة، ولن تحصل الجدّة على شيء. وإذا دخلت غرفتها فلا تنسي أن تحيّي تحية الصباح ولا تجوسي بعينيك في أرجاء الغرفة”.

قالت ذات القبعة الحمراء لأمّها: “سأقوم بكلّ شيء على أحسن وجه”. وصافحتها مؤكّدة وعدها. أمّا الجدّة فكانت تسكن في الغابة على مسافة نصف ساعة من القرية. وحين وصلت ذات القبّعة الحمراء إلى الغابة التقاها الذئب. لكنّ ذات القبّعة الحمراء لم تعرف أيّ صنف من أصناف الحيوانات الشرّيرة كان هذا الحيوان ولم تخف منه. قال الذئب: “صباح الخير يا ذات القبّعة الحمراء”. “شكرًا جزيلاً، يا ذئب”. “إلى أين في مثل هذه الساعة المبكّرة، يا ذات القبّعة الحمراء؟”. “إلى الجدّة”. “وماذا تحملين تحت المئزر؟”. “كعكة ونبيذًا، أمس عملنا كعكة؛ ولا بأس أن ترفّه جدّتي المريضة عن نفسها قليلاً وتقوّي نفسها بذلك”. “وأين تسكن جدّتك، يا ذات القبّعة الحمراء؟”. قالت ذات القبّعة الحمراء: “على بعد ربع ساعة من هنا، في الغابة، تحت شجرات البلّوط الثلاث، وتحت يوجد سياج الجوز، ولا شكّ أنّك تعرف هذا”.

قال الذئب في ذات نفسه: “هذه الطفلة الصغيرة الناعمة، إنّها لقمة سائغة وستكون أكثر مستساغًا من العجوز؛ وما عليك إلا أن تبدأ في دهاء ومكر لكي تفترسهما كلتيهما.” ومشى قليلاً إلى جانب ذات القبّعة الحمراء ثمّ قال: “يا ذات القبعة الحمراء، انظري إلى هذه الزهور الجميلة من حولك، ولماذا لا تجيلين النظر فيما حولك؟ أظنّ أنّك لا تسمعين أبدًا كيف تغنّي الطيور غناء لطيفًا؟ تسيرين وحدك وكأنّك سائرة إلى المدرسة؛ كلّ شيء في الغابة سارّ ومفرح.”

وفتحت ذات القبعة الحمراء عينيها. ولمّا رأت أشعّة الشمس وهي تتساقط بين الأشجار وكلّ شيء يحفل بالزهور الجميلة خطر ببالها: “ماذا لو أحضرت لجدّتي باقة زهور نضرة، فستفرح بها. والوقت مبكّر جدًا والنهار لا يزال في أوّله وسأصل في الوقت المناسب.”

وتركت الطريق وجرت إلى الغابة بحثًا عن الزهور. وكلّما قطفت زهرة ظنّت أنّ هناك زهورًا أجمل وجرت وراءها وتوغّلت في الغابة. أمّا الذئب فقد سار على فوره إلى بيت الجدّة ودقّ الباب.

“من في الخارج؟”. “ذات القبّعة الحمراء التي أحضرت لك الكعكة والنبيذ. افتحي”. صاحت الجدّة: “ما عليك إلا أن تضغطي على الأكرة فقط. فقواي واهنة ولا استطيع النهوض.” وضغط الذئب على الأكرة وانفتح الباب، وبدون أن ينطق بكلمة مشى مباشرة إلى سرير الجدّة وابتلعها. ثمّ لبس ثيابها ووضع قلنسوتها على رأسه وتمدّد في سريرها وأنزل الستائر. أمّا ذات القبعة الحمراء فقد راحت تبحث عن الزهور. ولمّا جمعت الكثير منها بحيث لم تستطع أن تحمل المزيد خطرت الجدّة ببالها مرّة أخرى. ومضت إليها. واستغربت جدًا وفكّرت “يا إلهي، كم ساورني الخوف في هذا اليوم، وكم يطيب لي أن أكون عند الجدّة.” وصاحت: “صباح الخير” لكنها لم تتلقّ جوابًا. وهنا توجّهت إلى السرير وأرجعت الستائر، وإذ الجدّة استلقت وأغرقت وجهها بالقلنسوة وبدت غريبة. “يا سلام يا جدّتي، كم عيناك كبيرتان”. “لكي أراك بهما على نحو أفضل”. “يا سلام يا جدّتي، كم يداك كبيرتان”. “لكي استطيع أن أمسك بك على نحو أفضل”. “ولكن يا جدّتي كم فمك كبير”. “لكي استطيع أن ألتهمك على نحو أفضل”. وما أن تفوه الذئب بهذا حتى قفز من السرير والتهم المسكينة ذات القبعة الحمراء.

ولمّا كان الذئب أشبع رغباته عاود الاستلقاء في الفراش ونام، وأخذ يشخر شخيرًا عاليًا. وفي تلك اللحظة مرّ الصياد بالبيت. وقال في نفسه: “يا لشخير المرأة العجوز. عليك أن ترى ما إذا كان بها سوء”. وعندئذ دخل الغرفة. ولمّا تقدّم من السرير رأى أنّ الذئب كان فيه. قال: “أهنا أجدك، أيها الآثم، لقد بحثت عنك طويلاً”.

وهنا أراد أن يصوّب بندقيته، فخطر بباله أنّ الذئب قد يكون افترس الجدّة وقد يسعه إنقاذها. فلم يطلق النار بل تناول مقصًا وراح يشقّ بطن الذئب النائم. وما إن فتح البطن قليلاً حتى رأى ذات القبعة الحمراء تتألق، ثمّ تابع الشقّ، عندها قفزت الفتاة وصاحت: “ياللخوف الذي خفته، كم كان المكان مظلمًا في بطن الذئب”. كما أنّ العجوز خرجت حيّة وأوشكت أن تختنق. على أنّ ذات القبعة الحمراء أسرعت وأحضرت حجارة كبيرة لتملأ بها بطن الذئب. ولمّا استيقظ الذئب أراد أن يقفز عاليًا؛ على أنّ الحجارة كانت ثقيلة جدًا بحيث أنّه تهالك على الأرض وسقط ميتًا.

وهنا ابتهج الثلاثة. وسلخ الصياد جلد الذئب وعاد به إلى البيت، وأكلت الجدة الكعكة وشربت النبيذ الذي كانت ذات القبعة الحمراء أحضرته وتماثلت للشفاء. أمّا ذات القبّعة الحمراء فقد قالت في ذات نفسها: “لن تغادري الطريق وحدك طوال حياتك وتخرجي إلى الغابة إذا ما منعتك أمّك عن ذلك”(1).

تحليل فروم

الحكاية، في تحليل فروم، ترمز إلى خطر الحياة الجنسية؛ فالقبّعة الحمراء رمز للحيض، وتحذيرات الأمّ للفتاة بأن لا تحيد عن الطريق وأن لا تكسر الزجاجة يرمز بوضوح إلى الجنس والبكارة. ثم تقابل الفتاة الذئب الذي يفتح عينيها على جمال الغابة والشمس والأزهار، فتبدأ باكتشاف الغابة معلّلة، بطريقة نفعية، خروجها عن الطريق بأنّ جدّتها لا شكّ ستحبّ الأزهار التي ستحضرها لها. ويقوم الذئب بتنفيذ خطته فيذهب إلى بيت الجدّة ويلتهمها آخذًا مكانها إلى أن تأتي ذات القبعة الحمراء ليلتهمها هي أيضًا. الجنس في الحكاية عمل وحشيّ يلتهم المرأة ويؤدّي إلى موتها، وحضور الرجل فيها يتمثّل في حيوان خطر ماكر وفي الصياد.

يأتي تحليل فروم للحكاية بعد تحليل لأسطورة أوديب مخالفٍ لتحليل فرويد الذي رأى في الأسطورة تعبيرًا عن غشيان المحارم، ففروم يرى فيها تعبيرًا عن تمرّد الابن على سلطة الأب في الأسرة البطريركية، وعن الصراع على السلطة في المجتمع البطريركي، وأيضًا عن الصراع على السلطة بين المجتمع الأمومي المندثر والمجتمع الأبويّ الجديد. وهذا الصراع الأخير الذي حُسم لصالح السلطة الأبوية هو ما حسم بدوره استمرارية الصراعين الأوّلين بسبب بنية السلطة الأبوية ذاتها التي لا تقوم بدون الاستبداد بالسلطة والتمرّد على هذا الاستبداد وإعادة تكراره.

إذًا تأتي حكاية ذات القبعة الحمراء، برأي فروم، كنقيض لأسطورة أوديب – وأيضًا لأسطورة التكوين البابلية الإينوما إيليش- التي تنتهي بخروج الرجل مظفّرًا؛ ففي ذات القبّعة الحمراء تنتهي القصّة بوضع حجارة، ترمز إلى العقم، في بطن الذئب، ممّا يؤدّي إلى موته، في سخرية واضحة من محاولة الذكر تمثل قدرة الخلق الطبيعية عند المرأة. ويرى فروم في نهاية القصة تحيّزًا واضحًا ضدّ الرجل وامتيازاته من قبل المجموعة النسائية التي تشكّل المكوّن الأساسيّ للحكاية. المشكلة في تحليل فروم المذكور في كتاب الحكايات والأساطير والأحلام هي في اختصاره وعدم الانتباه إلى التناقض بين قيم الحكاية التي تركز على عفّة المرأة وتقيّدها بـ”طريق المدرسة” – المدرسة الأبوية طبعًا – وبين النهاية التي رأى فيها فروم انتصارًا للمرأة على الضدّ من انتصار الرجل في أسطورتي التكوين البابلية وأوديب. كما أنّ هذا الاختصار قد قاد إلى رؤية وظيفة الصياد كـ “شخصية الأب التقليديّ الذي ليس لها وزن حقيقيّ”، وفي الواقع احترت في قصد فروم بـ”شخصية الأب التقليديّ” فهل المقصود بها شخصية الأب التقليديّ في المجتمعات الأمومية، أم في المجتمعات الأبوية؟ وفي الحالتين لا يمكن أن تكون شخصية الأب التقليديّ بدون وزن حقيقيّ خاصّة في حكاية أنثوية بهذا المقدار، وفي ظلّ غياب أيّ حضور ذكوريّ آخر كأب أو جد أو أخ، وخاصة أيضًا أنه قام بدور المنقذ الذي لولاه لماتت الجدّة والفتاة معًا. كما أنّ فروم يماثل بين الذئب والصياد باعتبارهما رمز الرجل في الحكاية، وباعتقادي أنّ رمزية الذئب هنا أشمل من أن يكون مغوٍ فقط، ومن أن يكون تعبيرًا عن الذكر وحده؛ فهو رمز لشهوانية الحياة الغريزية، وهو رمز أنثويّ أكثر من كونه ذكريًا – سنعرض لاحقًا حكاية محورها العلاقة الخاصة بين المرأة والذئب.

المغزى التربوي البطريركي

المغزى المدرسي البسيط المعمم اعتمادًا على الصياغة الأخيرة للحكاية، كحكاية تربوية موجّهة إلى الفتيات، هو أنّ على الفتاة التمسّك بالطريق القويم، وعدم الحياد عنه فيما يخصّ الحياة الجنسية تحديدًا. فالأمّ تؤكّد على الفتاة أن “تمشي بأدب” وإلا كسرت الزجاجة: عدم إقامة أيّ علاقة جنسية حفاظًا على بكارتها، وتؤكّد عليها أن تلقي تحية الصباح كفتاة مهذّبة وأن لا تجوس بعينها في أرجاء غرفة الجدّة؛ أي أن تخفض رأسها ولا تفكر في استكشاف أيّ شيء حتى غرفة جدتها. والفتاة ساذجة لا يمكنها تمييز الذئب من الجدّة، وهي ستعاقب لكونها خالفت أوامر أمّها في التزام الطريق وسمعت كلام الذئب الشرير. يأتي الصياد وينقذ الفتاة والجدة فتشعر البطلة بخطئها وتعد بأن لا تعصي كلام الأمّ مرّة ثانية وأن لا تحيد عن الطريق أبدًا.

تحليل مقترح للحكاية عبر شخصياتها

كما ذكر فروم، ترمز الحكاية إلى مرحلة انتقال الفتاة من طور الطفولة إلى طور النضج، وعلى هذا الأساس سنحاول تبيّن معالم القصة الأصلية ومواضع الإضافات التي أضيفت لها لاحقًا؛ إذ، كما نعلم، لم تنجو أيّة أسطورة أو حكاية من تحريفات فرضها التغيّر التاريخي الذي انتقلت فيه البشرية من المجتمعات الأمومية إلى المجتمعات البطريركية. وسيكون ذلك عبر تحليل الشخصيات الأساسية فيها:

الجدة: لا تخلو حكاية أو أسطورة من شخصية معمّرة ترمز إلى الحكمة والنضج والمعرفة الخ(2). والجدّة في “ذات القبّعة الحمراء” هي من بدأت الحكاية بأن أعطت حفيدتها، وبعد تفكير طويل، القبعة الحمراء التي ناسبتها جدًا حتى أنها لُقبت بها. وبهذا يمكن القول إنّ مساعدة الجدة تتمثّل في منح الفتاة لقبًا “اسمًا” يميّزها في العالم حولها، فهي لم تعد أيّة فتاة بل “ذات القبعة الحمراء”، وسنلاحظ أنّ الذئب يناديها بهذا اللقب رغم أنهما لم يلتقيا من قبل. وإعطاء هذا اللقب، الرامز إلى الحيض، من قبل الجدّة وليس من قبل الأم يمكن أن يرمز إلى أعطية أو هبة الطبيعة للمرأة: دورتها الشهرية، حيث هنا بدأت الفتاة بالتمايز حقًا عما يمكن تسميته “لاجنسية الطفل” بمعنى انتماءه إلى الحيز ما قبل الانتقال إلى التمايز الجنسي على المستوى النفسي. ومن هذا الحدث يبدأ واجب ذات القبعة الحمراء في بدء رحلتها الخاصة، هذه الرحلة التي تبدأ أوّل ما تبدأ بالجنس.

ولكن، بعد هذا الحضور الأساسي للجدّة في بداية الحكاية تختفي منها كدور فاعل اختفاء تامًا؛ فهي، في بقية الحكاية، مريضة واهنة القوى وغير قادرة على الحركة.

الأم: لا بدّ مرت الأم بتجربة ذات القبعة الحمراء إلا أنّها في الحكاية لا تبدي أيّ ملاحظة بهذا الشأن، ولا تخبر ليلى أيّ شيء عن وجود الذئب وخطره. لكنّ الأمّ هنا تعطي ابنتها مفتاحًا هامًّا يتمثل برمزية النبيذ الذي يجب أن تأخذه إلى الجدّة حتى تستعيد صحّتها. لقد رأينا أنه تمّ، حتى في تحليل فروم، تأويل النبيذ على أنه رمز المقصود به حماية غشاء البكارة، وأعتقد أنّ هذا التأويل تأويل متسرّع لا يناسب سياق الحكاية بقدر ما يناسب المغزى المدرسي السطحي المعروض سابقًا. لقد منحت الجدة “ذات القبعة الحمراء” لقبًا يناسب المرحلة التي تمرّ فيها إذ أعلنتها امرأة، وهي منحة تتعلّق بعلاقة الفتاة مع الخارج، مع العالم؛ في حين قامت الأم بإعطائها نبيذًا وهو شيء يشرب، يدخل إلى الجسد ذاته، بالإضافة إلى رمزية النبيذ كمشروب يُعتق ويزداد “تجوهرًا” مع مرور الزمن. ونلاحظ هنا أن منحتي الأم والجدة تتلاءمان مع فكرة أنّ كليهما تساعد الفتاة في عبور هذه المرحلة من حياتها بتقديم منح متناسبة مع الحدث الجنسي وأهميته.

الذئب: يرمز الذئب إجمالاً إلى الشهوة الغريزية الوحشية بمعنى اللاواعية، وبشكل خاصّ إلى شهوانية المرأة. وتذهب كلاريسا بنكولا في كتاب نساء يركض مع الذئاب: الاتصال بقوى المرأة الوحشية إلى حدّ اعتبار الذئب والمرأة يرتبطان بصلة قرابة، حيث تقول: “تشترك الذئبة القوية مع المرأة القوية بخصائص نفسية واحدة، حيث تتسمان بصدق المشاعر والروح المرحة والقدرة العالية على العطاء، فالمرأة والذئبة بطبيعتهما ترتبطان بعلاقة قرابة، كلتاهما فضوليتان تتمتّعان بقدر عظيم من الإخلاص والتفاني والإدراك الداخلي والمشاعر العميقة تجاه صغارهما وأليفيهما وعصبتيهما”.(3) وبما أننا في عالم الحكايا، ولتوضيح مفهوم “المرأة الوحشية” وعلاقتها بالذئب، سنمرّ على إحدى نسخ حكاية بعنوان “لالوبا: المرأة الذئبة” – منقولة من الكتاب المذكور:

(في مكان خفيّ يعرفه كلّ فرد، تعيش امرأة عجوز، بيد أنّ أحدًا لم يرها إلا فيما ندر. ويبدو أنها – كما في حكايات الجانّ في شرق أوروبا – تنتظر أن يأتي إلى مكانها المفقودون والتائهون والباحثون. وهي حذرة متوجسة، كثيفة الشعر ممتلئة، تتحاشى دائمًا الآخرين وتتجنّب الصحبة على وجه الخصوص. تكاكي كالدجاج، وتصيح كالديك، وتصدر عنها أصوات أقرب إلى أصوات الحيوانات منها إلى الأصوات الآدمية. ويقال إنها تعيش بين المنحدرات الجرانيتية الحادة في الأراضي الهندية تراهومارا. ويقولون إنها مدفونة بجوار العنقاء بالقرب من أحد الآبار. ويقال إنها شوهدت ترحل جهة الجنوب إلى “مونت البان” في سيارة محترقة تندفع من نافذتها الخلفية ألسنة اللهب. ويقال أيضًا إنها تقف على الطريق السريع بالقرب من “الباسو”. أو تركب قسرًا الشاحنات المتجهة إلى “مورليا” في المكسيك، أو أنها شوهدت تمشي إلى السوق بعد “أواكساكا”، تحمل أشكالاً غريبة من أعواد الحطب فوق ظهرها. ويطلق عليها عدة أسماء: المرأة العظمية La Huesera، والمرأة التي تلملم الأشياء La Trapera، والمرأة الذئبة La Loba.

والعمل الوحيد لـ “لالوبا” هو جمع العظام، فهي معروفة بأنها تجمع العظام وتحفظها، وخصوصًا العظام المعرّضة للضياع في هذا العالم. ويمتلئ كهفها بالعظام من كلّ نوع من مخلوقات الصحراء: الغزال، الحية ذات الجرس، الغراب، ولكن يقال إنّ تخصصها هو الذئاب.

وهي تزحف بين الجبال، تنقّب وتنخل وتتفحّص المجاري الجافّة للأنهار بحثًا عن عظام الذئاب، وعندما يتجمّع لديها الهيكل العظميّ الكامل، عندما تضع العظمة الأخيرة في موضعها، ويتمدّد أمامها الهيكل الأبيض الجميل للمخلوق الذي جمعت عظامه، تجلس أمام النيران وتفكّر في الأغنية التي سوف تغنّيها.

وحينما تعقد العزم وتشحن إرادتها، تنهض لتقف أمام الكائن، وتمدّ ذراعيها فوقه وتبدأ الغناء، حينئذ تبدأ ضلوع الذئبة وعظامها وأرجلها تكتسي باللحم وينبت لها الفراء. وتواصل لالوبا الغناء، ويتخلّق الكائن ويتشكّل أكثر وأكثر ويعلو الذيل قويًا مفتولاً بالشعر الأشعث.

وتستمر لالوبا في الغناء، وتبدأ المخلوقة الذئبة بالتنفّس. وما زالت لالوبا تغنّي من أعماقها حتى ترتجّ أركان الصحراء وتفتح الذئبة عينيها على غنائها وتقفز عاليًا وتركض بعيدًا صوب منحدر الوادي.

وفي أثناء ركضها، وبسبب السرعة التي تنطلق بها، أو من تأثير رذاذ الماء المتناثر من اندفاعها نحو النهر، أو من انعكاس أشعّة الشمس أو ضوء القمر الساقط عليها، فجأة تتحوّل الذئبة إلى امرأة تقهقه وتجري طليقة صوب الآفاق الممتدة.)

لقد سردت هذه الحكاية هنا لأنها تظهر الجانب الآخر للعلاقة بين الذئب والمرأة على الضدّ من العلاقة الخطرة المعروضة في حكاية ذات القبّعة الحمراء. وهذا الاختلاف أساسيّ، ليس من منطلق التحوير الذي طرأ على مفهوم الجنس مع بدء المجتمعات الذكورية بتحويله من فعل مقدّس إلى خطر قاتل، بل من منطلق اختلاف القاعدة الأساسية للحكاية؛ فحكاية ذات القبّعة الحمراء تتحدّث عن الخطوات الأولى في اكتشاف المرأة جسدها وتعرّفها عليه عبر الجنس، ولذلك فإنّ الخطر ماثل فيها في فشل هذا التعرّف وعدم قدرة المرأة على وعي طبيعتها ورغباتها الحقيقية(4).

ذات القبعة الحمراء: يحاول التفسير البطريركي للحكاية إظهار البطلة كفتاة ساذجة لا تعرف شيئًا، وهذا يلائم طبعًا غرض هذا التفسير وبنيته، فالذئب تمكّن من خداعها بسهولة شديدة عبر إقناعها بالتجوّل في الغابة، كما أنها لم تستطع التعرّف على الذئب في سرير الجدّة رغم عينيه ويديه الكبيرتين وفمه الواسع وصوته الأجشّ. لكن، كيف تمكّنت ذات القبّعة الحمراء من التجوّل والتوغّل بعيدًا في الغابة التي تدخلها للمرّة الأولى دون أن تضيع الطريق إلى منزل الجدّة؟ كيف لم تكسر هذه الفتاة الساذجة زجاجة النبيذ التي أوصتها أمها بأن تحافظ عليها رغم أنّها خالفت أوامر الأمّ في عدم الحياد عن الطريق؟ لا يمكننا رؤية البطلة في هذه الحكاية كفتاة ساذجة بل كفتاة تدخل التجربة بكل ثقة مزوّدة بلقبها: امرأة، وبخبرة الأمّ الداخلية: النبيذ. والحوار الذي يدور بينها وبين الذئب- الجدّة هو حوار رائع يرمز إلى قرب وصولها ذروة الخبرة الجنسية عبر التوحّد مع الذئب-الجدّة ذاتهما واستدماج هذه الخبرة فيما بعد بولادتها منها. فالحوار حوار حسّيّّّّ خالص يتركّز في السؤال عن العينين الكبيرتين، واليدين الكبيرتين، والفم الكبير، والأذنين الكبيرتين(5)، أي في السؤال عن الحواسّ بكثافتها الكلية والدهشة أمام هذه الكثافة.

الصياد: أعتقد أنّ الصياد أدخل لاحقًا على الحكاية، فالحكاية، كما في حكاية لالوبا: المرأة الذئبة، خاصة بالخبرة الروحية للمرأة في مرحلة من أهمّ مراحل حياتها، ولذلك فإننا لا نجد أيّ عنصر ذكوريّ فيها كأب أو جدّ أو أخ أو صديق، والذئب فيها كما بينّا سابقًا ليس رمزًا للرجل بل للشهوة وللمتع الحسية والخبرة المرتبطة بها. كما أنّ الصياد، وكما قال فروم، يظهر بشخصية الأب الحامي وليس بشخصية شاب وسيم يمكن أن ينهي القصة باكتشاف الحبّ مثلاً. هذا العنصر، الذي يبدو فعلاً بلا وزن كما قال فروم، مهمّ جدًا لرؤية التعديل الذي حوّل الحكاية من حكاية خبرة روحية جسدية أنثوية إلى قيمة تربوية معاكسة كان لابدّ، لكي تكتمل كنصّ مقنع وملائم للقيم الأخلاقية الجديدة، من أن تنتهي برجل حام ينقذ الفتاة والجدّة من براثن الشهوة ويعيدهما إلى الطريق القويم: طريق المدرسة الأخلاقية الصارمة.

نتيجة وختام

من المعروف أنّ إحاطة الجنس بالمحرّمات والقيود جاء مع الانتقال من المجتمعات الأمومية إلى المجتمعات الأبوية، فقبل ذلك الانتقال لم تكن الثمرة محرمة أصلاً بل كان الفعل الجنسيّ حدثا يُحتفى به بما يتسق مع موقعه من حياة الإنسان. وأهمّية حكايتنا هي في تناولها الخبرات الأولى لانتقال المرأة من عهد الطفولة إلى عهد البلوغ نفسيًا وجسديًا، وفي إظهارها مكانة وأهمّية أوّل حدث فيزيولوجيّ مميّز في حياة المرأة، وهو الطمث، في أزمنة سابقة لتحوّل هذا الحدث إلى عار ودنس.

والحكاية لا تركز على الجنس، سواء في قمعه أو تقديسه، بل على الخبرة الروحية والنفسية اللازمة لهذا الفعل الضروري الطبيعي التلقائيّ الذي لا بدّ أن يمرّ به كلّ إنسان، رجلاً كان أو امرأة؛ وهي حكاية غرضها التأكيد على ضرورة أن تزوّد الفتاة بخبرة كافية تمكّنها من دخول الغابة الساحرة دون أن تتوه فيها أو تفقد ذاتها.

وقبل الختام أودّ إضافة ملاحظتين:

1 – اسم ذات القبعة الحمراء ليلى، وهو اسم يرتبط باسم “ليليت” المرأة الهاربة من الجنّة والملعونة في ديانات الذكر. وليليت كما نعرف هي المرأة المتساوية مع الرجل والتي خلقت من تراب مثله ورفضت الصيغة الجديدة لربّ الجنود والحرب. وليليت أيضًا هي إلهة المهد التي تغنّي للأطفال أغنية النوم والتي تحولت لاحقًا إلى المغوية قاتلة الأطفال بمعنى الجامحة والمعادية لمنظومة الأسرة؛ وهذا ما يؤكّد انتماء حكاية ذات القبّعة الحمراء إلى ذلك العالم ما قبل نشوء الديانات الذكورية، ويعزّز تأويلها كتعبير عن خبرات المرأة الجنسية الأولى بدون أحكام قيمة أخلاقية.

2 – بما أنّ شخصية الصياد دخيلة على القصّة في هذا التحليل فإنّي سأدخل منطقة لعبية واقترح خاتمة تناسب تأويل الحكاية المعروض هنا وتتّفق منطقيًا مع مغزاها الذي لا أعتقد بوجود حكم قيمة أخلاقيّ فيه كما تعرضه النسخة الحالية: لنفترض أنّ الذئب بعد أن التهم الجدّة وليلى شعر بالعطش الشديد بسبب كمية الأكل الكبيرة فشرب زجاجة النبيذ التي كانت في سلّة ليلى، عندئذ بدأ بطنه يؤلمه ألمًا شديدًا لأنّ ليلى والجدّة كانتا تتحرّكان فيه على الدوام خاصة بعد أن شربتا من النبيذ الذي أرسلته الأمّ واستعادت الجدّة قوّتها. حينها لم يجد الذئب بدًا من فتح بطنه وإخراج المرأتين منه قبل أن يولّي هاربًا.

مثل هذه الخاتمة تعيد الاعتبار للأمّ التي لا تلعب في النسخة الحالية وتحليلها البطريركي إلا دور الشرطيّ الجاهل، ويعيد للحكاية اتّساقها عبر التكامل بين الأدوار الثلاثة للنساء في الحكاية؛ وأيضًا يتيح لنا أن نرى ليلى وقد نجحت في تجربتها عبر استيعاء ووعي غريزتها واستدماجها في خبرتها الحياتية بمعونة الأمّ والجدّة: الخبرة والطبيعة.

هوامش

1 الحكاية مأخوذة من كتاب حكايات الأخوين غريم، منقول من كتاب الحكايات والأساطير والأحلام، إريك فروم، ترجمة صلاح حاتم، دار الحوار، اللاذقية، ط 1، 1990.

2 نلاحظ بهذا الصدد أن الشخصية الأنثوية المعمرة غالبًا ما تظهر في حكايات تتحدث عن التطور الروحي للمرأة، وعادةً تكون الشخصية أكثر حميمة وقربًا من البطلة كأن تكون الجدة أو الأم مثلاً، في حين تظهر الشخصية المعمرة الذكورية كرجل حكيم يلتقيه البطل صدفة في وضع يكون فيه في حاجة شديدة إلى النصح بسبب مروره بظروف قاسية تكاد تنهي مغامرته.

3 نساء يركضن مع الذئاب: الاتصال بقوى المرأة الوحشية، كلاريسا بنكولا، ترجمة مصطفى محمود محمد، مراجعة أحمد مرسي، المجلس الأعلى للثقافة، ط 1، 2002.

4 يقود فشل هذا التعرف، الشائع جدًا في وقتنا الحالي حتى ليصبح كأنه القاعدة، إلى تحول المرأة إلى أداة، سواء في يد الربّ-الذكر أو في يد الرجل، عبر العفة أو تسليع الجسد، وعبر اعتبار الجسد المقياس الوحيد لحضورها في العالم.

5 في النسخة المذكورة هنا للحكاية تسأل البطلة فقط عن العينين والفم واليدين، أما في نسخ أخرى فتسأل أيضًا عن الأذنين الكبيرتين.

Tags:

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

Оставить комментарий